دخولتسجيل الدخول

سورة ق 01 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه المجالس المتعلقة بالعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومعنا اليوم بإذن الله سورة ق.

سورة ق هي أول سور المفصل، وكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يحزبون القرآن، فكانوا يقرؤون ثلاثاً، ثم خمساً، وسبعاً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، ثم المفصل. ولم يكن عندهم التحذيب الموجود عندنا، أي التحذيب الذي هو عبارة عن ثلاثين جزءاً، وستين حزباً، ومئتين وأربعين ربعاً؛ هذا التحذيب ليس موجوداً في زمان النبي عليه الصلاة والسلام ولا في زمان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. أول من عشّر القرآن بهذه الطريقة هو الحجاج بن يوسف الثقفي أو بناءً على أمره، أما الصحابة ما كانوا يقرؤون القرآن بهذه الطريقة. نحن عندنا الآن من قرأ الخمس لم ينس، لكنهم كانوا يقرؤونها بهذه الطريقة: ثلاث سور، ثم خمساً، ثم سبعاً، وهكذا، ثم يبدؤون بالمفصل، وبداية المفصل على هذا الترتيب تكون بسورة ق.

وهذه السورة من السور التي لها مزية أسبوعية، وتعرفون بأن سور القرآن الكريم منها سور تقرأ كل يوم مثل الفاتحة، وهي أكثر سور القرآن قراءة لكونها ركناً في الصلاة، وكذلك سور تقرأ كثيراً في اليوم مثل سورة الإخلاص، وكذلك سورة الفلق وسورة الناس. كذلك هناك سور أسبوعية، وفي سور تقرأ كل يوم أكثر من مرة، ومنها ما تقرأ في اليوم مرة واحدة، مثل سورة الأعلى «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» تقرأ في الوتر، ومنها ما تقرأ أكثر من ذلك مثل سورة الكافرون فتقرأ في سنة الفجر، وكذلك في سنة المغرب مع سورة الإخلاص. ومنها سور أسبوعية مثل سورة الغاشية مع الأعلى في صلاة الجمعة، وكذلك منها سورة الإنسان مع سورة السجدة، وهذه في صلاة فجر يوم الجمعة. ومن السور التي تقرأ كذلك كل أسبوع سورة ق؛ تقرأ في صلاة الجمعة، وكذلك تقرأ في الأعياد. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ بقاف واقتربت، كما كان يقرأ بالأعلى والغاشية.

كان يكثر النبي عليه الصلاة والسلام من قراءة سورة ق يوم الجمعة، حتى كانت أغلب خطب النبي عليه الصلاة والسلام قراءة سورة ق فقط، يصعد المنبر ويقرأ هذه السورة على الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم. لماذا بالذات هذه السورة؟ ولماذا تقرأ يوم الجمعة وتقرأ على المنبر؟ لأن هذه السورة تكلمت عن حقائق، تكلمت عن الرسالة، تكلمت عن البعث والنشور، تكلمت كذلك عن إهلاك الله سبحانه وتعالى للأمم، تكلمت عن عموم وشمول علم الله سبحانه وتعالى وربوبية الله سبحانه وتعالى. والمقصد الأساسي هو الحديث عن يوم القيامة، الحديث عن البعث والنشور، ويوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، لذلك تقرأ في صلاة الفجر سورة الإنسان مع سورة السجدة من أجل هذا المعنى، وكذلك في صلاة الجمعة تقرأ سورة ق، وفي خطبة الجمعة تقرأ سورة ق، وفي صلاة الجمعة تقرأ ق واقتربت أو الأعلى والغاشية لوجود هذا المعنى فيها.

لماذا هذا التكرار والتكثيف في يوم الجمعة بهذه الطريقة؟ حتى يكون هذا اليوم مختلفاً عن غيره. الإنسان يغفل، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتخول الصحابة بالموعظة، وكانوا يطلبون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يكثر عليهم الموعظة، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «كان يتخولنا في الموعظة خشية السامة علينا»، كما يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. القسم من ذلك أن يوم الجمعة هو اليوم الذي ينبغي أن يذكر العبد فيه بهذه الحقائق حتى ما ينسى؛ فالإنسان طيلة الأسبوع ممكن يكون منشغلاً بالعمل والنشاط، ومعافسة أمور الدنيا، مع ما يتعلق بالعيش مع القرآن، لكن يوم الجمعة يوم مكثف.

إذاً هذه السورة فيها هذه المزية، تتكلم هذه السورة عن قضية محورية وهي قضية البعث والنشور، وكذلك عن صحة القرآن الكريم، وكذلك عن النبوة والرسالة. وهذه السورة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة، أي في سياق مدافعة الكفار، وفي سياق معارضة الكفار للنبي عليه الصلاة والسلام، ورد القرآن الكريم والتعجب من نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك من قضية البعث والنشور. فهذه القضايا الثلاث المركزية هي التي كانت تطرح في مكة، وكان الصراع حول هذه الأمور الثلاثة.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]. بدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بهذا المطلع المرعب المخيف الذي يلفت الانتباه، بدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بهذا الحرف، وهذا الحرف تعرفه العرب، لكن ما المقصد بعد ذكر هذا الحرف؟ هو الثناء على القرآن الكريم وتعظيم هذا الكتاب الجليل الذي ينكره الكفار مع تسليمهم وإيمانهم بأن هذا الكلام لا يمكن للبشر أن يعارضوه ولا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله، ولكن مع ذلك كذبوا، ومع ذلك أعرضوا، ومع ذلك لم يقبلوا. فهنا الله سبحانه وتعالى ينبه عن عظمة هذا الكتاب، ووصف القرآن الكريم في هذه السورة بأنه مجيد، والمجد اسم يطلق على الشرف، بل على سعة الشرف، على الكرم، فهذا القرآن مجيد. هذا القرآن لا يمكن الوصول إلى علوه ولا إلى ارتفاعه، هذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، والفارق بين كلام الله سبحانه وتعالى وكلام البشر، فرق بين الله سبحانه وتعالى وبين البشر، الفرق بين الخالق والمخلوق.

فالبشر عاجزون عن الوصول إلى الإتيان بكلام قريب من هذا الكلام، بل لا يمكن للبشر ولن يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثل هذا الكلام، فالله سبحانه وتعالى يعظم من شأن هذا الكلام العظيم، ويصف هذا القرآن العظيم بأنه مجيد. وصف الله سبحانه وتعالى كذلك عرشه الذي هو أوسع المخلوقات بأنه مجيد، والله سبحانه وتعالى كذلك مجيد، والمجد اسم يطلق على سعة الشرف.

بُتَّ للمجد والساعون قد بلغوا، جهد النفوس وألقوا دونه الأُزُرُ. كابدوا المجد حتى مَلَّ أكثرهم، وعانق المجدَ من أوفى ومن صبرا. لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله، لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا. المجد، الشرف، العلو، الارتفاع، الوصول إلى هذه المراتب العالية السامقة؛ هذا من الكلام لم يصل إليه كما وصل إليه القرآن الكريم، فالقرآن الكريم هو المجيد، أي هو الذي جمع ما لا يمكن أن يجمع في كلام آخر. فالقرآن الكريم عظيم في مبناه وعظيم في معناه، القرآن الكريم عظيم في مفرداته وكذلك عظيم في نظمه.

واختلف علماء اللغة كثيراً في سر إعجاز القرآن الكريم البياني مع اتفاقهم على أن أصل إعجاز القرآن هو الإعجاز في البيان، وسر الاختلاف وسبب الاختلاف هو أن هؤلاء العلماء أرادوا أن يعيشوا ذوق الرجل العربي الذي نزل القرآن الكريم عليه؛ كيف هذا الإنسان تذوق القرآن الكريم؟ ولماذا لم يستطع العرب على فصاحتهم وبلاغتهم -وما سموا عرباً بهذا الاسم إلا لأنهم يعربون عما في صدورهم، أي كانوا يتفننون بإيصال المعاني- مع ذلك لم يعارضوا القرآن الكريم؟ لماذا لم يعارضوه؟ ما هو المعنى الذي وقع في نفوسهم وأعجزهم عن معارضة القرآن الكريم؟ لماذا لم يفكروا بذلك؟ هذا هو المعنى الذي يتكلم عنه علماء الإعجاز، لذلك يحاول علماء الإعجاز إبراز هذا المعنى.

ولكن مثال من باب التقريب: القرآن الكريم أو كلام الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب العظيم، وكلام العرب، مثال السباق بين الصاروخ وأسرع رجل في العالم. لما تأتي الآن عند رجل سريع ويقطع المئة بتسع ثوانٍ، ثم تجعلها بجانب صاروخ تقول: من يسبق أنت والصاروخ؟ هل هذا سيفكر بمسابقة الصاروخ؟ أبداً، لماذا؟ لأنه يعلم بأنه لا يمكن. هكذا هو الذي وقع عند العرب، فالعرب كانوا يتميزون عن غيرهم بسرعه، أسرع رجل بالعالم، لكن مقارنة بالقرآن الكريم لا يستطيعون، لذلك هم لم يقبلوا أصلاً ولم يستطيعوا بأن يخوضوا هذه المعركة أو هذا التحدي، فجاؤوا إلى الأسلوب الآخر؛ أسلوب الطعن والتحذير والتكذيب، أسلوب الضعفاء.

القسم من ذلك هنا الله سبحانه وتعالى أقسم بكتابه العظيم، ثم قال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2]. ما جواب القسم؟ قيل بأن جواب القسم هو نفس القسم، فالمقصود هنا نفس المقسم به، فاستغني عن ذكر الجواب لأن القصد هو نفس القسم، وهذا قول ابن القيم رحمه الله ويفسر عامة أقسام القرآن الكريم بهذه، إيمان القرآن الكريم بهذه السورة. ومنهم من يقول محذوف للعلم به، والعلم به هو أن جواب القسم المقصود منه هو الرد عليهم في تكذيبهم، أي: ق والقرآن المجيد لتبعثن، وسيأتي يوم القيامة، وهكذا، وهذا قول عامة المفسرين بأن جواب القسم محذوف والمقصود منه هو ما كان الكفار ينكرونه من نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ومما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من قضية البعث، وهكذا.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2]. هنا الله سبحانه وتعالى يرد على هؤلاء الكفار الذين تعجبوا بأن يأتي نبي من البشر؛ كيف يوجد نبي وهذا النبي بشري وليس ملكاً؟ وما أعجب ما يتعجب منه هؤلاء الكفار، ومن أعظم ما يلفت الانتباه في هؤلاء الكفار بأنهم كانوا يعبدون إله حجر ويكذبون أن يكون نبي من بشر. وكذلك هؤلاء العجيب أنهم يؤمنون بإبراهيم عليه السلام ويؤمنون بأنهم أبناء إبراهيم عليه السلام ويظنون بأنهم على دين إبراهيم عليه السلام، من هو إبراهيم عليه السلام؟ من هو أبوهم إسماعيل عليه السلام؟ أليسوا أنبياء مبعوثين من قبل الله سبحانه وتعالى؟ إذاً لماذا يتعجبون أن يوجد نبي يبعث في زمانهم وأن يكون هذا النبي بشرياً؟ فالله هنا يقول: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2].

وكان من أشد الأمور التي تعجب منها الكفار وأشقها على أفهامهم وآذانهم القاصرة قضية البعث والنشور: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3]، استفهام إنكاري تعجب، يعني هل من الممكن إذا متنا وتحللت أبداننا بعد ذلك ممكن نعود ونرجع إلى هذه الحياة؟ ذلك رجع بعيد، أي بعيد أن يقع هذا الأمر. فيرد الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 4-5].

انظر الآن كيف رد القرآن الكريم على هؤلاء الكفار، وكيف الله سبحانه وتعالى يقيم تصورات الإسلام في ظل المجتمعات التي لا تؤمن بهذه التصورات. وواهم من ظن بأن التصورات تقام بالأساليب اللطيفة، واهم هذا؛ إنسان يعيش في وهم كبير الذي يظن بأن التصورات تقام بالأسلوب اللطيف، التصورات لا تقام إلا بالوضوح. والذي يريد أن يقيم تصوراً معيناً ليحذر ولينتبه من أن يتهاون في إقامته بحجة أن الناس تفهم، الناس ما تفهم، الناس عندها العقل لديه قدرة على تأويل البيّن الواضح، فما بالك الشخص الذي يطرح الأمور بغير الوضوح والبيان؟ ليس معنى هذا الشدة بالطرح، ما أتكلم عن شدة، إنما أتكلم عن الوضوح. الآن ليس المقصود باللين أو الشدة بالأسلوب، إنما المقصود الوضوح في المعنى، هذا غير صحيح، هذا غير صواب، نحن نعتقد كذا وكذا وكذا، فيتم بيان التصور الإسلامي بكل وضوح وجلاء، أما الأسلوب فهذا شأن آخر، قد تستخدم اللين، قد تستخدم الشدة على حسب السياق والحال، ولكن البيان لابد أن يكون بينّاً وواضحاً.

ومن أعجب حوادث السيرة النبوية التي يتعجب والله شخص من قوة النبي عليه الصلاة والسلام في بيان الحق وتصورات الحق في ظل واقع يصعب على الشخص أن يقيمه بهذه الصورة وهذه الطريقة، لما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام في بيت أم هانئ، وأخبر أم هانئ بأنه قد ذهب إلى بيت المقدس ورجع وأصبح في بيت أم هانئ، ثم قام عليه الصلاة والسلام، فقالت أم هانئ: يا رسول الله، لا تحدث الناس فيشتموك ويكذبوك، وهذا بعدما مات أبو طالب، يعني لم تعد للنبي عليه الصلاة والسلام تلك القوة التي يمكن أن تحميه، فقال عليه الصلاة والسلام برد عجيب عجيب، قال: «والله لأحدثنه».

يعني الإخوة الذي يريد أن ينتفع من السيرة النبوية، لا يدخل في المشهد، لا تقرأ السيرة قراءة عرضية، يعني لا تقرأ السيرة قراءة سطحية، إنما ادخل، اقرأ السيرة قراءة الشخص الداخل فيها الآن في مكة، والكفار من غير شيء أصلاً يقال، يعني الآن الذي يقال عن هذا الرجل الكريم عليه الصلاة والسلام في مكة ساحر، في مكة كاهن، في مكة -حاشاه بأبي أمي عليه الصلاة والسلام- مجنون، فكانت هذه العبارات، هذه الأوصاف التي كانت تطلق عليه، فيأتي الآن النبي عليه الصلاة والسلام ويقول للكفار بأني قد ذهبت إلى بيت المقدس ورجعت، يعني ما هي النتيجة التي ستقع؟ النتيجة أن يكفر بعض المؤمنين، أن يرتد بعض أهل الإسلام، وهذا هو الذي وقع.

طيب لماذا هذا كله؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقيم تصورات الإسلام، لا نريد إلا الذي يريد، لا نريد إلا المصدق، لا نريد الذي يتأثر، خاصة في مرحلة بناء الرسالة أو بناء الأشخاص أو صناعة الأفراد، هنا الأمر مختلف. فالقصد من ذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان هكذا يقيم تصورات الدين حتى تتضح عند الكفار، بحيث لا يوجد في أذهان الكفار أي شبهة في نفس التصورات، فخلاص الكفار عرفوا بأن الله معناه كذا، معبود النبي عليه الصلاة والسلام يختلف عن معبوداتكم أيها الكفار، يوم القيامة سيقع لا محالة ولن نجاملكم.

على حساب هذه التصورات لن يؤمنوا. لكن المؤمن التصورات الإسلام تقوم وتظهر وتبين وتقام الحجة، وهذا أعظم من هداية الناس، يعني نفس إقامة الحجة أعظم من هداية الناس. وليس معنى هذا الكلام أن يؤخذ بإطلاقه، إنما هذا الكلام يؤخذ بسياقه، لأن قد يكون الشخص ما يقولها من أجل أمور قد تكون أعظم على حسب السياق وحسب الحال. لكن نحن الآن في مكة، نحن نتكلم في واقع مكة، فالله سبحانه وتعالى الآن يريد أن يرد على هؤلاء الكفار، ويبين بأن قضية البعث والنشور واقعة لا محالة، والعجب من تعجبكم، والعجب أنكم تتعجبون من هذا الأمر: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: 3].

يرد الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: 4]. أي نعلم، ليس فقط هؤلاء الموتى، بل لما يموت الموتى وتتحلل أجزاء هؤلاء وتختلط في الأرض، الله سبحانه وتعالى يعلم مقدار هذا التحلل ويعلم أين اختلط في الأرض، والله سبحانه وتعالى يعلم بهذا كله. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، يعني ليس فقط أن هؤلاء ماتوا ثم ذهبوا انقضوا، لا، بل الله سبحانه وتعالى زيادة على ذلك يعلم نفس هذه المواد لما تتحلل من بدن الإنسان أو أعضاء الإنسان، لما تتحلل وتذوب في الأرض ولا يبقى إلا عجب الذنب.

إن ذهبت الآن شخص مات لها ألف سنة تبحث في قبره ما تجد شيئًا، طيب أين ذهبت؟ أين ذهب هذا الإنسان؟ أين أعضاء هذا الإنسان؟ أين موت هذا الإنسان؟ يمر بأربع، الله لما خلق آدم عليه السلام خلقه بأربع مراحل: المرحلة الأولى كانت تراب، ثم طين، ثم حمأ مسنون، ثم تشكل آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح. لما يموت الإنسان يرجع إلى حمأ مسنون، يعني متغير، فيبدأ الإنسان يفسد، فإذا مات الإنسان يفسد، فلما يبدأ يفسد بعد ذلك يتحلل ويرجع إلى أجزاء تتقطع هكذا أو تتهتك، ثم بعد ذلك يرجع إلى التراب التي منها خلق. هذه مراحل خلق الله سبحانه للإنسان وكذلك عودة الإنسان، هذا التحلل الذي وقع في هذا الإنسان الله سبحانه وتعالى يعرفه.

قال: ﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾، أي لدينا كتاب هو اللوح المحفوظ، حفيظ أي حافظ، فعلى وزن فاعل أي حافظ لجميع ما تقولونه ولجميع ما تفعلونه. طيب الآن الكفار يستنكرون قضية البعث، ويكون رد القرآن عليهم بعلم الله سبحانه وتعالى؛ لماذا؟ لأن استنكارهم ليس استنكارًا عقليًا، هم لا يستنكرون استنكارًا هكذا فقط أن العقل المستنكر يحتاج إلى إقامة حجة عقلية، لا، إنما استنكروا استنكارًا نفسي: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 81-82]، ﴿بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: 2].

هذه التي حملتهم على عدم الإيمان بكل ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، هذه التي حملتهم على عدم الانقياد، فالمشكلة كانت نفسية. فهنا الرد يكون لهؤلاء بناءً على هذه النفس، ثم لما يتم زجر هذه النفس وإيقافها تأتي الردود العقلية، لا العقل خلاص، تم حجز النفس عن السيطرة عليه والتمكن منه.

فيقول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ [ق: 5]. أن هؤلاء كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج؛ مرة يقولون ساحر، مرة يقولون كاهن، مرة يقولون مجنون، ومرة يقولون أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، ومرة يقولون كذا. هكذا أقوال فقط لمجرد الأقوال، ويطلقون هذه الأقوال لأنهم لازم يطلقون شيئًا من هذه الإطلاقات حتى ما ينقاد الناس، يعني هم يريدون السيطرة على الجمهور؛ طيب هذا الكلام سحر، هذا كلام كهانة، قولوا كذا أن هذا ليس له سحر يؤثر.

فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾، أي مختلط مضطرب، مرة يقولون كذا ومرة يقولون كذا. طيب كيف يكون مجنونًا وساحرًا؟ المجنون يفعل الفعل الذي لا يعقل، طيب كيف يكون مجنونًا وساحرًا؟ الساحر يخطط ويدبر. طيب كيف يقولون أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، ثم يتهمونه بأنه كذاب؟ هو ينشئ الكلام من عنده أو هو يأخذ كلام الأولين؟ ولا أقوال من أجل الأقوال. طيب تقول هذا الكلام كيف يروج على الناس؟ هو يروج، يعني هذا الكلام ما يروج إلا على من سلم عقله، هذا الكلام لا يمكن أن يروج على شخص عنده عقل سوي. تقول لي طيب كيف واحد يسلم عقله؟ أقول لك المؤثرات النفسية تمنع الإنسان من العقل، لذلك الشخص لازم دائمًا يمنع هذه المؤثرات من أن تؤثر عليه، ويكون دائمًا منقادًا للحق.

ثم قال الله سبحانه وتعالى مبينًا الآن دلائل القدرة والعظمة: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: 6-8]. نقلهم الله سبحانه وتعالى إلى مشهد الكون: انظروا إلى السماوات العظيمة، من الذي بناها؟ من الذي رفعها بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ من الذي سوى هذه السماء وما لهذه السماء من فروج؟ لا يوجد بها شقوق كما يوجد في البيوت، وانظر إلى سعة هذه السماء وإلى فضاء هذه السماء. هذه المشاهد مؤثرة تأثيرًا مباشرًا على الإنسان، بخلاف الطرق التي يظنها الإنسان مؤثرة، هذه مباشرة تؤثر على نفس البشر.

ثم نقلهم الله سبحانه وتعالى إلى الأرض: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، مددناها أي وسعناها، وألقينا فيها رواسي من الجبال، هذه الجبال العظيمة الشاهقة التي ثبت الله سبحانه وتعالى بها الأرض، ثم قال: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. هذا كله تبصرة، أي شخص يتبصر سينتفع. ثم قال: وذكرى، تبصرة؛ أي شخص لما يبصر إلى هذه المعالم سيتذكر، الذي يبصر يتذكر أما الذي لا يبصر لا يتذكر. يعني شخص لما ينظر إلى هذه السماوات وينظر إلى هذه الجبال وهذه الأراضين نظر المتبصر، هذه التبصرة تذكره بمعاني كانت موجودة عنده، ثم يتبصر مرة ثانية فتذكره بنفس المعاني ويرتقي بالذكرى وهكذا.

ثم قال الله لمن هذه التبصرة والذكرى؟ ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾، أي العبد الرجاع، المنيب أي العبد الذي يوجد في قلبه خوف وحب وخضوع، هذا هو الذي ينتفع، أما العبد إذا ما وجد في قلبه هذا الشيء لن ينتفع بكل هذه الآيات العظيمات التي يراها كل يوم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 9-10]. الآن انتقل المشهد للحديث عن مشهد المطر، كيف أن المطر ينزل من السماء، ثم بعد ذلك الأرض تكون ميتة فيحييها الله سبحانه وتعالى بهذا الماء، ثم تنبت الأزهار وتنبت الورود، وتختلف هذه الأشكال وهذه الأنواع والماء واحد. كيف هذا؟ قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، باسقات أي طويلات، لها طلع نضيد، طلع النضيد هو أول ما يخرج الثمر من النخل فيكون في الكوم قبل أن يتفتق منها، قال لها طلع نضيد، رزقًا للعباد. الآن الله يمتن على العباد بهذا الطعام.

ثم قال الله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: 11]. النتيجة كذلك الخروج، يعني الذي أحيا هذه الأرض الميتة والذي أخرج منها هذه الأنواع من النباتات المختلفة والماء واحد، كذلك الله سبحانه وتعالى يخرج الناس، وكذلك الله سبحانه وتعالى يحيي البشر. والإنسان لما يموت ما يبقى منه إلا عجب الذنب، ثم لما يموت كل البشر الله سبحانه وتعالى يأمر السماء فتمطر، فيتركب الإنسان منه خلق ومنه يركب، ثم يبعث الإنسان، ثم بعد ذلك يؤمر النافخ بأن ينفخ في الصور، فتعود الأرواح إلى الأبدان ويخرج الناس من قبورهم. قال: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾.

ثم انتقل الآن المشهد إلى التخويف والتحذير، وهذه عادة القرآن الكريم في تحذير المعرضين وتذكيرهم بما وقع لأسلافهم: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 12-14]. تخويف لهؤلاء الكفار، وكذلك تطمين للنبي عليه الصلاة والسلام وتسهيل له، والداعية لما يعارض يتأثر، فلما يذكر بأن هذه هي السنة التي لا تتغير ولا تتبدل، هذا هو الذي وقع مع جميع الأنبياء قبلك، والنتيجة ستكون هي النتيجة، وهذا الذي وقع مع كفار مكة كذلك.

قال الله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي الذين بعث فيهم نوح عليه السلام الله سبحانه وتعالى أغرقهم بالطوفان. ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾، الرس والبئر غير المطوية، هنا الرس قيل موضع وقيل فعل، موضع أي أصحاب الرس هم أصحاب البئر الذين كانوا في مكان، قيل أنطاكيا وقيل أذربيجان وقيل غير ذلك، وقيل إنهم قتلوا حبيب بن نجار المذكور في سورة يس، وقيل هم قوم شعيب، وقيل غير ذلك. أصحاب الرس، أي هؤلاء أقوام بعث فيهم رجل صالح أو نبي أو كان حبيب النجار فرسوه في البئر، فهنا يكون الرس المراد به الفعل، أو يكون مراد به الموضع أو الموطن، رسوه أي قذفوه في البئر وطووا البئر عليه. ﴿وَثَمُودُ﴾ هم قوم صالح عليه السلام، ﴿وَعَادٌ﴾ هم قوم هود، ﴿وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾. لماذا هنا عبر عن هؤلاء بأنهم إخوان لوط؟ قيل لأن لوطًا عليه السلام صاهرهم فتزوج منهم وليسوا هم من قومه، وقيل إنهم كانوا من قوم إبراهيم عليه السلام وأتباعًا لقوم إبراهيم، فلوط عليه السلام هاجر إليهم ولكنهم يشتركون مع قوم إبراهيم عليه السلام وهو عم لوط بالنسب، وقيل غير ذلك.

﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾، الأيكة الشجر الملتف الكثير وهم قوم شعيب. ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾، وقوم تبع من تبع؟ تبع ملك من ملوك اليمن، وتبّع لقب مثل فرعون مثل النجاشي مثل هرقل مثل قيصر وهكذا، فتبع هذا أحد ملوك اليمن الصالحين، كان هذا الملك وكان هذا الملك من حمير وخرج بقومه وأعطاه البلدان، وقيل إنه وصل إلى سمرقند وصل إلى غيرها من البلدان وملك دمشق وغيرها من البلاد. وكذلك ذهب إلى المدينة وكان معه يهود، فلما ذهب إلى المدينة وتقاتل مع أهل المدينة فكانوا يقاتلونه في النهار ويضيفونه بالليل، يقرونه بالليل، فاستحيا منهم وتأثر بهم، وقال له اليهود بأن هذه البلد مهاجر نبي، مهاجر نبي، فلما علم بذلك قال أبياتًا وأودعها أهل المدينة، فاستمرت أو كتبت هذه الأبيات في رقعة وتوارثها أهل المدينة حتى كانت عند أبي أيوب الأنصاري، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة على بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه.

ثم كان انطلق إلى مكة وكان يريد أن يهدم البيت فحذره كذلك رهبان، حذر كذلك أحبار اليهود، وكان هذا قبل عيسى عليه السلام، فطاف حول البيت وكذلك ذبح عند البيت تعظيمًا له، ثم انطلق بعد ذلك إلى اليمن وتهوّد أهل اليمن، وما زال اليهود في اليمن هم بقايا من اتباع هذا التبّع، لكن هذا قبل زمان عيسى عليه السلام، أي كان الدين الحق في ذلك الوقت هو من أتباع موسى عليه السلام، لكن هنا قال: ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾، أي تبع كان رجلًا صالحًا، لكن بعد ما مات هذا الرجل الصالح هؤلاء ارتدوا وكفروا بالله سبحانه وتعالى، أي أقوامه أي أتباعه. ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، أي هذه سنة، والمستثنى من هذه السنة من أتباع أمم الأنبياء أمة واحدة فقط، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: 98]، إلا قوم يونس فقط هم المستثنون. فقص من ذلك أن هؤلاء كلهم كذبوا الرسل، النتيجة ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، أي نزل عليهم الوعيد، نزلت عليهم العقوبة، واختلفت وتنوعت هذه العقوبات على هؤلاء الأمم، وهذا هو الذي وقع كذلك مع أهل مكة يوم بدر.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ [ق: 15]، أي أعجزنا بالخلق الأول؟ الله يقول: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]، فالذي خلق الإنسان هذا الخلق ولم يعجز سبحانه وتعالى، قادر على أن يعيده بعدما خلقه، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه. إذا أنتم، يعني أنت أيها الإنسان أين كنت قبل أن تولد؟ أين كنت؟ في العدم. طيب كيف وجدت؟ كيف وجدت وأنت تنظر؟ يعني أنت ترى هذا في نفسك وتنظر كذلك في غيرك، طيب لماذا تتعجب أن الله سبحانه وتعالى يحيي الإنسان بعدما يموت كما لم يكن موجودًا قبل ذلك؟ عجيب سبحان الله هذا الإنسان.

﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15]. أي هنا نكر لعظم الخلق الثاني، وكذلك لإنكار هؤلاء الكفار للخلق الآخر والبعث الذي سيكون، قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي الخلق الآخر. ثم انتقل بعد ذلك الحديث لعلم الله سبحانه وتعالى بالإنسان وما توسوس به الإنسان، نتكلم إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.