الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فأحييكم إخواني وبياكم، ونسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل مدرسة سورة النمل، كنا قد توقفنا عند قول الله تعالى في قصة سليمان عليه السلام: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 20-22].
بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى وراثة سليمان لداوود عليه السلام النبوة، وكذلك العلم، وكذلك ذكر الله سبحانه وتعالى ملك سليمان وعظمه، انتقى الله سبحانه وتعالى الحديث عن سياسة سليمان لملكه وسلطانه. وحتى نفهم هذا الكلام، لا بد أن نعي بأن سليمان عليه السلام -نستحضر عند قراءة هذه الآيات- هو نبي وكذلك ملك، نبي وملك. لماذا نذكر هذا؟ حتى نعرف أن سليمان عليه السلام الذي كان يقوم به هو عبارة عن وحي، عبارة عن تعليم من الله سبحانه وتعالى لكل من سيُسوس أمور الناس، لكل من سيؤثر في الناس. فهنا سليمان عليه السلام كان يتعامل مع جنده، مع أعدائه، إلى آخره، وهو ملك، وكذلك هو نبي.
الأمر الثاني أنه ملك، والملك يعني أن كل شيء في الوجود له طبيعة؛ إذا ما عرف الإنسان طبيعة الشيء في الوجود لا يستطيع أن يجتهد فيه. بمعنى الآن لما نأتي عند السياسة، السياسة من طبيعتها الكيد، كذلك ليوسف. لا يمكن لشخص أن يسوس الناس ولا يكون مع السياسة كيد. الحرب من طبيعتها الخدعة؛ لا يمكن لشخص أن يخوض المعارك ويقود المعارك ولا يخادع عدوه، فلا يأتي شخص ويقول بأن الحرب لابد أن نكون صادقين فيها مثلاً، فيأتي العدو يقول: كم عدد جندكم؟ فنقول: عدد جندنا كذا، وما عندكم من الأسلحة؟ فيقول: عندهم الأسلحة كذا وكذا وكذا، هذا شكلهم مخالف. فالنبي ﷺ يقول: «الحرب خدعة». كذلك هنا السلطان وسياسة الناس إلى آخره لها طبيعة، هذه الطبيعة إذا فهمها إنسان يعرف كيف يجتهد فيها. كل شيء في الوجود له طبيعة؛ الأبوة لها طبيعة، الأمومة لها طبيعة، وهكذا الصداقة لها طبيعة. فالملك له طبيعة، وسياسة الناس لها طبيعة.
هنا الله يقول: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾، الآن سليمان عليه السلام هو في مقام الملك، وكذلك هو النبي، والملك لا بد أن يكون حازمًا، ولا يستقيم الملك من غير الحزم، وليس الظلم إنما الحزم. هنا الله يقول: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. لماذا بالذات سليمان تفقد الطير؟ يقال بطير كانت تظل سليمان وتظل جنده، فكان الهدهد لم يكن موجودًا، فدخلت الشمس إليهم من مكان الهدهد فتفقد الطير وسأل عن هذا الهدهد: لماذا ليس موجودًا؟ أين هو؟ وقيل بأن الهدهد كان هو الذي يكشف لسليمان مكان المياه، فكان الجن تقوم بحفر الأرض بعد ما يدلهم الهدهد على مكان الماء، وقيل غير ذلك.
القصد من ذلك أن سليمان عليه السلام تفقد، وهذا التفقد يدل على معرفة، ليس هو من جنس الملوك الذين يغفلون عن سلطانهم وعن ملكهم بحجة أنهم جعلوا عرفاء إلى آخره، إنما كان يتفقد. وهنا لما ننظر في قصة سليمان، وننظر كذلك في قصة عمر بن الخطاب وسياسة عمر للناس، نجد أن عمر كان بهذه الطريقة؛ كان يعس بالليل. لماذا يعس؟ يخرج في الليل، يكفي أن ترسل الجند، لكن هو بنفسه كان يذهب وينظر ويتفقد أحوال الناس، أحوال الرعية. هذا هو التمام، هذا هو الكمال. هو ما كان يرسل غيره، لا، لكن معنى هذا: ما دمت تستطيع أن تقوم بشيء فقم به. لذلك هذه المقامات العالية والعظيمة والمنيفة لا يقوم ولا يصلح لها إلا أولو الإرادة من الرجال، والإرادة ليست للكل، لابد أن يكون شخص عنده هذه القوة النفسية، عنده هذا الحزم، عنده هذه القدرة، مع وجود الإيمان الذي يحمل الإنسان على القيام بهذه المقامات، وإلا سيظلم.
وهذا له شرح، القصد أن هنا سليمان عليه السلام تفقد، وهذا التفقد يدل على ملك سليمان وعلى حزم سليمان وعلى أنه يصلح لهذا المقام الذي أقامه الله سبحانه وتعالى إياه. فقال: ﴿مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، أي بل كان من الغائبين. ما هي النتيجة لو أنت ملك وفي مقام الملك، ليس الحكم العفوي، صحت العبارة، يعني لما تكون بينك وبين رجلين أو بينك وبين هؤلاء الناس مقربين منك، ولا يكون أمرًا عامًا، الأمر يكون سهلًا، لكن إذا وصل إلى السلطان الأمر يتغير ويختلف. لماذا؟ لأن الآن نفوس الرعية كلها تتشوه وتنظر. فإذا سليمان هنا ما حزم ولا شد، بل حكم بالحزم والقوة الموافقة للعدل وليست التي معها ظلم، هنا سيتفلت الناس، وهذه طبيعة الملك هكذا، فالذي يريد أن يقود لابد أن يكون حازمًا مع أن يكون عادلًا.
هنا قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾. عذاب شديد اختلف العلماء فيه كثيرًا؛ قيل أن ينتفش ريشه، وقيل أن يسجن مع غير جنسه، وقيل غير ذلك. قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، ليس هو ملكًا ظالمًا إنما هو عادل فحسب، هنا يتهدد ويتوعد حتى لا يتسهل الناس، وهذا الحكم العام غير الحكم الخاص. وهذا له شرح، لكن القصد أن القرآن يكشف لنا هذه المعاني ويبينها لنا، حتى لا يكون الشخص مثاليًا وليس واقعيًا لما يكون في هذا المقام أو لما يتعامل مع الجمهور. قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، إذا أتى بسلطان مبين بحجة بينة ظاهرة لن نفعل معه شيء، لكن لابد أن يأتي بهذا الأمر، كيف تتخلف من غير عذر؟
قال الله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. مكث غير بعيد، يعني زمن ليس بكثير، ثم لما حضر باشر سليمان، وبادر سليمان عليه السلام وقال: «أحطتُ بما لم تحط به»؛ علم الهدهد بأن سليمان لن يتركه ولن يدع الأمر، فلذلك بادر سليمان بأن قال مثل هذه الكلمات التي صدمت سليمان عليه السلام: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾، وسبأ في اليمن، ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، والنَبأ هو الخبر العظيم.
الخبر صاحب الشعب: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * عَمَّا يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 2-4]. فالنبأ هو الخبر العظيم، ليس الخبر العادي، بل الخبر الذي له شأن.
فهنا يقول: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. سليمان مملكته كانت في بلاد الشام في فلسطين، وحكم فلسطين وكذلك سوريا والأردن ولبنان، بلاد الشام كلها حكمها سليمان عليه السلام، لكن هذا الهدهد ذهب إلى اليمن. وكم بين الشام وبين اليمن من المسافة! قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، ليس نبأ أو خبر عام أو خبر قائم على الظن، إنما بنبأ يقين. هنا يعرف الهدهد أن الإمام ملك، والملك لا يحب أن يسمع الأخبار غير الموثوقة أو غير المؤكدة والتي ليس عليها أدلة، لأن ما عنده وقت أصلاً، وكل من يكون في هذا المقام وقريب منه هو يتعامل مع الناس بهذه الطريقة، لا يحب أن يضيع أحد وقته.
﴿فَقَالَ إِنِّي وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. إن امرأة هي في مقام الملك هي التي تملك، وهذا غريب، والنبي ﷺ يقول: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، فالقيادة ليست للمرأة إنما هي للرجل من حيث الأصل. قال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يؤتى الملوك عادة، ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، هذا سرير الملك ليس كغيره من الأسرة.
ثم قال: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وإن هذا ليدل على أن سليمان سخر هذا الملك والسلطة كلها لتعبيد العباد لرب العباد سبحانه وتعالى، فكان سليمان لا يتباهى بهذا الجيش وهذا الملك وهذا السلطان كما تتباهى الملوك، إنما هو مسخر لهذا الجيش لتعبيد الناس لله سبحانه وتعالى. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ من الذي زين لهم عبادة الشمس من دون الله؟ الشيطان، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن الطريق الصحيح والصواب.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. هنا الشيطان زين لهؤلاء وحسن لهم أن يعبدوا الشمس لماذا؟ حتى لا يسجدوا لله سبحانه وتعالى. ثم ذكر الهدهد الذي يخرج الخبء، يعني المخبوء المستور، هنا استدل بالوحدانية من خلال الربوبية، فاستدل بالربوبية على الألوهية، كما كان يستدل الله سبحانه وتعالى كثيراً في القرآن الكريم، وسياتينا في هذه السورة بالربوبية على الألوهية؛ فكما أنكم تعلمون بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله، إذاً لماذا تعبدون غيره؟ وإن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، إذاً تثبتون لله سبحانه وتعالى تمام الربوبية، فلماذا لا تعبدونه سبحانه وتعالى على وحدانيته؟ فالذي خلق هو الذي يستحق أن يُؤمر، ألا له الخلق والأمر.
قال هنا: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، تمام علم الله سبحانه وتعالى. هذه السورة تتكلم وتدور حول معنى العلم وتمام العلم، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم. ذكر في البداية: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. هذه الكلمات هزت سليمان عليه السلام؛ كيف يوجد على وجه الأرض أناس يعبدون غير الله سبحانه وتعالى؟ وأن يستطيع أن يدخل هؤلاء في الإسلام، أو أن يسلب ملك هؤلاء الكفار، كيف يمكن لهؤلاء أن يحكموا أرضاً من أراضي الله سبحانه وتعالى، وبقعة من سلطان الله سبحانه وتعالى من غير أن يعبدوا الله وأنا قادر على أن أمنع هؤلاء من الكفر وعلى أن أصدهم عن الكفر؟ هذا كلام أثار سليمان عليه السلام.
فقال سليمان: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾. هنا سليمان عليه السلام استخدم نفس الهدهد، لم يستخدم شخصاً آخر، لماذا؟ لأن الهدهد كان حريصاً على هداية هؤلاء، حريصاً على بيان الحق لهم، وحريصاً كذلك على إنجاء نفسه من عذاب سليمان، وهذا أمر مهم جداً في استعمال النص. بعض الناس يكون عنده إرادة في الشيء، هذا الأصل أن توكله إذا كان يستطيع أن يقوم بالمهمة؛ إذا وجد في الإنسان قدرة مع إرادة وكّله ولا توكل غيره. وهذا كله يدل على تمام فهم سليمان وعلم سليمان في سياسة النفس وتوجيه النفس. سليمان عنده جن وعفاريت يستطيع أن يبعثهم، لكن لماذا بعث هذا الهدهد؟ لأن هذا الهدهد حريص. نعم سيتأخر الأمر، ولكنه يريد أن يبين وأن يبلغ الرسالة بأفضل طريق وأعظم طريق، فلذلك سليمان عليه السلام اختاره. متى يترك القائد هذا الجندي ولا يستخدمه في تنفيذ المهمة؟ لما يكون عاجزاً عنها، لكن إذا كان يستطيع فليس من الصواب تركها.
﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عنهم واذهب إلى مكان لا ينظرون إليك، ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾. ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾، كريم أي نفيس أو كتاب عظيم أو كتاب ثمين، والكريم من كل شيء هو الثمين. لماذا هنا وصفت الكتاب بأنه ثمين؟ قيل وصفته بأنه كريم لجمال صورة هذا الكتاب وشكل هذا الكتاب وختم سليمان، وقيل كريم لما فيه من معانٍ عظيمة، وقيل غير ذلك.
﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ أي هذا الكتاب مكتوب من قبل سليمان عليه السلام، وهذا نص رسالة سليمان: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أي كتب سليمان أن هذا الكتاب من سليمان وكتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. هذه الرسالة بها تهديد وبها وعيد وبها علو وبها إثبات لله سبحانه وتعالى، وتسميتها بهذه الأسماء المعظمة الثلاث: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، بسم الله أي أستعين بالله سبحانه وتعالى في كتابتي هذا المكتوب وفي كل أمر من أموري. فلما نقول بسم الله الرحمن الرحيم أي كأننا نقول بسم الله أبدأ، بسم الله آكل، بسم الله أفعل كذا، فيكون المحذوف هو نفس الفعل الذي نريد أن.
أن نفعل أو أن نقوم به، فهنا سليمان يقول: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 31]. فقط، وأتوني خاضعين ذليلين منقادين.
قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ افْتِنِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: 32]. الآن رجع هذا الكتاب تقرؤه ملكة سبأ لبلقيس على قومها، ثم قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والملا هم الوجهاء الكبار من القوم، ﴿افْتِنِي فِي أَمْرِي﴾ أي أشيروا علي، والشورة فتوى، فذاك الشخص لما يستشعر لا بد أن يكون أميناً في هذه المشورة، يقول النبي ﷺ: «المستشار مؤتمن». ويقول: «من أشار على أخيه بشيء يعلم أن الرشد في خلافه فقد خانه».
هنا يقول: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ افْتِنِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32]. هنا ملكة سبأ كانت صاحبة شورى ولم تكن مستبدة، والاستبداد مخالف لطبيعة المرأة. قال: ما كنت قاطعة أمراً، قالت: ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون. هؤلاء الجند لما يعظمون الشخص يعقدون له ويفعلون كل ما يريده، هم كانوا معظمين لهذه المرأة، قالوا: نحن أولو قوة وبأس شديد، والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين؟
قالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34]. الآن هم رجعوا إليها وأعادوا الأمر إليها، يعني هم الآن يريدون القتال ما عندهم مشكلة، فالذي تريدنا سنفعله. قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وهذه عدة الملوك، الملوك إذا دخلوا أي قرية من قرى أو مدينة من وانتصروا يفسدون هذه القرية ويجعلون أعزة أهلها أذلة؛ لذلك الملك ما يسلم لما يتم الانقلاب عليه، لماذا؟ لأنه يعلم بأن النتيجة هي القتل، وهذا هو الطبيعي. فالذي يملك الآخر هنا لابد أن يجعل أعزة هؤلاء، من كان في موطن السلطان والحكم إلى آخره، أذلة حتى يستتب له الأمر.
قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، هنا تتم إما أن تكون من كلام الله سبحانه وتعالى أي تأييداً وإقراراً لهذا الأمر، أو يكون هذا الأمر من كلام بلقيس. ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35]. الآن هي تريد أن تختبر سليمان، هل سليمان عليه السلام هذا عقل بلقيس، هل سليمان ملك من جملة الملوك أو هو مختلف عنهم؟ يعني هل هو يريد المال؟ يريد الملك؟ يريد السلطان؟ ما الذي يريده؟ فإذا كان يريد المال سيطمع سليمان بالمال ويكف جيشه عن القتال.
فلما جاءت رسل هذه الملكة إلى سليمان عليه السلام، قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ ۖ بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: 36]. ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: 37]. لما جاء هذا الرسول إلى سليمان عليه السلام غضب سليمان وفهم بأن هذه الأموال عبارة عن رشوة. وكيف ملك مثل سليمان عليه السلام، وكذلك هو نبي، يقبل المال بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ أي هو يقاتل فقط من أجل الدنيا من أجل المال؟ لم يكن هذا يدور في مخيلة سليمان عليه السلام ولا يفكر بهذا، فالله سبحانه وتعالى هو الذي آتاه الملك: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35]. فما هو الأمر الذي ستضيفه بلقيس أو ستعطيه لسليمان حتى يكون هكذا يغلي سليمان أو يكون عظيماً؟ سليمان نبي، لا يريد إلا إقامة حكم الله سبحانه وتعالى في الأرض، فهو مسلط هذه الجنود وهذه الجيوش حتى يعبد العبيد رب العبيد سبحانه وتعالى.
﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أنتم أصحاب النفوس الخسيسة الوضيعة تفرحون بهذه الهدايا، هذا النوع من الهدايا. أما من كان مثال سليمان في العزة والسلطان والإيمان والصلاح والتقوى، فهو لا يقبل مثل هذه الهدايا ولا يفرح بها، وهذا يلتفت إليها.
﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 35]. هنا وقفة؛ كيف عرف سليمان بأنهم سيأتون منقادين مسلمين له؟ ظاهر والله أعلم أن سليمان عرف هذا بفراسته. سليمان ملك وقائد، والذي يكون في هذا المقام والسلطان يخالط الكثير من الناس، ومعنى المخالطة هنا أي هو يكتشف الإنسان فيعرف مراد هذا الإنسان من هذا الفعل، فيكون صاحب عقل وصاحب فراسة وصاحب بصيرة أعلى بكثير من غيره في العادة، لأنه يخالط الكثير من البشر فيكتشف البشر ويكتشف جنس الإنسان. فهو فهم أن هذه الملكة لما بعثت هذا المال هي لا تريد القتال. هو لما رد هذا الرد الشديد، الرد الأول كان: ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، والرسالة الثانية بين أنه سيخرجهم منها أذلة وهم صاغرون، فاعلم بأن الملكة لن تقاتل ولن تتخذ هذا القرار، أي قرار القتال والصراع.
فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. هذا العرش العظيم يريد سليمان أن يبين لها بأن ملكها وسلطانها هذا كله لا قيمة له مقابل ما آتاه الله سبحانه وتعالى لسليمان عليه السلام. قال: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]. العفريت هو القوي الشديد من الجن أو من الإنس، قال عفريت من الجن القوي الشديد؛ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، و﴿إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، أنا آتيك به، العفريت القوي الشديد من الجن، والجن درجات ومراتب من القوة والقدرات.
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾؛ كان سليمان في مقامه يجلس حتى يقضي فيه بين الناس من الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل من الفجر إلى انتصاف النهار أي إلى الظهر. قال: أنا آتيك به قبل أن تقوم بمقامك، و﴿إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ أي قادر على حمل هذا العرش مهما...
كان هذا العرش كبيرًا أو عظيمًا أو ثقيلًا، أمين، لا أغير به شيئًا ولا آخذ منه شيئًا، فأتيك به كما هو. ثم قال: فكان سليمان استطاع هذه المدة، وأراد أن يأتي بالعرش في مدة أسرع من هذه، فقال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا أُتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
من هذا الذي عنده علم من الكتاب؟ هو مبهم هنا، فما دام أنه مبهم نجعله مبهمًا كما أبهم القرآن الكريم. العلماء اختلفوا؛ منهم من يقول إنه ملك من ملائكته، ومنهم من يقول إنه جني آخر، ومنهم من يقول إنه كان من الإنس فيقال بأنه هو، ومنهم من يقول بأنه أصلاً هو سليمان، فذلك بعيد. لا شك أن هذا الشخص قال: "الذي عنده علم من الكتاب"، فهو شخص عنده علم من الكتاب.
ما هو الكتاب؟ ما المراد بالكتاب؟ اللي يظهر والله أعلم أنه يعرف اسم الله الأعظم أو أمرًا متعلقًا به، هكذا سر من أسرار التعامل مع الله سبحانه وتعالى؛ قيل إنه كان يقول: «يا حي يا قيوم»، وقيل إنه كان يقول: «يا ذا الجلال والإكرام». وفي الحديث: «الذين بالذا بهذا الجلال والإكرام أكثروا، ألزموا يا ذا الجلال والإكرام».
فمن شأن ذلك أن هذا الرجل عابد صالح، بينه وبين الله سبحانه وتعالى علاقة وولاية وله كرامة؛ قال: ﴿أَنَا أُتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. يعني مجرد أنك تصعد بصرك قبل أن يرجع إليك البصر تجد العرش موجودًا أمامك. فبمجرد أن رفع سليمان بصره ورجع إليه البصر وجد العرش مستقرًا عنده أمامه، فلما رآه مستقرًا عنده -انظروا الآن إلى قول سليمان- قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
الله أكبر! الآن سليمان عليه السلام لما رأى هذا الملك وعظمة هذا السلطان، وكيف أن العرش في ثوانٍ معدودة ينتقل من اليمن، وكان عليه العرش ومخبوء بعه عدة أبواب كما يقول بعضهم سبعة أبواب، يأتي هكذا بلمحة بصر يكون أمامه؛ هذه الآية لم تكن ولن تكون إلا لسليمان عليه السلام. فلما رآه مستقرًا عنده قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
العالم بأن هذا الملك وهذا السلطان وهذه العطايا كلها هي عبارة عن اختبارات، لا تفرح بها كثيرًا بل ستحقق العبودية لله سبحانه وتعالى. اعمل يا داود شكرًا، هل ستشكر على كل ما يعطيك الله إياه من هذه النعم وهذه العطايا الكبيرة؟ قال: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، ومن شكر فإنما يشكر نفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم.
سبحانه وتعالى، ومن شكر فإنما يشكر نفسه؛ يعني هذا الشكر يعود لك أنت، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، ويتميز الناس بهذه العبادة، عبادة الشكر بعد النعم التي يعطيهم إياها.
فأولياء الله سبحانه وتعالى يتفاضلون بعبادة الشكر وعبادة الاحتساب؛ الاحتساب يحتسب الأعمال صغيرة وكبيرة، ينظر شخص ضعيفًا فيذهب ليساعده، شخص محتاج فيذهب إليه، يحتسب في كل شيء، هذا الاحتساب يتفاضل الأولياء به، وكذلك هنا في الشكر. ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
الله سبحانه وتعالى غني، يعني لا يظن الظان بأنه إذا لم يشكر الله سيتغير، أو أن الله سبحانه وتعالى مفتقر إلى شكر العبيد. الله سبحانه وتعالى علم بأن العبيد لا يمكن أن يحمدوه الحمد، فحمد نفسه؛ الحمد لله رب العالمين أثنى وحمد نفسه بنفسه، ثم قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فالمقصود من ذلك أن هنا سليمان تعامل مع الله تعاملًا لائقًا به، تعامل العبد الشاكر. وهذا كله أثمر في نفس النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا كبيرًا، وسياتينا الحديث عن هذا في آخر القصة إن شاء الله تعالى.
من أسماء الله الغني، وكل البشر بما فيهم سليمان فقراء، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. قال: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. بمجرد أن ينسى إنسان اسم الله سبحانه وتعالى الغني ويتعامل مع الله بعيدًا عن اسمه الغني يظل الإنسان يتقي، فالإنسان كان فقيرًا مخلوقًا من أجل أن يعبد الله سبحانه وتعالى فقط.
﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. الآن انتقل سليمان بعد ما مباشرة عبد الله وأحسن عبودية له سبحانه، انتقل إلى السياسة والسلطان وطريقة التدبير، فقبل أن يبدأ بهذه الأمور يبدأ بشكر الله سبحانه وتعالى. وفي معركة اليرموك لما كان يقود الجيش خالد بن الوليد رضي الله عنه رضي الله عنه ومعه ضرار بن الأزور وجماعة من الصحابة الخيار رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان الجيش الروماني متحصنًا، وكان الفرسان بين الرجلين، فأراد خالد أن يخرج الفرسان من رجاله فصنع خطة وحاول يضرب، وكانت الميمنة والميسرة ضعيفة ولكن القلب كان قويًا، فلما صنع الخطة واستعان بالله سبحانه وتعالى وبدأ خرج الخيالة، فأول ما خرج الخيالة قال خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه: «الله أكبر، الحمد لله، أخرجه الله ولم ينسب الأمر إليه»، وهكذا يتعامل العباد مع الله سبحانه وتعالى.
﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ۖ أَنَنظُرُ أَتَعْدِي أَم تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. فلما جاءت قيل لها هكذا عرشك، غيروا العرش، نفس العرش هو نفسه لكن غيروا الألوان، غيروا بعض الأمور المتعلقة بالعرش، فغيروا الألوان وغيروا بعض الزخارف المتعلقة بهذا السرير وهذا العرش. قال: ﴿أَنَنظُرُ أَتَعْدِي أَم تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
يريد سليمان أن يختبر عقل هذه الملكة، يعني سليمان متعجب كيف يتم تأمير امرأة على الرجال وكيف يسلم الرجال بهذا فيقادوا لها كل هذا الانقياد، يعني هذا أمر عجيب خاصة في ذاك الزمان. فلما جاءت قيل لها هكذا عرشك، قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾. هذا عقل ملكة، سبب هذا عقل بعض النساء عنده من العقل أعظم من الرجال، يعني بعض النساء تكون صاحبة عقل كبير وواسع ولها إدراك، وهذا قليل في النساء ليس بكثير لكن يوجد مثل أم خديجة، امرأة رزينة عاقلة، صاحبة عقل وافر. فمن شأن ذلك أن في قسمًا من النساء هو بهذه الطريقة، هذا القسم من النساء يستفاد منه ويكون مقامه يختلف عن مقام غيره.
بقية النساء، فالنساء لهن دور معين ثابت لا يتغير، لكن في قسم من النساء يكون مستثنى، لكن ليس مستثنى ليكون مثل ملكة بلقيس؛ لأننا لا نستطيع أن نقول هذه تكون مستشارة، فالنبي ﷺ استشار أم سلمة واستفاد من رأيها، هي صاحبة عقل وافر في صلح الحديبية، فكان لأم سلمة فضل عظيم على المسلمين.
لكن ليس معنى هذا أن توضع في برلمان وهكذا الآن، لا شك أنه مخالف للدين قطعًا، لكن بعض النساء يكون عندها عقل وافر فيستفاد من عقلها، ولكن تبقى النفس هي النفس، والمرأة مخلوقة بطريقة معينة تخرج عن طريقة الرجل، هذا هو الشرع.
طول القسم من ذلك هنا؛ الله يبين: ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾، لم تقل هو، ولم تقل ليس هو، قالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 44]. إن الله سبحانه وتعالى منَّ على سليمان بالعلم بالله سبحانه وتعالى وبقدرته من قبل، وهذه الملكة كانت كذلك مقادين لأمر الله سبحانه وتعالى، متبعين لدين الإسلام كحال هذه المرأة.
ثم قال: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: 44]. أي الذي منعها من عبادة الله سبحانه وتعالى هو أنها كانت كافرة وتعبد الشمس، وأثر فيها الشيطان، وأمثال هذا العقل كيف لا ينقاد صاحبه إلى الحق؟
لما خالد بن الوليد تأخر إسلامه، سأل النبي ﷺ عن عمره الجعراني، الوليد بن الوليد أخو خالد، وكان قد أسلم، وخالد لم يخرج من مكة، لم يتحمل أن يرى الجيش المسلم يدخل مكة المكرمة، فسأل النبي ﷺ عن الوليد بن الوليد، فقال: «ومثله يجهل الإسلام».
ثم كتب الوليد رسالة إلى أخيه خالد وقال: «يا أخي سدرك فقد فاتتك مواطن صالحة، وإنها هنا رسول الله ﷺ يسأل عنك، وهل مثلك يجهل الإسلام يا رجل؟». عقله مثل عقل خالد، عقل نادر في التاريخ الذي أصبح بعدما أسلم سيف الله، هل مثل هذا الرجل يتأخر إسلامه؟ لماذا؟ والاسلام موافق العقل ومطابق له تمام المطابقة.
كذلك عمرو بن العاص، فلما سئل خالد وعمرو بن العاص عن سبب تأخر إسلامهما، قالا: «إنه كانت لنا آباء كنا نرى أن أحلامها كالجبال». المشكلة كلها كانت نفسية، نعم قد يكون شخص عنده عقل قوي واسع، لكن المشكلة بالنفس تمنع الإنسان وتصده عن القيادة.
هنا النفس؛ إما أن يكون عرفًا أو تعلقًا بشخص أو تعلقًا بكذا، شيء معين يتعلق فيه الإنسان فيؤثر فيه، فما ينتفع في عقلك؛ قد يكون عنده عقل واسع ومخترع اختراعات كثيرة وهو ملحد، ما له علاقة، ليست مشكلة بالعقل إنما مشكلة بالنفس، وعامة البشر، بل جميع البشر، بشر تقودهم أنفسهم إلا من يستثنى، وتدخل العقل في سياسة هذا الإنسان وتوجيهه.
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. قيل: لا، أدخلي الصرح، أي القصر، فلما رأته حسبته لجة، فلما رأت صحن القصر ظنت أن هذا الماء يتردد بهذه الأموال فخشيت أن يصيبها، ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾.
قال: إنه صرح هنا، الآن سليمان يظهر تمام ملكه الذي يختلف عن ملكها، هنا الآن سليمان دخل عليها المدخل الذي هي تفهمه، هي صاحبة ملك وسلطان، مثل هذا النوع من البشر يحتاج أن يرى آية أقوى من آياته. ذاك موسى الله سبحانه وتعالى أيد بالعصا، أعظم من فرعون، وقدرة فرعون سحارة، وعيسى عليه السلام أيد الله سبحانه وتعالى بآيات عظيمات وكان في زمان انتشر فيه الطب وانتشر الأطباء فكان يحيي الموتى، هذا ليس على البشر.
كذلك هنا لما رأت القصر بهذه الطريقة، أنه صرح ممرض، ﴿مُمَرَّدٍ مِّن قَوَارِيرَ﴾ أي من زجاج، هذه المياه هي تحت الزجاج وهو مُمَلَّس بهذا الزجاج، فلما رأت هذا الملك وهذا السلطان تعجبت، وانكسرت حواجز النفس واستسلم العقل لملك الملوك سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].
هنا ثلاث وقفات سريعة في هذه القصة: لماذا أول شيء هذه القصة ذكرت في سورة النمل بهذا الطول؟ قصة بلقيس هنا مع هذه الملكة بهذا الطول في سورة النمل، لماذا؟ لعدة أمور. الأمر الأول والله أعلم، الأمر المتعلق بالعلم؛ هذه السورة تتحدث عن العلم، تتحدث عن الكتاب، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾، هنا في قصة سليمان الآن تكرر كثيراً، وكذلك الكتاب تكرر كثيراً.
الأمر الثاني المتعلق بسياسة النص، وكان النبي ﷺ الآن يوجه بأن هذا الواقع الذي تعيشه الآن في مكة لا يصرك، سيأتي وقت ستنتقل من هذا الواقع إلى غيره، فلا بد أنك تعرف كيف تقود وكيف تسوس وكيف تؤثر، وهكذا هنا تعليم للنبي ﷺ في سياسة الناس وطريقة التعامل مع الجند ومع الأتباع إلى آخره.
كذلك من ضمن الأمور التي بارزة جداً في هذه القصة هي عبودية الشكر. فكان النبي ﷺ يتعبد الله سبحانه وتعالى كثيراً بهذه العبودية، وكان عليه الصلاة والسلام يقوم طويل الليل حتى تتفطر قدماه، فيقال: ألم يغفر الله لك؟ فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً». فعبودية الشكر أعظم من حققها هو النبي ﷺ. نعم، إذاً ذكر القصة بهذه الطريقة لها عدة فوائد، وهذا التوسع في هذه القصة مراد منه عدة أمور.
كذلك من ضمن الأمور المهمة المتعلقة بهذه القصة الشأن المتعلق بالمرأة ودور المرأة وعقل المرأة وطريقة استفادة المرأة. فأنا أقرأ هذه القصة وأقول لما كانت أمي خديجة وأمي عائشة تقرآن القرآن الكريم، كيف كانت تؤثر هذه القصة فيهن؟ كيف كنّ يتعاملن معها؟ لما تمر قصة المرأة، قصة بلقيس وملك بلقيس وعقل بلقيس إلى آخره، أتصور بأن هذه القصة ممكن يستفاد منها فوائد عظيمة وجليلة في أن المرأة لا يمكن أن تقود ولا يمكن أن تكون في هذا المقام مقام السلطان إلى آخره، ولكن كذلك إذا كانت المرأة من هذا الجنس من النساء -وهذا قليل كما ذكرت- يستفاد من عقلها بالشورى إلى آخره ويتم الاستفادة منها، وهذا أمر طبعاً ظاهر في سيرة النبي ﷺ.
إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه القصة، ويظهر فيها أثر اسم الله سبحانه وتعالى الحكيم، وكذلك آثار اسم الله سبحانه وتعالى العليم، وكذلك عدم إحاطة سليمان بكل شيء مع أنه الملك الذي وصل إلى ما وصل إليه من ملك.
السلطان إلى آخره، ومع ذلك الهدهد يعرف شيئًا ما يعرفه سليمان عليه السلام. فهنا لما ننظر إلى اسم الله الحكيم، كيف الله سبحانه وتعالى بحكمته دبر كل هذه الأمور، وهدى هؤلاء الأقوام جميعًا، وآتى سليمان هذا العلم وهذه كذلك الحكمة.
ننظر إلى ارتباط قصة ارتباطًا وثيقًا باسم الله سبحانه وتعالى الحكيم، وكذلك باسم الله سبحانه وتعالى العليم. إذًا هذا بعض ما يتعلق بهذه القصة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري