الحمد لله، الصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطانا جميعًا.
نبدأ إن شاء الله تعالى الليلة بالتعليق على سورة النمل، وسيكون بإذن الله الورد قصيرًا؛ لن نطيل بإذن الله، سيكون عندنا مجلس كل ليلة إن شاء الله تعالى إلى العشر الأواخر، ومدة المجلس لا تزيد بإذن الله على نصف ساعة، قد تكون من ثلث إلى نصف ساعة بإذن الله. وسيكون معنا إن شاء الله تعالى في هذا الشهر الطيب المبارك مدارسة لسورتين من سور القرآن الكريم، وهما سورة النمل مع سورة القصص.
اليوم إن شاء الله تعالى سنبدأ في سورة النمل. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: 1]. هذه السورة سورة مكية بالإجماع، اتفق العلماء على أن هذه السورة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة.
ولما نقول إن هذه السورة نزلت في مكة لابد أن نستحضر الواقع المكي، ولاستحضار الواقع المكي لابد أن يكون دقيقًا؛ نستحضر شبهات الكفار، ونستحضر الصراع الواقع بين المسلمين والكفار، نستحضر الشتم والطعن الذي كان يتلقاه النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ونحاول بقدر الإمكان أن ندخل معهم في هذه الحال، في هذه المعارك، في هذا الواقع؛ فإذا ما دخلنا معهم بالواقع لن نستشعر هذه الآيات كما كانوا يستشعرونها.
فلما ننظر في الواقع المكي نشاهد بأن البلاء كان كبيرًا على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الصحابة رضي الله عنهم، وكانت عامة الطعونات تدور حول اتهام النبي عليه الصلاة والسلام بما هو بريء منه، وكذلك تعجب الكفار من كون هذا القرآن نزل من قبل الله سبحانه وتعالى، ومن كون النبي مبعوثًا من قبل الله سبحانه وتعالى، ومن قضية القيامة والبعث والنشور. وهذا الطعن المتوالي والمتتالي من الكفار وإن لم يكن قائمًا على حجة، هذا يؤثر على النفس، وهذا هو الإنسان؛ فالإنسان كائن يتأثر إذا تم تكرار الطعن عليه والشتم له، وهذا أمر طبيعي؛ نحن نتعامل الآن مع الإنسان، والقرآن نزل على الإنسان، لم ينزل على الملائكة.
كيف كان القرآن الكريم يثبت الذين آمنوا؟ وكيف كان القرآن الكريم يرد على الكفار؟ وكيف كان القرآن الكريم يراعي النفس المؤمنة؟ كيف هذا البلاء استثمر القرآن الكريم في صناعة نفوس المؤمنين؟ هذا المعنى لا بد أن نقف عنده طويلاً ونتأمل فيه وننظر فيه؛ كيف هذا البلاء الكثير المتوالي أثمر ليس تكسرًا، إنما قوة صناعة.
لو ما نزل القرآن الكريم وشخص يبتلى هكذا عشر سنوات؛ سب، شتم، طعن في كل مكان وكل يوم وفي كل ساعة، أصبح من عادة أهل مكة أنهم يطعنون بالنبي عليه الصلاة والسلام ومن كان معه، هذا الطعن المستمر المتوالي والمتتالي بهذه الطريقة من الطبيعي أنه يكسر الإنسان، من الطبيعي أنه يكسر الإنسان وأنه يؤذي الإنسان أذية بالغة تجعله ما يخرج من بيته. ولكن مع ذلك نجد بأن هذا الطعن وهذا الشتم وهذا البلاء كله أثمر قوة في المؤمنين وصلابة في المؤمنين؛ فالصحابة الذين آمنوا بمكة هم أقوى الصحابة على الإطلاق، ثم يلونهم من ابتلي بقريب من بلائهم، هم الصحابة الذين آمنوا في المدينة أو من آمن في آخر المرحلة المكية، بخلاف من آمن بعد الفتح.
هؤلاء الذين آمنوا في هذه المرحلة، مرحلة البلاء والشدة والتعذيب، هؤلاء ما أخذوا من الإسلام شيء من المغانم الدنيوية إلى آخره، إنما كان كله بلاء، شتم، سب، ضرب. هذا كله كيف قاوموه؟ كيف قابلوه؟ بهذه الآيات؛ فالله لما كان ينزل هذا القرآن الكريم على نفس النبي عليه الصلاة والسلام وعلى نفوس الصحابة رضي الله عنهم، يقرأون «طس»؛ هذه كلمات عربية، هذه أحرف عربية، لماذا تأتي هذه الحروف المقطعة بهذه الطريقة ولم يكن العرب يتكلمون بهذه الصورة؟ للدلالة على عظمة هذا الكتاب، والدلالة على أن هذا القرآن الكريم نزل من قبل الله سبحانه وتعالى على نبيه الأمين عليه الصلاة والسلام. هم يشتمون، هم يسبون، هم يطعنون، ولكن ليس عندهم أي دليل ولا أي برهان، ولما القرآن يفاجئهم ويصدمهم ويناقشهم ويحاورهم ويبكّتهم يفرون من التحدي، ويستمرون فقط بالشتم والسب.
فلما تنزل هذه الآيات من الطبيعي جدًا أنها تحدث صدمة في نفوس الكفار وفي نفوس المؤمنين؛ أما في نفوس المؤمنين فهذه الآيات لما تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام ويقرأها النبي عليه الصلاة والسلام وكذلك الصحابة، تقوي نفوسهم، تقوي نفوسهم وتنفي ما يعلق في النفوس من هذا الشتم وهذا الطعن، وكذلك تصدم الكفار وتبكّت الكفار، فلا يستطيع الكفار أن يردوا أو يتكلموا. ثم بعد فترة يأتي الشيطان ويرجع الكفار، فتنزل آيات أخرى، ثم يتكلم الكفار، ثم تنزل آيات أخرى، وهكذا.
ففي مكة نزلت أكثر من ثمانين سورة، تصوروا في عشر سنوات أو ثلاثة عشر عامًا تنزل ثمانون سورة على النبي عليه الصلاة والسلام، جل هذه السور تتكلم عن القرآن الكريم، عن عظمة هذا الكتاب، وتتكلم عن النبي عليه الصلاة والسلام، تتكلم عن الله سبحانه وتعالى، توحيد الله سبحانه وتعالى، وتتكلم عن يوم القيامة. لماذا نزلت بهذه الطريقة؟ هكذا متوالية، متتالية، مكررة، لما فيها من قوة وتثبيت للذين آمنوا، ولما فيها من رد على الكفار.
إذن لما نقرأ مثل هذه السور لابد أن نعيش هذا الواقع، وأكثر الناس وأقوى الناس عيشًا مع القرآن الكريم من كان واقعه قريبًا من واقع الصحابة؛ شخص بعيد عن هذا الواقع، ما يعالج الإسلام وقضية الإسلام ويدافع عن الإسلام ويرد عليه ويطعن به ويتكلم فيه وهو كذلك يرد، هذا ما يعيش مع المعنى كما يعيش الشخص الذي يدافع عن الدين والذي يقوم برفع راية الإسلام والدعوة إلى الدين وهكذا. فالقصد أن هذا الواقع إذا ما كنا فيه نحاول أن نعيشه، نحاول أن نعيشه حتى نعرف آثار هذه الكلمات في نفوس الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
فهنا الله سبحانه وتعالى يقول: «طس»، وقفة، صدمة، ما المراد من هذين الحرفين؟ المراد ما بعد هذين الحرفين، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾؛ تلك إشارة العلو والرفعة. قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ القرآن هو الكتاب، في سورة الحجر الله يقول: ﴿الم ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: 1]؛ نكر القرآن وعرف الكتاب، وهنا بالعكس، هنا عرف القرآن ونكر الكتاب، والله وصف القرآن والكتاب بأنه مبين، أي ظاهر الدلالة والحجة والبينة على أنه ليس من كلام البشر، إنما هو كلام رب البشر سبحانه وتعالى.
تلك آيات القرآن وكتاب مبين؛ تفخيم وتعظيم لهذا الكتاب العظيم الذي نزل من الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله مبينًا أن هذا القرآن هدى، وأنه بشرى، ولكن ليس للجميع، إنما ليس لواحد فقط من البشر؛ يقول الله: ﴿هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 83]. الذي ينتفع بهذا القرآن الكريم هم أهل الإيمان، أما أهل الريب والشك والنفاق هؤلاء لا ينتفعون.
بل كذلك المؤمن لما يكون في لحظة الغفلة لا ينتفع من القرآن الكريم كثيرًا. كم مرة تقرأ آية القرآن الكريم ولا تتأثر؟ لما تكون في غفلة، لما تقرأ قراءة سريعة، قراءة عجلة، ما تستفيد كثيرًا في الإيمان. نعم ممكن تحصل الأجور، لكن نفس القلب ما يصطدم بمعاني القرآن الكريم، والسبب هو أن القلب به شيء من الغفلة. ولكن لما يكون القلب حاضرًا، لما يكون القلب معمورًا بالإيمان، هذا الإنسان هو الذي يفتح له أسرار القرآن الكريم. وبقدر ما عند الإنسان من تقوى وصلاح وحب وتعظيم وإجلال لله سبحانه وتعالى يكون فهم هذا الإنسان للقرآن الكريم.
لذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه مبينًا سر الفتح بالقرآن الكريم: «إلا علمًا أوتيه رجل في كتابه». هل عندكم شيء؟ يعني هل النبي عليه الصلاة والسلام أعطاكم يا آل البيت علمًا خاصًا؟ فقال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا شيء، إلا ما في هذه الصحيفة: العقل وفكاك الأسير وما في هذه الصحيفة، أو فهمًا أوتيه رجل في كتابه».
هذا الفهم عطية إلهية، منة ربانية، يصطفي الله سبحانه وتعالى لها من يشاء من عباده. الشخص إذا لم يكن قلبه معمورًا بالإيمان ولم يكن صاحب إيمان عظيم لا يصل إلى معاني القرآن الكريم كما يصل غيره إليها. معاني القرآن الكريم لا نهاية لها، هذا الكتاب كتاب الله سبحانه وتعالى، هذا كلام الله سبحانه وتعالى. فهذا القرآن مهما ثورت آيات القرآن الكريم ومعانيه، ستكتشف بأنك مع كل قراءة معها هدى ستكتشف علمًا جديدًا وفتحًا جديدًا أو سرًا جديدًا.
لماذا هذا الأمر ما ينقضي؟ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى لا تنقضي عجائبه. كما يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وهو أعلم الناس في القرآن الكريم، كما كان يقول: «لو كنت أعلم رجل بكتاب الله، تصل إليه المطي لركبت إليه». وعبد الله بن مسعود يقول: «ثوروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين». وكان يقول: «ما من أحد إلا وهو يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله القرآن».
فالقرآن الكريم مهما قرأت الآيات المذكورة فيه، ستلاحظ بأنك ستكتشف معاني جديدة، وأن القلب سينظر إلى أمور عظيمة، والقرآن كتاب صالح لكل زمان ومكان. والقرآن الكريم هدى وكذلك بشرى، لكن ليس الجميع، إنما فقط للمؤمنين. بعض الناس قد يقرأ القرآن الكريم، لكن يقرأه من غير أن يستشعر بأن هذا كلام الله سبحانه وتعالى، من غير أن يستشعر بأن هذا الكلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله الله سبحانه وتعالى آية النبي عليه الصلاة والسلام.
الله ما اختار أن تكون آية النبي عليه الصلاة والسلام مثل عصا موسى، ما اختار الله أن تكون آية النبي عليه الصلاة والسلام مثل آيات عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، لم يختر الله له هذا الأمر، إنما اختار أن تكون آية عليه الصلاة والسلام هي القرآن الكريم. ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة.
الذي لا يقرأ القرآن بهذه الطريقة ما تفتح عليه الكنوز. لذلك الكثير من الشباب ممن يطلب العلم ممن يسير في طريق الله سبحانه يتعجب لما يرى بعض الدعاة وبعض العلماء وبعض طلاب العلم يفتح عليه بالمعاني، ويعرف يستدل بالقرآن الكريم، ويعرف يستخرج الدواء من القرآن الكريم للداء الذي نعانيه في أمتنا اليوم، يقول كيف استطاع أن يصل إليها؟ نفس الآيات هي الآيات، نعم هو وصل إليها لما عنده من إيمان، فالإيمان الذي لديه كشف له المعنى، فتح الله سبحانه وتعالى له هذا المعنى. إذاً يستفاد من هذا أن الإيمان كما أنه سبب في الثبات كذلك هو سبب بالكشف، والمقصود هنا بالكشف أي الفهم. فالشخص يصل إلى هذا العلم والفهم عن الله سبحانه وتعالى ويفهم كلام الله سبحانه وتعالى لما يكون صاحب إيمان.
من هم أصحاب الإيمان؟ هل هم الذين يدعون الإيمان فقط هكذا؟ هل هم الذين يقولون بأنك بما أنك وصلت خلاص إذاً لا ينبغي لك أن تهتم بأعمال الجوارح وأن تقصر فيها؟ لا، لأن الكثير ادعى الإيمان وظهر في الأمة كثير ممن ضل في هذه الأبواب وادعى علم الظاهر والباطن وتاهوا في هذه الضلالات. أصحاب الإيمان هم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون.
الذي يقيم الصلاة هنا لم يقل الذين يصلون، إنما قال الذين يقيمون الصلاة، والمراد هنا بالإقامة أي أن هؤلاء كانوا يحرصون على الصلاة ويحافظون عليها ويقيمونها بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها، فكانت الصلاة عظيمة بالنسبة لهم، فكان الواحد منهم إذا صلى يخرج من هذا العالم وتكون الصلاة قرة عين له، كان يسعد إذا صلى وكان يشق عليه إذا تأخر عن الصلاة، أو إذا حتى لما يحصل له ظرف وهو معذور بهذا الظرف، قلبه يتأثر ويتمنى لو أنها أدركت تكبيرة الإحرام وإن كان معذورًا.
النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك انطلق إلى بعض حاجته وحضرت صلاة المغرب، فقام بلال وجاء عند عبد الرحمن بن عوف وقال: «أؤذن؟»، قال: «أقم فتصلي بنا؟»، قال: «نعم». والصحابة رباهم النبي عليه الصلاة والسلام على الحرص على الصلاة والاهتمام بها والعناية بها، فقام عبد الرحمن بن عوف وصلى بالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ورآهم يصلون ودخل معهم في الركعة الثانية، ثم لما صرفوا قام النبي عليه الصلاة والسلام وقضى الركعة التي عليه، فلما سلم قال عليه الصلاة والسلام: «أحسنتم» أو «أصبتم»، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها. من الذي يغبط من؟ النبي عليه الصلاة والسلام يغبط الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لأنهم صلوا الصلاة في أول وقتها. فقص من ذلك أن أصحاب الإيمان هم أصحاب...
الصلاة؛ أصحاب الإيمان هم أصحاب الصلاة. وعلامة الفتح وعلامة العطاء وعلامة الكرامة الحفظ والمحافظة على الصلاة. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]. الذي يصوم ولا يصلي لن يستفيد، والذي يصلي صلاة ينقرها نقرًا لن يستفيد، لن تنفع هذه الصلاة. إنما الصلاة التي تنفع هي الصلاة التي يقيم فيها أركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها، الصلاة التي إذا دخل الإنسان فيها شعر بالراحة والسكينة والمحبة.
تقول: كيف أنا أصل لهذه الدرجة؟ أقول: لا تصل إليها بنفسك، إنما تصل إليها بالله وحده سبحانه وتعالى. لا بد أن تثبت لله بأنك تريد أن تقيم الصلاة، لا بد. كيف تثبت؟ كيف تثبت أنك تريد أن تتزوج من البيت الفلاني؟ كيف تثبت للولي؟ كيف تثبت للمدير عندك بالشركة أنك منجز عملك؟ إذا قالوا بأن شرط الترقية أن تثبت جديتك، كيف تثبت الجدية؟ لا إجابة عليها، كل شخص هو الذي يجيبها.
إذا كانت الصلاة حقيقة عظيمة عندك وتريد أن تكون عظيمة، إذاً هنا لا بد أن تبذل كل ما تستطيع؛ هذه الإجابة المختصرة والموجزة والموافقة للحقيقة. تريد أن يفتح عليك، تريد أن تصل للدرجات العالية، تريد أن تكون الصلاة قرة عين لك، لا بد أن تجاهد نفسك. لا بد أن تذهب إلى المسجد وتحمل نفسك النافرة لما تكون نافرة، لا بد أن تحرص على الصف الأول، لا بد قبل أن تكبر تقول: يا رب، يا رب امنن علي بالخشوع.
يجب أن تعرف واجبات الصلاة، وتدرس واجبات الصلاة، وتعرف أركان الصلاة، وتعرف سنن الصلاة. هذا الذي يريد، هذا الإنسان لما يتعامل مع الصلاة بهذه الطريقة هذا هو الذي يفتح له، هذا هو الذي يقيم الصلاة. أما شخص ما تكون الصلاة عنده عظيمة وهو يريد أن يخشع، يبحث مقطعًا عن مقطع في اليوتيوب "كيف أخشع في الصلاة" ثم يظن بأن مجرد أن تفعل كذا وكذا ستخشع، لن تخشع.
إنما تخشع لما تثبت لله سبحانه وتعالى، لأن الخشوع الله هو الذي يهبه للإنسان، ليس الإنسان هو الذي يحصل عليه. الخشوع لا يستطيع الإنسان أن يفعل كذا وكذا ثم يحصله، إنما الله هو الذي يعطيه. لذلك ممكن شخص في سنة واحدة أو ستة أشهر أو خمسة أشهر يصل إلى الخشوع، وشخص ثاني عشرين سنة يصلي ولا يخشع، منذ بلغ إلى أن مات لم يخشع في صلاته. أما الآخر مباشرة يخشع.
لماذا هذا يخشع وهذا ما يخشع؟ لأن هذا دخل الصلاة ويريد أن يخشع، والله نظر إليه كيف يأتي المسجد مبكرًا، كيف أن الصلاة عظيمة، كيف أنه يفوت أمور الدنيا كلها مقابل الصلاة، فالصلاة عنده أغلى من كل شيء. هذه كلها اختبارات لا بد أن تقع لك وتمتثل فيها، وبالاختبار تعطى هذه الكرامات.
القصة أن أهل الإيمان هنا الذين يقيمون الصلاة بدأوا بإقامة الصلاة لعظم هذه العبادة؛ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. لما أراد الله أن يشرع هذه الصلاة لم ينزل جبريل، إنما رفع محمدًا ﷺ حتى شرع عليه الصلاة، بل في البداية كانت الصلاة خمسين، حتى شفع النبي ﷺ لما نزل على موسى عليه السلام وقال ارجع إلى ربك وسل التخفيف فإن أمتك لا تطيق، فرجع النبي ﷺ وسأل الله سبحانه وتعالى أن يخفف عنه، فلم يزل الله سبحانه وتعالى يخفف حتى أصبحت خمس صلوات.
وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل: «هي خمس وهي خمسون»، إنه لا يبدل القول لدي؛ هي خمس في العمل ولكن خمسون في الميزان. لماذا شرعت خمسون صلاة في البداية؟ لأن هذا هو الأصل أن يكون العبد دائما متصلًا بالله سبحانه وتعالى، دائم التعلق به. نعم، الخمسون خففت بالفريضة لكن بقيت النوافل، فالعبد الكامل هو الذي يحقق هذه العبادة، العبد الكامل هو الذي يكثر من الصلاة، وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى، وكان يصلي ويقوم حتى تتفطر قدماه.
فالذي يحسن الصلاة ويقيم الصلاة على وجهها هذا هو الذي تفتح عليه أنابيب الحكمة والمعرفة، وليس فقط الذي يكثر من القراءة، فالكثير من القراءة سبب لكن أضعف من سبب الصلاة، هو مهم ولكن لا بد أن يكون معه إيمان، والإيمان هو الأصل وهو الأعظم.
إذا وصف المؤمنين هم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، فقرينة الصلاة الزكاة، وإنها لقرينتها في كتاب الله. الزكاة الركن الثالث في الإسلام، بني الإسلام على خمس: على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فالزكاة عبادة تلي الصلاة مباشرة.
وذكر جماعة كبيرة من العلماء، منهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى في بعض الروايات عنه وكذلك جماعة كبيرة من السلف الصالح رضي الله عنهم، بأن ترك الزكاة كذلك كفر، ليس فقط ترك الصلاة بل كذلك ترك الزكاة، بخلاف الصيام والحج فالخلاف فيهما أضعف. والزكاة بالاتفاق أفضل من الحج ومن الصيام، بالاتفاق أن الزكاة كركن أعظم من ركن الحج وركن صوم رمضان، وبالاتفاق كذلك أنها تلي الصلاة.
ونوافل العبادات تعظم بقدر تعظيم الفرائض، فالصلاة النافلة أعظم من صدقة النافلة، والذكر لأنه من جنس الصلاة أعظم من الصدقة، ولكن الصدقة أعظم من نوافل العبادات الأخرى؛ فإذا كانت نافلة العمرة وعندنا الأصل الحج، وعندنا الأصل صوم رمضان ونافلة صيام الأيام البيض واثنين وخميس وهكذا، وكذلك أيضا الزكاة، عندنا نافلة الزكاة هي صدقة، وعندنا الصلاة ونافلة الصلاة صلاة التطوع وكذلك الذكر، فصلاة التطوع مع الذكر أعظم من حيث الأصل من الصدقة، والصدقة من حيث الأصل أعظم من غيرها.
إذًا هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 3]، هؤلاء هم الذين حققوا الإيمان، أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة، ويبعد جدًا أن شخص يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وينفرط في صوم رمضان أو في حج البيت إذا استطاع أن يحج. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4]، الذين يؤمنون بيوم القيامة ويوقنون بوجود هذا اليوم وأن هذا اليوم لا بد أن يأتي، وتمكن هذا اليوم من قلوبهم وعظم هذا اليوم في نفوسهم، فأصبحت أقوالهم وأفعالهم كلها من أجل تحقيق العبادة التي ينجون بها في ذلك اليوم العظيم.
فالذي يؤمن بيوم القيامة استحضروه معي الآن؛ أن الله سبحانه وتعالى يصف المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون، على خلاف حال الكفار الذين كانوا يتعجبون ممن يؤمن بيوم القيامة: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]. هؤلاء يصلون لهذا الإله الواحد ولا يصلون لغيره.
وكذلك يقولون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [المؤمنون: 35]؟ ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾؟ هؤلاء يؤمنون بهذا اليوم ويوقنون به، بل يعملون من أجل هذا اليوم، هؤلاء هم أهل الإيمان. من أقام الصلاة وآتى الزكاة ووصل عنده يوم القيامة إلى درجة اليقين الذي يوافق فيه الفعل الاعتقاد؛ وليس فقط هو يؤمن بيوم القيامة، لكن جميع أفعاله، وجل أفعاله، كأنما يؤمن بيوم القيامة.
إذا كانت عامة الأربع وعشرين ساعة منصرفة من أجل الدنيا، ويتساهل بالمحرمات ويتساهل بالكبائر وبالصغائر، وكذلك ما عنده مشكلة بالمكروهات لما يكثر منها، فهذا عنده خلل في الإيمان بيوم القيامة. نعم، ممكن يكون عنده أصل الإيمان، ولكن الأفعال تدل على أن اليقين عنده ليس قويًا، والذي يكشف هذا الحال للإنسان هو نفس الفعل.
انظر إلى وقتك، الأربع وعشرين ساعة هذه أين تذهب؟ هل أكثرها يذهب بالطاعة؟ هل كلها تذهب بالطاعة حتى المباح تنوي فيه الطاعة؟ لما تدعو الله سبحانه وتعالى بماذا تدعو؟ هل دعاؤك أكثر متعلق بيوم القيامة بالنجاة بيوم القيامة والفوز بالدرجات العالية في الجنة والنجاة من النار وهكذا، أم أكثر الدعاء متعلق بالدنيا؟ الدعاء عبادة، ولكن أكثر الدعاء متعلق بماذا؟ هل بالآخرة أم بالدنيا؟
لما ننظر في أدعية النبي ﷺ، نجد أن أدعية النبي ﷺ تدور حول هذه المعاني؛ حول الهداية، حول العلم، حول النجاة من النار، حول الفوز بالدرجات العالية في الجنة، الأدعية كلها متعلقة بيوم القيامة والنجاة في يوم القيامة. نحن الآن لما ندعو قبل الأذان والإقامة وفي السجود، أكثر أدعيتنا بماذا؟ هل متعلقة بالدنيا أم متعلقة بالآخرة؟ هذا يكشف. ليس معناه أن الدعاء المتعلق بالدنيا حرام، بل هو يأخذ أجره، ولكن شتان بين شخص تكون القيامة عنده عظيمة وغايته من الدنيا أن يفوز بالدرجات العالية في الجنة، وبين شخص القيامة عنده ثانوية، ما يدعو فيها إلا مع الإمام، لما يقنت الإمام يقول آمين، فرق كبير بين هذا وبين هذا، ويكشف للإنسان مدى يقينه وقوة يقينه.
وكذلك، هل يوم القيامة يحجزك عن المعاصي؟ يمنعك؟ لولا يوم القيامة لأجبتك هذه الكلمة التي تناقلها السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. هل هي موجودة في حياتنا؟ لولا يوم القيامة لفعلت كذا، لكن يوم القيامة يمنعني. يوم القيامة يمنعني من أن أقوم بكذا وكذا، وإن كان ما أحد سيكتشفني في الدنيا، لكن هناك يوم سأجتمع مع الناس فيه. هل يوم القيامة يحكمك في أقوالك وأفعالك وتصرفاتك؟
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زُيِّنَ لَهُمْ أَعْمَالُهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النحل: 79]. بقدر نقص الإيمان بيوم القيامة يكون تزيين الباطل للإنسان في الدنيا. الله يبين للصحابة وقبلهم النبي ﷺ بأن هؤلاء لا يؤمنون بيوم القيامة، لذلك زينت لهم هذه الأعمال.
يتعجب أهل الإيمان في مكة كيف أن هؤلاء الكفار مع وضوح الآيات وبيان الآيات وعظمة هذه الآيات والجلال العظيم الذي يستشعر الإنسان لما يستمع لمثل هذه الآيات ومع ذلك يصدون، ومع ذلك يعبدون الأصنام، وهم ينظرون إلى النبي الذي اختاره الله سبحانه وتعالى حتى يكون سيد ولد آدم وهو بين أظهرهم، ويعرفون صدقه وأمانته، كان لما تدخل في نفس الصديق، في نفس الفاروق، في نفس بقية الصحابة في مكة، كيف هؤلاء إلى الآن ما آمنوا؟ مع وضوح الآيات وما عندهم إلا اتهامات فقط، سب فقط، شتم فقط، ثم ينصرفون إلى عبادة الأصنام والأوثان.
أمر عجيب، الله هنا يكشف للذين آمنوا لماذا هؤلاء يضلون؟ لماذا هؤلاء لا يستجيبون؟ لماذا هذه الآيات البينات الواضحات ما تدخل قلوب هؤلاء ولا ينظرون إليها كما ينظر إليها أهل الإيمان كما تذوق الإيمان؟ السر هو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زُيِّنَ لَهُمْ أَعْمَالُهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. أعمالهم زينة لهم، فهم يعمهون، أي فهم يتمادون في الباطل، هم متحيرون هم شاكون، لذلك وقعوا في هذا الضلال. والعمى لما يصيب القلب أصعب وأشد من العمى لما يصيب البصر؛ فلما القلب ينقلب على الإنسان لا ينظر إلى المعروف على أنه معروف، إنما ينظر إلى المعروف على أنه منكر والمنكر على أنه معروف، نسأل الله السلامة والعافية.
فهو لا يضرب على قلبه، لماذا؟ لأنهم ما آمنوا بيوم القيامة، لماذا؟ لأنهم رأوا الحق لكن ما قادوا له لما رأوه، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]. خلاص ما ينظرون إلى الحق.
إذن بقدر الاستشعار والعيش مع يوم القيامة تكون الهداية، ويكون الفتح، ويكون العطاء، ويكون التوفيق. لكن إذا ضعف هذا الباب عند الإنسان، ضعف اليقين بيوم القيامة، هنا الشخص يفعل الباطل ولا يشعر بأنه يفعل باطلا، ويسهل عليه فعل هذا الباطل، ويزين له -والعياذ بالله- هذا الباطل.
ثم قال الله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾. أي هؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بيوم القيامة، سوء العذاب أي في الدنيا؛ عذبوا في بدر وعذبوا كذلك في بقية الغزوات، انتصر عليهم النبي ﷺ، وعلا عليهم وقتل خيارهم وفتح بلادهم. ثم قال الله: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [الجاثية: 34]. هنا حصر الخسارة بهؤلاء، لماذا هم الأخسرون؟ لأنهم لم يؤمنوا بيوم القيامة ولم يقعدوا إلى هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام وكذبوا بآيات القرآن الكريم، فهم الأخسرون، هم الذين سيصلون النار يوم القيامة، هؤلاء هم أهل جهنم.
ثم قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6]. وإنك لتلقى القرآن من لدن، أي من عند، حكيم عليم. اختار الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين وافتتح هذه السورة الجليلة العظيمة بهذين الاسمين، ثم ذكر بعد ذلك قصة طرف من قصة موسى عليه السلام، وقصة سليمان عليه السلام، وقصة كذلك صالح عليه السلام، وقصة لوط عليه السلام.
لماذا؟ لتضمن هذه القصص ما يريد الله سبحانه وتعالى إيصاله لأهل الإيمان وكذلك لأهل الكفر، وهذا كله منبثق من اسم الله سبحانه وتعالى العليم ومن اسم الله سبحانه وتعالى الحكيم. إذا استطاع شخص أن يربط بمعاني السورة وسياق الآيات مع هذين الاسمين، فُتح له باب الأسماء الحسنى الذي هو أشرف أبواب العقيدة على الإطلاق؛ كل ما في كتاب الله سبحانه وتعالى وما نزل في شرع الله سبحانه وتعالى وما يجري في قدر الله سبحانه وتعالى القصد منه هو التعرف على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته. اقرأوا هذه السورة وانظروا إلى...
آثار اسم الله العليم وآثار اسم الله الحكيم في سياق الآيات الآتية، فيكون لنا تعليق إن شاء الله تعالى معها في اللقاء القادم غدًا بإذن الله.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري