الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن ولاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني، وثبت على طريق الخير خطانا جميعًا.
نكمل مدارسة سورة النمل، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82]. بعد ما قص الله سبحانه وتعالى قصص الأنبياء، ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى الآيات العظيمات الدالة على قدرته وسلطانه وتفرده سبحانه وتعالى بالملك، ثم بعد ذلك انتقل إلى التهديد والوعيد إلى هؤلاء الكفار، ثم بعد ذلك قال الله سبحانه وتعالى مبينًا ومذكرًا بعلامة من علامات الساعة الكبرى التي ستقع في آخر الزمان وهي خروج الدابة.
يقول الله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82]. وإذا وقع القول عليهم؛ أي إذا جاء هذا الوقت في آخر الزمان وقع هذا القول ووجب هذا الوقت، هنا سيخرج الله سبحانه وتعالى الدابة. متى هذا الوقت؟ الله أعلم علمه عند الله، ولكن الدابة لا تخرج إلا في آخر الزمان لما يفشو المنكر ويقل المعروف، فلما ينتشر الفساد في الأرض ويقل المعروف، ويقل عدد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، هذا وقت خروج الدابة.
هذه الدابة من الأرض، كيف صنعت هذه الدابة؟ نوع هذه الدابة؟ شكل هذه الدابة؟ جاء كلام كثير، ولكن هذا كله من قبيل الإسرائيليات فليس منه شيء ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. والقصد أن في آخر الزمان ستخرج دابة، والدابة جاءت هكذا مبهمة فليس المقصود معرفة تفصيل هذه الدابة، إنما المقصود هو معرفة هذا الأمر الذي ذكره الله سبحانه وتعالى، وأحياناً يكون بالإبهام تخويف، الإبهام يكون به تخويف أكثر من البيان والإيضاح. هنا الله يقول ستخرج دابة في آخر الزمان، فيخرج الله سبحانه وتعالى دابة من دواب الأرض في آخر الزمان تتكلم، هذه الدابة تتكلم.
قال: وإذا وقع القول عليهم، إذا حق القول، لما يكذب هؤلاء وينتشر التكذيب ولا يبقى من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هنا ستخرج دابة في آخر الزمان. في هذه الآية تذكير لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ولأتباع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستمرار، فلما نجمع هذه الآية مع بقية الآيات الدالة على أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن في آخر الزمان ينتشر المنكر ويقل المعروف، وسبب ذلك هو قلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا فيه تثبيت لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام على الاستمرار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس في آخر الزمان، ولكن الدابة هذه من علامات الساعة. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً». وكان يقول كذلك عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشرة آيات»، وذكر منها خروج الدابة، وعد منها خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، وكذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال ستة»، أي قوموا وابدأوا وأكثروا من الأعمال قبل خروج هذه الأشياء الست، وعد منها الدابة. فالقصد أن هذه الدابة تخرج في آخر الزمان وتتكلم، ماذا تقول للناس؟ تقول للناس كلاماً من ضمن هذا الكلام: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82]. هنا تكلمهم بالتشديد، وقال ابن عباس: تكلمهم، وكذلك تكلمهم؛ أي تجرح، فهي تتكلم تارة وتجرح تارة، وقيل بأن معها عصا موسى عليه السلام وخاتم سليمان.
وفي آخر الزمان الناس ينادي بعضهم بعضاً بالإيمان والكفر، فيقول المؤمن للكافر: يا كافر، والكافر يقول للمؤمن: يا مؤمن، ومن علامات ذلك أو من أسباب ذلك أن هذه الدابة تجلو جبهة المؤمن، وكذلك تختم أنف الكافر، وقيل تجلو أنف الكافر وجبهة المؤمن مع ختمها لأنف الكافر، فالمؤمن يعرف بأنه مؤمن، والكافر يعرف بأنه كافر. ولما تخرج الدابة وتطلع الشمس من مغربها هنا لا ينفع الإنسان العمل، الشمس كل يوم تخرج من المشرق، لكن في آخر الززمان ستخرج الشمس وتطلع الشمس من المغرب وليس من المشرق؛ أي هذه الحركة حركة الشمس ستتغير، وهذا في إيذان بتغير العالم السفلي لما يتغير العالم العلوي، فلما تتغير السماء هذا إيذان بتغير الأرض.
فهنا لما تطلع الشمس من مغربها لا ينفع الإنسان إيمانه إذا آمن، قبل طلوع الشمس من مغربها تقبل التوبة، لكن إذا طلعت الشمس من مغربها لا تقبل توبة الشخص، والتوبة تقبل ما لم يغرغر الشخص؛ أي تصل روحه إلى الغرغرة، أو تطلع الشمس من مغربها. هنا هذه الدابة تقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 82].
ثم قال الله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]. الآن ذكر هذه الآية آية الدابة بين هذه الآيات التي يتحدث فيها القرآن الكريم عن هؤلاء الكفار لفت الانتباه، بأن الذي ترونه الآن في هذا العالم لن يستمر بهذه الطريقة، إنما هناك آيات ستخرج غير هذه الآيات التي ترونها على يد النبي عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل: 83] تهديد ووعيد، وخطاب القرآن كثيرا ما يستعمل هذا الأسلوب مع هؤلاء الكفار، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لما أمر موسى عليه السلام وهارون بالذهاب إلى فرعون قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]، وموسى عليه السلام كان يستخدم اللين، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يستخدم اللين، لكن القرآن الكريم لما يخاطب الكفار ما يخاطبهم باللين إنما يخاطبهم بشدة وقوة، لماذا؟ لأن صاحب هذا القرآن هو الله سبحانه وتعالى، المتكلم بهذا القرآن هو الملك، فالملك يخاطب عبيده بهذه الطريقة إذا أعرضوا؛ فإذا أنابوا ورجعوا وانكسروا لله سبحانه وتعالى هنا الله سبحانه وتعالى يخاطبهم خطاب الرحمة واللين، ولكن إذا أعرض العباد الملك يخاطب المعرضين بهذه الصورة وهذه الطريقة، لكن هو يأمر عباده بأن يخاطبوهم باللين، وهو سبحانه وتعالى لا يخاطبهم باللين إذا أعرضوا، هذا كله من آثار اسم الله سبحانه وتعالى الملك.
قال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]. تحشر من كل أمة، من كل مجموعة، من كل قرن، من كل جيل، فوجا أي مجموعة، وقيل هؤلاء هم السادة والكبراء، ﴿مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 83]؛ يعني هؤلاء هذه الأفواج يوزعون أي يكفون، يرد أولهم إلى آخرهم حتى يجتمعوا، فلما يجتمعوا يساقون إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 84]. الآن خطاب تقريع أو توبيخ من الملك، من الواحد القهار، من العزيز الجبار سبحانه وتعالى، لهؤلاء العبيد الذين كذبوا واستكبروا. قال حتى إذا جاءوا إلى الله سبحانه وتعالى قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون؟ هذا استفهام تقريري توبيخي تبكيتي. قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما؟ ثم بعد ذلك قال: أم ماذا كنتم تعملون؟ يعني في البداية وبخهم وقرعهم بقوله: أكذبتم بآياتي، هذه الآيات العظيمة الآيات الكونية وآيات القرآن الكريم، ترون الشمس والقمر والليل والنهار، وكثيرا ما يعدّد الله سبحانه وتعالى هذه الآيات في كتابه العظيم التي ترونها كل يوم وتعرفونها، وكذلك آيات النبي عليه الصلاة والسلام.
القرآن الكريم هذا الكلام هو كلامكم أنتم أيها العرب، لكن عجزتم أن تأتوا بمثله، هل ممكن هذا الكلام يخرج من شاعر أو من كاهن كما تزعمون؟ هل يمكن يخرج هذا الكلام من مجنون كما تزعمون؟ لماذا كذبتم بهذه الآيات؟ هذا استفهام تقرير وتوبيخ، والكفار صامتون، ساكتون، لا يتكلمون. ثم قال الله: ماذا كنتم تعملون؟ هم سكتوا الآن، ثم قال: أماذا كنتم تعملون؟ ماذا كنتم تعملون في الحياة؟ هذه الحياة كيف قضيتموها؟ لماذا أنفقتم هذه الأموال وهذه الأوقات وهذه الصحة؟ أماذا كنتم تعملون؟ تقريع وتوبيخ شديد.
ثم قال الله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ﴾ [النمل: 85]؛ أي بهتوا فلم يستطيعوا أن يردوا ولا أن يقولوا أي شيء، ما في جواب، فهم لا ينطقون، خلاص صمتوا سكتوا، ماذا نقول؟ نعلم بأنه نبي ومبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى وأن الحق معه، ولكن الكبر والطغيان والجبروت هي التي منعتنا عن الانقياد.
ثم انظروا كيف ينتقل الله بالمشاهد لهؤلاء الكفار؛ ستخرج دابة هذا في آخر الزمان، ثم بعد ذلك ستنقلون إلى الله سبحانه وتعالى وسيقَرِّعكم الله بهذا الكلام العظيم، ولن تتكلموا كما تتكلمون الآن. ثم بعد ذلك يرجع إلى الدنيا ويذكرهم بآياته العظيمة التي كذبوا بها، قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: 86]. ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه؟ لما يأتي الليل يسكنون، لا يتحركون، والنهار مبصرا؛ في الليل سكون هدوء، والنهار وقت المعاش والحركة، هذه آية الليل والنهار المتكررة كل يوم، لماذا ما تلفت الانتباه؟ لماذا ما تعظم الإيمان عندكم؟ لماذا، ما السبب؟
ثم قال الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: 86] هذه الآيات العظيمات يتأثر فيها أهل الإيمان. لذلك هذا يا شباب مما يرشدنا أو مما نستطيع من خلاله أن نكشف الإيمان في قلوبنا؛ آية الليل والنهار هذه المتكررة هل تتأمل فيها؟ هل إذا تأملت تثمر فيك الإيمان؟ هل تتعجب منها؟ ولا شك بالله هذه الآية عجيبة، يعني العجب أن شخصاً يتأثر اليوم في آيات عادية، يعني أذكر كان عندنا مجمع قبل عشرين سنة تقريبا وما كانت له أعمدة فالناس تعجبت من هذا، وجود مجمع هكذا سوق كبير ولا توجد له أعمدة. طيب الآن هذه السماوات العظيمة بغير عمد ترونها، من الذي رفع السماء؟ من الذي يمسك السماء والأرض أن تزولا؟ لماذا نتأثر في أمور عادية التي تحدث معنا ولا نتأثر بهذه الآيات الكونية العظيمة التي تعم جميع الناس وجميع البشر؟ قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: 86].
ثم قال: ﴿وَيَوْم يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87]. الآن انتقال إلى مشهد آخر، مشهد البعث الذي يكذب به هؤلاء الكفار، ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ينفخ إسرافيل في الصور والصور كالبوق، فينفخ إسرافيل عليه السلام فيفزع كل من في السماوات وكل من في الأرض حتى يصل بهم الفزع إلى الموت، من شدة الفزع والخوف من هذه النفخة يموت من في السماوات ويموت من في الأرض، الملائكة تموت من هذه النفخة، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، فباقي من الكفار من الشرار كلهم يموتون إلا من شاء الله، يستثنى من شاء الله سبحانه وتعالى. من الذي شاء الله؟ اختلف العلماء، قيل من هو في الجنة، وقيل كذلك من هو في النار، وقيل كذلك الملائكة الأربعة؛ ملك الموت وجبريل وإسرافيل وكذلك ميكائيل، يبقى هؤلاء الأربعة.
فلما يبقى هؤلاء الأربعة يقول الله لملك الموت: من بقي؟ فيقول: أي ربي، بقيت أنت سبحانك، وإسرافيل وميكائيل وجبرائيل وأنا. فيقول: اقبض روح إسرافيل، فنفس النافخ في الصور تقبض روحه. ثم بعد ذلك يقول الله له: من بقي؟ والله أعلم سبحانه وتعالى، فيقول: أي ربي، بقيت أنت وميكائيل وجبرائيل وأنا. فيقول: اقبض روح ميكائيل، فيقبض روح ميكائيل فيخر كالطود العظيم. ثم يقول الله له: من بقي؟ فيقول: أنت يا ربي وجبرائيل وأنا. فيقول: أنت عبد من عبيدي، اقبض روح ملك الموت، فيموت. ثم يبقى الله جل جلاله وجبرائيل عليه السلام، ثم يأمر الله سبحانه وتعالى وتقبض روح جبرائيل ويموت جبريل عليه السلام، ولا يبقى إلا ملك الملوك سبحانه وتعالى لا في الأرض ولا في السماء، يبقى هو وحده سبحانه وتعالى الواحد القهار الأحد الصمد الوتر سبحانه وتعالى.
يقول الله: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87]. الجميع، جميع هؤلاء الذين ماتوا بسبب هذه النفخة يوم القيامة سيأتون داخرين، هؤلاء المكذبين الذين يقولون لا يوم قيامة سيأتون، ولكن لن يأتوا وهم أعزة إنما سيأتون وهم داخرين، داخرين أيدي الله صاغرين.
ثم قال الله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88]. انظروا كيف بين كل آية وآية يذكر ما سيقع في يوم القيامة. قال: وترى الجبال تحسبها جامدة، هذه الجبال العظيمة الراسية تظنها جامدة، في آخر الزمان هذه الجبال تسير، فتمر كمر السحاب، فالناظر إليها يظن بأنها جامدة ولكن هي الآن بدأت تتحرك، بدأت تسير تماماً كالسحاب؛ كيف أن السحاب يتحرك، والشخص لا يلاحظ حركة السحاب لما تكون كثيرة، فكل شيء عظيم لا يلاحظ الإنسان تحركه، هنا الجبال تتحرك حتى تسقط بعد ذلك وتدك، ثم بعد ذلك ينسفها ربي نسفاً.
فيذرها قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا. تمر على الجبال مراحل؛ المرحلة الأولى التحرك، تسير الجبال، ثم بعد ذلك تدك وتصبح كالعين المبهوش، وناس يرون إليها كأنها سراب لا وجود لها. انتهت، تحركت، ثم تصبح قاعًا صفصفًا، خلاص تنتهي الجبال وتدك الجبال ولا يذكر فيها أي شيء.
قال: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، صنع الله سبحانه وتعالى. هذا صنع الله البديع الذي أحسن كل شيء خلقه، الذي أتقن كل شيء سبحانه وتعالى، ثم قال: إنه خبير بما تفعلون، أي عليم بما يفعل الناس، عليم بما يفعل العباد من خير وشر وسيجازيهم عليه أتم الجزاء.
لذلك قال بعد ذلك: من جاء بالحسنة فله خير منها، وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار، هل تجزون إلا ما كنتم تعملون؟ قال: من جاء بالحسنة، أي لا إله إلا الله، فله خير منها، قيل رضوان الله سبحانه وتعالى، ولا شيء أعظم من الإيمان والتوحيد، فيوم القيامة هؤلاء الذين قالوا هذه الكلمة العظيمة لا إله إلا الله وعملوا بمقتضاها ودخلوا الجنة لهم رضوان، وحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا، وهم من فزع يومئذ آمنون.
وقيل من جاء بالحسنة أي بالعمل الصالح فله خير منها أي أضعاف مضاعفة، والله سبحانه وتعالى يضاعف هذه الحسنة إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة، قال: فله خير منها. ثم قال: وهم، أي هؤلاء أهل الإيمان، أهل التوحيد، أهل الخير، أهل الصلاح، من فزع يومئذ آمنون. هؤلاء آمنون من فزع، لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة، فهؤلاء لا يحزنهم الفزع الأكبر، لا يخافون لما يخاف الناس، لا يفزعون لما يفزع الناس.
ثم قال الله: من جاء بالسيئة بالكفر بالشرك فكبت وجوههم في النار، أي ألقيت وجوههم في النار، هل تجزون إلا ما كنتم تعملون؟ هنا توبيخ كذلك وتقريع لهؤلاء الكفار.
ثم قال الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: قل لهم إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة. أنا ليس دوري أني أجيبكم على كل ما تريدونه من هذه الأسئلة التعنتية؛ تريدون الجبال تسير وتصبح ذهب، تريدون هذه البلدة أي مكة تشق بها أنهار، إلى آخره من هذه الأسئلة التعنتية وليست التي من أجلها تريدون الإيمان والهداية.
إنما أمرت، أنا مأمور أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها، هذه البلدة مكة المكرمة المعظمة الذي حرمها جعلها حراما، وله كل شيء سبحانه وتعالى، ثم قال: وأمرت أن أكون من المسلمين، من المستسلمين المنقادين لأمره سبحانه وتعالى، فأنا عبد مأمور أفعل ما يأمرني به الخالق سبحانه وتعالى.
ثم قال: وأن أتلو القرآن، الواجب علي أن أبلغكم القرآن الكريم آيات الله سبحانه وتعالى وأقيم عليكم الحجة، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين. الواجب على الرسل وأتباع الرسل البيان والبلاغ فقط، البيان والبلاغ فقط، فهم يبلغون آيات الله سبحانه وتعالى ويعلمون الناس ما يريده الله سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك الشخص مخير بين الاهتداء وعدم الاهتداء، بين الهداية والضلال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، اخترت تريد طريق الهداية أو طريق الغواية. فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، هدايتك لك، ونجاحك إليك، وثوابك لك. ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين.
ثم قال: وقل الحمد لله. اشكر الله، احمد الله، الحمد هو ثناء على الله أو الإخبار عن صفات المحبوب سبحانه وتعالى، أو الذي حمد مع المحبة والتعظيم مع المحبة والتعظيم. وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها، سيريكم آياته في أنفسكم وفي السماء وفي الأرض وفي الرزق وفي كل شيء، وكذلك في يوم القيامة فتعرفونها. وما ربك بغافل عما تعملون، انظروا كيف يكرر الله سبحانه وتعالى هذا المعنى، معنى العلم: وما ربك بغافل عما تعملون، إنه خبير بما تفعلون.
وهكذا يتكرر هذا المعنى في هذه السورة، فالله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على العقل، وكذلك يزعزع هذه النفس ويصدم هذه النفس ويكسر هذه النفس الجامدة، النفس المتكبرة الطاغية حتى تستجيب لهذه الحجج، ويذكرها ويخوفها بأنه يعلم سبحانه وتعالى وسيجازي كل شخص بما عمل.
وقل الحمد لله، عبادة الشكر هي عبادة الحمد، سيريكم آياته فتعرفونها، وما ربك بغافل عما تعملون. إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة، بدأ هذه السورة بالحديث عن القرآن الكريم وعظمة هذا الكتاب، ثم قال: وتل والقرآن، وختم هذه السورة كذلك بالحديث عن هذا الكتاب العظيم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وجزاكم الله خيراً.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري