دخولتسجيل الدخول

سورة النمل 02 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.

لكم دراسة سورة النمل، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند الحديث عن أول هذه السورة. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6]. هنا الله سبحانه وتعالى يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يأخذ هذا القرآن من لدن، أي من عند، حكيم عليم.

واختار الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين الكريمين الجليلين حتى يكون هذان الاسمان كالمقدمة لبيان ما سيذكر من القصص بهذه السورة؛ فالله سبحانه وتعالى يريد من كل قارئ لهذه السورة ولهذه القصص أن يربط بين ما وقع في هذه القصص وبين اسم الله سبحانه وتعالى الحكيم واسم الله سبحانه وتعالى العليم. فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، وكذلك العليم سبحانه وتعالى.

فهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ فَوَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ * يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: 7-9].

بدأ الله سبحانه وتعالى بذكر هذه القصة، وهي قصة موسى بن عمران عليه السلام، حتى يثبت النبي عليه الصلاة والسلام ويخبره بأنه مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى كما بعث الله سبحانه وتعالى قبله موسى بن عمران، وأعطاه الله سبحانه وتعالى الآيات البينات الظاهرات، كما منّ عليك بهذه الآية العظيمة الظاهرة القوية الجليلة، وهي القرآن الكريم الذي أثنى عليه مطلع هذه السورة.

ثم ذكر الله سبحانه وتعالى له وكذلك للكفار ما كان من فعل فرعون وجنده وقومه مع موسى عليه السلام مع ما عنده من آيات بينات واضحات. هنا الله يقول «إذ قال»، أي واذكر يا محمد إذ قال موسى لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: 7].

موسى بن عمران ولد في مصر وتربى في بيت فرعون، ثم بعد ذلك لما كبر وشبّ وقعت حادثة وهي صراع بين رجل من القبط ورجل من بني إسرائيل، فاستنصر الإسرائيلي موسى عليه السلام فوكز القبطي فقتله، ثم بعد ذلك خاف موسى عليه السلام وخرج من مصر وتوجه إلى مدين، فمكث فيها عشر سنوات يرعى بها الغنم لرجل يقال له شعيب، وقيل هو شعيب بن نبي وقيل غير ذلك، وتزوج من ابنته، وسياتينا تفصيل القصة في سورة القصص إن شاء الله تعالى.

القص من ذلك أن موسى عليه السلام بعدما رجع من مدين إلى مصر في الطريق، آنس نارًا، وكان ذلك في ليلة شاتية باردة والظلام دامس، فأضل موسى عليه السلام الطريق فرأى من بعيد نارًا تتوقد، فقال لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: 7]. «لعلكم تصطلون» أي تستدفئون، وهذا يدل بأن الليلة كانت شاتية باردة.

فمكث زوجة موسى عليه السلام وانطلق موسى عليه السلام إلى هذه النار، فلما دنى واقترب من هذه النار تعجب أن هذه النار ليست كغيرها من النيران، أصلها في الأرض ومرتفعة إلى عنان السماء. ثم موسى عليه السلام لما جاءها سمع مناديًا ينادي: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: 8-9].

فلما جاءها نودي، ومن الذي نادى؟ هنا مبني لما لم يسمَّ فاعله، الذي نادى هو الله سبحانه وتعالى، هنا لم يسمَّ الفاعل للمعرفة وكذلك للتفخيم وللتعظيم وللإجلال. «نودي أن بورك من في النار ومن حولها»، من الذي في النار؟ موسى عليه السلام، ومن الذي حول النار؟ الملائكة الأبرار.

هنا الله يقول: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، أي حلت البركة في هذا المكان وهذا المقام، وأصابت هذه البركة موسى عليه السلام وكذلك الملائكة الأبرار؛ فهذا الوادي المقدس طوى، هذا الوادي المبارك المطهر، بارك الله سبحانه وتعالى في هذا الوادي.

فموسى عليه السلام هنا يسمع كلامًا ليس هو كلام البشر؛ قال: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، ثم قال الله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، سبحان الله تنزيه وتعظيم لله سبحانه وتعالى في هذا الموطن، هذه الكلمات هي أول الكلمات التي طرقت أسماع موسى عليه السلام: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم قال الله: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

هنا وقفات مع هذه الأسماء؛ تصور الآن رجلًا من بني إسرائيل ويؤمن بنبوة يعقوب عليه السلام وكذلك بنبوة إبراهيم عليه السلام، وهم نسل يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام، لكن هل ممكن أن أكون أنا النبي المختار في هذا العصر؟ هذا الأمر لم يكن يطرق ذهن موسى عليه السلام، ولم يكن يظن موسى عليه السلام، ولم يسبق أن تكلم الله سبحانه وتعالى مع بشر إلا مع آدم عليه السلام واختص موسى عليه السلام بالكليم.

فموسى الآن راجع من مدين إلى مصر، هو في طريقه إلى فرعون، إلى مصر، إلى أمه، إلى أهله، إلى بني إسرائيل، ينظر إلى هذا المشهد العظيم المخيف، فلما دنى سمع الله سبحانه وتعالى يناديه بهذه الأسماء، ويعرف الله سبحانه وتعالى بأنه رب العالمين، وبأنه الله، وبأنه العزيز، وكذلك بأنه حكيم.

هنا الله يقول ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيه وتعظيم لله سبحانه وتعالى؛ رب العالمين، لماذا تم اختيار هذا الاسم؟ لماذا تم اختيار اسم الرب؟ لعل والله أعلم من أسباب اختيار هذا الاسم الرئيسية المتعلقة بموسى عليه السلام أن فرعون ادعى الربوبية، قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]. وهذا الرجل الذي سيبعث إليه موسى عليه السلام حتى ينذره ليس كغيره من الجبابرة، هو سيد الجبابرة، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46].

فرعون ادعى الألوهية: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وادعى كذلك الربوبية: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]. هنا الله سبحانه وتعالى يكلم موسى عليه السلام، ولعل كذلك من أسرار اختيار موسى عليه السلام بالكلام فضلاً عن غيره؛ فإبراهيم عليه السلام لم يكلمه الله سبحانه وتعالى مع أنه أفضل من موسى بالاتفاق، وإن كان إبراهيم عليه السلام قال...

«إنما كنت خليلا من وراء موسى، الذي هو من وراء محمد ﷺ، ولكن إبراهيم هو الخليل، هو الذي نال مرتبة الخلة». لماذا موسى عليه السلام تم تخصيصه بالكلام؟ لماذا الله كلم موسى عليه السلام ولم يكلم إبراهيم عليه السلام؟ لا شك أن من هذه منزلة ومنقبة عظيمة لموسى عليه السلام، وكذلك لها أسرار ولها أسباب.

ولعل من أظهر الأسباب التي تسببت بكلام الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام هو ادعاء عون الربوبية وادعاء عون الألوهية؛ فالله سبحانه وتعالى يخاطب موسى عليه السلام بأن هذا الذي يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ليس هو الرب الأعلى، والذي يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ليس هو الإله. فلذلك الله قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهاً وتعظيماً له مما يقول الناس ومما يقوله كذلك فرعون. ﴿سُبْحَانَ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين.

يقال بأن الشيطان اختبأ مرة لفرعون في الحمام بعد ما قال: «أنا ربكم الأعلى»، وتعجب الشيطان من قول فرعون لهذه الكلمة؛ لأن الشيطان نفسه يقول: ﴿رَبِّ انْظُرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فنفس الشيطان مع ضلاله وبعده عن الحق وإبلاسه من رحمة الله سبحانه وتعالى ما قال: «أنا ربكم الأعلى»، إنما قال: ﴿رَبِّ انْظُرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فاختبأ لفرعون، فلما دخل فرعون الحمام خاف من هذا المخلوق الموجود عنده، فقال له الشيطان: «سبحان الله! تخلقني ولا تعرفني؟». حتى الشيطان ما وصل لهذه المرتبة أن يقول: «أنا رب العالمين، أنا ربكم الأعلى»، لكن كان يقول: «ربي انظرني إلى يوم يبعثون».

القصد من ذلك هنا أن الله سبحانه وتعالى يكلم موسى عليه السلام ليبين له بأنه هو الله، هو المعبود الحق فقط، أما غيره لا يستحق العبادة. كذلك هو الرب، هو الخالق، هو المدبر، هو الذي يحكم سبحانه وتعالى. فهنا الله يقول: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى﴾، إنه أنا الله العزيز الحكيم. بدأ بأعظم الأسماء على الإطلاق وعلى المشهور هو اسم الله سبحانه وتعالى الأعظم: «أنا الله»، أي أنا المعبود، وجميع الأسماء تلي هذا الاسم بالذكر وتكون كالنعوت له. فلما نقول: من العزيز؟ العزيز هو الله. من الرحيم؟ الرحيم هو الله. من الغفور؟ الغفور هو الله. واسم الله أعرف المعارف على الإطلاق.

هنا الله يقول: يا موسى، إنه أنا الله، أنا المعبود الحق، ثم قال: العزيز الحكيم. لماذا اختار اسم العزيز؟ ولماذا كذلك اختار اسم الحكيم؟ العزيز أي القوي العظيم الذي خضع البشر وخضع الجميع لعزته وجبروته سبحانه وتعالى. ثم قال: الحكيم، هذه العزة متعلقة بالحكمة؛ فالله سبحانه وتعالى لا يأخذ البشر بمجرد أن يقولوا الكلام الباطل إلا بعد ما يقيم عليهم حجة، والله سبحانه وتعالى يحب أن يعذر البشر؛ لذلك الله سبحانه وتعالى بعث الرسل وبعث الأنبياء، ولا يأخذ الظالم إلا في الوقت الذي يريد سبحانه وتعالى أن يأخذه، فلا بد أن تتم مرحلة البيان، مرحلة الدعوة، مرحلة البلاغ.

فرعون يقول: «أنا ربكم الأعلى»، نعم فرعون بعيد عن الحق، ولكن لا بد أن نقيم عليه الحجة، لا بد أن نذكره، ولا بد أن نعظه، ولا بد كذلك أن نصبر عليه؛ هذه كلها من دلائل الحكمة. فانتبه يا موسى أن تطلب شيئاً قبل أن يأتي أوانه، لا بد أن تعرف أن لله سبحانه وتعالى حكمة في كل شيء. لماذا هذا الطاغي المجرم يتربى على عرش مصر، ويستمر تربعه وجبروته وطغيانه وحكمه وظلمه إلى هذه المدة؟ هذا كله متعلق بحكمة الله سبحانه وتعالى، فانتبه أن تغفل عن الحكمة.

يريد الله سبحانه وتعالى أن يربط موسى عليه السلام بكل واقعة وكل حادثة تحدث بأن الله سبحانه وتعالى هو الحكيم، لا تظن أن الله غافل عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم اليوم. فالله سبحانه وتعالى ينظر ويرى ويعلم، سبحانه وتعالى هو العليم، ولكن كذلك هو الحكيم، هو العزيز. سبحانه وتعالى إذا أخذ الظالم لم يفلته؛ إن الله ليملي للظالم، لكن إذا انتهت هذه المدة، مدة العذر مدة الاختبار، فإذا أخذه لم يفلته، إن كيدي متين.

عظيم، قوي، سبحانه وتعالى، هنا الله يبين لموسى عليه السلام بأن الله سبحانه وتعالى العزيز القوي هو إله رب العالمين. وكذلك هو سبحانه وتعالى الحكيم، هو الذي يدبر الأمور. كيف لا تعلم كيف موسى عليه السلام يدعو الناس وأقرب الناس له قارون يموت على الكفر -وستأتينا قصته- فيكون من أشد الناس على موسى عليه السلام ويبتلي موسى عليه السلام؟ وكيف مؤمن آل فرعون يؤمن؟ كيف زوجة فرعون تؤمن؟ كيف ماشطة بنت فرعون تؤمن؟ هذه كلها متعلقة بالحكمة، حكمة بالغة.

فما تغني النذر، ولكن يجب على النذر أن يبلغوا الرسالة وأن ينصحوا الناس وأن يوجهوا الناس، لكن هل يهتدون أو لا يهتدون؟ هذا الأمر ليس أيها الداعية، إنما هذا لله سبحانه وتعالى وحده، وكل ما يجري في كون الله سبحانه وتعالى يدل على حكمة الحكيم سبحانه وتعالى. وانظروا كيف هنا ابتدأ موسى عليه السلام هذه الدعوة بهذه السورة وهذه الطريقة؛ خرج خائفاً من مصر إلى مدين، ثم بعد ذلك يرجع، وفي الطريق يتلقى هذه الرسالة ويبعث بالنبوه إلى بني إسرائيل وإلى فرعون، وكذلك بني إسرائيل، ثم يستمر البلاء والصراع مع فرعون ومع بني إسرائيل حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ويستمر هذا الصراع ويهدي الله سبحانه وتعالى من يشاء، فيخرج من بني إسرائيل أمة يقولون الحق وبه يعدلون، أمة صالحة، وكذلك تبقى أمة فاسدة من هؤلاء.

إذاً هنا الله يقول: يا موسى، إنه أنا الله العزيز الحكيم. ثم قال الله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾. ولم يدبر ولم يعقب موسى، كانت ماء عصا، فلما ألقاها انقلبت هذه العصا إلى حية إلى ثعبان، فهي كانت بسرعة الحية وبحجم الثعبان، والثعبان هو الذكر والحية هي الأنثى. ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، الجان قسم من الحيات وهو صغير وسريع. ﴿وَلَمْ يَدْبُرْ وَلَمْ يَعْقِبْ﴾، أي لم يلتفت من الخوف.

يا موسى لا تخف، إن الله لا يخاف الفداء. المرسلون، الآن الله سبحانه وتعالى يصنع موسى صناعة غير الصناعة الأولى؛ موسى منذ ولد وهو يصنع: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. فموسى كان يصنع صنعاً في بيت فرعون، ودخل في هذا البيت وتربى على الحكم والملك وسياسة الناس، وعرف كيف يدير الناس وكيف كان فرعون يتعامل مع...

الناس وتربى في بيت يختلف عن بيوت الناس، ثم بعد ذلك انتقل إلى مدين وعاش في البلاء والشقاء، وأخذ يرعى الغنم؛ وما من نبي إلا ورعى الغنم، لأن هذا الرجل سيسوس الناس في المستقبل، وأمة بني إسرائيل هي أصعب الأمم على الإطلاق في السياسة.

ذلك قال موسى عليه السلام في نصيحته للنبي عليه الصلاة والسلام: «عالجت الناس قبلك وإن أمتك لا تطيق»، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة. فموسى عليه السلام ربي بصناعة إلهية لما يراد له أن يكون به في المستقبل؛ فهنا الله سبحانه وتعالى يصنع صناعة غير الصناعة الأولى، هنا الله سبحانه وتعالى يطرد الخوف من قلب موسى عليه السلام، لأن موسى الآن سيقوم بمقام عظيم، سيقف أمام أعظم طاغية على وجه الأرض، بل هو الطاغية الذي يضرب به المثل في التاريخ: فرعون.

«يا موسى لا تخف إني معكم أسمع وأرى». نعم، هذا الخوف طبيعي، لكن هنا الله سبحانه وتعالى يريد أن يرقي موسى عليه السلام، حتى الخوف الطبيعي لابد أن تجاهده ولا بد أن تدفعه ولا تسمع له بأن يتمكن من قلبك. أنت الآن لست موسى الأول، لست موسى الذي ربيت في بيت فرعون وخرجت من مصر إلى مدين ورعيت الغنم، أنت الآن موسى النبي، أنت الآن موسى الكليم، أنت الآن موسى الرسول.

ثم قال الله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: 156]. هنا استثناء منقطع بمعنى: ولكن من ظلم من الناس من البشر، ثم بدل حسناً بعد سوء، أي بعد ما ظلم ووقع في الذنوب والمعاصي انتقل إلى الأعمال الصالحة فتاب وندم وأقلع عنها، فالله يقول هنا: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهذا كذلك في تسلية موسى عليه السلام لما قتل ذاك الرجل خطأ، قال: «ربي اغفر لي» فغفر الله سبحانه وتعالى له.

إذن هنا الله يقول: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فهنا موسى الآن يرجع إلى بني إسرائيل وكذلك إلى فرعون ومعه ستة أسماء من أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى: اسم الله الرب، واسم الله العزيز، واسم الله الحكيم، واسم الله الغفور، واسم الله الرحيم. لذلك موسى لما وقعت عليه بلاءات ووقعت عليه الفتن، أنت ولينا، فقد يدعو الله سبحانه وتعالى ويتمسح الله سبحانه وتعالى بهذه الأسماء التي تعلمها من الله سبحانه وتعالى في مطلع الرسالة.

«إنها لا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء»، هذه الحكمة هي اسم الله سبحانه وتعالى الحكيم، ثم دعا الله سبحانه وتعالى باسمه سبحانه وتعالى الغفور. والقسم من ذلك أن هنا الله يقول: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ثم قال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.

الآن هذه الآية الثانية: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ موسى كان رجلاً آدمياً، أي أسمر اللون، فلما أدخل يده في جيبه وأخرجها أصبحت اليد بيضاء، لكن بيضاء من غير سوء، من غير برص، ليست مرضاً، إنما بيضاء ناصعة البياض من غير أن يكون به مرض أو تكون بصورة الرجل الأبرص أو المريض؛ قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.

في تسع آيات إلى فرعون، يعني العصا مع اليد، هات آيتين وباقي كذلك سبع آيات المذكورة في سورة الأعراف وكذلك في سورة الإسراء؛ قال: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾، آيات أي علامات ودلائل على نبوتك، دلائل على مبعث الله سبحانه وتعالى لك؛ قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 103]. هنا وصفهم الله بالفسوق لأنهم كانوا كفاراً، والفاسق هو الخارج عن الطاعة، فإنه كانوا خارجين عن طاعة الله سبحانه وتعالى، لا يعبدون الله إنما يعبدون غيره.

ثم قال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾؛ الآيات بنفسها مبصرة، الآية علامة، وصفت هذه العلامة البينة الواضحة بأنها مبصرة لشدة وقوة هذه العلامة وقوة هذه الآية. هنا الله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام مذكراً في قصة موسى عليه السلام: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾، هل استجابوا؟ هل انقادوا؟ ﴿قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾. ليس فقط سحر، بل مبين؛ يعني انظروا كيف: آيات مبصرة، وفي المقابل «سحر مبين»، آيات علامات دلائل ظاهرة بينة، وصف الله كذلك بأنها مبصرة، في المقابل لم يقولوا فقط سحر بل قالوا «سحر مبين».

إذن الذي وقع مع موسى عليه السلام من الطبيعي جداً أن يقع معك يا محمد عليك الصلاة والسلام؛ فالذي وقع مع موسى أن الله ابتعثه، وكما ابتعثه والله أوحى إليه وأعطاه هذه الآيات البينات العظيمات، وأعطاك آيات أعظم من هذه الآيات، وأعظم الآيات على الإطلاق القرآن الكريم من الله عليك بهذا الكتاب العظيم، في المقابل قالوا: «سحر مبين». كذلك هؤلاء الكفار سيقولون لك كما قال فرعون وجنده وقومه لموسى عليه السلام، هذه سنة كونية قدرية.

قال الله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾، يعني هل هؤلاء كانوا يوصي بعضهم بعضهم في أعداء الرسل بهذه الطريقة وبنفس العبارات؟ نوح عليه السلام يتهم بالسحر، عيسى عليه السلام يتهم بالسحر، موسى عليه السلام يتهم بالسحر، هارون عليه السلام يتهم بالسحر، النبي عليه الصلاة والسلام يتهم بالسحر، والقرآن الكريم يقال عنه بأنه سحر؛ ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾؟ الإجابة: بل هم قوم طاغون.

الطغيان النفسي هو الذي يجعلهم يقولون مثل هذه العبارات، وهم لا يعرفون بأن هذه آيات بينات ظاهرات، وليست من الآيات أو العلامات التي تستطيع البشر أن يأتوا بمثلها. هنا الله يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. جحدوا بها جحد الظاهر، ولكن هم في أنفسهم يعرفون بأنها آيات بينات، يعرفون بأنك نبي مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى؛ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.

لماذا لا يؤمنون؟ لماذا لا ينقادون؟ هم يعرفون بأن هذا النبي مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى ومعه هذه الآيات البينات الظاهرات، السبب: ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾؛ الكبر والحسد، هذا الكبر يمنع الإنسان من الوصول إلى قلبه، الكبر والحسد والعجب إلى آخره من أمراض القلوب تمنع الإنسان من أن يصل إلى قلبه؛ فنفس هذه الآيات، هذه الدلائل الظاهرة، ما تصل إلى قلب الإنسان، لماذا؟ لأن الإنسان قطع طريق وصول هذه الآيات إلى قلبه بالحسد والكبر؛ لذلك إذا ما نُقّب لا يمكن أن ينظر إلى دلائل الإعجاز والقدرة وهذه الآيات العظيمات ولا أن ينقاد انقياداً تاماً وكاملاً.

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾؛ فرعون يعرف أن موسى نبي، أبو جهل يعرف، فرعون هذه الأمة بأنك نبي مبعوث من قبل الله، وقال هذا الكلام من الأخس بن شري: «ما كذا محمد قط، هو بني هاشم، فكيف يكون نبياً ونحن لا؟».

كيف نكون أنبياء، وكيف نتبع محمداً عليه الصلاة والسلام، ونحن نتنافس معه؟ هكذا كانت المشكلة الموجودة عندهم، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين؛ لما كذب فرعون وقوم فرعون موسى عليه السلام، كيف كانت النتيجة؟ كانت النتيجة أن أغرقهم الله سبحانه وتعالى، وأخرت جثة فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 92]. تم القضاء على فرعون وعلى جند فرعون وعلى هامان، كلهم ذهبوا وغرقوا في هذا البحر، في اليم.

فكذلك هؤلاء المفسدين سيقع معهم مثل ما وقع مع قوم موسى عليه السلام، مثل ما وقع مع فرعون وجنده، إن استمروا في التكذيب والعصيان والمخالفة. ولكن متى يا رب؟ هذا يرجع إلى حكمة الله سبحانه وتعالى، سيستمر البلاء حتى ينتهي الوقت المقدر له. كما قال الله سبحانه وتعالى على لسان لوط عليه السلام: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]. لوط أراد الآن أن يعذبهم، لكن الله أراد أن يكون في الصباح.

فكذلك هنا فرعون وهذه الأمة وأبو جهل ومن كان معه، موعدهم يوم بدر، في يوم بدر سيتم القضاء عليهم ويُقتل هؤلاء الصناديد، وسيُشفي الله سبحانه وتعالى قلوب المؤمنين. إن القضاء على هؤلاء لن يكون من جنس القضاء على فرعون، إنما سيكون بأيدي المؤمنين. فأمية بن خلف الذي كان يعذب بلال بن رباح، هذا العبد الأسود الذي كان يعذبه ولم يكن يراه شيء، وفي مكة كان يأتي بالصخرة الكبيرة ويضعها على صدره ويلبس ذراع الحديد في الحر الشديد في بطحاء مكة، هو نفسه سيُشفي الله سبحانه وتعالى قلب المؤمنين بأن يُقتل أمية بن خلف.

وهذا هو الذي وقع مع أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، كما وقع مع أعداء موسى عليه السلام، وكما يقع في كل عصر مع من يعادي أولياء الله سبحانه وتعالى وأنصاره، ﴿وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: 38]. إذاً هذه القصة الأولى التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الجليلة، والله أعلى وأعلم. فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد، وجزاكم الله خيراً.