دخولتسجيل الدخول

سورة ق 02 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم.

نكمل تفسير سورة ق، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 16-18]. بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى دلائل القدرة على إعادة الناس، وذكر كذلك عظمة الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر عاقبة المكذبين بالرسل، بدأ الله سبحانه وتعالى يتكلم الآن عن خلق هذا الإنسان، وأن الذي خلق هذا الإنسان هو الله سبحانه وتعالى، والله عالم بما يوسوس الإنسان به. فهذا التفكير أو هذا الهاجس وهذا الخاطر الذي يقع في جوف الإنسان وفي باطن الإنسان الله سبحانه وتعالى يعرفه.

الله سبحانه وتعالى عالم بما يقع في جوف الإنسان، ولا يحاسب الإنسان على ما يقع في جوفه، إنما يحاسب الإنسان لما يصل إلى درجة العزم على الفعل. فالإنسان لما يفكر في بعض الأمور ويكون هذا التفكير غالباً عليه فهذا لا يحاسب الإنسان عليه؛ فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن «الله سبحانه وتعالى تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». فما يقع في جوف الإنسان من هواجس وخواطر سيئة فهذه لا يحاسب الإنسان عليها.

أصل ما يقع في جوف الإنسان عبارة عن هاجس، ثم يكون خاطراً، ثم بعد ذلك يصبح فكرة، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الهم، ثم يكون عزماً؛ فهذه مراحل خمسة. في البداية يكون عارضاً في جوف الإنسان، ثم ينتقل من كونه عارضاً إلى أن يقيم، ولما يفكر به تثبت هذه المعاني والأفكار، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الهم، يعني يريد أن يفعل، ثم يصاحب هذه الإرادة العزم فيصبح عزماً. فإذا وصل إلى العزم هنا يحاسب الإنسان؛ فإذا عزم على السرقة ثم أنفل هذا العزم، إن أنفل هذا العزم من أجل الله سبحانه وتعالى -يعني تذكر الله وخاف- كتبت له حسنة. وإن أنفل هذا العزم بسبب الخوف من الناس لا يكتب له شيء، أو قد تكتب له سيئة لالتفاته إلى نظر الناس.

لذلك جاء في الحديث: «من تركها من أجلي فله حسنة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة»، وفي رواية أخرى «لم تكتب شيئاً». طيب، لماذا لم تكتب شيئاً؟ وفي حديث آخر تكتب حسنة؟ تكتب حسنة لما تكون من أجل الله سبحانه وتعالى، ولا تكتب شيئاً لما ينفل عزمه من غير سبب، لكن إذا أنفل عزمه بسبب النظر إلى الناس والخوف منهم وإلى آخره فهنا تكتب له سيئة؛ لماذا؟ لوجود العزم. فشخص أراد أن يسرق ولما ذهب ورأى الناس قد وجدوا أو رأى الحراس، والذي منعه من السرقة فقط عدم القدرة وليس نفس الخوف من الله أو حتى ليس انحلال عزمه، فهذا تكتب له سيئة.

فالله سبحانه وتعالى يخاطب هذا المخلوق -الذي هو الإنسان- بأن الله سبحانه وتعالى بلغ علمه أن يعلم الذي يقع في جوفك وما توسوس به. والوسوسة هي التفكير الذي يقع في جوف الإنسان وباطن الإنسان؛ فمثل هذه الوساوس أو هذه الأفكار التي لا يعرفها أحد، الله سبحانه وتعالى يعرفها ويعلمها.

ثم قال الله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. المراد بالقرب هنا قرب الملائكة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: 83-85]. وصف القرب صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». فهنا العبد يقترب من الله سبحانه وتعالى، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يقرب من العبد كما لو اقترب إليك شيء فهو يقترب إليك وأنت كذلك تقترب إليه، كما قال الله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [ق: 31].

وكذلك العبد في جوف الليل الآخر، أقرب ما يكون الله إليه في هذا الموطن؛ لأن الله ينزل إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله. والقرب واحد لا ينقسم إلى قسمين قرب عام وقرب خاص كالمعية؛ فالمعية تنقسم إلى معية عامة وهي معية العلم، فالله سبحانه وتعالى مع جميع خلقه باعتبار علمه، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]؛ فهنا معية العلم. أما المعية الخاصة فهي معية الله سبحانه وتعالى مع المؤمنين مع المحسنين، ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، هذه المعية الخاصة التي تكون لأولياء الله سبحانه وتعالى.

أما القرب واحد لا ينقسم إلى قرب عام وقرب خاص، لكن هنا المراد قرب الملائكة وليس قرب العلم، وإن كان هذا قول آخر عند أهل السنة والجماعة، وسبب هذا القول حتى لا يقعوا فيما يقوله أهل الحلول والاتحاد بامتزاج الذات بالمخلوقات. قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، أي الحبل الذي هو الوريد؛ وهذا كله تخويف من الله سبحانه وتعالى لعباده. فالله سبحانه وتعالى لما يخاطب الكفار والمعرضين عن دعوة النبي عليه الصلاه والسلام وعن سماع مثل هذه الآيات والعيش معها واعتبارها، هذا كله من باب التخويف. فالله سبحانه وتعالى أقرب إليك منك ولكنك لا تشعر، وهذه الكلمات كلها محسوبة، وهذه الاعتقادات وهذه الأقوال والأفعال التي يفعلها الإنسان، هذه كلها يعلمها الله سبحانه وتعالى وسيجازي الإنسان عليها إلا ما يقع من الوسوسة فهذا يتجاوز الله عنه.

ثم قال الله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أي الملكان؛ ملك عن يمين الإنسان وملك عن يساره قعيد، جالس مترقب منتظر. ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي مترقب، هذا الكلام الذي يقوله عتيد؛ أي معد لهذه، مستعد لكتابة هذه الكلمات التي يقولها الإنسان. والملك الذي عن يمين الإنسان يكتب الحسنات، والذي عن يسار الإنسان يكتب السيئات. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن ملك الحسنات يبادر، وأن ملك السيئات يؤخر لعله يتوب، لعله يتوب ويؤوب ويعود إلى الله سبحانه وتعالى.

وهذا فيه بيان أن العبد محاط، وأن الإنسان لا ينظر إلى عالم الشهادة فقط، بل ما تخلو عنه الملائكة؛ فالملائكة مع البشر: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10]، فاستحيوا منهم وأكرموهم. فالإنسان معه ملائكة، وقبل أن يتلفظ بالألفاظ ويقول الكلمات يتذكر بأن الملائكة تكتب، وأن الله سبحانه وتعالى يراقب وينظر إلى ما يفعله العبد. وهذه الملائكة تكتب كل ما يقوله الإنسان، ثم لما يأتي يوم القيامة يحاسب الإنسان ويجازى على هذه الكلمات التي قالها. وإذا استحضر العبد بأن هذه الملائكة تكتب كل شيء وأن هذه الملائكة ترقب هذه الأفعال فسيرعوي وينزجر عن كثير مما يقوله وعن كثير مما يفعله.

وسبب طيش الإنسان وعدم اعتبار الإنسان لما يقوله وكذلك لما يفعله هو عدم استحضار هذه المعاني. الشخص لما يلتحم بالقرآن الكريم ويستحضر دائماً هذه المعاني يكون قلبه حاضراً لها تمنعه عن كثير مما يريد فعله وعن كثير مما يريد قوله. لذلك الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان يضع تحت لسانه حجراً حتى ينظر، هل هذا الكلام سيكتب الملك الذي على اليمين أو على اليسار؟ القصد من ذلك أن الإنسان إذا استحضر مثل هذه المعاني كف عن كثير من الكلمات والأفعال التي يفعلها. فالله هنا يبين بأن الملائكة مع البشر، وأن هذا الإنسان محاط بالملائكة، وأن هذا الإنسان مخلوق ضعيف لا يملك شيئاً، وأن كل شيء مرصود عليه ومراقب؛ هذا الإنسان ليس كما يظن هو.

قال الله هنا: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. انظروا هنا، الله سبحانه وتعالى ذكر بأن هذا الملك رقيب، أي مترقب منتظر؛ أي هذا الملك ليس مثل البشر الذين يغفلون أحياناً. فشخص لما يوضع عليه رقيب من البشر ويراقب هذا الإنسان ممكن أحياناً يغفل هذا الذي يراقبه، لكن الملائكة ما تغفل والملائكة ما تنام والملائكة ما تنسى، إنما تكتب كل شيء يفعله هذا الإنسان. قال: ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي أن هذا الملك معد ومستحضر وسيكتب كل ما يقوله هذا الإنسان ومعد لذلك؛ هذا الملك وظيفته فقط هو أنه يراقبك أيها الإنسان، وأنه يكتب ويدون كل ما تقول وتفعل.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19]. ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾؛ السكرة معناها القطع الذي يكون بين الإنسان والوصول إلى عقله، والإنسان لا يستطيع أن يصل إلى عقله إلا لما تقع عليه الأمور الكبيرة والعظيمة. فالإنسان لما يشتد جوعه يهلس ويتكلم بكلام لا يعيه، لما يشتد فرحه يقول بعض الكلمات التي لا يعيها، وكذلك لما يشتد غضبه؛ لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يروى عنه: «لا طلاق في إغلاق». فالإنسان لما يشتد عليه معنى من هذه المعاني القلبية يبعده عن الوصول إلى عقله، فلا يستطيع الإنسان أن يتمكن بعقله؛ لماذا؟ لقوة حضور النفس. فالنفس لما يقوى حضورها يضعف العقل، حتى يصل إلى درجة لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها.

وكذلك من ضمن الأمور التي تمنع الإنسان من وصول عقله شدة المرض؛ فالوعك يصيب الإنسان والمرض لما يكون كبيراً وعالياً وثقيلاً هنا يمنع الإنسان من الوصول إلى عقله وأن يقول الكلام الذي يريد أن يقوله. لذلك لحظة الموت والخاتمة لا تتكلف؛ لأن هنا لن يظهر إلا الذي كنت قد خبأته وعملته في حياتك. ففي هذه اللحظات هذه لحظات كاشفة، ليست لحظات فيها تكلف، إنما هي لحظات كاشفة.

والنبي عليه الصلاة والسلام لما حضرته الوفاة كان يمسح على وجهه بالقطيفة ويمسح العرق ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات»، وغشي عليه الصلاة والسلام سبع مرات. فكان يغشى عليه ثم يصب عليه الماء فيقوم ويقول: «أصلى الناس؟» ثم يغشى عليه، هكذا سبع مرات؛ وهذا كله يدل على شدة سكرات الموت. فالله هنا يقول: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾؛ الحق هنا هو نفس الموت، أي جاءت هذه السكرة بلقاء الله سبحانه وتعالى بما كنت أيها الإنسان تحيد وتبتعد عنه ولا تعيش معه ولا تفكر فيه. وكل ما يقع هو حق، ﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي هذه اللحظات التي كنت تبتعد عنها. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8].

ولو أننا إذا متنا تركنا، لكان الموت غاية كل حي، ولكن إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيء سبحانه وتعالى. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» -وفي لفظ: هاذم، وفي لفظ: هازم- الموت؛ يهدم اللذات. فالإنسان لما يطمع بشيء من الدنيا يتذكر الموت، يقول إنما هي أيام قلائل كما كان يقول الصحابة رضوان الله عليهم، وقالها أبو عبيدة لعمر بن الخطاب، وكذلك قالها سلمان وبقية الأصحاب. عاشوا على هذا، وكذلك قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس، وإنما هي أيام قلائل ثم نموت.

فتذكر الموت واستحضار هذه الحقيقة يمنع الإنسان من التوسع. متى يتوسع الإنسان؟ لما يظن بأنه معمر، لما يعيش هكذا أن الدنيا هذه ستبقى له، لكن لما يعيش بأنه سيموت اليوم أو غداً، هذا الإنسان لن يفكر ولن يعطي الدنيا أكثر مما تستحقه، وهذا الإنسان هو الذي يفهم قول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. كلمة ﴿لَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ما يفهمها إلا المقبل على الآخرة الذي يستحضر أنه سيموت في أي لحظة. أما الشخص الذي يغيب عنه مشهد الموت ومشهد القيامة والجنة والنار، هذا الإنسان ما يستحضر مثل هذه المعاني.

إذاً الله يقول: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي تبتعد عنه وتفر منه لكنه آتٍ لا محالة ولن تستطيع أن تمتنع عنه. وفي الحديث القدسي: «وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه». والله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. فالله سبحانه وتعالى قضى وقدر بأن هذا الإنسان الذي يعيش سيموت، ثم بعدما يموت يبعث ويسأل عن الذي فعله. ثم انتقل بعد ذلك المشهد من مشهد الموت والإحضار وهذه اللحظات الصعبة والثقيلة التي سيمر عليها كل إنسان لا بد، إلى مشهد آخر.

ونفخ في الصور، أي البوق. الناس لما يموتون تنفصل الأرواح عن الأجساد، وهذا معنى الموت، انفصال الروح وخروجها من الجسد، ثم بعد ذلك هذه الروح تذهب إلى السماء، وينفخ في الصور، فلما ينفخ في الصور هذه الأرواح ترجع إلى الأبدان بعدما تنبت هذه الأبدان بالماء الذي سينزل من السماء. فلما ترجع هذه الأرواح وتلتحم في الأبدان يخرج الناس من قبورهم كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: 4]، فتبعثر القبور ويخرج ما فيها، وهم بنو آدم وكذلك الجن وكذلك الدواب، كلهم يخرجون من قبورهم. ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، الآن قامت القيامة وجاءت الساعة التي كنتم بها تكذبون.

ثم قال الله سبحانه وتعالى مبينًا حال هذا الإنسان المسكين، وانظر هنا كيف أوتي بهذا الاسم اسم الإنسان ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: 16]، أي دلالة على ضعف هذا المخلوق، ومصطلح الإنسان ما يذكر إلا مع الضعف. هنا الله يقول: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21]، أي لما يخرج الناس من قبورهم ويسمعون إلى الداعي مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر. هذه النفوس التي تخرج، أي هنا النفس المراد بها الإنسان بدنه مع روحه، وكلمة النفس تطلق على الروح وتطلق كذلك على الإنسان بنفسه وروحه، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 85].

وجاءت كل نفس معها سائق، الملائكة تسوقها للحساب، وشهيد من الملائكة يشهد عليها. مثال هذا الإنسان مثال الشخص الذي سيعرض عند القاضي للمحاكمة، فكيف يأتي الشرط بهذا الإنسان وكيف يكون هذا الإنسان مأسورًا ولا يستطيع الفكاك ولا الانصراف؟ هكذا الإنسان يوم القيامة تأتي معه الملائكة، فملك أمامه سائق يسوقه، وملك يشهد عليه. وقيل هنا الذي يشهد أي نفس الإنسان وأعضاء الإنسان، فالإنسان إذا كذب فالملك يأتي بالكتاب ويقول: هذا كتابك، ويعرض الكتاب، فإذا أنكر هذا الإنسان تنطق الجوارح، فتشهد اليد وتشهد الرجل، فيلوم هذا الإنسان أعضاءه وجوارحه ويقول: بعدًا لكما وسحقًا، عنكما كنت أناضل. فترد الجوارح عليه بقولها: ﴿أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: 21].

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [ق: 21-22]، هنا خطاب لجميع الناس على قول الجمهور، أي غفلة من هذا المشهد الكبير، هذا المشهد المخيف الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت. ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]، أي هذا الإنسان الذي كان في غفلة في هذه الحياة الدنيا، مصاب بسكرة الحياة وغفلة الحياة، يعيش مع الناس كأنه مخلد في هذه الحياة، وهذه الدنيا إنما هي دار ستزول وتنقضي. وهذه الآيات التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الصحابة وعلى الكفار، كلهم ماتوا وذهبوا ومضوا من هذه الحياة وانتقلوا إلى الدار الآخرة، ونحن كذلك نقرأ الآن مثل هذه الآيات، لكن بعد مدة تطول أو تقصر سننتقل.

لقد كنت في غفلة من هذا، غفلة الكفار واضحة وبينة، الكفار كانوا ينكرون البعث، لكن ما هي غفلة أهل الإيمان؟ غفلة أهل الإيمان تحمل على أحد معنيين، إما أن يكون المراد بالغفلة أنهم ما أعطوا هذا اليوم حقه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله». ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله سبحانه وتعالى فيها، وسمى هذا اليوم بيوم التغابن، وسماه كذلك بيوم الحسرة.

فالقصد من ذلك أن هذه الغفلة معناها الأول، المعنى الثاني أن الغفلة هنا أن الإنسان ما يكون عنده من قوة الاستحضار لهذا اليوم، فلما ينظر الشخص إلى يوم القيامة ويعيش فيه، هنا يصل إلى حق اليقين، لكن قبل ذلك يكون عندنا ماذا؟ علم اليقين، ومرتبة حق اليقين أعلى بكثير من علم اليقين. ولما أراد إبراهيم عليه السلام أن ينظر إلى طريقة إحياء الله سبحانه وتعالى ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: 260]، انتقل هنا إبراهيم عليه السلام لهذه المرتبة، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما أراه الله الجنة والنار أصبح عنده حق اليقين، هذه مرتبة أعلى من مرتبة عامة المؤمنين، وهي مرتبة علم اليقين.

قال ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 22-23]، هنا القرين، قيل الملك، فيأتي الملك ويقول: ﴿هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23]، أي هذا ما لدي معد ومحضر، فهذا الكتاب هو كتابك، أنت عملت في هذه الحياة كل شيء، قد كتبته منذ بلغ هذا الإنسان إلى أن فاضت روحه من جسده، كل ما عمل هذا الإنسان مكتوب في هذا الكتاب، ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]. ويأتي هذا الملك بهذا الكتاب لم يزد فيه أي شيء على أعمال الإنسان ولم ينقص، يقول: انظر هذا كتابك، ويقدم هذا الكتاب لهذا الإنسان، أو لله سبحانه وتعالى، بأن هذا الكتاب هو محضر أعمال هذا الإنسان.

وقيل هنا الذي يقول هذا الكلام القرين هو الشيطان، وكل إنسان ما من مولود يولد إلا ومعه قرين من الجن وقرين من الملائكة، أما القرين من الملائكة فيعينه ويحثه على الخير، وأما القرين من الجن فيحض على الشر، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا أن الله أعانني عليه فأسلم»، أما أسلم من شره فلا يحضني على شر، أو أسلم أي هو نفسه أسلم هذا الشيطان، لكن القصد من ذلك أن كل إنسان منا يجد في نفسه داعيًا إلى الخير وداعيًا إلى الشر. هذا الداعي إلى الخير والداعي إلى الشر منه ما هو متعلق بالنفس، ومنه ما هو متعلق بلمة الملك ولمة الشيطان، فقسم منه يكون بسبب النفس، فالنفس الله سبحانه يقول: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]، أي النفس فيها داع للخير وفيها داع للشر.

فالإنسان لما ينظر إلى أعمال الخير وهكذا، يتحرك داعي الخير، فيريد أن يساعد، يرحم المساكين، يرحم الضعفاء وهكذا، هذا داعي الخير. وكذلك لما تتحرك نفسه أو ينظر إلى شيء من الشر، وخاصة إذا كان هذا معه ضعف نفس الإنسان العام أو ضعف نفس الإنسان الخاص، هنا نفسها تتحرك إلى هذا النوع من الشر، ومع هذا لمة الملك ولمة الشيطان، فلمة الملك حظ الملك فالملك يحض هذا الإنسان ويحثه على الخير، وكذلك لمة الشيطان يحضه ويحثه على الشر، والمؤمن يُمضي شيطانه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن ليُمضي شيطانه كما يُمضي أحدكم بعيره»، يُمضي أي يضعف، فهذا الإنسان إذا كثرت أعماله الصالحة وقوي عنده الإيمان، يضعف عنده الشيطان، فتكون لمة الشيطان ضعيفة، ونفس هذا الإنسان تكون مقادة للخير، فيجتمع في هذا الإنسان ارتقاء نفسه من النفس الأمارة بالسوء إلى النفس المطمئنة، وكذلك أن هذا الإنسان داعي الشر عنده يكون ضعيفًا بنفسه، وكذلك بضعف الشيطان.

فنفس الشيطان ما يكون قويًا معه، إنما يكون الشيطان ضعيفًا جدًا، وجاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل أحدكم البيت وقال بسم الله أو ذكر الله، قال الشيطان لا مبيت لكم الليلة»، وإذا ذكر اسم الله سبحانه وتعالى عند الطعام قال الشيطان: «لا طعام لكم الليلة». فهنا المؤمن يحاصر الشيطان بالذكر ويضعف الشيطان بالذكر حتى يصبح هذا المؤمن به شبه من الملائكة، حتى يصبح هذا المؤمن يصل به إلى حال أن ينطق الملك كما يقول ابن القيم على لسانه، فتشعر بأن هذا الإنسان مفتوح عليه، هذا الإنسان مبارك، لماذا؟ لأن معه ملائكة. ويروى في الحديث أن السكينة تنطق على لسان عمر، فالملائكة تنطق على اللسان لما تكون حالهم بهذه الصورة، وهذه لا تكون إلا لأصحاب الذكر، يعني هذه الحال لا تكون إلا للذاكرين الله كثيرًا، فالذي يذكر الله كثيرًا الملائكة تكون دائمًا معه، والملائكة تعرف الذي يذكر.

فالقصد من ذلك أن الذي يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، خاصة لما يكون مع الذكر حضور قلب، هذا يكون الملك قريبًا منه، والملائكة تعرف هذا الإنسان. ومن أعجب ما سمعتها في هذه الحياة، إحدى النساء تقول بأنها كثيرة الذكر، تذكر الله كثيرًا كثيرًا لدرجة أنها كانت تقرأ سور القرآن كثيرًا، فجاءت ليلة النصف من شعبان في العام الماضي، قبل عدة أشهر، ورأت في المنام من يقول لها: نريد أن نرفع الأعمال، وترفع الأعمال في ليلة النصف من شعبان، وأنت قصرت في هذا الذكر فلا نريد أن نرفع العمل من غير وجود الذكر، وهذا فيه وهي كثيرة الذكر، فقامت واستيقظت وقرأت هذا الذكر كثيرًا، جالسة أكثر من عشر ساعات تذكر الله سبحانه وتعالى.

فالقصد من ذلك أن هذا القسم من الناس تعرفهم الملائكة، وفي الحديث: «أن لله ملائكة سياحين يلتمسون مجالس الذكر». فالشخص يذكر الله كثيرًا هذه ما تعتاد عليه، وتحضر مجلسه. وكان يحدثني أحد مشايخي الذي طلبت عندهم العلم، وكنا فقط اثنان نحضر عند المجلس، فكان يقول بأن شيخه الذي كان يطلب عنده العلم أحيانًا ما يأتي أحد، فيقول مرة من المرات حضرنا المجلس عنده وهو يتكلم ويلقي الدرس ولا يوجد أحد، فيقول فقلنا: لا يا شيخ، ما يوجد أحد، فقال لهم: أنتم تظنون أنكم فقط أنتم الذين تحضرون، هناك ملائكة تحضر والملائكة جالسة تنتظر الذكر، فلماذا ما نذكر الله سبحانه وتعالى؟ وكذلك قال لنا كذلك الجن المسلم يحضر، انظروا الاستشعار أين يصل أحيانًا في بعض البشر، لدرجة أنه هكذا يستحضر مثل هذه المعاني.

القصد من ذلك أن الملك يأتي يوم القيامة بهذا الكتاب أو الشيطان، ويكون إتيان الشيطان هنا من باب التبكيت لهذا الإنسان، أنه قال قرينه هذا ما لدي عتيد، أي هذا الذي أغويتك وأنت قتلتني وسمحت لي بأن أفعل بك هذا الشيء، انظر هذا الكتاب الذي فعلته والذي قمت به خذه، فيعطيه الشيطان من باب التبكيت والتنكيل به. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: 24]، أي بعد هذا الحساب يلقى ويأمر الله سبحانه وتعالى الملائكة، أما هنا فيكون الأمر ألقيا للسائق والشهيد الملكين، أو يكون المراد هنا لنفس القرين، هنا وقال قرين هذا ما لدي عتيد أي الملك، وواحد يكون هنا، والتكرار من أجل تكرار الفعل، فألقيا ألقيا.

فهذا الله يقول: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: 24]، كل كفار عنيد، كفار أي جحّاد رادّ لحكم الله سبحانه وتعالى، غير منقاد، وعنيد أي معاند مستكبر، غير راغب بقبول الحق، لا يريد أن يسمع الحق، إنما فقط يريد أن يفعل الذي يريد، فقط هذا هو العنيد. وصفة العناد صفة سيئة بالإنسان وليست صفة محمودة، والمؤمن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كالجمل الأنف»، كالجمل الأنف، الذي به ألم في أو فتحة في أنفه يوضع بها الخطام، فحيث ما قيد انقاد، فينقاد هذا الجمل بهذا الخطام، المؤمن كذلك كالجمل الأنف إذا قيد انقاد بماذا بالحق، وهذا غير الإمّعة الذي إذا أحسن الناس أحسن وإذا أساء الناس أساء، المؤمن ينقاد إلى خير، والحكمة ضالة المؤمن، بخلاف الكافر، الكافر عنيد ولا يريد أن يستجيب ويمتنع عن القيادة.

وهذه الصفات هي كاملة بالكفار ولكن قد يتصف بها بعض المسلمين، فيكون به شبه ويمنع من الخير بقدر اتصافه بهذه الصفات، وهذا يكون عند الكبار، يعني الشخص لما يكون كبيرًا أو الشخص لما يعتد بنفسه اعتدادًا كبيرًا ما ينقاد للخير، فيأتي الشخص بينصحه فتأخذه العزة بالإثم، لماذا؟ لأنه أصغر منه، لماذا؟ لأنه يرى بأنه أفضل منه، لماذا؟ لأنه يرى بأنه أقل منه نسبًا وهكذا، فهذا كله لا شك أنها من صفات الكفار وليست من صفات أهل الإيمان، أما المؤمن فينقاد للخير لما يسمعه. ثم قال الله سبحانه وتعالى مبينًا حال هذا الكافر: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ [ق: 25]، أي هذا الكافر من صفته أنه يمنع الزكاة، يمنع إعطاء المساكين والمحاويج والضعفاء المال، وكما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3]، يكذب بالدين وكذلك يدع اليتيم ويمنعه، وأرأيت الذي كذب ذلك الذي لا يحض على طعام المسكين، يعني هو لا يعطي المسكين ولا يحض غيره على إعطاء المساكين، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 19-20]، وغيرها من الآيات الكثيرة المبينة بأن هناك ارتباطًا وتلازمًا بين الكفر بيوم الدين ومنع الإحسان للناس.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ﴾ [ق: 25]، معتدٍ أي متجاوز حدود الله سبحانه وتعالى، ومعتدي كذلك على غيره، وكذلك مريب أي شكاك، غير مؤمن بيوم القيامة، وهكذا وهذا الشك والريب هو الذي يمنعه من أن يفعل هذه الأفعال. لذلك تجدون اليوم في الكفار الذين لا يؤمنون بيوم القيامة، هؤلاء الملاحدة من العلمانيين وغيرهم من الكفار في الغرب يتعجبون لما يجدون أهل الإسلام يكرمون الضيف، ويقولون كيف ولماذا تفعلون هذا الشيء؟ ما المصلحة في هذا الفعل؟ لماذا؟ لأن نُزع من قلوبهم هذا الإيمان بيوم القيامة، فلما نُزع الإيمان بيوم القيامة أصبحت هذه المعاني أو هذه الأفعال الحسنة ليست كبيرة، بل يرون أن هذا استدراج وهذا الأمر، لماذا تفعل، لماذا تنفق مالك، ولماذا.

تتعب على غيرك ولماذا كذا وكذا تفعل ذلك، لكن الإيمان بيوم القيامة مركزي ورئيسي لضبط حياة الإنسان وحال الإنسان. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: 26]. الذي جعل مع الله إلهاً آخر، عبد مع الله سبحانه وتعالى غيره، فألقياه في العذاب الشديد.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: 27]، وهنا قرينه بالاتفاق أي شيطانه. قال الله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 28-29]. أي هنا يأتي هذا القرين ويقول: يا ربي أنا ما أطغيته لكن هو نفسه كان غاوياً، كما قال الشيطان في خطبته لأهل النار: «لا تلوموني ولوموا أنفسكم، لا تلوموني ولوموا أنفسكم، لماذا دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، إني كفرت بما أشركتموني من قبل».

وكما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الحشر: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [الحشر: 16]. فالشيطان هنا يتبرأ منه، فهنا الشيطان يقول هذا الكلام: يقول ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد، هو نفسه كان ظالماً، هو نفسه أصلاً كان يريد فعل السوء وما فعلت إلا أن دعوته فقط، فلما دعوته هو الذي استجاب. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: 64]، فهو يدعوهم والشيطان الذي يستجيب، فالذي استجاب هو الذي استجاب.

فهنا العقوبة تكون لمن؟ لهذا الإنسان. هنا الله سبحانه وتعالى يحسم هذا كله، هذا الخلاف بينك أنت أيها الكافر مع شيطانك الذي كان يغويك، ويدخلوا لشياطينهم، قالوا هذا كله لن ينفعكم يوم القيامة. قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد، قال الله لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد، بعثت لكم الرسل وأنزلت عليكم الكتب وبعثت لكم النذر وأنتم ما استجبتم ولا انقدتم، فلا تختصموا لدي. لماذا؟ الله قدم لكم بالوعيد، بين الله لكم كل ما تحتاجون أن تعرفوه، ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 29-30].

نعم نقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.