الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فحيّاكم الإخوان وبياّكُم، وأسدد على طريق الخير خطانا جميعاً. نُكمل مدارسة سورة النمل، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: 67-69].
بعد ما عدد الله سبحانه وتعالى الآيات العظيمة الدالة على خلقه للإنسان، وعلى توحيده سبحانه وتعالى، وكذلك على قدرته على إعادة الإنسان بعد إماتته وإحيائه بعد موته، انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن هؤلاء الكفار وما يقوله هؤلاء الكفار بعد إقامة هذه الحجج وهذه الآيات البينات الظاهرات. يقول الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ أي إذا متنا وتحددنا ورجعنا إلى التراب، وكذلك الآباء الذين ماتوا من عشرات السنين ومئات السنين، هؤلاء هل سيخرجون؟ هذا الاستفهام من الكفار تعجبي، وهذا متكرر كثيراً في القرآن الكريم.
والعجيب أن الله سبحانه وتعالى يقيم عليهم الحجج والآيات الظاهرة البينة ويخاطبهم، بما يقرون به، ومع ذلك تبقى هذه الشبهة عندهم لا تزول ولا تتزعزع. لماذا؟ لأن هؤلاء لا يريدون الاستجابة، هذا هو السبب الرئيسي. والقران يبالغ في إقامة الحجة، القرآن ليس فقط يقيم الحجة إنما يبالغ في إقامة الحجة. فالله هنا يقول سبحانه وتعالى على لسان هؤلاء، حاكى هؤلاء الكفار أنهم يقولون: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي أن هؤلاء الكفار يعلمون بأن هناك أنبياء قبل النبي عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء الأنبياء كانوا يخبرون أقوامهم عن يوم القيامة، يوم البعث، يوم النشور، عن الطامة، عن الصاخة. فهم يقولون: لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل، إن هذا إلا أساطير. الأساطير جمع أسطورة، والمراد بها الحكاية الكاذبة أو الخرافة.
هنا الله يرد عليهم ويقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. انظروا إلى طبيعة الرد القراني؛ القرآن الكريم يرد هؤلاء إلى نصر المؤمنين، نصر الأولياء، نصر الأنبياء، وكذلك إلى العقوبة التي حلت بالكافرين. فالله هنا يقول: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين. اذهبوا إلى مدائن صالح، انظروا إلى آثار العقوبة التي حلت بهم -وهم عرب وقوم صالح كانوا عرباً-، اذهبوا إلى ديار هود عليه السلام وانظروا إلى ما حل بعاد -وهم يعرفون عاداً-، اذهبوا إلى سبأ وانظروا إلى آثار السيل.
القصد هنا أن الله سبحانه وتعالى أجابهم أجابة موافقة لما تحتاج نفوسهم إليها، فهم يستنكرون ويتعجبون، وهذا الاستنكار وهذا التعجب لا محل له. لماذا؟ لأن الآيات البينات الظاهرات قد أقيمت عليهم، إذاً كيف سيكون الرد؟ يكون الرد ببيان العقوبة التي حلت بالأقوام السالفين.
ثم قال الله متحدثاً لنبيه صلى الله عليه وسلم ومصَبِّراً له بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: 70]. لا تحزن على هؤلاء الكفار، فلن يصلى النار إلا من هو مكتوب عليه أن يصلى النار، أي ليس تقصير من قبلك، لست المقصر في دعوة هؤلاء، إنما قضى الله سبحانه وتعالى وقدر بأن قسم من البشر لن يؤمن، وقسم من البشر سيتبع الشيطان. لماذا؟ لأن هؤلاء لا يستحقون الهداية حكمة بالغة، هنا نرجع إلى اسم الله الحكيم، ذكرنا بأن هذه السورة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسم الله العليم وببسم الله الحكيم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6].
فهنا الله سبحانه وتعالى يربط هذه الآثار باسمه سبحانه وتعالى الحكيم، هنا الله يقول لنبيه: ولا تحزن عليهم. النبي عليه الصلاة والسلام كان يعاني معاناة كبيرة من هؤلاء الكفار، فكانوا يسبون ويشتمون وكان يحزن لما يقع عليهم من قبلهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]. لكن هنا الله يقول: ولا تحزن عليهم. النبي عليه الصلاة والسلام بوده لو آمن الناس، لو اهتدى الناس، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتقطع حسرات حتى يهدي هؤلاء: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]. هنا الله يقول لنبيه: ولا تحزن عليهم، عدم إيمان هؤلاء يرجع إلى اسم الله الحكيم، الواجب عليك أن تبلغ وأن تبين وأن تقيم الحجة، ولكن ليس الكل سيهتدي، لابد أن تعرف أيها الداعية هذا المعنى، ليس الكل سينقاد إلى أمر الله سبحانه وتعالى، ليس الكل سيسير خلف الحجة، خلف البينة، خلف البرهان، خلف الآية، ليس الكل، إنما الكثير بل الأكثر لن ينقاد، الأكثر لن يستجيب، فلابد أن تعرف هذا، لابد أن تعرف هذا حتى ما يصيبك الحزن المبالغ فيه وتتعجب من عدم إيمان الناس وعدم هدايه الناس.
الله لو هدى الناس جميعاً: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]. فمتى يصل أهل الإيمان إلى اليأس من هدايه جميع الناس؟ لكن هي دار اختبار ودار ابتلاء ودار امتحان، والواجب على الداعية هنا أن يبلغ. فهنا دائرتان اثنتان: الدائرة الأولى المتعلقة بالبيان والبلاغ والدلالة إلى الطريق المستقيم، هذه لابد أن يقوم الداعي بها. أما الدائرة الثانية فالدائرة المتعلقة بالنتيجة، الدائرة المتعلقة بإقرار الهداية، بداية التوفيق، هذه لا يجوز للداعي أن يدخل بها.
الله يقول: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. لا تخف من هؤلاء ولا تحزن من مكرهم، نعم هم يمكرون، ما الذي كان يفعل الكفار؟ كانوا يشتمون النبي عليه الصلاة والسلام ويقولون بأنه ساحر، بأنه كاهن، بأنه مجنون، بأنه كذا وكذا وكذا من الطعونات. هذه الطعونات ما الذي أثمرته؟ أثمرت عدم إيمان الناس، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام حزن أن هؤلاء يطلقون هذه العبارات، هذه المصطلحات، هذه الاصطلاحات، هذه الاتهامات، ونتيجة هذه الاتهامات أن الناس ما تؤمن.
طيب كيف سنؤثر على الناس الآن؟ يدعو الداعية والإعلام يهاجمه، فلان كذا وكذا، وشتى ما يقال في وسائل التواصل والإعلام، في كل جيل لابد أن يوجد هذا الصنف من النصب ولابد أن يبتلى الدعاة بهذا الطعن وهذا التشويه، فالداعية هنا يحزن ليس على نفسه إنما يحزن أن الآن كلامه ما يصل إلى الناس، لماذا؟ لأن الناس يقولون: فلان كذا، فلان كذا، يعني تنمط عقول الناس بطريقة معينة، فهنا يتم إسقاط الداعية.
فالداعية هنا حتى يخرج من هذا التنميط يغير الدين أو يغير بعض ما جاء بالدين، وهذا خطر كبير جداً يقع به أحياناً بعض المحبين للخير. والله يعني أنزل تهديدات مخيفة: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: 74-75]. ولما قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: اعبد، نعم مستعدين نتنازل لك إلى درجة أن نعبد آلهتك وتعتبد آلهتنا، ستة أشهر بستة أشهر أو سنة بسنة، هذا آخر تنازل قدمه الكفار وبالنسبة لهم كان تنازلاً عظيماً وبأباه الثمن وهم لهم القوة والسلطان والحكم.
ينزلون ثم ينزلون حتى وصلوا أنهم استعدوا أن يتخلوا عن الأوثان عن الأصنام بشرط أن تعبد أنت آلهتنا، يعني نتخلى عنها مدة معينة في المقابل أنت تتخلى عن إلهك مدة معينة، هذا آخر تنازل، فانزل الله مباشرة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1-2] مستحيل لا يمكن أن يكون هذا.
هنا الداعية يكون فيه صراع صعب، هو حزين على هؤلاء ويريد أن يوصل رسالة، قال: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به ويمكرون بالناس، بل مكر الليل والنهار، هذا المكر ضريبته كثير من الناس سيسقطون في حبال الكفار، في شباك الإعلام، سيتاثرون بهم ولا ينقادون إلى دعوة الداعي. طيب النتيجة ماذا نفعل؟ لا تفعل شيئاً ولا تحزن عليهم، استمر بدعوتك، لا تغير، انتبه اثبت، الآن واجب عليك الثبات، الثبات على الدين، الثبات على المصطلحات بهذا الإسلام كما هو.
إذاً هنا الله يقول: ولا تكن في ضيق مما يمكرون، هم يمكرون والله يمكر سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: 45]، ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: 42]. قضية المكر متكررة كثيراً بالقران الكريم، هنا الله ياتي باسم الحكيم وباسم العليم، يعلم مكر هؤلاء الكفار وما يقولونه وآثار هذا المكر، لكن هذا الأمر لن يستمر طويلاً، لن يستمر ما طويلاً سيقضى عليهم، وهذا المكر كله سيعود عليهم، فالمكر يكون في وعاء التضليل: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 2] فلا يخرج المكر هذا الوعاء، لا يخرج الكيد عن هذا الوعاء.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: 71]. متى ستكون العقوبة؟ متى يأتي يوم القيامة إن كنتم صادقين؟ ويقولون بعد ما يبين النبي عليه الصلاة والسلام ويبلغ ويقيم الحجج، هم يستعجلون للعقوبة يقولون: متى ستأتي العقوبة؟ الله يذكرهم ويبين لهم عقوبة الأمم السالفة عقوبة الاقوام الذين كذبوا بالانبياء والمرسلين، وهم يتعجبون ويقولون: متى هذا الوعد متى سياتي إن كنتم صادقين؟ أو متى ستاتي القيامة؟ فكان الرد الإلهي: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُون رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: 72].
قل يا محمد: عسى، وعسى من الله واجبة، يعني سيكون هذا الأمر، عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، عسى الله أن يتوب عليهم. عسى من الله واجبة، لماذا؟ لأن الله يعلم أن هذا أمر يقع، لكن البشر لا يعرفون، فلذلك تكون عسى عندهم على سبيل الترجي، قال: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي اقترب لكم، عجل لكم، دنا منكم بعض الذي تستعجلون، أي بعض هذه العقوبة التي تستعجلونها اقتربت منكم كثيراً. فكان يوم بدر وقتل طواغيت هؤلاء الكفار، سادة الكفار الذين كانوا يعاندون النبي عليه الصلاة والسلام ويصارعونه، قتلوا في يوم بدر. قال: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ بعض هذه العقوبة قريبة منكم جداً ودنت واقتربت.
ثم قال الله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: 73]. هنا أوتي بسم الله الرب الذي يدل على العناية، على الاهتمام، قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ الله سبحانه وتعالى يتفضل على هؤلاء ويؤخر هؤلاء ويقيم الحجج وبمبالغ في إقامة الحجج، ومع ذلك لا يشكرون ولا يرجعون. وهذا كذلك من آثار اسم الله سبحانه وتعالى الحليم. قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أكثر الناس لا يشكرون الله على النعم التي يمن بها عليهم سبحانه وتعالى، ولعل هذا من أسباب ذكر قصة سليمان هنا في هذه السورة؛ إبراز شكر سليمان، إبراز أن سليمان على كل ما أعطاه الله إياه من النعم لم تطغ هذه النعم ولم تفتنه هذه النعم، ولا هذا الملك ولا هذا السلطان، وإلا في الأصل بأن الغنى مطغي، الغنى مطغي منسي. فهنا الله يقول: وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون، وشكر عبودية الأولياء، عبودية الأصفياء.
ثم قال الله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: 74]. وإن ربك ليعلم ما تُكنُّ أي ما تخفي ما تسر صدورهم وما يعلنون، هذا من آثار اسم الله العليم سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: 75]. ما من شيء يغيب في السماء ولا في الأرض إلا وهو مكتوب في كتاب مبين، وهذا كذلك من آثار اسم الله سبحانه وتعالى العليم.
ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: 76]. انتقل الحديث الآن إلى بني إسرائيل، ولعل هنا دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بلغت هؤلاء وصلت إليهم فسمعوا بها، لأنه ورد أن بعض الكفار، كفار مكة، أرسلوا إلى اليهود في المدينة يسألونهم عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنحن خير أم هذا الصنبور المنبتِر من قومه؟ فقالوا لهم: بل أنتم خير.
فالقصد هنا، الله يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. بنو إسرائيل اختلفوا بأمور عديدة، اختلفوا في عيسى عليه السلام، فالنصرانية اختلفت كثيراً في عيسى عليه السلام واختلفوا كذلك في صلب عيسى عليه السلام. وكذلك اليهود اختلفوا في عيسى عليه السلام، فالنصارى كانوا يغلون به حتى أوصلوه لدرجة إله، واختلفوا في هذه الألوهية فمنهم من يقول كذا ومنهم من يقول كذا، واجتمعوا في عدد من المجتمعات، مجتمع نيقية ومجتمع طليطلة وغيرها من المجتمعات، واختلفت الكنيسة الشرقية مع الكنيسة الغربية. وكذلك اليهود اختلفوا في عيسى عليه السلام، وكذلك اليهود كذبوا كثيراً فيما ادعوه، وكذلك في طعنهم على الأنبياء والمرسلين، هم كذبوا كثيراً على داود وكذبوا كثيراً على سليمان، طعنوا كثيراً في أنبياء بني إسرائيل. فهنا الله سبحانه وتعالى يذكر قصص أنبياء بني إسرائيل: قصة موسى عليه السلام، قصة داود سليمان عليهم السلام، ويبين الحق الذي وقع وليس ما يقول هؤلاء الكذبة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
ثم قال الله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 77] وانه أي القرآن الكريم لهدى ورحمة للمؤمنين. القرآن الكريم هدى للمؤمنين ورحمة كذلك للمؤمنين، القرآن الكريم يستفيد الإنسان منه وينتفع به بقدر ما عنده من إيمان، فبقدر الإيمان الموجود في قلب الإنسان يكون أثر القرآن الكريم عليه، فإذا ضعف الإيمان ضعفت الهداية. القرآن ماء صافٍ، القرآن عظيم، القرآن لو نزل على جبل لصدع هذا الجبل، لو نزل الأرض لشقق الأرض، لكن الذي ينتفع بهذا القرآن الكريم هم أصحاب الإيمان، لذلك عندنا في الدين الأصل بأن شخص يأخذ الإيمان ثم.
يأخذه القرآن، أو يأخذ القرآن مع الإيمان. يقول جندب ابن عبد الله: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان، تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً. هنا تعلمنا الإيمان، ما المراد بالإيمان؟ أي: عرفنا الملائكة، عشنا مع الملائكة، عشنا مع الجنة، مع النار، مع يوم القيامة، مع الأنبياء، مع المرسلين. وققبل ذلك عرفنا من هو الله سبحانه وتعالى. فهنا الإيمان العام كان مستقراً في القلب، أي: هذا الحب، هذا التعظيم، هذا الإجلال لله سبحانه وتعالى، الإيمان بالغيب، الإيمان بالملائكة، بالجنة، بالنار، بما سيقع في القبر، العيش مع الأنبياء، هذا هو الإيمان.
هذا الإيمان لما استقر، لما نزلت آيات القرآن الكريم أثمرت تقوى وكل جميل. هذا يقولها جندب بن عبد الله في المدينة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتيان حزاورة. حزاورة جمع حزور، والحزور هو الذي راهق البلوغ، يعني عمره قريب من عمر البلوغ. فهؤلاء تلقوا الإيمان ثم بعد ذلك تلقوا القرآن، فأعظم عندهم الإيمان.
والصحابة أول ما نزل القرآن الكريم كانوا يأخذون الإيمان مع القرآن، كما يقول ابن مسعود: فكانت تنزل الآيتا العشير فيتفقهون في هذه الآيات، فيأخذون ما فيها من علم وعمل وإيمان. هذا هو الذي ينتفع بالقران، لذلك لا تتعجبون لما ترون شخصاً قد يكون حافظاً للقرآن الكريم وعند القراءات، لكن قلبه ما يعيش مع القرآن ولا يتاثر بالقران، وبالعكس ممكن يتلو آيات آيات النار وهكذا يترنم فيها ترنم عجيب، كأن يتلو آيات كأن يتكلم الآن عن يعني حادثة عادية أو كذا، ما يتاثر بها! لماذا؟
لأن هذا أخذ القرآن ليس بالطريقة التي كان يأخذها السلف الصالح أو الصحابة رضي الله عنهم. القرآن له طريقة، له منهجية في الأخذ، إذا خلا الإنسان بالأخذ بهذه المنهجية لن ينتفع من القرآن كثيراً، لأن القرآن على قسم من الناس كما قال الله: ﴿وَهُمْ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44]، وقال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِم﴾ [التوبة: 125]. فالقران يؤثر بقدر ما عندك من إيمان، بقدر ما عندك من. وهذه الآية تكررت كثيراً في مطلع السور، ذكر الله سبحانه وتعالى أثر الهدى، أثر الإيمان في تلقي القرآن الكريم.
وهذا تكرر في أكثر من عشرة مواطن في القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى يقول مثلاً في مطلع هذه السورة يقول: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 2]، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 77]، وكذلك في سورة الأنعام، وفي سورة يونس، وفي غيرها من السور، وكذلك في سورة الجاثية، وذكر فيها اليقين هناك.
فالقصد أن القرآن هدى ورحمة، لكن لمن؟ لأهل الإيمان، لأهل الإيمان. لذلك الشخص إذا أُريد أن يُفتح عليه في القرآن ليعظم الإيمان في قلبه، هذا شرط لفهم القرآن وللعيش مع القرآن الكريم. قال: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، كذلك الرحمة للمؤمنين. ابن كثير يقول في العمليات عندكم، والعمليات هنا المراد بها طبعا القرآن رحمة في كل شيء، في العلميات وفي العمليات. لكن المراد بالعمليات في كلام ابن كثير عندكم في الكتاب أن العمليات الشعائر العملية، ففيها تخفيف بخلاف الأغلال والآثار التي وضعت على أهل الكتاب بسبب كبرهم وعدم انقيادهم.
هنا الله يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: 78]. دع هؤلاء، فأمرهم إلى الله، والذي سيقضي عليهم هو الله سبحانه وتعالى، أي الذي سيحكم عليهم سبحانه وتعالى هو الله. قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾، قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، هنا أوتي باسم الله العزيز ليدل على القوة، على العزة، على السلطان، على القهر، على الغلبه. العليم هو العالم سبحانه وتعالى بما يقولون، وما يفعلون، وما يمكرون، وبماذا يختلفون.
ثم قال الله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: 79]. دعك هؤلاء وتوكل على الله، فالله حاميك وناصرك ومؤيدك سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾، الحق البين الظاهر الجلي.
ثم قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: 80-81]. قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، أي مثل هؤلاء الكفار بالموتى، ولا تسمع الصم الدعاء هؤلاء مثالهم مثال من به صمم لا يسمع، فمهما كلمته وذكرته ووعظته ونصحته لن يستجيب! لماذا؟ لان في أذنه صمم لا يدري ما تقول. قال: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، شخص أعمى هل تستطيع أن تدلّه الطريق؟ لا يمكن! لماذا؟ لأنه لا يبصر، لا يرى. فهؤلاء بهذه الصورة وبهذه الطريقة قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾. إذاً، يا ربي من الذي يستجيب؟ من الذي يستمع؟ من الذي يهتدي؟ قال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، هؤلاء هم أهل الإيمان الذين يؤمنون بآيات الله سبحانه وتعالى فهم مسلمون، هؤلاء هم الذين يستجيبون. ومعنى السمع هنا المراد به سمع الاستجابة وليس السمع الذي بمعنى سماع الأصوات.
فالسمع ياتي على ثلاثة معاني: المعنى الأول: بمعنى سماع الأصوات، المعنى الثاني: فهم الكلام، المعنى الثالث: الاستجابة للكلام. وهنا المراد بالاستجابة، فالكفار كانوا يسمعون لكن يسمعون سماع من لا يستفيد، من لا ينتفع، فمثالهم مثال الذي لا يسمع وحاله كحال الذي لا يسمع. قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن آية عظيمة ستوقع في آخر الزمان، نتكلم عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري