دخولتسجيل الدخول

سورة الإسراء 03 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فأحياكم الله إخواني جميعًا وإياكم، وأثبت على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نكمل مدارسة سورة الإسراء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لَبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 2-3].

بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الآية العظيمة، وهي إسراء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس، ثم بعد ذلك قال: وآتينا موسى الكتاب. وذكرنا بأن هذه السورة تتكلم عن عظمة القرآن الكريم، وكثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى بين كتاب موسى وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأعظم الكتب قبل القرآن الكريم نزولًا هو كتاب موسى عليه السلام. وأعظم أنبياء بني إسرائيل على الإطلاق هو موسى عليه السلام، وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام. وكثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى كذلك بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين موسى عليه السلام.

فالقرآن الكريم هو هذا الكتاب المعظم، وهو آية النبي عليه الصلاة والسلام، وأعظم آيات الأنبياء على الإطلاق، وأعظم الكتب السماوية على الإطلاق. وكذلك الكتاب الآخر هو كتاب موسى عليه السلام، فالله الآن يبين بأن موسى عليه السلام أوتي الكتاب، والذي آتاه هو الله سبحانه وتعالى، والآن اقرأوا معي هذه الآيات ونحن في مكة المكرمة. يتكلم الله سبحانه وتعالى عن هذه الآية العظيمة؛ انتقال النبي عليه الصلاة والسلام من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى السماء والتقائه مع الأنبياء، ثم بعد ذلك نزوله عليه الصلاة والسلام إلى الأرض ويصبح وهو في مكة.

وبعد ما يبين الله سبحانه وتعالى هذه الآية العظيمة الجليلة يقول: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلًا. ثم يقول بعد ذلك بضع آيات: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. إذاً، الله سبحانه وتعالى يختار من يشاء من عباده وينزل على من يشاء من عباده هذه الكتب، لماذا؟ للهداية. وجعلناه هدى لبني إسرائيل، وكذلك القرآن الكريم: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.

دعونا الآن ننظر مع هذه الأمة، الأمة الأولى المذكورة في هذه السورة، الله يقول: وآتينا موسى الكتاب، أعطينا موسى هذا الكتاب العظيم التوراة. وميزة هذا الكتاب العظيم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي كتبه بيده سبحانه وتعالى. وآتينا موسى الكتاب وجعلناه، أي هذا الكتاب العظيم، هدى لبني إسرائيل. لا يستطيع البشر أن يصلوا إلى الله سبحانه وتعالى إلا من خلال الله سبحانه وتعالى، فلذلك أنزل الله سبحانه وتعالى الكتب الموصلة إليه وبعث الرسل الذين يدللون عليه.

فهنا الله يبين حال موسى عليه السلام وحال هذا الكتاب مع بني إسرائيل، فمن الله على بني إسرائيل بأن بعث فيهم هذا النبي العظيم كليم الله موسى عليه السلام، وكذلك أنزل الله عليه هذا الكتاب الجليل العظيم التوراة. وآتينا موسى الكتاب وجعلناه، أي هذا الكتاب، هدى لبني إسرائيل، أي هذا الكتاب يوصل بني إسرائيل إلى الله سبحانه وتعالى، لذلك قال بعد ذلك: ألا تتخذوا من دوني وكيلًا، أي لئلا تتخذوا من دوني وكيلًا. لا تلتفتوا لغير الله سبحانه وتعالى، إنما اعتصموا بالله وتعلقوا به، فالله هو الحفيظ، الله هو الوكيل، الله سبحانه وتعالى هو الرقيب. ألا تتخذوا من دوني وكيلًا.

إذن، سبب إنزال هذا الكتاب هو بيان الطريقة الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى، وحتى لا يتخذ بنو إسرائيل إلهًا يعبدون من دون الله سبحانه وتعالى، وحتى لا يتوكلوا إلا على الله سبحانه وتعالى. ألا تتخذوا من دوني وكيلًا وهو على كل شيء وكيل. حسبنا الله ونعم الوكيل، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]. هنا الله يقول: ألا تتخذوا من دوني وكيلًا.

هذه الآية تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام في حال الإنسان يفقد الوكيل أو يبحث عن الوكيل، يبحث عن الحامي، يبحث عن الحافظ، يبحث عن المعتني به. هنا الله يبين بأن هذا الكتاب نزل على أولئك النفر حتى لا يتخذوا وكيلًا من دون الله، وأنتم أولى من بني إسرائيل؛ لأن نبيكم أعظم من نبيهم، وكتابكم أعظم من كتابهم. فلا تتخذوا من دون الله وكيلًا، انتبهوا أن تلتفت القلوب لغير الله، انتبهوا أن تتعلقوا بغيره، ليس لأنكم الآن ضعفاء تتعلقون بغير الله، بل تعلقوا به وحده ولا تنظروا إلى هذا العالم عالم الشهادة أنه كل شيء، بل هذا عالم لا قيمة له مقارنة بعالم الغيب، وقوة هؤلاء الكفار لا قيمة لها مقارنة بقوة الله سبحانه وتعالى، بل لا يستطيع هؤلاء أن يفعلوا شيئًا إلا بإذن الله سبحانه وتعالى.

وهذه خلاصة العبادة، التوكل على الله سبحانه وتعالى، لذلك إبراهيم عليه السلام بلغ هذه المرتبة العالية لما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. في حال العادة الإنسان يتعلق بغير الله، في حال العادة الإنسان يتعلق حتى بالملائكة، لما جاء جبريل عليه السلام لم يتعلق لا بجبريل ولا بغيره، إنما تعلق فقط بالله سبحانه وتعالى. هنا التوكل على الله والاعتماد عليه واستشعار واستحضار بأن هذا الكون ما يجري فيه إلا ما قدره هو سبحانه وتعالى وأنه هو الحامي هو الحافظ سبحانه وتعالى، يصل بالعبد إلى هذه المقامات العظيمة. فهذه الآية نزلت في هذا السياق التاريخي، ألا تتخذوا من دوني وكيلًا.

ثم الله سبحانه وتعالى يهيج الناس ويذكر الناس بمنة الله العظيمة عليهم. قال: ذرية من حملنا مع نوح، يعني يا ذرية من حملنا مع نوح. بعض المفسرين يقول هنا الخطاب لبني إسرائيل، ومنهم من يقول مثل ابن جرير بأن الخطاب عام لجميع ذرية نوح. فنوح عليه السلام أنجاه الله سبحانه وتعالى كما تعرفون من قومه، والذي بقي فقط ذرية نوح عليه السلام، وجعلنا ذريته هم الباقين.

إذاً، الآن ننتقل إلى مشهد تاريخي آخر، كذلك مشهد من مشاهد الغيب بالنسبة لنا وبالنسبة لمن نزل عليهم القرآن الكريم. نرجع إلى زمان نوح عليه السلام، هذا الزمان البعيد، كان في زمان نوح قوم من الكفار متسلطين لهم الحكم والسلطان في الظاهر، وفي المقابل نوح عليه السلام ومعه قلة قليلة. بذل نوح كل الذي يستطيع، كما بذلتم أنتم كل الذي تستطيعونه حتى وصلتم إلى درجة مات أبو طالب وتوقفت الدعوة فيها داخل مكة، هذا وقع كذلك مع أبيكم نوح عليه السلام.

فنوح عليه السلام انتقل بعد ذلك إلى أن يبني سفينة، والكفار بدأوا يعلون عليه، وصل بهم الحال أن يقولوا له مستهزئين: كنت نبيًا وأصبحت نجّارًا. هذا هو بالضبط الذي يقع معكم الآن، هذا هو بالضبط الذي يقع معكم الآن. بعد ذلك جاء شيء قدري عظيم كبير وهو الطوفان، بنى السفينة، نزل ونزل الماء من السماء وتفجرت هذه الأرض بالماء، فأغرق الله سبحانه وتعالى هؤلاء الكفار، وبقي نوح عليه السلام ومن آمن معه والذرية التي بقيت فقط ذرية نوح عليه السلام.

إذاً، الله يذكر هؤلاء بأبيهم نوح عليه السلام، تذكروا نعمة الله عليكم بإنجاء أبيكم نوح، وانظروا كيف حلت العقوبة على الكفار، وفي هذا تذكير بالآباء الصالحين. يعني أنت ابن آدم، آدم صالح، أنت ابن نوح، نوح صالح؛ لماذا تند عن الأب الصالح؟ لماذا تند عن الطريق؟ لماذا تبتعد؟ لماذا ما تسير على طريق الأنبياء، على طريق آبائك وأجدادك؟ الكفر عارض ليس هو الأصل، إنما الأصل التوحيد. إذاً، هنا تهييج وتذكير بهذه النعمة، وكذلك تحذير وتخويف بأن يقع بكم مثل ما وقع مع من عادى نوح عليه السلام ومن كفر برسالة نوح عليه السلام.

ذرية من حملنا مع نوح، ثم الآن إبراز لوصف نوح عليه السلام الذي ينبغي أن تكونوا عليه: إنه كان عبدًا شكورًا. عبدًا، كما قال الله سبحانه وتعالى هنا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: 1]. إنه كان عبدًا، عبد الله سبحانه وتعالى هنا عبودية الاختيار؛ أي ليست عبودية الاضطرار والإجبار والإكراه كما هي عبودية الجميع، إنما عبودية اختيار. هو عبد الله سبحانه وتعالى، لا يعبد غيره ولا يلتفت قلبه لغير الله سبحانه وتعالى.

ووصف هذا العبد بأنه شكور، وهذا الأمر عجيب، لم يصفه بأنه صبور، إنما وصفه بأنه شكور في هذه السورة. مع أن نوحًا عليه السلام من أولي العزم من الرسل، أولو العزم من الرسل على المشهور عند العلماء بأنهم خمسة: محمد عليه الصلاة والسلام، وإبراهيم عليه السلام، وموسى عليه السلام، وعيسى عليه السلام، ونوح عليه السلام. وهؤلاء الخمسة هم أعظم الناس عزمًا من ذرية آدم، وأقوى الناس عزمًا هم هؤلاء الخمسة من ذرية آدم عليه السلام. ونوح عليه السلام هو أطول الأنبياء دعوة، مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ومع ذلك هنا وصف بأنه عبد شكور.

عبد شكور، لماذا؟ لأن نوح عليه السلام كان يستشعر العبادة، يعني هو يستشعر منة الله عليه بأنه عبد له. فلما يأكل يقول: الحمد لله، ولما يشرب يقول: الحمد لله، ولما يلبس الثياب يقول: الحمد لله، ولما يقضي حاجته يقول: الحمد لله الذي أذهب عني هذا الأذى وأبقى لي نفع هذا الطعام. ولما يلبس الثياب يقول: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب، ولو لم يكسني الله سبحانه وتعالى بدت عورتي. وهكذا، فنوح عليه السلام كان عبدًا مستشعرًا نعمة الله عليه، فكان يحمد الله سبحانه وتعالى. وفارق كبير بين العبد الذي يحمد الله باللسان وبين العبد الذي يحمد الله سبحانه وتعالى بالقلب واللسان والجوارح.

نوح عليه السلام كان يحمد الله سبحانه وتعالى بقلبه ولسانه وجوارحه، فكان يقول: الحمد لله. هذه الحمد لله التي تملأ الميزان معها استشعار. نوح عليه السلام كان مستشعرًا، لذلك هو لما يقضي حاجته يستشعر، كما يذكر ابن جرير، من الحمد لله الذي أخرج عني هذا الأذى. هذا قليل من الناس من يستشعر، وهذه هي ذروة العبادة، هذه ذروة ومرتبة الشكر هي خلاصة العبادة، خلاصة العبادة أن يصل العبد إلى أن يكون شكورًا. الصبر عبادة عظيمة، والرضا أعلى من الصبر، والشكر أعلى من الرضا، هذه مرتبة المقربين، مرتبة المقربين.

فنوح عليه السلام كان عبدًا شكورًا. وتأتي هذه الآية وهذا الوصف في سياق تسلط الكفار، بل في سياق ارتداد بعض من آمن. تصوروا أن الآن بعض من كان معنا بالصف يرتد، والله سبحانه وتعالى يصف نوحًا بأنه عبد شكور. أي استشعروا نعمة الله العظيمة عليكم، ليس فقط المراد منكم الصبر، لا، كذلك بعد استحضار نعمة الله. لو شاء الله سبحانه وتعالى لكنتم مثل هؤلاء الكفار، استشعروا، استشعروا أنتم يا من مع النبي عليه الصلاة والسلام، أنتم يا بني إسرائيل استشعروا منة الله، استشعروا نعمة الله. استشعروا عطية الله سبحانه وتعالى لكم.

نوح عليه السلام كان عبدًا مستشعرًا، فكان يقول الحمد لله لما يأكل ويستشعر منة الله عليه. ومرة من المرات كان بشر الحافي ينظر إلى طعام، فقال له بعض أصحابه: هل أنت مشتهٍ طعامًا؟ تريد؟ قال: لا، ولكني تفكرت بنعمة الله سبحانه وتعالى على العباد وهم يعصونه، فكيف بمن يطيعه؟ إذا كان الله يطعم من يعصيه فكيف من يطيعه؟

فالقسم بذلك أن هذه نعمة الاستشعار عظيمة جداً، أن العبد يشكر الله سبحانه وتعالى ويستحضر أنه عبد له سبحانه وتعالى، فيشكر الله على كل شيء، يشكر الله على الأكل، يشكر الله على الشرب، يشكر الله سبحانه وتعالى على اللباس ويعيش مع هذه النعم. يعيش مع هذه النعم شاكرًا لله سبحانه وتعالى بقلبه ولسان وبجوارحه، فهنا نوح عليه السلام يوصف بأنه عبد شكور.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]. الآن انتقال الحديث عن بني إسرائيل، والله يبين هنا ويخبر بأنه كتب وقضى وقدر وأعلم بني إسرائيل في الكتاب بأنهم سيفسدون في الأرض مرتين، سيقع منهم الفساد مرتين. وعامة المفسرين بل يطبق المفسرين على أن هاتين المرحلتين مضتا وانقضتا، يعني هاتين المرتين وقعتا من بني إسرائيل في سالف الأزمان، ثم يختلفون بعد ذلك متى وقعت؟ متى وقعت؟ لكن جمهور المفسرين وعامة المفسرين ويطبق أهل التفسير على أن هذا وقع ومضى وانقضى من بني إسرائيل.

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 5]. هنا الله يبين بأن بني إسرائيل سيقع منهم الإفساد مرتين في الأرض، وكلا المرتين في بلاد الشام. ومنهم من يقول في مصر، لكن جماهير المفسرين يقولون بأن هذا كله وقع في بلاد الشام. وبنو إسرائيل بالأصل كانوا في بلاد الشام، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى مصر في زمان يوسف عليه السلام، ثم بعد ذلك خرجوا إلى مصر مع موسى عليه السلام كما تعرفون. فالقصد من ذلك أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين.

لماذا يفسدون؟ لاعتياد النعمة، يعمل فيهم طول الأمد، فيفسدون في الأرض ويعلون ويطغون ويتكبرون. فلما يصل بهم الحال إلى هذه المرتبة: ولتعلون علُوًّا كبيرًا، فلما يصلوا إلى هذه الحال يبعث الله عليهم عبادًا حتى يدمروا بني إسرائيل. وهنا في هذه الآية إبراز لسنة كونية أن الله لا يملي للظالم، يملي له، يتركه حتى يصل إلى درجة معينة ثم بعد ذلك تحل عليه العقوبة، حتى إذا أخذه لم يفلته. فالإنسان يفسد مع طول الأمد، الإنسان مع.

طول الأمد يفسد. ولما يفسد المجتمع لا حل له إلا بتدمير، هذه هي السنة. المجتمعات تبدأ صالحة، ثم إذا لم يوجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يبدأ هذا المجتمع يفسد تدريجياً. لماذا؟ يعتادون على النعم ولا يشكرون الله سبحانه وتعالى عليها، فيبدأ الإنسان يطغى حتى يصل به الطغيان إلى درجة عالية جداً. إذا وصل إلى هذه المرتبة تأتي العقوبة. لكن إذا وجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويذكر الناس بنعمة الله سبحانه وتعالى هنا المجتمع ما يصل إلى هذه الحال.

لكن إذا قل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يبدأ الإنسان يطغى. كلا إن الإنسان ليطغى متى؟ أن رآه استغنى. لكن انظر إلى حال الإنسان لما يكون في فقر وجوع ثم بعد ذلك لما ينتصر كيف تدريجياً يبدأ يطغى. وانظر كيف النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل إلى بيت الله المعظم فاتحاً منتصراً دخل وهو مطأطئ رأسه عليه السلام. لماذا عليه الصلاة والسلام؟ انكسار لله، لأنه هنا الفرح الذي ما يكون معه شكر وليس معه انكسار هنا يطغي الإنسان.

فيستمر هذا الإنسان بهذا الطغيان حتى يوصل الطغيان إلى أنه يظلم ولو أنه يبطش ولو أنه يتكبر، والكون ما يستقيم مع هذا. لذلك ابن تيمية يقول إن الله يبقي الدولة العادلة وإن كانت ظالمة وإن كانت كافرة، ولا تستمر الدولة المسلمة إن كانت ظالمة. هنا السنة متعلقة بالعدل والظلم وليس بالإيمان والكفر، فالدولة العادلة تبقى والدولة الظالمة ما تبقى، حتى لو كانت العادلة كافرة والظالمة مسلمة ما تبقى. هنا السنة متعلقة بماذا؟ بالعدل والظلم.

هؤلاء ظلموا بنو إسرائيل طغوا وعلوا علوا كبيرا. إذا وصلوا إلى هذه الحال، الآن تأتي ماذا؟ تأتي العقوبة. هذا الذي وقع من أهل مكة الآن في مكة، هؤلاء طغوا وعلوا علوا كبيرا، طغوا على الصحابة، طغوا قبل ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام وتكبروا ووصلوا إلى حال عالية بالطعن والقتل واستحلال الدماء إلى آخره. قتلوا ياسر وقتلوا سمية والبلاء مستمر، فعلوا علوا كبيرا، طغوا طغيانا عظيما.

حتى إن الوليد بن المغيرة لقب أبو الحكم الذي كان يثنى عليه بعقله ومعرفته لما وصل به الحال إلى هذا الإسفاف بأبي جهل. ويقال بأن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي لقبه بهذا اللقب، ويقال الوليد، الوليد هو كافر، لكن وصل الحال بالكفار إلى مرتبة من الجهل والإسفاف إلى ما وصلوا إليه. فالقصد من ذلك أن بني إسرائيل علوا لما علوا علوا كبيرا نزلت العقوبة وحلت، كذلك هؤلاء الذين هم في مكة علوا علوا كبيرا، وهذا العلو الكبير سيعقبه ولا بد الإسقاط، وهذه سنة متكررة عبر التاريخ.

فالله هنا يقول: ولتعلن علوا كبيرا، فإذا جاء وعد أولاهما يعني العلو الأول، بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدًا مفعولًا. إذا وصلتم إلى هذه المرتبة من العلو، وقد وصلتم إليها في سالف الأزمان. فلما بلغوا إلى هذه المرتبة، حلت العقوبة على هؤلاء. هنا الله يربي الصحابة، يربي أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، ويحذرهم من العلو.

والعجيب أن هذه الآيات تنزل مع سورة هود، كلها في هذا السياق: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا. وهنا الله يقول: ولتعلون علوًا كبيرًا، يعني انتبه، احفظ نفسك، لأن الإنسان لما يكون مهان أو يكون في حالة ضعف واستضعاف، ثم فجأة يصبح في حالة علو وقوة، هنا ممكن ينتقل الإنسان، فيعلو علو كبير، ويبدأ هذا الإنسان يطغى، الله هنا ينهى، انتبه. لابد أن تكون دائمًا نفسك مستقيمة، منقادة لأمر الله سبحانه وتعالى، منفذة له.

هنا الله يقول: ولتعلون علوًا كبيرًا، فإذا جاء وعد لهما، بعد ما تصل إلى هذه المرتبة من العلو، سيبعث الله سبحانه وتعالى عليكم عباد له سبحانه وتعالى، أولي بأسٍ شديد، أصحاب قوة، ما تستطيعوا عليهم، وينتصرون عليكم. قال: أولي بأسٍ شديد، أصحاب قوة كبيرة، ويختلف المفسرون في من هم هؤلاء، منهم من يقول جالوت، منهم من يقول بختنصر، منهم من يقول غير ذلك. قال: فجاسوا خلال الديار، فجاسوا، كلمة جاسوا تشمل معاني كثيرة، وإذا أردت أن تفهم هذا المعنى تصور مشهد انتصار أو دخول جيش كبير عرمرم في بلد، ويسقط هذا البلد في أيديهم، ما الذي سيفعلونه؟

هذا جاسوا خلال الديار، يعني سيخربون ويدمرون ويمشون ويجيئون ويدخلون ويسرقون ويقتلون ويتمكنون، هذا معنى فجاسوا خلال الديار. فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا. وقع هذا الأمر، ومضى وانقضى. على بني إسرائيل العلو الأول، وبعث الله سبحانه وتعالى عليهم هؤلاء، فدمروهم وأهانوهم، وجاسوا خلال الديار، قتلوا وسرقوا، وأخذوا واغتصبوا، إلى آخره. وكان وعدًا مفعولًا.

ثم بعد ذلك رجع بني إسرائيل، وانكسروا وعادوا إلى الله سبحانه وتعالى. ثم رددنا لكم الكرة عليهم، نصرناكم عليهم. لماذا؟ لأنهم عادوا إلى الله، وتابوا إليه، وانكسروا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين، وجعلناكم أكثر نفيرا. من الذي من عليكم بهذه المنن وهذه العطيات؟ لأنكم تبتم إلى الله، وعدتم إليه. فمن الله عليهم وانتصروا مرة أخرى.

ثم بعد ذلك هؤلاء بني إسرائيل رجعوا مرة أخرى إلى العلو. ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين، وجعلناكم أكثر نفيرا. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها. هذا خطاب لبني إسرائيل. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها. وكذلك هذا الخطاب يشمل الجميع، يشمل الجميع، فمن يحسن فسيلقى أجر إحسانه، ومن يسيء فلا يلومن إلا نفسه، إساءتك على نفسك.

إن أحسنتم في العبادة والطاعة، وعُدتم إلى الله سبحانه وتعالى، وامتثلتم أمره، أحسنتم لأنفسكم. إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها. فإذا جاء وعد الآخرة ليسوء وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا.

فإذا جاء وعد الآخرة أي هؤلاء أساءوا. فلما أساءوا جاء العلو الثاني والارتفاع الآخر، فجاء هؤلاء الكفار الآخرين كذلك، ودخلوا المسجد، ودمروا بيت المقدس، دمروا الشام، وأهانوا بني إسرائيل. فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم، يعني فعلوا الأفعال التي تسيء الوجوه من الذل والانكسار والقترة إلى آخره. ففعلوا أشياء وفعلوا أفعال أساءوا وجوهكم، فأصبحتم هكذا ذليلين منكسرين.

ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة. والمراد هنا بالمسجد أي بيت المقدس. وهذا يدل على أن هذا وقع في بلاد الشام في بيت المقدس. وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، أي ليدمروا ما علوا عليه تدميرا. فدمروا البلاد، وسفكوا الدماء.

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: عسى ربكم أن يرحمكم. وهنا وقفة، عسى من الله واجبة. أحيانا تكون العقوبة رحمة. تقول كيف؟ أقول لك يفسد الشعب، هذا الشعب يفسد، فيصل به الفساد إلى درجة أنهم لا يستجيبون إلى الدعاة، وهذا يحصل في الشعوب. المجتمعات في البداية يصلحها الدعاة، ثم يصل الحال في المجتمع إلى درجة ما يصلح الداعية خلاص، يكون الفساد متمكن منه. هنا إذا تمكن الفساد تنزل العقوبة.

المجتمع في بداية نشأته تكون نشأة صالحة، ثم بعد ذلك يطرأ عليه الفساد. فيأتي الدعاة ويأتي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ويحذرون ويخوفون، فيكون المنافق مقموع فيه، وتكون البدعة مقموعة فيه، والمعاصي تكون خفية ما تكون ظاهرة. لكن إذا ما وجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هنا تنتشر المنكرات حتى تطبق، فإذا أطبقت، هنا الداعية يدعو ويدعو لكن ما يستجيب الناس، ما يستطيع. لماذا؟ لأن المنكرات تجذرت. المنكر لما يتجذر هنا لابد أن يكسر المنكر، لابد أن توجد قوة تهدم هذا المنكر، وإلا تنزل العقوبة ولا بد.

خلاص المجتمع الآن استمرأ المعصية، اعتادوا على هذه المعصية، فأصبح من الصعب عليهم المشايخ أنهم يغيروا هذه المعصية، فيأتي الداعية ويتكلم ولا يتأثرون، يأتي الداعية وينصح ولا يرعوون، هنا تحل العقوبة. وهذا الذي وقع مع من كان يعادي الأنبياء، إلا قوم يونس، هذه قصة مستثناة. أما البقية، هذا هو الذي وقع معهم، استمرأوا الكفر، استمرأوا المعاصي، فهنا تحل ولابد العقوبات، هذه العقوبات في باطنها خير.

لما ينزل البلاء الكبير على هذا الشعب ويفكك هذا الشعب ويفرق هذا الشعب شذر مذر، يتفرقون في بلاد، مثل ما وقع لبني إسرائيل، هذه تكون رحمة من الله سبحانه وتعالى لمن يريد الله أن يرحمه. لماذا؟ حتى ما يستكثر هؤلاء من الذنوب والمعاصي، وكذلك حتى يعودوا إلى الله سبحانه وتعالى. أحيانا الإنسان ما يعود إلا بالبلاء، ما يعود بالنصيحة، أحيانا بعض البشر ما يعود بالنصيحة ولا بإقامة الحجة، إنما يعود مع الكسر، إنما يعود مع المرض، إنما يعود مع الفقر، إنما يعود مع التشرد.

وهذا هو الذي يقع كثيرا مع الناس، لذلك الله يرحم من يرحمه من المجتمعات بمثل هذه الصورة. فتحمل عليه عقوبة تستمر، ثم هؤلاء يتعلقون بكل أحد، يتعلقون بالغرب والشرق ولا يحدث لهم شيء، خلاص، يهانوا في جميع البلاد ويدمرون فيها. لماذا؟ حتى يعودوا إلى الله، فلما يعودوا يكثر فيهم الصالحون، ويكثر فيهم الأخيار، ويكثر فيهم من يحب الله ورسوله. فهنا تكون هذه في باطنها رحمة، لو ما وقعت عليهم هذه النازلة القدرية العظيمة لما ظهر منهم من يتعامل مع الله بهذه الطريقة، فتكون هذه رحمة من الرحمات التي تنزل على من يشاء الله سبحانه.

لذلك المجتمع قبل أن يصل هذه الحال ممكن أن يصلح، يصلح حاله في الدعوة والقيام بالحجة إلى آخره، ولكن إذا وصل المجتمع إلى درجة أنه لا يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، إنما يكون هذا المجتمع فقط ظاهر فيه المعاصي والذنوب، هنا ستحل العقوبة، اقترب وقت نزول العقوبة. ثم لما تنزل العقوبة سيموت من يموت ويدمر من يدمر، وسيرحم الله سبحانه وتعالى من يرحم.

فلما تستمر المعاصي وتعلو ويعلو أصحابها وتتمكن، تكون مثالها مثال الخيوط المشربكة التي ما يحلها إلا البلاء. خلاص لما تشربك هكذا الخيوط المشربكة هذه ما تنفك بفعل البشر، لابد أن تنزل عقوبة تفتت هذا المجتمع، تفرق هذا المجتمع شذر مذر. لماذا؟ حتى يعاد إنشاؤه من جديد، هذا المجتمع يفرق بقوة قدرية إلهية حتى يعاد ترتيب هذا المجتمع وتركيبه من جديد لأمر إلهي عظيم يريد الله سبحانه وتعالى من هؤلاء أن يقوموا به في المستقبل.

وهذا هو الذي وقع في بلاد الشام في هذا العصر، فانتشرت فيه المنكرات وعمت وقل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأصبح سب الله سبحانه وتعالى منتشر للأسف في هذه البلاد، وهذا منكر عظيم لا وجود له في بلدان المسلمين إلا في بلاد الشام فقط، وهذا منكر أعظم من سجود الأصنام. فوقع هذا البلاء العظيم الكبير على من يعيش في هذا المكان حتى يعاد تشكيل المجتمع.

والآن بلاد الشام وهي طبعًا بلاد مباركة ولا شك، أصبح أهلها هم أكثر الناس خيرًا، وأكثر الراغبين في طلب العلم والداعين إلى الله سبحانه وتعالى الآن في الجيل الصاعد هذا هم أكثرهم من هذه البلاد، بل كثير منهم يقول لي إني ما تعرفت على الإسلام إلا لما هجرنا، ما عرفنا الدين إلا لما هجرنا وخرجنا. فنعم هو بلاء وله أسباب، وهذا بلاء ما يقع إلا بذنوب ومعاصي. وكذلك هؤلاء المجرمين الطغاة إلى آخره، لكن هؤلاء طغاة، وكذلك الذنوب والمعاصي.

لابد أن نفهم الإسلام بشموليته. وكان يحكي ويحدثني أحد كبار السن من الصالحين، يقول: نحن السبب. قلت: كيف؟ قال: كنا نسب الله. فطبيعي يحل بنا هذا الشيء، وكنا لا ننكر على من يسب الله. فكيف ستكون النتيجة؟ لكن هذا كذلك مثل ما ذكرت في باطنه رحمة، يعني لما يقع هذا ثم بعد ذلك يأتي من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويسعى جاهدًا لتطهير هذه البلاد الطيبة المباركة من هذه المنكرات، هذه رحمة، وهنا عسى من الله واجبة. نعم هذا بلاء شديد وثقيل، لكن كذلك هذا في باطنه رحمة كبيرة لمن يريد الله سبحانه وتعالى أن يرحمه.

هذه سنة: عسى ربكم أن يرحمكم. ثم قال الله: وإن عدتم للإفساد عدنا. فعادوا هؤلاء إلى الإفساد، فسلط الله عليهم نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام وصحابة النبي وطردوهم من جزيرة العرب وأجلوهم من هذه البلاد، لأنهم عادوا وما استفادوا، لكن رحم جماعة منهم، فأسلم عبد الله بن سلام وأسلم فلان وفلان من هؤلاء اليهود. عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا.

ثم قال الله: وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا. وجعلنا جهنم تخويف وتحذير من جهنم، للكافرين حصيرا. هؤلاء الكفار الذين ترونهم أمامكم، هؤلاء مصيرهم إلى جهنم وسيحصرون في جهنم، فتكون مطبقة عليهم جهنم ويعذبون فيها وتكون لهم كذلك مهاد وفراش، نسأل الله السلامة والعافية.

الخطاب بعد ذلك إلى الحديث عن هذا القرآن العظيم. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما. تعاملوا يا أهل الإيمان مع هذا القرآن التعامل الذي يريده الله سبحانه وتعالى منكم، ولا تتعاملوا مع القرآن كما تعامل اليهود مع التوراة. انتبهوا.

كتابكم أعظم من كتابهم، ونبيكم أعظم من نبيهم، على نبينا عليه الصلاة والسلام وعلى موسى الصلاة والسلام. وأنتم خير أتباع لخير نبي، فأحسنوا التعامل مع هذه النعمة العظيمة، واشكروا الله سبحانه وتعالى عليها.

ونتكلم إن شاء الله تعالى عن هذه الآيات في الدرس القادم. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.