الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فأحييكم إخواني وأبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل مدرسة سورة النمل، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 61].
بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة موسى عليه السلام، ثم بعد ذلك ذكر داوود عليه السلام، ثم فصل بقصة سليمان عليه السلام، انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك للحديث عن نبي من الأنبياء العرب، والأنبياء العرب أربعة منهم فقط، وهم: شعيب، وهود، وصالح، ومحمد صلى الله عليهم أجمعين. فصالح كان في الحجر، وكانت قريش والعرب يعرفون قصة صالح وطرفًا من قصته، ويعرفون مدائن صالح عليه السلام.
هنا الله سبحانه وتعالى، بعد ما قص قصة سليمان عليه السلام، انتقل إلى الحديث عن أول نبي عربي يعرف هؤلاء، فبدأ بذكر أنبياء بني إسرائيل وهم موسى عليه السلام، ثم داوود، ثم سليمان، وداوود عرج عليه ولم يذكر تفصيلًا، ثم بعد ذلك انتقل للحديث عن صالح عليه السلام، وذكر قصة صالح من غير أن يذكر تفاصيل هذه القصة وكل ما يتعلق بها، إنما كان القصد هنا من الحديث بيان عاقبة هؤلاء.
لما ندخل في هذه القصة وننظر ما هي المعاني التي يراد إبرازها -والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده- هذه السورة تكلمت عن اسم الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم، والثناء على القرآن الكريم، ثم تم قص هذه القصص المتعلقة بالأنبياء، وكل قصة بها أكثر من فائدة للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك للصحابة، وكذلك لأعداء النبي عليه الصلاة والسلام.
فهنا في قصة صالح، الله سبحانه وتعالى يذكر أن صالحًا مبعوث من قبل قومه. أول معنى ظاهر جدًا من هذه القصة هو لفظ: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. هنا الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النمل: 61]، هذه صلة الرسل أجمعين؛ جميع الرسل يدعون الناس إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نَقُولُ إِنَّمَا أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: 3]، القصد أن كل نبي يبعث إلى قومه يدعو أقوامة إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده وإلى تقوى الله سبحانه وتعالى وحده، فهذه دعوة الرسل أجمعين.
هنا صالح عليه السلام دعا هؤلاء إلى عبادة الله، لما دعاهم إلى عبادة الله وحده، ما الذي وقع؟ ما الذي جرى؟ ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾. هذا المعنى الأول الظاهر والبارز الذي يريد الله سبحانه وتعالى إبرازه: عبادة الله، وهذا الذي كان يقوم به النبي عليه الصلاة والسلام ويدعو إليه. قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام، كان أهل مكة مجتمعين على الكفر، فلما جاءتهم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام فرقتهم، كما فرقت دعوة صالح عليه السلام قوم صالح.
فصالح لما بُعث إلى هؤلاء، إلى ثمود، كانوا مجتمعين على الكفر، فلما دعاهم إلى التوحيد انقسموا إلى قسمين: قسم مؤمن، وقسم كافر. إذًا ليس كل اجتماع مصلحة، وليس كل اجتماع ممدوحًا، إنما الاجتماع الممدوح هو الذي يكون على الحق، فكلمة الحق أعظم من كلمة الاجتماع. فإذا لم نجتمع على الله سبحانه وتعالى فعلى ماذا نجتمع؟ فالاجتماع إذا كان على الحق فهذا هو الاجتماع الممدوح، أما الاجتماع إذا كان على باطل فهذا مذموم. ونحن أهل السنة والجماعة، أهل السنة أي المتبعين الملتزمين بطريقة النبي عليه الصلاه والسلام، والجماعة أي كذلك نجتمع على الدين، على الإسلام، وما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فأصل السنة وأصل الجماعة لا بد أن يُفقه كما جاء به الدين.
القسم من ذلك هنا، الله سبحانه وتعالى يبين للنبي عليه الصلاة والسلام بأن هذا الذي وقع لك مع قومك هو بالضبط الذي وقع مع صالح عليه السلام؛ دعوت الناس، فأنقاد لك مجموعة والعدد الأكبر لم ينقد لك، وهكذا كان صالح عليه السلام: ﴿مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ۚ فَانْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 72]. والذين كانوا معه كانوا مستضعفين، كحال الصحابة رضي الله عنهم في مكة، قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ﴾؟ قالوا: «إنا بالذي أرسل به مؤمنون». فالذي وقع مع النبي عليه الصلاة والسلام هو بالضبط ما وقع مع صالح عليه السلام. إذًا هذا المعنى الأول والبارز الذي أراد إبرازه في هذه السورة.
ثم قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ﴾، صالح عليه السلام يخاطب قومه ويتلطف معهم بالخطاب، والله يعلم النبي عليه الصلاة والسلام كيف يدعو قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: 46]. قال: يا قوم، هذا تلطف في الخطاب في مقام الدعوة، في سياق الدعوة نستخدم الأسلوب اللطيف، لكن في سياق الحرب نستخدم الشدة، ففي كل حال وكل واقع له أساليبه.
فهنا قال: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي بالعقوبة قبل الحسنة، قبل الرحمة، لماذا تطلبون العذاب؟ وهذا بالضبط ما قاله الكفار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يريدون العقوبة قبل يوم الحساب، ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾. طيب لماذا ما قلتم: «إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إلى سواء السبيل»؟ هكذا هم المتكبرون في كل عصر.
فهنا النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن الذي وقع مع صالح هو نفس الذي يقع معك الآن. قال: ﴿يَا قَوْمِ أَلَا تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. طيب، إذا كانت نتيجة هؤلاء مع كل هذا التلطف والبيان والتقرب إليهم بالأساليب الحسنة هي الكفر، فلماذا ندعو؟ من لدن حكيم عليّ.. لا، لا تدخل في هذا الباب، لا يجوز لك أن تدخل به، إنما الواجب عليك أن تدعو كما يريد الله لأنك عبد مبعوث من قبل الله، لكن النتيجة ليست لك، فلا تدخل بها. واحضر أيها الداعية ألا تدخل في هذه الأبواب التي لا يحب الله سبحانه وتعالى من العبيد الدخول بها.
فهنا صالح استخدم هذا الأسلوب، لكن هل هذا الأسلوب نفع؟ لا، لم ينفع. هل أثر فيهم؟ لا، لم يؤثر فيهم. هل انقادوا؟ لا، لم ينقادوا، إنما انقادت مجموعة من هؤلاء، لكن المجموعة الأخرى لم تنقد. طيب النتيجة؟ النتيجة إنزال العذاب. إذًا لماذا ندعو؟ لأنك عبد مبعوث من قبل الله.
ولا تدخل في هذا الباب. لماذا بعد ما عقروا الناقة قال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾؟ لماذا ثلاثة أيام؟ لماذا ما نزلت عقوبة مباشرة: "ليس لك الدخول في هذا الباب"؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد متى تحل العقوبة، متى تنزل العقوبة؛ هو العليم سبحانه وتعالى لست أنت أيها الإنسان.
هذا المعنى هو معنى اسم الله العليم وآثار هذا الاسم، واسم الله الحكيم وآثار هذا الاسم ظاهرة جدا في هذه القصص. والشخص الذي يعالج الدعوة ويعيش هذا الباب يعرف هذه المعاني؛ الشخص البعيد ربما ما يستحضر هذه المعاني، لكن الشخص الذي يعالج، يدعو الناس، يدعو أقاربه، ويرى السدود، لماذا ما تنزل عقوبة؟ ليس لك أن تتكلم بهذه الطريقة، هو العليم سبحانه وتعالى لست أنت، ممكن يهتدون، ما تدري متى. فواجب عليك أن تكون عبداً لله سبحانه وتعالى فقط.
هنا الله سبحانه وتعالى يقول حكاية عن صالح عليه السلام: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: 46]. أي تتوبون من كفركم وتعودون إليه وتنيبون إليه؛ إذا استغفرتم الله سبحانه وتعالى وتبتم من كل ما قلتموه وفعلتموه، الله سبحانه وتعالى سيرحمكم. هنا "لعل" و"عسى" المراد بها الجزم واليقين والتحقيق: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
النتيجة: ﴿قَالُوا طَيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ [الأعراف: 79]. زيادة في الكفر وزيادة في المعاندة وزيادة في الإصرار. قالوا: "أطيرنا"، أي تشاءمنا بك وبمن معك، أي بك يا صالح وبمن آمن معك. وسبحان الله، هذا التشاؤم يكرر على لسان العديد من هؤلاء الأقوام؛ فقوم موسى كانوا يطيرون بموسى ومن معه، وكفار مكة، إن تصنع حسنة يقول: "هذه من عند الله"، وإن تصنع سيئة يقول: "هذه من عنده"، وكذلك قصة حبيب النجار مع المرسلين الثلاثة في سورة يس بهذه الطريقة.
هنا وقع عليهم بلاء، وقعت عليهم نازلة، قحط، منع المطر من السماء. قالوا: "طيرنا بك"، يعني السبب في منع المطر من السماء هو ما جئتنا به من هذا الدين وهذا الكلام وهذا العلم الجديد الذي لا نعرفه. قالوا: "أطيرنا بك أو بمن معك"، فرج عليهم صالح عليه السلام قال: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [الأعراف: 80]. أي هذا القدر، سواء كان الحسن أو السيء الذي يقع عليكم من مصائب أو من خيرات، هذا كله يرجع إلى الله سبحانه وتعالى لا علاقة له بهؤلاء الأشخاص.
قالوا: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، المشكلة أنكم تختبرون ولكن ما تشعرون. المشكلة أن هذه البلاءات تقع عليكم هي بسبب ذنوبكم، فأنتم لما تعادون نبي الله سبحانه وتعالى بعد ما بعث إليكم، هذه لها عقوبة. فعداء الأنبياء وصراع الأولياء ومصادمة الدين والمعارضة، هذه كلها تحدث فيها عقوبة، ولا يجري في قدر الله سبحانه وتعالى إلا أمر متعلق بالذنوب والمعاصي.
عندما تقع الذنوب والمعاصي من البشر، الله سبحانه وتعالى يسلط عليهم الطغوات، ويوقع عليهم البلاءات، فهذه البلاءات التي تقع عليهم هي بسبب ما اقترفته أيديهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قُلْتُمْ أَفَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قُلْتُمْ هَٰذَا مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [الكهف: 49]. فالقصد أن كل ما يقع في كون الله وفي قدر الله سبحانه وتعالى له أسباب. فهنا هؤلاء لما كفروا وصارعوا وعاندوا واستكبروا، نزلت عليهم هذه العقوبات.
والكثير من الناس لا يحب أن يفكر بهذه الطريقة؛ القرآن الكريم يكشف لنا أسرار ما يقع في قدر الله سبحانه وتعالى، فلما يكون في بلد من البلدان أو يقع على شخص بلاء، لا ينظر إلى ذنوبه أو معاصيه وعقوقه وتخلفه عن الصلاة وتقصيره إلى آخره، بل هذا هو السبب الرئيسي. النبي ﷺ يقول: «ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما». فالذنوب هي التي تؤثر، والذنوب هي السبب الرئيسي في التأثير على حياة الإنسان.
فهنا يقول: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾؛ أنتم تختبرون، أنتم تبتلون بسبب ما تقومون به الآن من كفر، وهذه العقوبات تنزل عليكم وتحل عليكم، والسبب الرئيسي هو كفركم بالله سبحانه وتعالى وإشراككم معه غيره. ثم قال الله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48]. طبعاً هنا "قال طيرنا بك ومن معك" هنا رسالة للنبي ﷺ بأن هذا الكلام نفسه يقوله الكفار، وكذلك رسالة لهؤلاء الكفار؛ هم يعرفون صالح لأنهم عرب ويعرفون ما جرى لقومه، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العقوبات والبلاءات.
قالوا: "طيرنا بك وبمن معك"، قال: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، نفس الشيء يا أبو جهل، نفس الشيء يا أمية بن خلف، يا أبي بن خلف. ثم قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾. وكان في مدينة صالح تسعة رهط، أي تسعة أشخاص، وهنا أطلق لفظ "الرهط" وهو يُعد جماعة، يدل على أن كل واحد من هؤلاء كان له عصبة وكانت له مجموعة، كان له عشيرة؛ أي كان رجلاً وجيهاً في قومه.
وكان فائد هؤلاء رجل يقال قدار، وهذا هو أشقى الأولين. يقول النبي ﷺ: «أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين من يقتلك يا علي» وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي. فأشقى الأولين هو هذا، وكان كما قال عليه الصلاة والسلام رجلاً عزيزاً منيعاً في قومه، صاحب مكانة وجاهة وقوة في قومه. هؤلاء كانوا يفسدون في الأرض؛ كانوا يقطعون الطريق، كانوا يسلبون، كانوا يكفرون، وهذا أعظم الفساد على الإطلاق، وكانوا يصدون الناس عن الإيمان.
قال: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وهذا بالضبط هو حال أبي جهل وأمية بن خلف وأبي بن خلف وحال أتباع هؤلاء في كل جيل وفي كل عصر؛ لابد من وجود هذا القسم من الناس. قالوا: أي هؤلاء التسعة هؤلاء هم أشد قوم صالح فجوراً وفسوقاً، كفرهم متعدٍ وأعمالهم متعدية. قالوا: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنَبِيتَنَّ عَلَيْهِ فَلْنَقْتُلَنَّ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: 49].
بعد ما عقروا الناقة، فتعاطوا فعقروا، قتلوا الناقة وصالح عليه السلام تهددهم وأخبرهم بأن العقوبة ستحل بهم بعد ثلاثة أيام؛ ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، ذلك وعد غير مكذوب. قالوا: لماذا نقتل صالحاً قبل أن تنتهي الأيام الثلاثة؟ فتقاسموا وتحالفوا وحلفوا بالله بأن يقتلوا صالحاً ليلاً، فذهبوا إلى بيته، إلى منزله ليلاً، وقيل إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه، ف وهم في الطريق قتلتهم.
الملائكة، وقيل نزلت عليهم صخرة، وقيل نزل عليهم الجبل، فقصد أنهم ماتوا. فلما جاء أقوامهم ورأوا هؤلاء التسعة قد قتلوا، قالوا: صالح هو الذي قتلهم، فبدأ هنا الشجار بين هؤلاء الكفار وبين عصبة صالح أو عشيرة صالح.
ثم بعد ذلك أصبح الاتفاق أنهم ينتظرون أيام الثلاث، فإن وقع بهم العقاب فهنا صالح صادق ولن يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا، وإن لم يقع فهم وصالح شأنهم. وسبحان الله، هذا الأمر موجود عند العرب خاصة أكثر من غيرهم؛ العرب ينفون أن يقتل ابنه من غيرهم، ممكن هم يقتلونه لكن ما يجعلون غيره يقتله، مستحيل حتى لو كان مثلًا الأب أو شخص معادي لقريبه إلى آخره، ولكن مستحيل يقبل بأن الآخر هو الذي يقتله، وإن كان هو قد قتل أحدًا؛ يعني مثلا لو كان ابن عمه قتل أخوه هو يقتله، لكن ما يسمح للآخر بأن يقتله، وهذا عجيب في سيرة العرب وتعصب العرب لأقوامهم.
﴿تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لولي الدم أي عصبته عشيرته ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾. هذا بالضبط كذلك الذي أراده الكفار في مكة؛ أرادوا قتل النبي ﷺ، لذلك أبو طالب يأمر بني هاشم بأن يحوطوا النبي ﷺ في شعب أبي طالب. كان ينام النبي ﷺ وينام بنو هاشم بجانبه حتى لا يستطيع أحد أن يقتل النبي ﷺ. ومع أن أبا طالب كان كافرًا وقومه كذلك، وأكثر قومه كانوا كفارًا، لكن هذه هي العصبية.
ولم يبعث النبي ﷺ إلا في منع من قومه؛ لا يبعث الأنبياء في العادة إلا في منع من أقوامهم حتى يبلغوهم، وهذه هي القوة السياسية التي تمكن الداعية بأن يوصل الرسالة، فهم يحمون من القتل، لكن يقع عليه البلاء، هذا أمر طبيعي، وهذا كله له حسبة في الدعوة، ومن المهم أن الدعاة يعاونونها حتى لا يخطرون في دعوتهم.
إذن هنا الله يقول: ﴿تقاسموا بالله لنبيتنه أهله ثم لنقولن لولي الدم ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾. لماذا «مهلك أهله» وليس «مهلك صالح» معهم؟ قيل إن المراد هنا بالأهل أي صالحًا قومه، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: 4]، فآل فرعون هم فرعون وقومه. وقيل «مهلك أهله» فقط، أي الأهل حتى لا يدخل صالح فيهم، حتى يكونوا صادقين في التعريض؛ فهم لم يشهدوا مقتل صالح، فلم يقولوا «ما شهدنا مهلك صالح وأهله»، إنما «مهلك أهله» بالمجموع، يعني هم شهدوا مقتل صالح وأهله، لكن فقط أهله هم ما شهدوه.
لماذا؟ طيب هنا حرصوا على الصدق «وإنا لصادقون»، لماذا؟ لأن العرب من طبعهم الصدق، والعرب ما يكذبون، وهذه من أسباب اختيار العرب في بعث النبي ﷺ فيهم في آخر الزمان؛ فالرجل العربي يألف بالكذب ويستعظم الكذب، وفي أعرافهم الكذب لا يليق خاصة بالرجل الكبير.
لذلك أبو سفيان لما كان في غزوة، حررها الله سبحانه وتعالى ونصر أهلها، وبعث النبي ﷺ رسالته إلى هرقل، وكان هرقل في غزة وكان يريد الحج إلى بيت المقدس بعد أن انتصر على الفرس، وسأل: هل في أحد من عشرة هذا الرجل؟ فقيل: نعم، فأتي بأبي سفيان وقومه، وكانت هذه بعد صلح الحديبية، وسأله الأسئلة الشهيرة كما جاء في حديث ابن عباس في البخاري ومسلم، ومن ضمن الأشياء التي سأل فيها: هل يغدر؟ قال: لا، ونحن معه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: «وكنت رجلاً شريفًا مطاعًا في قومي»، اترمفع عن الكذب؛ لأنه قدمه وجعل قومه خلفه وقال إن كذب فأخبروني، قال: قد علمت أنهم لم يخبروه، ولكني كنت رجلاً شريفًا مطاعًا في قومي فترفع عن الكذب. هكذا هم العرب، فهؤلاء بقية العرف الباقي عندهم مؤثر، يستعظمون الكذب.
لذلك هم أخذوا هكذا يريدون أن يوروا، فما شهدنا مهلك أهله فقط، إنما مهلك أهله وصالح، فهم ذكروا صالح من أجل هذا، والله أعلم. ثم قال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. هم الآن مكروا لما قتلوا الناقة وبعد ذلك ذهبوا إلى صالح ليلًا وبدأوا المكر، والمكر هو الكيد الخفي أو التخطيط الخفي، فهم يريدون الوصول إلى مبتغاهم بطرق خفية بطرق ملتبسة، هذا هو المكر، هذا هو الكيد. فهم مكروا وأرادوا أن يقتلوا صالحًا عليه السلام من غير أن يعلم أحد، يعني ما قتلوا الناقة إلا بطريقة خفية ليس أمام الناس، هذا هو المكر، أنهم يذهبون في الليل ويتقاسمون ويقولون كذا وكذا.
ثم قال الله: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾، هنا المكر سبحانه وتعالى على سبيل المقابلة، المشاكلة باللفظ مع الاختلاف في المعنى. فهنا الله سبحانه وتعالى كان يستدرجهم؛ هم الآن وصل بهم الكفر إلى مداه، وصل الطغيان إلى مداه، فإذا وصل الطغيان إلى هذه الحال الله سبحانه وتعالى يأخذ الظلمة. يعني الظالم ما يؤخذ إلا لما يصل ظلمه إلى مداه حتى يكون أخذًا عبرة لكل معتبر. إن الله ليملي للظالم، يظلم يظلم يظلم، يملي له حتى إذا أخذه لم يفلته، هذه سنة الله سبحانه وتعالى القدرية في أخذ الظلمة والقضاء عليهم.
لكن انظروا كيف أن الله سبحانه وتعالى يهلك الطغاة؛ كيف يمكث الطاغية سنوات عديدة ولا يتم إهلاك من البداية، إنما يظلم ويظلم ويظلم ويفتك حتى يصل الظلم والفتك والتعدي والتجبر والطغيان إلى مداه، ثم يؤخذ حتى تكون حسرة عظيمة عليه وعلى أتباعه إن عاش، وكذلك فرحة تكون كبيرة وعظيمة للناس ويكون عبرة، أما لو أخذ من البداية ما تكون عبرة قوية.
هنا الله سبحانه وتعالى يمكر للذين آمنوا؛ ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. وقضية المكر هذه متكررة في القرآن الكريم كثيرًا؛ الكفار يمكرون، اليهود يمكرون، المنافقون يمكرون، والله سبحانه وتعالى يحمي أولياءه بمكره، هو سبحانه بكيده، سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
فهنا مكروا لكن تم استدراجهم بهذا المكر فقتلوا، فلما وصل بهم الحال إلى أن يهموا بقتل نبي الله صالح عليه السلام حلت بهم عقوبة الله سبحانه وتعالى. كذلك الحال مع الكفار في مكة، لما وصل بهم الحال إلى مداه، خلاص اجتمعوا في دار الندوة وهموا بقتل النبي ﷺ، ودخل معهم شيطان على صورة رجل من نجد، وكل واحد كان يطرح رأيًا حتى قال أبو جهل.
«إني أرى أن نأخذ من كل قبيلة، من كل عشيرة، رجلاً جلداً، ثم ندخل ونقتل قتلة رجل واحد، فيتفرق دمه بين قبائل مكة، فلا تستطيع بنو هاشم قتال الجميع، فتقبل بالدية». هذا هو المكر.
ووصل كذلك مكر الكفار إلى مداه؛ هم عذبوا، قتلوا ياسر، قتلوا سمية، ظلموا، ضربوا بلال، ضربوا عمار، شتموا النبي ﷺ، سبوه إلى آخره، ولكن لما وصل الحال إلى قتل النبي ﷺ هنا حلت العقوبة، وأنجى الله سبحانه وتعالى النبي ﷺ، ومكر الله سبحانه وتعالى بهم؛ قال: ﴿وَهُم مَّا يَشْعُرُونَ﴾ [يس: 75].
مكر الإنسان على قدر عقله وعلى قدر علمه، وعلم الإنسان وعقل الإنسان قاصر، ما يستطيع يستوعب أكثر مما يحتمل عقله وما يحتمل علمه من معلومات، فهو إنسان يبقى إنسان، ما يخرج عن دائرة الإنسانية هو ضعيف، ومكر الله سبحانه وتعالى هو مكر العليم سبحانه وتعالى، مكر الحكيم سبحانه وتعالى، فشتان بين مكر ومكر، وبين كيد وكيد، وبين تدبير وتدبير.
قال: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. هذا في ارتباط وثيق مع اسم الله العليم، الذي يمكر مكرًا مبنيًا على علم، مبنيًا على تقدير، فالله سبحانه وتعالى هو العليم، وكذلك هو سبحانه وتعالى الحكيم الذي يقدر متى ينزل الأمر، يضع الأمور في مواضعها، هو الحكيم سبحانه وتعالى.
قال: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم نتيجة المكر هذا: ﴿إِنَّا دَمَّرْنَاهمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. تم القضاء على ثمود عن بكرة أبيها، ولم يبق إلا الناجي مع صالح فقط، فنجوا وذهبوا إلى بلاد الشام، ويقال ذهبوا إلى فلسطين، فبكت فيها صالح عليه السلام حتى وفته المنية.
قال: فانظر كيف كان عاقبة مكرهم: ﴿إِنَّا دَمَّرْنَاهمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. أي بسبب ظلمهم خوت البيوت، لم يعد فيها أحد، ثم القضاء عليهم بالصحة والدمدمة. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وهذه السورة تتكلم عن العلم وعن الحكمة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
إذاً هنا ذُكرت قصة صالح عليه السلام، ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. إذاً هنا الرسائل عدة رسائل في قصص صالح؛ الرسالة الأولى أن النبي ﷺ مبعوث حتى يدعو الناس إلى العبادة، والثانية أن الذي وقع من النبي ﷺ من تفرقة الناس بالحق هذا أمر طبيعي وهذا لابد أن يقع، فالإنسان إذا فرق الناس بالحق وليس بالباطل فهذا الأمر لا بأس به، بل هذا هو نفس الدين.
ثم كذلك هنا الحديث عن الطغيان وما يفعل الكفار، هذا كله تنبيه لهؤلاء الكفار أن الذي تفعلونه هو نفس الذي فعله قوم صالح، والنتيجة هي النتيجة لن تتغير، وكذلك رسائل ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فأنتم أتباع النبي ﷺ سينجيكم الله سبحانه وتعالى إذا اتقيتم الله، أي يتقون عقوبة الله سبحانه وتعالى بالإيمان بنبيه، فلا تظنوا بأن هؤلاء الكفار يملكون شيئًا، هؤلاء لا يملكون أي شيء، هذا كله سيذهب وسينقضي ويزول.
ثم انتقى الله سبحانه وتعالى الحديث عن قصة لوط؛ قال: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُم مُّبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
قال: ولوطًا، لوط آمن بإبراهيم عليه السلام، وإبراهيم عن لوط عليهما السلام، ثم هاجر لوط وانتقل من إبراهيم عليه السلام إلى بلد أخرى حتى يدعوهم إلى الله. قال الله: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾. هؤلاء كانوا يفعلون الفعل الذي لم يفعله أحد من العالمين إلا في زمان لوط، وهم فقط قوم لوط، وفي زماننا هذا، أما في التاريخ كله في البشرية كلها فهذا فعل لا يمكن أن يفعل ولم يفعل، حتى كان بعض الأشخاص مثل الوليد بن عبد الملك يقول: لولا أن الله حدثنا في القرآن أن الذكر يأتي، لما صدقنا.
قال: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، الفاحشة اسم لما عظم من الذنب وظهر، ﴿وَأَنتُم مُّبْصِرُونَ﴾، أنتم تفعلون الفاحشة وأنتم تنظرون إلى من يفعلها، أو تبصرون انتكاس هذه الفترة، وكيف أن الحيوانات وبقية الأمم لا يفعلون مثل هذه الفاحشة، لا يفعلون إلا أنتم تبصرون.
أنت الآن تفصيل لهذه الفاحشة وبيان لشناعة هذه الفاحشة وتعجب لوط عليه السلام: ﴿أَتَأْتُونَ﴾ هنا الاستفهام تعجبي، ثم استفهام إنكاري: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. أمر عجيب كيف تفعلون هذه الفاحشة المخالفة للفطرة؟ والأمر لما يكون مخالفًا للفطرة يكون وازع الفطرة يمنع، فهنا إذا انتكست الفطرة فبالعادة ما ترجع إلا بالقوة أو يكون إهلاك هؤلاء.
فهنا ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُم مُّبْصِرُونَ﴾، دخل الشيطان عليهم في البداية وأخذ يستدرجهم، والشيطان له تفصيل في كتب السير في طريقة وقوع قوم لوط في الفاحشة. كيف وقعوا في هذه الفاحشة المناقضة للفطرة؟ الفطرة تمنع الإنسان أنه يفعل أشياء معينة، الفطرة مثلا تمنع الشخص من شرب البول، فالإنسان بفطرته حتى لو ما جاء نص هو ما يفعل، وازع الطبع هذا يمنع الإنسان، طيب كيف تفعلون هذا الشيء؟ هذا أمر عجيب، لكن هذا يكون بسبب استدراج الشيطان لهم، فالشيطان استدرجهم حتى أوقعهم في هذا الأمر، فلما تنتكس الفطرة يصعب على صاحبها أن يعود كما كان، ليس معنى هذا أنه لا يمكن أن يعود، ممكن يعود لكن الأمر يكون صعبًا، فانتكاس الفطرة مشكلة كبيرة ليست سهلة.
والإسلام يقوم على الفطرة، والإسلام دين الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، وكل ما جاء به الإسلام هو موافق للفطرة البشرية، والفطرة غير النزوة غير الشهوة، غير نفس الأمارة بالسوء. فهنا أمر النفس بالسوء ما يصل إلى فاحشة اليوم لماذا؟ لأن الفطرة تمنع، لكن ممكن في فاحشة الزنا مثلاً.
فالقص من ذلك أن لوط عليه السلام كان يستنكر ويتعجب من فعل قومه لهذه الفاحشة: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. قوم تصف بـالإسراف، مسرفون وعادون، وتجهلون. هنا جاء بتجهلون في سياق العلم: ﴿أَمْ لَدَيْكُمْ عِلْمٌ فَتَتَّبِعُونَ﴾، هؤلاء يجهلون عاقبة هذه الفعلة، ويجهلون كذلك على المعنى الثاني وهو المعنى الحمق والسفه؛ لما تقول فلان جاهل، إما أنه لا يعلم، أو أنه يفعل فعل الذي لا يعلم، فالجاهل الأول هو الذي لا يعرف، والجاهل الثاني هو السفيه الذي يفعل فعل الذي لا يعلم.
يعرف هؤلاء قوم سفهاء، قوم عادون، تجاوزوا الحد، مسرفون في المعاصي، أي أكثروا منها واستمروا عليها. فهنا جاء بلفظ «تجهلون»، ثم قال فما كان جواب قومه. انظر يا محمد كيف أن هؤلاء الذين دعاهم لوط عليه السلام إلى الفطرة المستقيمة، وأنت تدعو هؤلاء الكفار إلى الفطرة؛ كيف تعبدون آلهة شتى؟ كيف تزعمون وتعتقدون بأن الخالق هو الله سبحانه وتعالى ثم تشركون معه غيره، وأنتم أنفسكم إذا كنتم في البحر دعوتم الله؟ أمر عجيب كيف تفعلون هذا الشيء!
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، ويدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. هذه الهجرة سنة مكتوبة على أولياء الله سبحانه وتعالى لما يكونوا مع الفاسدين، ولم يكن الحكم للفاسدين والسيطرة للفاسدين، هنا «أخرجوا آل لوط من قريتكم»، نفس الشيء تم إخراج النبي عليه الصلاة والسلام وإخراج أصحابه. هذه كلها رسائل النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: استعدوا للهجرة، لن تمكثوا كثيراً عند هؤلاء الكفار، لن تبقوا معهم في هذه البلاد.
﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ يتطهرون أي من هذه الفعله، وهنا يحتمل أكثر من معنى. يحتمل أنهم كانوا يعتقدون بأن الذي يفعلون صواب ولا مشكلة فيه، هنا يكون انحراف بنفس التصورات. تعرفون بعض الناس يكذب لكن هو يعرف أن الكذب مخالف للفطرة أو ليس بصحيح، هو باعتداده الصدق أفضل من الكذب، وبعض الناس -وهذا قليل- يكذب ويرى بأن الكذب هو الصواب.
الناس ثلاثة أقسام: القسم الأول: أفعاله وأقواله موافقة لتصوراته، وهذا إذا كانت التصورات صحيحة فيكون هذا أنقى الأقسام، يعني هو يعرف الصدق بأنه من جاء وصدق ما يكتب، يعرف بأن الأمانة من الدين وموافقة للفطرة وهو الرجل الأمين، وهكذا يعرف أن هذا حرام؛ يعتقد أن مشاهدة الأفلام أو المسلسلات أو الاختلاط كله حرام وما يفعله يجتنبه ويبتعد عنه، يعرف أن الموسيقى حرام فيجتنبها، هذا الأول؛ فاعتقاده موافق لفعله وقوله، وفعله وقوله موافق لاعتقاده.
القسم الثاني: المقابل له، اعتقاده فاسد، يعني يقول لك لا، الكذب وين المشكلة فيه؟ الانحراف وين المشكلة فيه؟ وهكذا فاعتقاده فاسد وفعله يكون موافقاً لاعتقاده، هؤلاء الأنبياء عادة يبعثون لهؤلاء، وهذا أمر صعب جداً، هؤلاء إصلاحهم يحتاج إلى جهد كبير.
القسم الثالث: وهو أكثر الناس، الذي يكون عنده اعتقادات صحيحة وتصورات صحيحة ولكن أفعاله لا تكون صحيحة أو تكون مخالفة لها كثيراً، هو يعرف أن الكذب ما يجوز لكن يكذب، فيقول لك أنا مخطئ، يعرف بأن هذا ما يجوز لكن يقول لك أنا لا أستطيع أقوى نفسي. هذا القسم لما يعصر، ولما يكون في مواطن البلاء يكون مع القسم الأول. ليش ليس مع الثاني؟ يعني شخص مثلاً عنده مخالفات لكن هو ليس مستعداً أن يكون مع القسم الثاني، أو مثلاً في الزواج لا يتزوج من القسم الثاني، مستحيل، ولا يقبل بأن يزوج ابنته من القسم الثاني، يزوجه من القسم الأول أو من نفس قسمه، لكن من القسم الثاني مستحيل؛ لماذا؟ لأن هو يرى بأن هذا بعيد ومستحيل، هذا ما عنده غيره، يرى بأن الغيرة أصلاً خطأ، وهكذا.
فهؤلاء بلغ بهم الانحراف إلى درجة أن نفس التصورات انعكست، وهذا صعب، ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ قالوا هذا في سياق الاستهزاء، يستعجزون: كيف تطهرون من هذا الشيء الذي أصلاً لا يتطهر منه؟ أما عن المعنى الثاني، فإنهم يعرفون بأنهم مخطئون وأنهم يقومون به ليس بصواب، لكن قالوا كذلك إنكم تجريدون وتكونون أفضل منا. وودت الزانية لو زنت جميع النساء، وود السارق لو سرق جميع الرجال؛ هذا طبع موجود في الكثير من البشر، أنه لا يحب أن يكون لوحده مخالف الناس في الفساد، بل يريد الكل يكون فاسداً.
ثم قال الله: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: 83]. أنجاه الله سبحانه وتعالى وأهل أي ابنتيه إلا امرأته، امرأته كانت على دين قومها وكانت تدل قومها على أضياف لوط وإن لم تكن هي تفعل هذا الشيء، أو كرامة لنبي الله لوط وليس لها، ﴿فَخَانَتْهُمَا﴾ في سورة التحريم، خيانة الدين وليس خيانة الفراش. ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي من الهالكين، من الباقين في العذاب مع قومها. فأنجه الله سبحانه وتعالى لوط عليه السلام وابنتيه وخرجوا من هذه الديار، وهلك قومه، وقد أذاق جبريل عليه السلام بعده بلاءات.
ثم قال الله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذِرِينَ﴾ [الأعراف: 84]. أي عقوبة هؤلاء كان الحجارة من السماء نزلت عليهم كالمطر، وقلب جبريل بلادهم وقلبها فهي المؤتفكة، أهوى فغشاها ما غشا من البلاء والعقوبة والنكال الذي وقع بهم. هنا الله سبحانه وتعالى يهدد هؤلاء الكفار بأن عاقبة فعلكم مع نبيكم ستكون مثل ما وقع مع هؤلاء، فانتبهوا واحذروا. وكذلك الله هنا يقول: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ أي المؤمنين، فالذي آمن سينجيه الله سبحانه وتعالى ويحميه، فلا تخافوا من هؤلاء الكفار ولا تظنوا بأن هؤلاء يقدرون على أكثر من قدر الله سبحانه وتعالى، فهم لن يفعلوا بكم إلا ما يكتبه الله سبحانه وتعالى، هم لا يملكون شيئاً في الحقيقة.
هذه كلها رسائل تقوي وتعزز الإيمان في نفوس المؤمنين. طيب يا ربي لماذا لا تهلك أبا جهل الآن؟ لماذا يا ربي لا تهلك هؤلاء الآن؟ لماذا لا تنجينا؟ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو حِكْمَةٍ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 85]. هو سبحانه وتعالى يعرف متى يقدر الهجرة ومتى يكون الأمر المناسب، هذا كله يرجع إلى حكمته وإلى علمه سبحانه وتعالى، فإياكم أن تغفلوا عن اسم الله العليم واسم الله سبحانه وتعالى الحكيم. النفس لما تُبتلى تحب الشيء يأتي بسرعة، لكن الله سبحانه وتعالى هو العليم هو الحكيم.
قال لوط عليه السلام: ﴿قَالَ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]. أي هؤلاء الأقوام سيعذبون بالصباح، جاءت الملكة يا لوط أخبرت لوط أن هؤلاء ستنزل عليهم وتحل عقوبة الله بالصباح، فقال له: لماذا لا تنزل الآن؟ فقال: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾، يعني في باقي أربع ساعات أو خمس ساعات هذه لازم تأتي، طيب لماذا أربع ساعات أو خمس ساعات؟ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو حِكْمَةٍ عَلِيمٌ﴾. ثم قال الله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ أَلَا يَشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59].
انتقل سياق الحديث.
إن هؤلاء الكفار... وحمد الله سبحانه وتعالى، والثناء عليه، وذكر دلائل القدرة والوحدانية، نتكلم عنها -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم.
هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري