دخولتسجيل الدخول

سورة النمل 03 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فأحييكم إخواني جميعًا.

نكمل اليوم إن شاء الله تعالى دراسة سورة النمل، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾. ذكرنا في اللقاء الماضي مناسبة ذكر قصة موسى عليه السلام لهذه السورة، وهذه القصة ثانية التي تُذكر في هذه السورة التي نزلت في مكة، والتي صدرت بقول الله تعالى: ﴿طس * تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.

ثم المدخل الذي كان لهذه القصص هو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾. ذكرنا ارتباط قصة موسى عليه السلام في حكمة الله سبحانه وتعالى وكذلك علم الله سبحانه وتعالى؛ فالله سبحانه وتعالى لما اختار موسى، كان موسى هو الرجل الصالح أن يكون النبي الذي يُبعث في ذلك العصر. وكذلك من حكمة الله سبحانه وتعالى صنع موسى عليه السلام بهذه السورة وهذه الطريقة.

وكذلك الله لما قال لموسى عليه السلام: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، حتى يعرف موسى عليه السلام أنه سيواجه فرعون، وأن كل ما يقع هو من حكمة الله سبحانه وتعالى بهداية من يهدي وإضلال من يظلم، وكذلك الوقت الذي يأخذ فرعون إلى آخره؛ هذا كله بعلم وحكمة. ومنبثق هذا العلم وهذه الحكمة من عزة العزيز سبحانه وتعالى.

وكذلك هذه إشارات للنبي عليه الصلاة والسلام فيما يقع معه من البلاءات في مكة؛ فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يأخذ أبا جهل وأن يأخذ هؤلاء الصناديد، ولكن الله سبحانه وتعالى يملي لهم لحكمته سبحانه وتعالى، والله يعلم سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى كذلك عزيز.

هنا الله سبحانه وتعالى يتكلم عن هذه المشاهد ويذكر هذه القصص المناسبة لموضوع السورة، والتي يريد من خلالها أن يوصل هذه المعاني إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك إلى الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك لهؤلاء الكفار الذين يعادون النبي عليه الصلاة والسلام. إذا أخذنا السورة بهذه الطريقة واصطحبنا معها واقع مكة الذي كان يعيشه النبي عليه الصلاة والسلام، هنا نستطيع أن نصل إلى المعاني ونستطيع أن نستنطق هذه الفوائد ونفهم هذه السورة.

ثم انتقى الله سبحانه وتعالى بعد ذلك، بعد ما قص قصة موسى عليه السلام وذكر المعاني التي يريد أن يوصلها في هذه السورة في هذا السياق، انتقل بعد ذلك الحديث عن نبيين كريمين عظيمين من أنبياء بني إسرائيل؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۝ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

هنا الله يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾، سبحانه وتعالى اختار داوود عليه السلام حتى يُبعث كذلك بالنبوة، وكذلك اختار من بعده من أولاده سليمان عليه السلام. ومن الله سبحانه وتعالى على داوود وعلى سليمان بالعلم، ما هو العلم الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى داوود وسليمان؟ الله سبحانه وتعالى أعطى داوود وسليمان علم القضاء، وأعطاهما كذلك العلم بالكتاب بالزبور، وكذلك الله سبحانه وتعالى أعطاهما العلم بسياسة الناس وإدارة الناس، فمن الله سبحانه وتعالى بهذا العلم النافع الذي من خلاله حققوا العبادة لله سبحانه وتعالى.

وهذه السورة هي تتكلم عن العلم؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، وبداية السورة ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ أعظم العلم وأعلى العلم على الإطلاق، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وهنا في هذه القصة كذلك العلم: ﴿وَآتَيْنَا هَدْهَدَ﴾، ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، هنا كذلك الهدهد كان عنده هذا العلم. وكذلك الرجل الذي أتى بعرش ملكة سبأ، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾، وهكذا؛ فقصد أن هذه السورة تتكلم عن هذا المعنى، عن معنى العلم، والله سبحانه وتعالى هو يقص أحسن القصص.

والله سبحانه وتعالى هنا ذكر هذه الميزة لداوود وكذلك لسليمان عليهما السلام، ولم يطلب الله سبحانه وتعالى من النبي عليه الصلاة والسلام أن يستزيد من شيء إلا من العلم، قال الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. ولكن ما العلم الذي يطلب الشخص؟ العلم الذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، الذي من خلاله يحقق العبد العبادة لله سبحانه وتعالى، هذا هو العلم الممدوح، وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع».

هنا الله يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾، أشرف اللحظات التي مرت على بني إسرائيل كانت في ملك داوود وسليمان؛ فداوود عليه السلام كان نبيًا وكذلك ملك، وسليمان عليه السلام كذلك كان نبيًا وكذلك ملك. والله سبحانه وتعالى خير النبي عليه الصلاة والسلام بين أن يكون عبدًا رسولًا أو ملكًا نبيًا، بين أن يكون عبدًا رسولًا مثل موسى عليه السلام، مثل نوح عليه السلام، مثل إبراهيم عليه السلام، أو يكون ملكًا نبيًا مثل يوسف عليه السلام، مثل سليمان عليه السلام، قبل ذلك داوود عليه السلام. فاستشار النبي عليه الصلاة والسلام جبريل عليه السلام فأشار إليه أن تواضع، فاختار النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون عبدًا رسولًا، فكان يأكل كما كان يقول عليه الصلاة والسلام: «أكل كما يأكل العبد»، وكان يجلس كما يجلس العبد عليه الصلاة والسلام.

القص من ذلك أن هنا الآن داوود وسليمان ممن أوتوا هذا العلم العظيم؛ العلم بكتاب الله المنزل على داوود، وكذلك العلم بالقضاء، كذلك العلم بمنطق الطير، كذلك العلم بسياسة الناس وإدارة الناس، العلم بالقضاء. هنا الله امتن على هذين النبيين بهذا العلم الشريف العظيم، وجزاء هذه النعمة التي امتن الله سبحانه وتعالى بها على داوود وسليمان هي ماذا؟ أنهما قالا: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

لما نقرأ قصة أي نبي لابد أن ننظر أول شيء إلى تعبد هذا النبي، إلى عبادة هذا النبي؛ هذا النبي كيف عبد الله سبحانه وتعالى؟ هذا أول شيء يؤخذ من قصص الأنبياء. أعظم من حقق العبادة لله سبحانه وتعالى من البشر هم الأنبياء، وهذه وقفة مهمة جدًا متعلقة بأخذ الفوائد والعبر من الأنبياء. الوقفة الأولى المتعلقة بعبادة الأنبياء وتعبد الأنبياء لله، خاصة في الأسماء الحسنى؛ ما هي الأسماء التي كانوا يختارونها وكيف كانوا يخاطبون الله سبحانه وتعالى ويتعبدون الله سبحانه وتعالى بها؟ كيف كانوا يدعون الله سبحانه وتعالى؟ هذه الوقفة الأولى المهمة جدًا نأخذها من قصص الأنبياء.

الوقفة الثانية التي نأخذها من قصص الأنبياء هي توجيه الله للأنبياء؛ فالأنبياء لما يقع الواحد منهم مثلاً في خطأ، الله سبحانه وتعالى يوجه هذا النبي، لماذا الله يقص علينا في كتابه العظيم؟

يقول حسن البصري: لم يقص الله سبحانه وتعالى أخطاء أنبياء حتى تعيرموهم، ولكن قص هذه الأخطاء حتى نتعظ ونعتبر بهذه الأخطاء. هذا هو الأمر الثاني، وما هي الأمور التي لم يقبلها الله سبحانه وتعالى حتى من الأنبياء؟ هذه لا بد أن نعرفها حتى لا يتساهل الإنسان ولا يتجاوز، فإذا كان الله سبحانه وتعالى لم يقبل هذه الأمور من الأنبياء، فهم يتوبون ويعودون إلى الله.

الأمر الثالث المتعلق بمقام الأنبياء؛ المقام الذي كان يقوم به النبي. مثلا، عندما نأتي الآن عند داوود عليه السلام، داوود كان ملكاً، كيف ساس الناس؟ كيف حكم الناس؟ لا بد أن نعرف ولا بد أن ندخل في تفاصيل حكم داوود عليه السلام، كذلك سليمان عليه السلام، كيف ساس الناس؟ وكيف حكم الناس؟ هذه الأمور الثلاثة من الأمور المركزية جداً التي يأخذها الناس الذين يريدون أن يتفقهوا بقصص الأنبياء، وأن يعرفوا الفوائد ويستخلصوا الفوائد الإصلاحية من خلال هذه القصص؛ لا بد أن ينظروا إليها.

هنا الله يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: 15]. هنا حمد الله سبحانه وتعالى. انظر يا شباب، الرجل الصالح يفضل على غيره بأمرين اثنين ولا يتكلف؛ الأمر الأول: حمد الله سبحانه وتعالى بعد كل نعمة، وهذه كثيراً ما ينساها الإنسان. الاستهانة ليست حراماً ولكنها تنزل درجتك. هنا عندما ينسى شخص أن يحمد الله مثلاً، قد لا يكون هذا الشخص قد وقع بمعصية إذا لم ينسب النعمة لنفسه، ولكن يفوتها فضل الله.

لما يقول في كتابه العظيم: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24]. هنا تأخر نزول الوحي عدة أيام، والكفار يطلبون ويسألون ومع ذلك الوحي لا ينزل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «سأخبركم غداً»، ولم يقل إن شاء الله، فتأخر الوحي حتى يتربى النبي عليه الصلاة والسلام ويعلم أبناء أمته أن لا ينسى «إن شاء الله». النسيان ليس حراماً، ليس حراماً، ولكن الأنبياء لا بد أن يأتوا بهذه الكلمات ولا ينسوها.

كيف يحدث هذا للإنسان؟ هذا فضل من الله سبحانه وتعالى، إذا علم الله بأن هذا العبد يحبه ويجاهد نفسه، الله سبحانه وتعالى يكسبه هذا الشيء فيكون هذا العبد دائماً يجري على لسانه ذكر الله. وهذا الأمر ظاهر جداً في قصة داوود وسليمان عليهما السلام، مع أن الملك يطغي الإنسان وينسيه. الشخص قبل أن يصبح ذا منصب وذا سلطان وذا جاه، حتى لو كان يسير، تجد إنساناً عادياً بمجرد أن يصبح هكذا وزيراً مثلاً، أو يصبح قائداً، أو يصبح مشهوراً -حتى لو كانت شهرته عادية- يفتن في نفسه ويتغير. وكم رأينا من تغير بمجرد أن ارتقى في منصب أو أصبح عنده شيء من الشهرة. فكيف بمن يكون ملكاً مثل سليمان؟ وليس أي ملك، إنما ملك الدنيا، أربعة أملكهم كان سليمان عليه السلام؛ صُغرت له الجن والشياطين والريح، وكذلك كان يعرف منطق الطير إلى آخره.

هذا الملك لم يتكرر في الأرض إلا لسليمان فقط، «رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي»، فهذا الملك خاص بسليمان. وقبل داوود، وملك سليمان -كما يقول جماعة من المفسرين- أعظم من ملك داوود، وهذا ظاهر في القرآن، نص الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿وَفَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، و﴿سَخَّرْنَا الرِّيحَ لَهُ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَجَنَّاتٍ وَفَوَاكِهَ كَثِيرَةً * ثُمَّ عَلَّمْنَا سُلَيْمَانَ مَنْطِقَ الطَّيْرِ ۖ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: 15-16]. وإن كان داوود أعبد من سليمان عليهما السلام.

القصد أن هنا الله يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. هذه «الحمد لله» ينبغي أن لا يغفل عنها العبد الصالح، لا ينسى الإنسان أن يحمد الله سبحانه وتعالى على كل نعمة يعطيه الله إياها، إن أراد أن تعظم هذه النعمة وأن تستمر هذه النعمة. يوم القيامة يظهر الإنسان ثلاثة دواوين: ديوان الحسنات، وديوان السيئات، وديوان النعم. فإذا أراد الله بعبده خيراً وهبه ديوان النعم، وإذا لم يرد به غير ذلك حوسب على ديوان النعم.

وبعث رجل من بني إسرائيل عبد الله سبحانه وتعالى سبعمائة سنة، فقيل له ادخل الجنة برحمة الله فقال: «يا ربي بل بعملي»، فأتي بنعمة البصر فوضعت في الميزان، وضعت جميع حسناته في الميزان فأكلت نعمة البصر جميع الحسنات، فقال: «أي ربي، لمَ سوِّي في حقي؟»، فلما رأى هذا العبد هذه النعمة وكيف أخذت جميع الحسنات قال: «أي ربي؟»، قال: «أي ربي برحمتي». القصد أن هنا حمد الله سبحانه وتعالى، حمد الله يتفاضل به الأولياء. فالإنسان لا ينبغي أن يحمد الله سبحانه وتعالى بعد كل نعمة يمن بها عليه. فهنا داوود وسليمان عليهما السلام لما آتاهما الله هذا الفضل الكبير وهذه النعمة العظيمة الجليلة، لم تطغهما هذه النعمة ولا أنستهما فضله سبحانه وتعالى، ولا نسبا النعمة إليهما بل قالا: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 15].

ثم قال الله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]. هنا الوراثة وراثة العلم والنبوة، وليس وراثة المال؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة». هنا المراد بالوراثة أن الأمر صار إلى سليمان، وليس المقصود هنا بالوراثة أن الحاكم يورث من يليه، فهذا لا يجوز في الإسلام؛ أن الأب يورث ابنه ثم الابن يورث حفيده وهكذا في ملك سياسة الناس، فهذه الصورة لا تجوز، لكن هنا المقصود وراثة النبوة، أي صارت النبوة إلى سليمان عليه السلام.

هنا الله يقول: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ * وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: 16]. هنا إظهار لنعمة الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. والنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى رجلاً يقال له مالك، عليه ثوب دون، يعني لابس ثوباً رخيصاً أو قديماً، فقال: «ما آتاك الله من المال؟»، قال: «من الإبل والبقر والخير وكذا وكذا»، فعدد الأموال العظيمة التي أعطاها الله إياها، فقال: «إذا آتاك الله مالاً فليُرَ أثر نعمته عليك». فهنا سليمان عليه السلام يقول: ﴿وَعُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ۖ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: 16]؛ إن هذا لهو الفضل المبين. هنا سليمان الآن يذكر النعم التي من الله سبحانه وتعالى عليه وعلى والده بها، وهذا من باب التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى وليس من باب التفاخر على الناس، وفرق كبير بينهما.

التحدث بنعمة الله وبين التفاخر والتعالي على الناس، والذي يفرق بين هذا وهذا هو نفس نية الإنسان وقصد الإنسان.

قال الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ [النمل: 17]. "حشر" أي جمع لسليمان جميع هذه الجنود؛ جنود من الجن، وجنود كذلك من الإنس، وجنود كذلك من الطير. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يكفون، فكل مجموعة لها وزعة، والوزعة أي مثل النقباء الذين يمنعونهم من الذين يسوون الصفوف ولا يجعلون جنساً يدخل في جنس آخر.

والحاكم لا بد له من وزعة، وكذلك الشخص لما يكون عند الناس ويتوافدون عنده ويكون عدداً كبيراً، لا بد أن يكون هناك ترتيب ونظام إلى آخره. لذلك لما تزاحم الناس في مجلس الحسن البصري في مجلس القضاء فكان يحكم بين الناس، فتزاحموا عنده، قال: لا بد من وجود وزعة لهؤلاء حتى يتم ترتيب الأمر؛ فلما يكون العدد كبيراً لا بد من وجود الوزعة.

الله يقول: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، يعني كثرة هذا الجيش وكثرة هذا العدد كان لسليمان وزعة، وهذا في إبراز لموهبة سليمان في سياسة الناس وحكم الناس. سليمان ملك، أي هو لما كان في هذا المقام الملك له طبيعة، وسليمان أحسن الاجتهاد في هذه الطبيعة.

والقرآن ذكر عدداً من الملوك الصالحين، مثل طالوت -وإن لم يكن نبياً- وسليمان عليه السلام نبي، ويوسف عليه السلام نبي، وكذلك داوود عليه السلام نبي. وذكر كذلك من ساس الناس مثل موسى عليه السلام بعد ما تم القضاء على فرعون في التيه؛ موسى ساس الناس.

القسم من ذلك أن القرآن الكريم ذكر لنا سورة الإنسان لما يكون نبياً، وسورة الإنسان لما يكون مستوياً، وسورة الإنسان لما يكون أباً، وسورة الإنسان لما يكون زوجاً؛ فالقرآن هو أعظم كتاب في علم الاجتماع، ذكر صورة الإنسان باختلاف الواقع الذي ممكن يقع فيه. فسليمان عليه السلام كان نبياً وكذلك كان ملكاً، وملك سليمان كان موافقاً للطبيعة، يعني هو لما ساس الناس ساسهم موافقاً لطبيعة الملك؛ فالملك له طبيعة، له طريقة في السياسة وفي توجيه الناس، والملك لا بد فيه من الشدة، وسآتينا شدة سليمان عليه السلام لكن في موطنها.

والقص من ذلك أن هنا سليمان عليه السلام كان عنده وزعة. والنبي ﷺ لما طرح للناس مرة من المرات قضية من القضايا فتكلم الناس، فقال: «ارجعوا فإننا لا ندري من رضي منكم ممن لم يرضَ، حتى يأتينا عرفاؤكم»، حتى يأتي العرفاء؛ فلا بد من وجود النقباء، لا بد من وجود العرفاء، أما كل شخص يتكلم لا تستطيع أن توصل كل ما تريد أن تقوله، وكذلك تسمع ما يريد الناس قوله.

فالقصد أن هنا سليمان عليه السلام لما حشر له جنوداً من الجن والإنس والطير، يقول العلماء كان عدد جيش سليمان مئة فرسخ، والفرسخ كيلو وثمانمئة متر. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يكفون، يرجع أولهم إلى آخرهم وآخرهم إلى أولهم حتى ما يدخل جنس في جنس آخر.

ثم قال الله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي النَّمْلِ﴾؛ أي إن جيش سليمان كان جيشاً منظماً، وكان يسير هكذا بانتظام مع وجود ترتيب مع وجود نظام إداري يسوس هذا الجيش. ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِي النَّمْلِ﴾ مروا في الطريق على وادٍ به نمل، ويقال بأن هذا الوادي كان في الشام، وقيل بالطائف، وقيل غير ذلك.

﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. هنا الآن مر سليمان عليه السلام مع جنده، مع جيشه، على وادي النمل، فقالت نملة من النمل: ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. الآن هذه النملة قالت: ادخلوا مساكنكم، هذا الآن في حفظ للنمل، لا يحطمنكم سليمان وجنوده.

وهنا وقفة: ما الذي أدرى هذه النملة بأن هذا الجيش جيش سليمان؟ يعني كيف علمت هذه النملة بأن هذا الجيش الذي سيجتاز هذا الوادي هو جيش سليمان عليه السلام؟ الجواب هو: نفس جيش سليمان، هو نفس جيش سليمان؛ فسليمان سخر له الجن، وسخر لها كذلك الطير، وكذلك الحيوانات سخرت لسليمان عليه السلام، فهذا لم يسخر لأحد قبل سليمان ولا حتى بعد سليمان. فعلمت النملة أن هذا الجيش هو جيش سليمان عليه السلام.

ثم قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. لماذا هنا قالت: وهم لا يشعرون؟ لماذا؟ التمست العذر؛ لأنها تعرف صلاح سليمان ودين سليمان، ولا يمكن لأحد من جيش سليمان أن يخالف سليمان عليه السلام. فهنا هي التمست العذر لهؤلاء، بأنهم ممكن يحطمونكم -أي يقتلونكم ويكسرونكم- وهم لا يشعرون، هم لا يعرفون، لا يقصدون، أي لا يرونكم؛ فتمست العذر لسليمان وجيش سليمان. وهذا فيه بيان وإبراز لعدل سليمان ولصلاح سليمان عليه السلام وتمام ملك سليمان في جنده، يعني ما كان جنده يتفلتون من سليمان، إنما كانوا منقادين لحكم سليمان عليه السلام.

قالوا: «وهم لا» قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. والله سبحانه وتعالى لما أثنى على عباده المؤمنين، على الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، قال: ﴿مَعَرَّةً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. لما الله سبحانه وتعالى حذر المؤمنين الذين كانوا في مكة من أن يقتلهم أهل الإيمان من غير علم، ﴿تُصِيبُكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.

هنا الذي التمست العذر لسليمان وجنده النملة، وهناك الذي بين بأن هؤلاء أصحاب النبي ﷺ كانوا صالحين هو الله سبحانه وتعالى. وشتان بين ثناء الله سبحانه وتعالى وثناء النملة. لماذا هنا هناك الله هو الذي أثنى على الصحابة؟ لأن الصحابة هم خير أتباع الأنبياء على الإطلاق، رضي الله عنهم وأرضاهم.

ثم قال الله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾. أكثر ضحك الأنبياء كان التبسم، والنبي ﷺ لم تُرَ لهواته قط، إنما كان ضحكه التبسم، وكان الصحابة يأخذون في أمر جاهليتهم فيضحكون ويتبسم رسول الله ﷺ، ويقول جرير: «ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ». وفي الحديث: «تبسمك في وجه أخيك صدقة».

هنا سليمان، قال الله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾؛ تبسم هذه بداية السعادة أو الفرح، و"ضاحكاً" هذه تمام. لماذا هنا أتى بضاحكاً؟ قيل حتى لا يكون هنا تبسم -تبسم مثلاً التحزل- أو تبسم -تبسم مثلاً الغضب-، تبسم المغضب؛ هنا تبسم ضاحكاً يعني تبسم السرور والفرح من قولها.

لماذا هنا سليمان عليه السلام تبسم ضاحكاً من قولها؟ يعني ما الذي جعل سليمان عليه السلام يتبسم؟ العلماء يقولون تبسم لأحد أمرين: إما لعلمه بما تقوله النملة، هو الآن نظر إلى سعة هذا الملك وعظمة هذا الملك، والثاني...

تبسم من التماس النملة العذر لسليمان وجنده، وهذا متعلق بصلاح سليمان ودينه. هنا تبسم تبسم المسرور، حتى النملة تعرف صلاح سليمان عليه السلام، وتعرف بأنه لا يظلم، وأنه لا يطغى، وأنه لم يتكبر، وأن هذه النعمة لم تُحمّل على الطغيان والتجبر والتكبر؛ فتبسم ضاحكًا من قولها.

بعد ذلك عاد سليمان، وماذا قال؟ قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: 19]، أي ألهمني أن أشكر نعمتك. هذه الميزة في الأنبياء والأولياء أنهم دائمًا يحمدون الله سبحانه وتعالى. هنا أوتي هذا الملك العظيم الذي لم يؤتَ أحد من العالمين.

ولما أخذ النبي ﷺ الجن الذي كان يريد أن يقطع عليه الصلاة والسلام وخنق حتى يقول عليه الصلاة والسلام: «وجدت برد لعابه في يدي»، قالوا: لولا أني ذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35]، لأخذته وعلقته أمام الصبيان في المدينة. وكما قال النبي ﷺ، فانتقل سليمان عليه السلام مباشرة وشكر الله سبحانه وتعالى لهذه المنة وهذه النعمة العظيمة.

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19]. أوزعني أي ألهمني، أعني اجمع مشاعري وأحاسيسي وأسألك أن يلهمني هذا الملك وهذا الحكم وهذا الانشغال بهذه الأمور عن شكرك على هذه النعم العظيمة.

هذه منية سليمان عليه السلام: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. لا يدخل العبد في جملة العباد الصالحين إلا برحمة الله سبحانه وتعالى، وهذه نفسها دعوة يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101].

وكذلك سليمان عليه السلام، كان مرة من المرات -كما جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد- أنه مر على حراث رجل يحرث الأرض، فرأى ملك سليمان وكيف سليمان والريح تطير فيه، وتحمله الريح، فقال: «لقد أوتي آل داوود ملكًا عظيمًا»، فحملت الريح الكلام إلى سليمان عليه السلام. فنزل سليمان إلى هذا الرجل وقال: «لتسبيحة واحدة، تسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داوود».

هنا الله يقول: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. يسأل سليمان ربه، وهذه منية سليمان بعد ما حصل هذا الملك كله والسلطان؛ ليس فقط أن يزداد الملك، إنما أن أكون في جملة الصالحين، جملة العباد الذين اخترتهم والذين أثنيت عليهم.

ثم بعد ذلك انتقل إلى مشهد آخر من القصة، ويدل هذا المشهد على حزم سليمان، وعلى سلطان سليمان، وعلى قوة سليمان، يقول الله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: 20-21]. نتكلم بإذن الله عن هذا المشهد في الدرس القادم. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيرًا.