دخولتسجيل الدخول

سورة النمل 06 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، الصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم إخواني وسدد على طريق الخير الله جميعًا. نكمل هذه المدارسة لسورة النمل. كنا قد توقفنا في الدرس الماضي عند الحديث عن قصة صالح عليه السلام وكذلك قصة لوط عليه السلام، وذكرنا علاقة هاتين القصتين بمقطع هذه السورة، وكذلك الارتباط الوثيق بينهما وبين واقع النبي عليه الصلاة والسلام في مكة.

بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه القصص المختارة من قصص الأنبياء، وذكر علاقة الأنبياء مع أقوامهم وكيف كذب الأقوام الأنبياء، انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث الآن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولام الخطاب مباشر إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59].

يقول يا محمد: الحمد لله. احمد الله سبحانه وتعالى على جميع النعم التي منَّ الله سبحانه وتعالى بها عليك. احمد الله سبحانه وتعالى على نعمة الهداية، على نعمة الإيمان، على نعمة التوحيد. احمد الله سبحانه وتعالى أنك اخترت من ضمن هؤلاء الأنبياء المختارين. فكما أن الله اختار موسى عليه السلام واختار داوود وسليمان وصالح ولوط، فأنت في صف هؤلاء، مع هؤلاء الصالحين، ولست من الطرف المقابل أو الصف المقابل. وهذه النعمة نعمة الهداية هي أعظم النعم على الإطلاق.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]. والله يقول كذلك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. فأعظم النعم على الإطلاق هي نعمة الهداية إلى الدين. قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته الإسلام والقرآن. وبفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، أي يفرحوا على نعمة الإسلام، افرحوا على نعمة القرآن.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول: قل يا محمد الحمد لله الذي منَّ علينا بجميع هذه النعم، الحمد لله الذي أهلك هؤلاء الكفار وطهر الأرض من رجس هؤلاء الذين عادوا الأنبياء والمرسلين. قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. بعد ما ذكر هؤلاء المصطفين من الرسل الكرام رضي الله عليهم السلام، قال: وسلام على عباده الذين اصطفى، كما قال الله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 181].

هنا أول ما يدخل في عباد الله سبحانه وتعالى المصطفين هم أنبياء الله سبحانه وتعالى. هنا الله يسلم على أنبيائه سبحانه وتعالى، والتسليم من الله سبحانه وتعالى معناه الأمان والبركة. وكذلك يدخل في عباد الله سبحانه وتعالى الذين اصطفاهم أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، كما يقول السدي وكذلك الثوري. قل الحمد لله، ثم بعد ذلك الله يسلم على أصحاب نبيه: وسلام على عباده الذين اصطفى.

كيف شعور أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وهم في مكة يعانون ويبتلون ويعذبون من هؤلاء الكفار لما يسمعون مثل هذه الآيات؟ هذه الآيات فيها تثبيت، وأي تثبيت؟ هنا الله سبحانه وتعالى يثبت أولياءه وأصحاب نبيه عليه الصلاة والسلام، ويبين لهم بأنكم قد اخترتم من جميع من يعيش فوق الأرض، أنتم المجموعة المختارة حتى تصحبوا هذا النبي الكريم. فإياكم أن تفرطوا بهذا الاختيار، إياكم أن تفرطوا بهذا الاصطفاء.

قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. لما يقرأ بلال بن رباح هذه الكلمات، هذه الآيات، كيف يشعر؟ هو الآن اختير من قبل الله سبحانه وتعالى حتى يكون تابع لهذا النبي. عمار بن ياسر، وصهيب الرومي، وفلان وفلان، الصديق، الفاروق. كل واحد من هؤلاء الصحابة تم اختياره من الله سبحانه وتعالى. إن الله اطلع إلى قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته. ثم اطلع إلى قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].

سلام على عباده، هنا إضافة العباد إلى الله سبحانه وتعالى إضافة تشريف. الذين اصطفى، هنيئًا لمن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى واختارهم. بعد ما ذكر الله هذه القصص العظيمة المزلزلة، وتوجه الخطاب الآن إلى أوليائه، إلى أصفياءه: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59].

ثم انتقل الحديث إلى الحديث عن العبودية: هل الله سبحانه وتعالى خير، أم هؤلاء الأصنام التي يشركونها مع الله سبحانه وتعالى؟ من الذي أنجى أولياءه؟ الآن الصراع بين موسى وفرعون انتهى بانتصار من؟ بانتصار موسى عليه السلام وغرق فرعون. الصراع بين سليمان ومن كان يعادي سليمان دائمًا ينتهي بانتصار سليمان. الصراع الذي وقع بين ثمود وصالح عليه السلام انتهى بانتصار صالح. الصراع الذي وقع بين لوط وبين قومه ولم يكن معه منع ولا قوة انتهى بانتصار لوط وهلكت قومه. لماذا؟ دائمًا الأنبياء ينتصرون لأن الله سبحانه وتعالى هو وليهم.

هنا الله يقول: ﴿أَلَّا اللَّهَ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59]. فالنتيجة التي ستقع معكم مثل النتيجة التي وقعت مع من قبلكم من الأمم، سينتصر محمد صلى الله عليه وسلم وسيفتح الله به البلاد، وسيكون انتصاره مختلف عن انتصار جميع الأنبياء والمرسلين، وسيعذب هؤلاء الكفار ويهلكون، ولن يستطيعوا أن يصنعوا شيئًا إلا ما يقدر الله سبحانه وتعالى. الله خير أما يشركون؟ قطعًا الجواب هو الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60]. من الذي خلق السماوات والأرض؟ هو استفهام إنكاري تعجبي. أنتم الآن تنظرون إلى هذه السماوات والأرض، من الذي خلقها؟ الآن الله يعدد نعمه سبحانه وتعالى، ويعدد آياته الدالة على قدرته، الدالة على التفرد سبحانه وتعالى بالخلق وبالسلطان وبالملك وبالأمر. أمن خلق السماوات والأرض؟ لا أحد خلقها إلا الله سبحانه وتعالى، إذا لماذا يتم الإشراك معه غيره؟

من الذي أنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة؟ ينزل هذا المطر من السماء فتنبت الأرض ذات بهجة، أي زهور وورود وأشجار ذات منظر حسن. من الذي خلق من الأرض هذه النباتات وأخرجها بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ من الذي يستطيع على هذا إلا الله سبحانه وتعالى؟ وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة، بساتين، والحدائق البساتين المحاطة المسورة. قال حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، ما تستطيعون لا أنتم ولا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله أن تنبتوا هذا الشجر. ثم قال الله: أإله مع الله؟ هل هناك إله مع الله يفعل هذا الفعل؟ الجواب: لا. إذاً كيف يعبد غير الله سبحانه وتعالى؟ ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: 60]، أي يشركون، يميلون عن الحق إلى الصواب.

خذ الآن هذه الآيات، تصور الآن سياق القرآن وينزل على العرب الأقحاح، وهم يستمعون إلى مطلع هذه السورة بالحروف المقطعة التي يعرفون أن هذه حروف عربية لكن لا يعرفون المغزى منها، ثم يأتي بعد ذلك الثناء على القرآن الكريم، ثم يتتابع الحديث حتى تأتي قصص الأنبياء ويعيشون مع هذه القصص، ثم بعد ذلك يكون الانتقال والالتفاتة العظيمة في خطاب هؤلاء الكفار لتقرير التوحيد والمبالغة في إقامة الحجة. أمن خلق السماوات والأرض؟ ينظرون إلى السماوات، ألا يعلمون بأن خالقكم الله؟ ولو سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون: الله. إذاً هم يعلمون بأن الذي ينزل المطر هو الله، والذي خلق السماوات والأرض هو الله، إذاً لماذا تعبدون ما غيره؟ أإله مع الله؟ الجواب: لا. بل هم قوم يعدلون، يشركون مع الله سبحانه وتعالى غيره، جعلوا له عدلاً، جعلوا له شريكًا سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 61]. من الذي جعل الأرض بهذه الصورة وبهذه الطريقة قرارًا ساكنة لا تميد بأهلها؟ الجواب هو الله. من الذي جعل الأنهار في هذه الأرض، هذه المياه العذبة التي تستقون منها وتعيشون بسببها؟ الجواب هو الله. من الذي جعل الجبال في هذه الصورة رواسي تثبت الأرض حتى لا تتحرك وتضطرب؟ الجواب هو الله. من الذي جعل بين البحرين حاجزًا لا يختلط الماء المالح على العذب ولا العذب على المالح فلا يفسد الماء المالح الماء العذب؟ من؟ الجواب هو الله: وجعل بين البحرين حاجزًا. أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟ الجواب لا أحد، إذاً لماذا يعبد معه غيره؟

ثم قال الله: بل أكثرهم لا يعلمون، بل أكثرهم لا يعلمون توحيد الله، لا يعلمون سلطان الله، لا يعلمون عاقبة هذا الكفر، لو كانوا يعلمون لما فعلوا، لا يعلمون ما الذي سينتظرهم في جهنم يوم القيامة، لو كانوا يعلمون علم اليقين لما فعلوا هذه الأفعال، لكن المشكلة أنهم كانوا في شك في ريب، ما قدروا الله حق قدره سبحانه وتعالى، لذلك سهل عليهم أن يكفروا بالله. ولكن لو عرفوا سلطان الله وقوة الله وعظمة الله سبحانه وتعالى لما فعلوا هذا الأمر. قال: بل أكثرهم لا يعلمون.

ثم قال الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62]. انظر الآن كيف الآيات تتوالى في خطاب هؤلاء الكفار وهم كلهم يوقنون ويقرون بما في هذه الآيات والدلائل. أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون؟ من الذي يجيب المضطر؟ المضطر الذي وقع عليه الضر، المجهود، المكروب، المبتلى، من الذي يجيبه؟ الجواب هو الله.

التقى النبي عليه الصلاة والسلام مع رجل يقال له حصين، فقال: يا حصين، كم إلهًا تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: من الذي لرغبتك ورهبتك؟ لما تعظم عندك الرغبة من تطلب منهم؟ لما يشتد عليك الخوف والكرب من تطلب؟ فقال: الذي في السماء. فقال: إذاً لماذا تعبد الذي في الأرض؟ فأسلم. هؤلاء الكفار كانوا إذا ركبوا في الفلك ولعبت بهم الأمواج وأيقنوا بالهلاك دعوا الله سبحانه وتعالى مخلصين له الدين، فإذا أنجاهم الله سبحانه وتعالى أشركوا معه غيره: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: 67]. ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، لا تجأرون ولا تلتجئون ولا ترجعون إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده، إذاً لماذا تشركون مع غيره؟ لماذا تعبدون أصلاً؟

أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض؟ نقف عند هذه: ويجعلكم خلفاء الأرض. الله سبحانه وتعالى جعل ذرية آدم، بل جعل آدم هو الوارث في الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. جعل في الأرض خليفة، أي مخلوق جديد يتوارثه أبناؤه، يخلف كل جيل الجيل الذي قبله، يخلف كل جيل الجيل الذي قبله. من الذي جعل الأرض بهذه الطريقة؟ الآن مخلوق يخلق بعد الإنس والجن، يخلق بعد الجن والملائكة، وتراد منه عبادة معينة ومحددة، ثم بعد ذلك هؤلاء يتوارثون.

هنا ويجعلكم خلفاء الأرض فيها أكثر من آية، أكثر من علامة. ارجعوا إلى أبيكم آدم، آدم كان على أي دين؟ ومن الذي خلقه؟ الله سبحانه وتعالى. كان يعبد من؟ الله سبحانه وتعالى. ثم آدم لماذا خلق أصلاً؟ يعني لماذا آدم عليه السلام خلق والملائكة كانت موجودة قبل آدم؟ وكانت تعبد الله سبحانه وتعالى. وسألت الملائكة سؤالاً تريد أن تعرف الحكمة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]؟ فكانت الإجابة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. أعلم أن من ذرية آدم سيخرج أنبياء ومرسلين وستكون هذه العبودية مختلفة.

عبودية آدم عليه السلام وذريته تختلف عن عبودية الملائكة، فالله يريد أن يظهر آثار أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى، كاسم الغفور، كاسم التواب. فالملائكة تسبح، الملائكة تعظم، تنزه، لكن ما تستغفر، تستغفر الذين آمنوا لكن هي لا تستغفر لأنها ما تقع في ذنوب ومعاصي. فالملائكة عباد مسخرة للعبادة، عباد مسخرة فقط للعبادة. أما الإنس بهم مادة سفلية أرضية، وفيهم مادة علوية سماوية، البدن يميل إلى الأرض والروح تميل إلى السماء، فيحدث هذا الصراع، هنا تظهر عبودية الاختيار.

والصالح من الإنس بالأصل أفضل مصطلح من الملائكة بالأصل، وليس كل صالح من الإنس أفضل من كل صالح من الملائكة، لكن من حيث الأصل. هنا الله يقول: ويجعلكم خلفاء الأرض. تأملوا وانظروا في هذه الآيات، هذه الدلائل، كيف يذهب جيل ويأتي جيل؟ يذهب جيل ويأتي جيل وتناسخ الأجيال. هذا التناقل، هذا التناسق كيف يكون؟ كيف يحدث؟ قال: ويجعلكم خلفاء الأرض. إذا كانت الأجيال هكذا تتناسخ وتتوالى، هذا كله لأجل لا غاية له؟ لا مصلحة منه؟ فقط هكذا يعني يخلقون ثم يموتون ثم لا شيء؟ ارجعوا إلى عقولكم، تفكروا، تذكروا.

أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟ الجواب قطعًا لا. أإله مع الله يعبد؟ كيف تعبدون غير الله سبحانه وتعالى؟ هو الذي جعلكم بهذه الصورة وبهذه الطريقة، هو الذي يجلب المطر، هو الذي يكشف السوء، هو الذي جعلكم خلائف في الأرض آية ودلالة. جيل يخلف جيل، والجيل الأول كان كله موحدًا إلى زمن نوح عليه السلام، ثم بعد ذلك في كل الأجيال إذا انتشر الكفر يقضى عليه ثم يقضى عليه، في زمن نوح قضي عليه وعاد التوحيد صافيًا في الأرض، ثم لما جاء الشيطان بعد ذلك واستولى على عقول من استولى عليهم ونفوسهم رجع الشرك ثم تم القضاء عليه.

في زمن هود وفي زمن صالح تم القضاء عليه، وهكذا كل ما ينبت الكفر يقضى عليه. فلماذا لا ترجعون؟ لماذا لا تتذكرون؟ والله يذكر لكم قصص الأنبياء السالفين، وهذا التعاقب كله فيه آية ودلالة على قدرة القدير سبحانه وتعالى. أإله مع الله؟ قليلًا ما تذكرون، أي ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق. هذا الآن لو تذكرت قليلًا، يحتاج من الإنسان إعمال للذكر، فإذا أعمل الفكر تذكر، فعملية التفكر تسبق التذكر، فهو الآن يفكر ثم يتذكر.

لكن هؤلاء لا يتذكرون، ما ينفع معهم هذا الأمر، لماذا؟ لأن الشيطان مستولي عليهم، التعصب القبلي مستولي عليهم، الانتماء الشديد هذا النفسي الحجة النفسية مستولية على عقولهم. لذلك هؤلاء لابد أن تكسر هذه النفس، هذا الحاجز حول النفس لابد أن يكسر، حتى تصل هذه الحجج إليها.

ثم قال: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: 63]. أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر لما تضلون في البر والبحر؟ كيف تعرفون الطرق من خلال النجوم؟ من خلال الرياح. طيب من الذي جعل هذه العلامات موجودة في الأرض حتى تميزوا الطرق؟ الله سبحانه وتعالى. هذه النجوم علامات، وبالنجم هم يهتدون.

ومثل هذه الآية وهذه الدلالة وهذه العلامة إذا ما عرفها الإنسان ممكن تكون النتيجة هلاك، يعني شخص يضيع في البحر ولا يعرف أين الطريق، ولا يدري كيف يسير، ما يستفيد مما هو موجود من النعم والعطايا الإلهية في البحر؛ لأنه سيضل فما يذهب. إذاً، وجود العلامات التي فيها حياة للبشر، يعني هذا الأمر قد الإنسان ما يستوعبه لأول مرة أو لأول ما يعرض له، لكن هو لو ما وجدت هذه العلامات، لم ينتفع الإنسان بأي شيء في الكرة الأرضية؛ لأنه يخاف أن يخرج من مكانه، كيف سيرجع إليه؟

قال: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي المطر. فيرسل الرياح سبحانه وتعالى بشراً بين يدي رحمته أي أمام المطر، فالرياح تحرك السحاب حتى تنزل المطر. أإله مع الله يفعل مثل هذه الأفعال؟ قطعا لا، إذاً لماذا يعبد معه غيره؟ تعالى الله، تعالى الله، تنزه سبحانه وتعالى وتعظم عما يشركون.

ثم قال: ﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. والآن انتقال إلى المشكلة التي كانت عندهم. ﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: 64]. الذي بدأ الخلق قادر على إعادته سبحانه وتعالى، فكما أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من عدم يستطيع أن يعيده من باب أولى بعد ما خلقه، فالإعادة أسهل من البدء، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، إنه هو يبدأ ويعيد.

أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ من الذي يمن عليكم بهذه الأرزاق التي تنزل من السماء أو التي تنبت في الأرض؟ الجواب هو الله سبحانه وتعالى. هل هناك خالق آخر رازق آخر غير الله؟ لا يوجد، إذاً لماذا تشركون مع غيره؟ قل هاتوا برهانكم، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

ثم قال: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]. لا يعلم أحد في السماوات من الملائكة ولا في الأرض من الملائكة والإنس والجن الغيب إلا الله فقط. الغيب لا يعلمه إلا الله. الغيب اسم عام لكل ما لا يعلمه الإنسان، والساعة من أخص الغيب، والله سبحانه لا يظهر بعض غيبه إلا على رسله، بعض غيبه وليس جميع غيبه، أما علم الساعة فهذه لا يعرفها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.

يقول جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام. قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله فقط، هو سبحانه وتعالى الذي يعرف الغيب. ما تدري نفس في أي أرض تموت، لا يدري الإنسان كم سنة يعيش، لا يدري إلى أين سينتقل، هذا كله خاص وخالص بالله سبحانه وتعالى، لا يعرف البشر ما الذي سيقع غداً ولا ما الذي سيقع بعد سنة، مستحيل، هذا خاص بالله سبحانه وتعالى.

ثم قال: وما يشعرون، وما يشعرون أيان يبعثون. هنا جاء بلفظ الشعور، هذا اللفظ الرقيق الدقيق، إن هؤلاء لما تأتي الساعة لن يشعروا بقرب الساعة، إنما فجأة هكذا تأتيكم بغتة. قال: وما يشعرون أيان أي وقت البعث، أيان يبعثون.

ثم قال بعد ذلك: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل: 66]. بل ادرك اختلف العلماء فيها لعدة أقوال: قيل بل ادرك علمهم في الآخرة أي اكتمل علمهم في الآخرة، اكتمل لما يأتي يوم القيامة ويخرجون من قبورهم هنا يوقنون، أما الآن فعلمهم قاصر. وقرأت قراءة ثانية بل ادرك، ادرك أي لاحق تبع، فلاحقهم هذا العلم حتى جاء يوم القيامة وعلموا بذلك. قال: بل ادرك علمهم في الآخرة، لكن في الدنيا وصل منتهى علمهم في الآخرة هي بل هم في شك منها. منتهى علمهم في الآخرة وهم في الدنيا بل هم في شك منها.

إذاً بل ادرك علمهم في الآخرة اجتمع وتتابع علمهم، فلما يأتي يوم القيامة يوقنون، ويكونون قد دخلوا في عين وصلوا إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين كذلك. بل ادرك علمهم في الآخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمون. عمون أي أعمياء القلوب، هم جهلة لا يبصرون ولا يستوعبون، وتم طمس هذه القلوب بسبب الفساد النفسي الفساد القلبي، لذلك منع هؤلاء من وصول الخير إليهم، تقام عليهم الحجج تلو الحجج ولا تؤثر في عقولهم لفسادهم، ﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

فالقصد من هذا كله إيش؟ أن الإنسان مهما أقيمت عليه الحجج العقلية إذا ما كان صاحب نفس تريد الحق تريد الخير لن يهتدي. لكن لابد من إقامة الحجة العقلية حتى ما يأتي ويقول لنا الحجة لم تقم عليه، ولكن الحجة العقلية إذا كان الشخص لا يريد أن يهتدي، قلبه مطموس لا يريد أن يعرف الحق، هذا لن يهتدي إلى خير.

قال: بل ادرك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون. ثم انتقل الحديث بعد ذلك عن الكفار وتعجب الكفار واستنكار الكفار لهذا اليوم بإذن الله نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.