دخولتسجيل الدخول

سورة الإسراء 02 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وإياكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نبدأ إن شاء الله تعالى مدارسة هذه السورة الجليلة، سورة الإسراء. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]. نزلت هذه السورة على النبي عليه الصلاة والسلام بعد هذه الرحلة العظيمة المباركة، التي منّ الله سبحانه وتعالى بها على رسوله الأمين بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام.

ومعنا عدة وقفات مع هذه الآية من هذه السورة، أطنب الحافظ ابن كثير وذكر النصوص الكثيرة الواردة في إسراء النبي عليه الصلاة والسلام. والإسراء على المشهور عند العلماء أنه كان في السنة العاشرة من البعثة، وهذه الرحلة العجيبة العظيمة العالية الكبيرة وقعت للنبي عليه الصلاة والسلام بعد البلاءات الكثيرة التي قااساها بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام، وتوجت هذه البلاءات بموت القوة الحامية، وبموت من كان يفضي إليه عليه الصلاة والسلام.

فمات أبو طالب الذي كان يحمي النبي عليه الصلاة والسلام ويرد عنه بعض أذى قريش، وماتت خديجة بنت خويلد التي كانت موطن سر النبي عليه الصلاة والسلام، والتي كان يفضي إليها، وكانت تبدد عن النبي عليه الصلاة والسلام الأثر الذي يجده في نفسه من قومه لما كانوا يقابلونه بما يقابلونه به. الآن مات أبو طالب وماتت خديجة، فنالت قريش من النبي عليه السلام ما لم تكن تنال منه.

وكذلك لما ماتت خديجة، والمرأة لها أثر عظيم على الزوج في تبديد الهموم وتفريقة هذه الهموم، فالشخص لما يرجع إلى بيته ومنزله وتتقبله الزوجة الصالحة بما تتقبل به الزوجة زوجها تبدد عنه. فكانت خديجة إذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام كانت تقول: والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتذكر أوصافه الجليلة الكريمة العالية عليه الصلاة والسلام.

أول ما نزل عليه الوحي دخل على خديجة وقال: «زملوني زملوني». فزملته، ثم أخذته إلى ابن عمها، ولم تزل تدافع عنه وتدفع وتعينه في دعوته حتى ماتت رضي الله عنها وأرضاها، ولم يزل النبي عليه الصلاة والسلام يذكرها حتى آخر حياته، وكان يتعاهد صويحبات خديجة. حتى غارت عائشة يوماً من كثرة ما يذكر النبي عليه الصلاة والسلام من خديجة وقالت ما قالت، ثم قالت: قد أبدلك الله خيراً منها. فقال: «والله ما أبدلني الله خيراً منها، إنها كانت وكانت وكانت». ويكفيها أنها كانت من خير نساء الدنيا، من الكمل من النساء، وسلام الله سبحانه وتعالى عليها، وكذلك جبريل، وبشرها الله سبحانه وتعالى ببيت في الجنة من قصب، لا نصب فيه ولا وصب. كل هذا جزاء ما قامت به، فكان لخديجة أعظم الأثر وأبلغ الأثر في تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته وسيره في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى.

والنبي عليه الصلاة والسلام قاسى ما لم يقاسيه أحد، وابتلي بما لم يبتلى به أحد من الناس، فالبلاءات التي وقعت وحلت على النبي عليه الصلاة والسلام لا يقارن بها أي بلاء وقع على أي إنسان آخر، فالنبي عليه الصلاة والسلام ابتلي ببلاءات عظيمة. وأنا بودي أن الشخص يقرأ السيرة قراءة فقط النظر إلى البلاء؛ يعني كم بلاء ابتلي به النبي عليه الصلاة والسلام؟ وما هي أنواع هذه البلاءات؟ ستتعجب بأن النبي عليه الصلاة والسلام ابتلي بكل شيء، ابتلي بكل شيء عليه الصلاة والسلام.

والبلاءات مستمرة فلم تزل هذه البلاءات تستمر وتستمر ويقال عنه ما يقال حتى بلغت الدعوة إلى حد التوقف. وأراد الله سبحانه وتعالى أن يسلي عن نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يخرجه من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينقل النبي عليه الصلاة والسلام هذه النقلة الكبيرة والعالية حتى يقوى على الاستمرار في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

وهذه فائدة عظيمة منيفة مهمة، أي داعي يريد أن يستمر في دعوته لابد أن يكون تعلقه بعالم الغيب أقوى من عالم الشهادة وإلا لن يستمر قطعًا. يعني شخص يتعلق بعالم الشهادة أكثر من عالم الغيب لن يستطيع أن يستمر، لماذا؟ لأنه سيحصر في هذا العالم، فلن ينظر إلى ما يجري في الغيب إلى نظر الله سبحانه وتعالى إليه. وهذا الباب شرحه طويل، لكن فقط من أن نذكر؛ يعني شخص يستحضر أنه يذكر في الملأ الأعلى، هذا عالم الغيب.

أنت تعلم أن تذهب وأنت تنصح الناس وتذكر الناس وتصدق في هذه النصيحة، اصدق الله سبحانه وتعالى فيه فيصدقك الله سبحانه وتعالى، ثم هو قبل أو ما قبل؛ إذا كنت متعلق بعالم الشهادة لن تستمر، مرة مرتين ثم تتوقف. لكن إذا كنت متعلق بعالم الغيب أي أن الله سبحانه وتعالى الآن يباهي بك الملائكة، الله سبحانه وتعالى الآن يثني عليك، الله سبحانه وتعالى يحب منك هذا العمل؛ هنا ستستمر، لماذا؟ لأن العبرة ليست في الدنيا، إنما العبرة في ذلك العالم، ليس هذا العالم.

ثم كذلك أنت إذا فهمت بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر لدينه، الله سبحانه وتعالى هو الذي يصنع هذه الدعوة وإنما أنت سبب؛ هنا لن تتعلق بمن معك في هذا البرنامج، أو بمن معك في هذا المكان، أو بمن معك أبداً، إنما سيكون تعلقك في نظر الله سبحانه وتعالى، تعلقك في فعل الله سبحانه وتعالى وتدبير الله سبحانه وتعالى، وأخوف ما تخافه أنك أن تقصر في الدعوة، فتسعى جاهدًا لإتقان الذي تقوم به، حتى يدبر لك هناك. هكذا.

هنا النبي عليه الصلاة والسلام الآن هو في مكة، أبو جهل يقول لك كذا، أبو لهب يقول لك كذا وفلان، واستمر طعن، بل قتل أصحابه. قتل ياسر وقتلت سمية، وضرب فلان، وهجر بعض أصحابه، حتى الصديق الذي هو الصديق -حتى تعلمون عظم البلاء- أبو بكر ترك مكة وخرج منها، ولقي معه ابن الدغنة سيد قارة، وقال له كما قالت خديجة للنبي عليه الصلاة والسلام في وصفه، ثم رجع بعد ذلك الصديق. يعني البلاء وصل إلى درجة أن نفس الصديق يخرج من مكة، تصوروا إلى قوة البلاء وشدته على النبي عليه الصلاة والسلام، فالبلاء وصل إلى حال لم يعد الإنسان يستطيع، هنا بذل الداعي كل شيء.

جاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد ما وصل الداعي لهذه الدرجة، فتح الله لنبيه الكريم هذا الباب العظيم، باب الغيب عالم الغيب، وأراه بعض الآيات. قال الله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾؛ أراه بعض الآيات الكبرى في هذه الرحلة العجيبة. إذاً سياق الإسراء والمعراج كان في هذه المرحلة من الدعوة.

تريد أن تفهم معنى هذا الكلام؟ اقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تفصيلاً من قوله لما صعد على جبل الصفا: أرأيتم لو أخبرتكم بأن خيلاً تخرج عليكم من سفح هذا الجبل أكنتم مكذبين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ماذا وقع؟ اقرأ الآيات، انظر إلى البلاء الذي وقع عليه، وانظر إلى السيرة، واقرأ سورة الشعراء، اقرأ سورة الحجر، اقرأ هكذا. عش مع جزء عم، وانظر إلى الصراع الكبير وادخل فيه.

ثم بعد هذا كله اقرأ سورة الإسراء، وانظر إلى أي حد وصلت إليه الدعوة، وانظر إلى كيف الآن النبي عليه الصلاة والسلام فتح له هذا الباب الكبير الذي يجدد النفس من جديد ويعطي الشخص قوة. فكلما عاش الشخص مع عالم الغيب أوتي قوة في الدعوة إلى الله، واستطاع أن يستمر في هذا الطريق وأن يبلغ عن الله سبحانه وتعالى، وما يحصره الواقع؛ لأن الواقع يحصر الإنسان، والكلام النظري غير العملي. اذهب الآن وانصح هذا الشخص في السوق، أو انصح هذا الإنسان في وسائل التواصل، أو انصح هذا القريب ويرد عليك باستهزاء مثلاً أو يرد عليك بكبر وعدم رد، بينك وبين نفسك تقول: لن أنصح مرة ثانية. لماذا؟ لأنك حصرت.

لكن لو كان عالم الغيب أقوى عندك، لا، ممكن تخرج من هذا المكان والذي بجانبك تنصحه، لماذا؟ لأنك لست محصورًا، خلاص أنت الآن نجحت لما نصحته، لما أنكرت عليه، لما دعوتَه، وهكذا.

فهنا النبي عليه الصلاة والسلام ابتلي ببلاءات كبيرة، شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وهدد بالقتل، بلاءات كبيرة. حتى أبو طالب نفسه وصل إلى حال اهتز، وطلب من النبي عليه السلام أنه ما يكلفه ما لا يطيق. قال: يا ابن أخي لا تكلفني ما لا أطيق. فبكى واستعبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أبق عليّ وأبق على نفسك ولا تكلفني ما لا أطيق. فاستعبر النبي عليه السلام عليه الصلاة والسلام، فرق له أبو طالب ونصره واستمر بنصرته حتى مات. الآن مات أبو طالب، يرجع إلى البيت خديجة تبدد هذه الأحزان وتححسن التعامل معه.

ذهبت خديجة، ماذا نفعل؟ كيف الآن نستمر في هذا الطريق؟ لا شك أنه كله بالله سبحانه وتعالى، لكن كيف يكون التعلق بالله؟ هنا يفتح لك باب الغيب، هنا يفتح لك باب النظر إلى الملكوت، والنظر إلى الأنبياء، والنظر إلى ما نظر إليه عليه الصلاة والسلام من آيات الله الكبرى. في هذه الحال أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهنا شق قلبه مرة أخرى وملئ حكمة وإيمانًا، وهذا الشق غير الشق الأول في حادثة وفي بادية بني سعد.

هذا الشق الثاني، لما النبي عليه السلام كان نائماً بين النائم واليقظان، فأتاه رجلين فقال أحدهما: أهو هو؟ قال: هو هو. فأتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسل قلبه، وحشي هذا القلب حكمة وإيمانًا. شرح الله صدر النبي عليه الصلاة والسلام حتى يتحمل أعباء الدعوة؛ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، صدر واسع عليه الصلاة والسلام تحمل أعباء الدعوة به وبمن عليه الصلاة والسلام.

القصد أن في هذه الحال أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام، والإسراء أي السير بالليل، والمعراج أي الصعود إلى السماء. فأسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به من بيت المقدس إلى السماء. فأتاه جبريل بالبراق، فالبراق دابة تضع خطوها عند منتهى طرفها. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يركب هذه الدابة، وكان نائماً عليه السلام في بيت أم هانئ ابنة أبي طالب، ابنة عم النبي عليه الصلاة والسلام، أخت علي رضي الله عنه وأرضاه، وانطلق بعد ذلك إلى المسجد.

ثم انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس، ولم تزل -أو في ذلك الزمان- كان القدس في ملك النصارى، في ملك الرومان، إلى الآن ما أخذه أهل الإسلام. لكن هذه إشارة وعلامة بأن هذا المسجد هو لأهل الإسلام، والله سبحانه وتعالى آتى نبيه عليه الصلاة والسلام وجمع له بين مكة وبيت المقدس كما جمع هذا لأبيه إبراهيم عليه السلام. فكانت الأنبياء كما تعرفون في بيت المقدس، بعد إبراهيم عليه السلام كان الأنبياء هناك، وقيل الذي بنى بيت المقدس هو إبراهيم وقيل يعقوب وهذا هو المشهور يعقوب عليه السلام.

والقصد من ذلك أن الأنبياء منهم من هو من ذرية إسحاق، كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام ولكن كل الأنبياء من ذرية إسحاق إلا واحد من ذرية إسماعيل هو أعظمهم على الإطلاق، والله جمع لهذا النبي الكريم بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام بين الحجاز والشام، بين مكة وبيت المقدس، وأصبحت هذه الأمة هي الوارثة لجميع دعوات الأنبياء، هذه الأمة هي الوارثة لجميع ما قام به الأنبياء.

فالله سبحانه وتعالى أعطى نبيه الكريم بيت المقدس كما أعطاه بيته الحرام. ثم أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام بهذه الدابة دابة البراق، وأراد أن يركبها النبي عليه الصلاة والسلام فاستصعب ركوبها، فقال جبريل للبراق: أبي محمد تفعل؟! والله ما ركبك مخلوق خير أو أعظم عند الله سبحانه وتعالى منه -أو قال أكرم منه- فارفض عرقًا. فصعد النبي عليه الصلاة والسلام على البراق، وانتقل مع جبريل إلى بيت المقدس، وجمع الله سبحانه وتعالى له الأنبياء هناك، وصلى بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام إمامًا بالأنبياء جميعًا.

وهذه إشارة أنه الآن هو أعلى الأنبياء على الإطلاق، هو سيد الأنبياء بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام. وبهذا يقول شوقي: صلى وراءك منهم كل ذي خطر، ومن يفز بحبيب الله يأتممي، جبت السماوات أو ما فوقهن دجن. فصعد النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك إلى السماء. وهذه الإشارة مثل ما ذكرت أن القدس تكون لأهل الإسلام ولنبيه الإسلام عليه الصلاة والسلام.

وسمي هذا المسجد بالأقصى لأنه لم يكن هناك مسجد بعده، وبين هذين المسجدين العظيمين أربعون. والقصد من ذلك -وقيل طبعًا سنة وشهر، وكان أبو هريرة يقول: أبيت أبيت- فالقصد أن المسجد الأقصى سمي بالأقصى لأنه بعيد عن المسجد الحرام، ولم يكن هناك مسجد بعده. والله بارك في هذا المسجد وبارك في المكان الذي حوله، بوركت بلاد الشام، وأعظم بلاد الشام على الإطلاق بيت المقدس.

فانتقل بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام من هذا المسجد الطيب المبارك إلى السماوات، واستفتح جبريل السماء الدنيا، فقيل: من؟ فقيل: جبريل. قيل: ومن معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. فقيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ولم تكن الملائكة تعرف ماذا يقع في الأرض، إلا أن يعلمها الله سبحانه وتعالى ذلك.

لكن كانوا يعرفون اسم محمد عليه الصلاة والسلام. والتقى في السماء الأولى مع آدم عليه السلام. ونظر إليه وجالس وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل: من هذا؟ فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه. فسلم عليه النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. وقال له جبريل: هذه الأسودة التي عن يمينه نسم بنيه من أهل الجنة، والتي عن يساره نسم بنيه من أهل النار. فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.

ثم ارتقى بعد ذلك واستفتح جبريل وكان يستفتح كل سماء. فجاء في السماء الثانية ونظر إلى عيسى ويحيى أبناء الخالة، فسلم عليهما النبي عليه الصلاة والسلام فردا عليه: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. ثم ارتقى بعد ذلك إلى السماء الثالثة والتقى بيوسف عليه السلام، وقيل أعطي شطر الحسن.

وسلم عليه فرد عليه يوسف عليه السلام وقال له: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. ثم انتقل إلى السماء الرابعة والتقى بإدريس عليه السلام. فسلم عليه فرد عليه مثل ما رد بقية الأنبياء: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. ثم انتقل إلى السماء الخامسة، ولقي هارون عليه السلام، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح بعدما سلم عليه.

ثم انتقل بعد ذلك إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى بن عمران. فسلم عليه فرد عليه وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. ثم انتقل النبي عليه الصلاة والسلام وصعد فوق مرتبة موسى، فبكى موسى عليه السلام، فقال الله له: يا موسى. فيقول: يا ربي هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمته. وفي رواية أنه قال: أي ربي ما ظننت أن ترفع علي أحدًا.

لعلوم مرتبة موسى عليه السلام، حتى أن إبراهيم عليه السلام كما جاء في الصحيح، صحيح مسلم، لما قيل له: أنت خليل الله؟ فقال: إنما كنت خليلًا من وراء وراء، أي من وراء موسى الذي وراء محمد عليه الصلاة والسلام. هذا يدل على رفعة درجة موسى عليه السلام، وهو يلي إبراهيم عليه السلام مباشرة، فهو الثالث في الرتبة على الصحيح من أقوال العلماء.

ثم انتقل بعد ذلك إلى السماء السابعة، فإذا هو بالبيت المعمور، وإذا بشيخ كبير متكئ عليه. فنظر إليه وقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه. فسلم عليه عليه الصلاة والسلام، فقال له: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. ثم انتقل بعد ذلك وصعد وتوقف جبريل، ولم يستطع جبريل أن يرتقي.

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: رأيت جبريل ليلة أسري بي فإذا هو كالحلس البالي، كالثوب الخلق من شدة الخوف والرعب أنه اقترب من الله سبحانه وتعالى. ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى. فصعد النبي عليه الصلاة والسلام حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صرير الأقلام، وكلمه الله سبحانه وتعالى، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان أصلها خمسين صلاة.

فنزل بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك التقى بموسى، نزل إلى إبراهيم. ونصح إبراهيم عليه السلام وقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني سلام، وأخبرهم بأن للجنة قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هذه الباقيات الصالحات.

الآن التقاء النبي عليه الصلاة والسلام، التقاء الخليلين. تصور الآن لقاء بين الخليل الأول محمد عليه الصلاة والسلام والخليل الثاني إبراهيم عليه السلام، ما الحوار الذي سيكون بينهما؟ وقد أحسن الشيخ إبراهيم السكران لما تكلم هنا عن لقاء العظيمين، أن وصية إبراهيم عليه السلام هذه الوصية، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله أكبر الباقيات الصالحات التي يزهد فيها الناس.

ثم لما نزل إلى موسى عليه السلام، سأله موسى عليه السلام، وهذا من تمام نصح موسى عليه السلام، فقال: ماذا فرض عليك ربك؟ فقال: خمسين صلاة. فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق، وقد عالجت الناس قبلك عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق فارجع إلى ربك واسأله التخفيف.

فرجع النبي عليه الصلاة والسلام، وسأل الله سبحانه وتعالى التخفيف فخفف عنه. ولم يزل النبي عليه الصلاة والسلام ينزل إلى موسى، ويطلب منه ومن الله سبحانه وتعالى أن يخفف عنه، ويصعد إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا حتى خفف الله سبحانه وتعالى الصلوات الخمسين إلى خمس.

وانظروا الآن كيف أن الله لما أراد أن يفرض هذه العبادة العظيمة، رفع النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ولم ينزل جبريل. هذه كلها فيها دلالة عظيمة على عظمة هذه العبادة ولأهمية هذه العبادة، وعلى أن هذه العبادة هي المعيار الذي يعرف الإنسان مقامه من الله سبحانه وتعالى. هل أنت تقيم الصلاة؟ لست تصلي؟ لا تقيم الصلاة؟ يعني تخشع بالصلاة؟ تعيش مع الصلاة؟ أو أن الصلاة ليست كبيرة؟ هذا هو المعيار. تريد أن تعرف معيارك عند الله، منزلتك عند الله؟ انظر إلى صلاتك، انظر إلى صلاتك. هل لما تقول الله أكبر تعيش مع الصلاة، تعظمها، حريص عليها؟ هذه هي كاشفة.

والله فرض عليه هذه الصلوات الخمس الآن، قبل ذلك فرضت صلاة ركعتين ركعتين، لكن الآن فرضت الصلوات الخمس هذه الشعيرة العظيمة، هذا الركن الكبير من أركان الإسلام، هذه عبادة سماوية. وهذا كله في ماذا؟ في أي لحظة؟ في لحظة البلاء والشدة. هذا كله في دلالة على أن الصلاة عبادة عظيمة مثبتة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر صلى، وكان يقول: أرحنا بالصلاة يا بلال.

ولما ذكر الله وأمر الله نبيه بأن يستقيم على أمره ومن تاب معه ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار. ثم قال: وأقم الصلاة. تريد أن تثبت؟ تستقيم على أمر الله؟ أقم الصلاة. أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. هذه ذكرى للذاكرين.

ثم نزل بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، ونظر إلى عيسى عليه السلام، ونظر إلى صورة موسى عليه السلام. وأصبح عليه الصلاة والسلام وهو في مكة ولم يبرح فراشه عليه الصلاة والسلام، وكذلك خير بين الخمر وبين اللبن فاختار النبي عليه الصلاة والسلام اللبن وقال له جبريل: أصبت الفطرة.

ورأى آيات كبيرة عظيمة، حتى أنه في السماوات شم ريح طيبة فقال: ما هذه الريح يا جبريل؟ فقال له: هذه ريح ماشطة ابنة فرعون. انظروا كيف بلغت هذه المنزلة، هذه المرأة التي ربما لا قيمة لها كبيرة في المجتمع الذي كانت تعيش فيه، ماشطة بنت فرعون ماشطة، مع الأنبياء والملائكة، أي منزلة بلغتها هذه المرأة؟

وكذلك نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى أناس يخمشون وجوههم وصدورهم بأظافر من نحاس فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس. نظر إلى آيات عظيمة من آيات الله سبحانه وتعالى، ثم نزل بعد ذلك عليه الصلاة والسلام، أصبح وهو في بيت أم هانئ، فلما أصبح وأخبر أم هانئ بما رأى، ثم أراد الخروج فأخذت بردائه.

فنظرت إليها عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله، لا تحدث الناس فيكذبوك ويشتموك، لا تحدث الناس، لا تخبر الناس بما رأيت. فقال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: والله لأحدثهم. والله لأحدثهم. قل الحق وأقم الحجة عليه ولا تبالي كثيرًا بما يقوله الناس، لكن أقم الحجة، يعني قل الحق وأقم الحجة أن هذا هو الحق.

ثم الذي يستجيب يستجيب، والذي لا يستجيب لا يستجيب، هذا الأمر ليس لك، إنما هذا لله سبحانه وتعالى. القلوب ليست لك، إنما أنت مؤتمن على البلاغ، على البلاغ كما أراد الله، ولا تدخل عقلك في نفس الطريق، انتبه احذر، احذر أنك تطغى أو تركن. لا تدخل عقلك في نفس الطريق، الطريق الذي وضعه الله سبحانه وتعالى. أنت من طبعك ما تحب أنك تواجه الناس، ثم لأن طبعك هذا ما تتكلم بالحق، لا يجوز لك هذا الشيء وتتأول كثيرًا من هذه الحكمة، لا ليست الحكمة.

وشخص آخر من طبعه يحب استفزاز الناس يقول هذه الحكمة، أقول لك هذه ليست الحكمة، وليس هذا الجهر بالحق، إنما الجهر بالحق هو نفس ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بترتيب ما جاء به الوحي والدين. طبيعتك النفسية لا علاقة لنا بها، لابد أن تقيم الحق وفق طريق الحق، وهذا له تفصيل.

القسم من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: والله لأحدثهم. فالتقى معه أبو جهل فقال له: يا محمد. فرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له بأني أتيت من بيت المقدس، قال: وأصبحت بين أظهرنا؟ فقال: نعم. قال: الناس؟ قال: نعم. فجمع الناس وقال: هلم. فاجتمع الناس، وقال لهم أبو جهل إن محمد يزعم بأنه قد ذهب إلى بيت المقدس من الشام وأصبح وهو بين أظهرنا.

فرد النبي عليه الصلاة والسلام بأني نعم ذهبت إلى بيت المقدس وأصبحت وأنا بين أظهركم، وأقام الحجة والدليل وقال بأنه سيأتيكم فلان والجمل الفلاني، وذكر لهم القافلة التي هي قادمة إليهم. فذهب الكفار وقد ينشرون هذا الكلام، هم الآن من غير أن يعطيهم النبي عليه الصلاة والسلام أي شيء هم يكذبون النبي عليه الصلاة والسلام يكذبون عليه.

طيب كيف الآن؟ وهو يقول لهم هذا الشيء كيف سيقتنعون؟ يعني كيف سيقتنعون؟ طيب من قال لك أنهم لازم يقتنعون؟ يعني لماذا لا تريد أيها الداعي أن تفهم من هذا الدين؟ الله.. لا، عقلك لا تدخله، لا تدخله، خلاص طبق المراد، افهم اللي يريده الله ثم افعله، فقط هذا المراد منك.

العجيب أن هنا ليس فقط من الكفار ما قبلوا بذلك ولا اقتنعوا، إنما الأغرب والأعجب أن جماعة ممن كان يصبر على التعذيب، ويصبر على التكذيب، ويصبر على الإغراء، ترك الدين، ارتد والعياذ بالله. تصوروا! لماذا؟ فتنة علمية عقلية، ما استطاعوا. طيب لماذا تقع هذه الفتن؟ أقول لك هذا هو طريق الله، الله يريد من العبد التسليم، الله يريد منك أن تسلم. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. إن كان قالها فقد صدق أبو بكر.

هذا الذي يريده الله، الله لا يريد من العبد أن تبقى عنده هكذا شيء من حظ نفسه لا، أو لا لا يمكن أن يكون هذا. من قال لك لا يمكن؟ إذا كان نفس النبي يقوله عليه الصلاة والسلام! والعجيب أنت الآن تؤمن بأن هذا نبي، طيب لماذا.. لماذا تستنكر، ولماذا إلى اليوم الناس يختلفون بالإسراء والمعراج هل كان بالروح أو بالجسد؟ طيب، وإن كان بالروح أو بالجسد، أين هي المشكلة يعني؟ أين المشكلة؟ هذا غير خاضع لقوانين العقل الخاصة بالدنيا. تقول إذا الشريعة الإسلامية تأتي بالمحالات؟ أقول لك لا فرق بين المحارات والمعالات.

هذا أمر محير نعم، لكن مستحيل؟ لا. محير نعم، لكن ليش مستحيل؟ ليش مستحيل أن تأتي وتقول واحد زائد واحد زائد واحد يساوي واحد؟ هذا مستحيل. لكن محير كيف يكون؟ كيف؟ ما نعرف، لكن ممكن يكون. فارق كبير بين المستحيل والمحير. هنا أمر محير نعم، قدرتنا محير. لكن نحن لا نتكلم عن قدرة البشر، إنما نتكلم عن قدرة الله سبحانه وتعالى التي لا منتهى لها، التي لا منتهى لها. فأين هنا الاستحالة؟ أين هنا الاستحالة؟ وهذا عالم الغيب.

أنت الآن أليس يرى الناس أحيانا في المنام أكثر من شخص، وهذا يراه هنا وهذا يراه هنا وهذا يراه هنا، كيف يكون هذا الشيء؟ أنت الآن تنام وترى فلان، وهذا يرى نفس الشخص، هذا الإنسان نفسه يرى في المنام عند أكثر من واحد وهذا في صورة وهذا في صورة، كيف هذا الشيء؟ ما تستطيع، ما تستطيع أنك تفسر. مستحيل؟ لا، ليش مستحيل؟ هم رأوا هذا الشيء. محير نعم، محير. ولا يستطيع الإنسان أن يفسر كل شيء، لأن عقل الإنسان محدود وعقل الإنسان قاصر في هذا العالم عالم الشهادة. لكن عالم الغيب ما يستطيع العقل عليه، إنما مرجع فقط الوحي والإيمان بالقدرة الإلهية التي لا منتهى لها.

فهؤلاء الذين ارتدوا كيف ارتدوا؟ يعني أين المشكلة؟ هذا نعم هو بذاته الإنسان ما يستطيع. ولكن لما الله سبحانه وتعالى ييسر له هذا الأمر، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. أين المشكلة؟ ذلك الصديق لما قال: إن كان قالها فقد صدق. الصديق يريد أن يقول: أنا أؤمن بأن الإنسان ما يستطيع، لكن هذا ليس مثلنا، هذا الرجل عظيم، إنما أؤمن بأن قدرة الله سبحانه وتعالى، إن الله على كل شيء قدير. أنا أؤمن بما هو أبعد من ذلك، أنا أصدقه بأن خبر السماء يأتيه في غدوة أو روحة. يعني بيت المقدس هذا ترى كله ألف وخمسمائة كيلو، يعني ولا شيء. أين المشكلة؟

والعجيب أن الآن نحن في زماننا هذا أن شخص ممكن يذهب إلى القدس من مكة ويرجع في نفس الليلة. فالبشرية في ذلك الزمان تجعل الذي يؤمن بهذا مجنون، لماذا؟ العقل ما يحتمل. والبشرية في زماننا هذا الآن لو يأتي شخص اليوم ويقول لا يمكن لشخص أن يذهب إلى القدس ويرجع،

بليلة واحدة؟ مستحيل. من مكة إلى القدس، يعني ألف وخمسمائة كيلو، ويرجع في نفس الليلة؟ مستحيل. كيف مستحيل؟ من مكة إلى القدس بالطائرة ساعة ونصف، ساعتين، يعني بأربع ساعات يكون رجع. أين المستحيل؟

فالآن الذي يقول مستحيل هو نظر إلى الطائرات إلى آخره، يقول: والذي يقول غير مستحيل مجنون. يعني الآن البشرية كلها تتفق على أن الذي يقول والذي لا يقول مجنون. طيب، من العاقل إذن؟ الذي يؤمن بالله سبحانه وتعالى.

القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. إذا كان الآن الإنسان وصل إلى ما وصل إليه من العلم وصناعة هذه الطائرات يستطيع أن يفعل هذا الشيء، فكيف قدرة الله سبحانه وتعالى التي لا منتهى لها؟

لكن هذا كان اختباراً، هذا اختبار في زمانهم، اختبار لعقول الناس، هل يستجيبون؟ يعني هل هل هذا الإنسان يقول سمعنا وأطعنا؟ هل هذا الإنسان يقول آمنا ولا لا؟ كيف تتعامل مع أحكام الله؟

والشبهات ما تغزو قلب إنسان إلا إذا كان إيمانه ضعيفاً. لماذا؟ الشخص الآن يقول: لا، لا يمكن أن يكون هذا. طيب، لا يمكن؟ قال الله. لا، سمعنا وأطعنا، خلاص مباشرة. لماذا؟ لأن هذا قول الله، هو الحكيم، هو العليم. هذا كاشف لإيمانك، هل أنت تؤمن بأن الله قدير؟ تؤمن بأن الله حكيم؟ تؤمن بأن الله عليم؟ إذن الذي شرع هذه الشرائع هو الذي يعلم سبحانه.

لكن سبحان الله الإنسان غريب، ولذلك قاعدة في الرد على الشبهات: لما يناقش الإنسان إذا كان عنده شبهة إلى آخره، هناك طريقان اثنين. طريق أنك تفصل هذه الشبهة وتجعلها قريبة من العقل، يعني تبين أن هذه الشبهة لا تعارض العقل فتپربها، يعني تبحث عن العلل والمناطات وتقربها من عقل المتلقي. هذه الطريقة وهذه الطريقة لا بأس بها وصحيح.

لكن الطريقة الثانية الذي هو بالنسبة لي أقوى وأحلى وأحب إلى قلبي، هو الطريق أنك ترجعها إلى الإيمان: هل أنت مسلم ولا كافر؟ مسلم. طيب، كيف مسلم ما يسلم لأمر الله؟ عجيب، كيف مسلم؟ يعني هذه كلمة مسلم ما معناها؟ ويسلم تسليماً. أين هذا أمر الله؟ هذا حكم الله، وين المشكلة؟ كيف تكون مسلم؟ إذن هنا ليس مسلماً حقيقياً، يحتاج هذا الشخص إلى أن يقوي إيمانه.

أما إذا كان كافراً، نعم، نقول له النقاش هنا خطأ، لابد أن نرجع إلى الأصل. إذا كان هذا الشخص كافراً يقول: أنا لا أؤمن بأنه يكون كذا. طيب، خلاص، دعنا من هذا، نرجع: هل تؤمن بالقرآن الكريم؟ لا، لا يؤمن. طيب، الآن نقيم الحجة على أن القرآن كلام الله. إذا اقتنع بأن القرآن كلام الله، خلاص، كل ما يأتي بعد ذلك لابد أن يؤمن به، لأن هذا كلام الله سبحانه وتعالى، ومن أنت حتى تعارض القرآن الكريم بعقلك وأمر الله سبحانه وتعالى؟ هكذا. لكن المشكلة الناس يتناقشون كثيراً بالفروع وينسون الأصول، فما تستقيم عندهم الحجج.

وليس معنى هذا أن الشخص أحياناً ما يقيم الحجة في الأصل أو يبين، لا، لكن قصدي من ذلك أن هكذا يكون تسلسلاً صحيحاً بالنقاش والجدال وإقامة الحجة. الصديق هو بهذه الصورة، يقول: أنا أؤمن بأنه يأتي خبر من السماء، فكيف بذهاب إلى القدس وهو ما زال داخل هذه الكرة الأرضية؟ فالصديق متعجب، هذا هو التصديق، فسمي أبو بكر بالصديق.

والناس كانوا يتفاوتون وكانوا يتنافسون بالوصول إلى هذه المرتبة، أي التصديق والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالى. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر بأن البقرة تتكلم والذئب يتكلم فقال الناس: سبحان الله، تعجبوا، فقال: «إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم».

انظروا إلى إيمان الصديق والفاروق، بلغ بهم إلى درجة أنهم يسلمون ويؤمنون ويصدقون حتى لو لم يسمعوا النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا، لكن إذا أخبر به النبي قال: يصدقون مباشرة. أبو بكر يقول: إن كان قال فقد صدق، خلاص.

القصد من ذلك أن هذه الرحلة العظيمة العجيبة العالية بها كثير من فوائد، وهنا الله قال سبحانه، أتى بالتسبيح واختم هذه السورة بالتحميد والتكبير. هذه السورة سورة الذكر، سبحان تنزيه لله سبحانه وتعالى لما يقول الكفار والمشركون، وتعظيم لله سبحانه وتعالى القادر على أن يسري بنبيه عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس ثم يعرج به إلى السماوات ثم ينزل، تعظيم له سبحانه وتعالى. تسبيح يفيد التنزيه والتعظيم، تنزيه لله سبحانه وتعالى لما يقول الأفاكون، وتعظيم له سبحانه وتعالى: إن هذا بعض قدرته سبحانه وتعالى.

أن يخرج هذا المخلوق العظيم النبي الأمي عليه الصلاة والسلام من البشر من مكة إلى بيت المقدس ثم من القدس إلى السماوات. كيف يصل الشخص إلى السماوات؟ مستحيل. ثم يرتقي ويرتقي ويرتقي ثم ينزل بعد ذلك وما يبرد فراشه؟ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: 1]. ومصطلح التسبيح يذكر في مثل هذه المواطن، تنزيه لله سبحانه وتعالى وتعظيم لله سبحانه وتعالى. لذلك الشخص لما يسمع أو يرى شيئاً عجيباً مباشرة يقول: سبحان الله، تعظيم لله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ وصف النبي عليه الصلاة والسلام هنا بالعبودية، وهذه أشرف المقامات على الإطلاق؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: 19]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: 1]. وصف الله بالعبودية في أشرف المقامات، هنا قال عبده، هذه الإضافة إضافة تشريف.

قيل: الإسراء كان في وقت الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، المسجد الحرام مكة البيت المعظم البيت الحرام، إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، الأقصى البعيد الذي لا مسجد بعده في ذلك الزمان، الذي باركنا حوله هو مبارك وبورك في المكان الذي حوله وبوركت هذه البلاد كلها.

والبركة اسم عام، يشمل بركة الأرض ويشمل بركة العبادة فيها وبركة الأنبياء، وكذلك البركة التي ستحل في هذا المكان في آخر الزمان في المسيح الدجال يقتل في ذلك الزمان. ومبتدأ الأرض كان في مكة ومنتهاها في الشام، والإيمان يارس في آخر الزمان إلى المدينة، وكذلك الإيمان يقوى بالشام، ومعيار الأمة الشام، والإيمان حين تحل الفتن في بلاد الشام.

والحديث عن الشام طويل وأكثر العلماء من تصانيف في الحديث عن فضل هذه البقعة من الأرض. ولما يلتقي الفضل القدري مع التطبيق الشرعي من الشخص يكون فضلاً على فضل، ليس معنى هذا أن مجرد وجود شخص في هذا المكان أنه عاصم له، لا. لما أرسل أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي وكان سلمان في العراق وأبو الدرداء في الشام، وقال له: أنا أقدم إلى الأرض المقدسة، فقال: إن الأرض لا تقدس أحداً، إنما يقدس الإنسان عمله.

فالقصد من ذلك أن هذا المسجد مبارك والله سبحانه اختار هذه البقعة من الأرض وبعث فيها الأنبياء تلو الأنبياء، فأكثر وغير هؤلاء الأنبياء الذين بعثوا في تلك البلاد كان بعد إبراهيم عليه السلام، إبراهيم جمع الله له بين الحجاز والشام كما جمع بين الحجاز والشام لنبينا عليه الصلاة والسلام. كان خير الأنبياء على الإطلاق هو موسى عليه السلام وخير أنبياء بني إسرائيل، وكذلك عيسى عليه السلام، وسينزل عيسى في آخر الزمان في نفس هذه البلاد في دمشق ويقتل المسيح الدجال عند باب لد في فلسطين.

والله سبحانه وتعالى قضى وقدر بأن تكون هذه البلاد بلاد صراع وليست بلاد سلم، فالصراع في الشام أكثر من السلم فيها، والسبب في ذلك هو جمع الأمة. فالله قضى وقدر واختار هذا المكان حتى يجمع ولاء أهل الإسلام عليه، فلما تتفرق الولاءات وتقع المشكلات في هذه البلاد يجتمع الناس على الإسلام وعلى الولاء للإمام. وهذا من أجله كثرت النصوص وتكاثرت النصوص أو من هذا بعض الحكم في تكرار النصوص في فضل الشام وعظم هذا المكان.

وهذا كذلك فيه حث كبير لمن يسكن تلك البلاد على أن يكون عمله موافقاً لاختيار الله سبحانه وتعالى لهذا المكان. فالشخص لما يكون صاحب نسب شريف وليس معنى هذا النسب له منزلة، لا، ولكن الشخص لما يكون نسبه يرجع إلى شرفاء ثم هو يتشبه بهذا هنا ينتفع. فهذه فيها مزيد من إقامة الحجة، فالشخص لما يرجع مثلاً في نسبه إلى الصديق أو يرجع إلى الفاروق أو يرجع إلى كذا أو يكون من أهل البيت، فهذا يدعو هذا الإنسان إلى أن يتشبه، ولكن ليس معنى هذا النسب لوحده يكفي، لا، ما يكفي، لكن لما يجتمع هذا مع هذا يكون لا شك أنه خير.

فقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى أسرى بنبيه عليه الصلاة والسلام إلى هذا المسجد المبارك الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، فرأى الله سبحانه وتعالى آياته الكبيرة والكثيرة -وهنا من تبعيضية أي بعض الآيات- فرأى جبريل ورأى الأنبياء ورأى السماوات ورأى بيت المقدس ورأى كثيراً من الآيات، حتى وصل إلى درجة أنه سمع من الله سبحانه وتعالى.

وهل رآه؟ جمهور العلماء على أنه لم يره. لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أأنى أراه؟» وقال: «رأيت نوراً رأيته؟ رأيت نوراً». فقصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام هنا أري من هذه الآيات. هذه الرؤية لهذه الآيات جعلت النبي عليه الصلاة والسلام يعيش مع هذا العالم، يعيش مع هذا العالم واللقاء مع هؤلاء الصفوة من أنبياء الله سبحانه وتعالى، فلما رجع مباشرة قال: والله لأحدثهموه. هذه ثمرة من ثمرات العيش مع عالم الغيب.

من ثمرات العيش مع عالم الغيب تعطيك قوة نفسية، قوة في البيان والبلاغ والاستمرار في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله وختم هذه الآية باسمين جليلين عظيمين: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]. لماذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين؟ هذه الرحلة كانت بعد البلاء العظيم والطويل والمستمر للنبي عليه الصلاة والسلام، الله سبحانه وتعالى هنا يخبر نبيه الكريم بأنه سمع ورأى لكل ما قلت لقومك ولكل ما قال قومك لك. وهذه مثل العيش مع هذه الأسماء العظيمة تعطي الداعية قوة عجيبة في الاستمرار، لأن هو الآن يدعو ويستحضر نظر الله ويستحضر سمع الله سبحانه وتعالى فيصدق مع الله ويبلغ هذه الرسالة، ثم لما يرد عليه هؤلاء بما يردون عليه، الله سبحانه وتعالى هو السميع البصير. يعني لا تنسى اسم الله السميع والبصير في دعوتك.

وثمرة السميع والبصير هو الفتح في هذا الباب. يعني ثمرة عيشك مع اسم الله السميع ومع اسم الله البصير في دعوتك إلى الله سبحانه وتعالى هو أنك تعيش مع هذه الأسماء ويفتح عليك في هذا باب عالم الغيب وتتعلق به وتنظر إلى الملكوت. وهكذا تبدأ تعيش مع أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته، مع الجنة، مع النار، مع أنبياء الله سبحانه وتعالى، مع تحقيق المراد، ما تحصرك الدنيا ولا تجعل الدنيا الثقيلة هذه تسحبك إليها وتكون دائماً محصوراً مع فلان أو فلان أو فلان. هنا الله عوض نبيه عليه الصلاة والسلام عن خديجة وعن أبي طالب، عن أثر خديجة وأبي طالب، بالعيش مع عالم الغيب، انظروا.

فهنا يعظم الإنسان ويرتقي مقامه عند الله سبحانه وتعالى بالعيش. لذلك الشخص لما يأتي ويسأل: كيف أثبت؟ كيف أنا أحتاج؟ نعم صح، نحتاج نحن ضعفاء، لابد أن نسعى جاهدين لاكتساب الأصدقاء الصالحين وكذلك الزواج بمن يعيننا في طريق دعوتنا إلى الله سبحانه وتعالى. لكن مع هذا، أعظم من هذا كله ترى العيش مع عالم الغيب، أعظم من هذا كله الصلاة، أعظم من هذا كله دعاء الله سبحانه وتعالى والأنس بالله، أعظم من هذا كله، أما الباقي نعم هي أسباب لابد أن نبذلها، ولكن هذا هو الأصل، هذا هو الأصل.

إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه الكلمة وهذه المقدمة، ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم بإذن الله. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.