الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نكمل مدارسة سورة ق، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 28-30]. بعد ما يقوم الناس من قبورهم وتتطاير الصحف ويُساقون إلى حساب الله سبحانه وتعالى، بعد ذلك يكون الجزاء؛ فإما أن يعبر الناس الصراط ويقفون بقنطرة بين الجنة والنار، أو يُلقوا والعياذ بالله في جهنم. فالله سبحانه وتعالى هنا يبين بأن جهنم ستمتلئ في ذلك اليوم العظيم.
يقول الله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾، أي واذكر ذلك اليوم العظيم، ذلك اليوم المخيف، ذلك اليوم الرهيب. سميت النار بجهنم لأمرين اثنين: لسوادها ولبعد قعرها. فنار جهنم سوداء أعاذنا الله وإياكم منها، وهي شديدة الحرارة، وفضلت على نار الدنيا بسبعين جزءاً.
يقول الله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾؟ يُلقى في جهنم كل من يعبد غير الله سبحانه وتعالى. الناس لما يجتمعون ينادي مناد ليتبع أصحاب الصليب وأصحاب الأوثان وعباد الشمس والقمر وعباد الطواغيت، فيلقى الجميع في جهنم حتى تبقى هذه الأمة فيها منافقوها. ثم يأتي الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان ومعهم أهل النفاق، فيقول لهم: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: الساق، ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: 42]. فيكشف الله سبحانه وتعالى عن ساقه، فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً؛ فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً.
يسجد أهل الإيمان، ويبقى المنافقون لا يستطيعون السجود. ثم بعد ذلك يضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ينادونهم: ألم نكن معكم؟ فيقول أهل الإيمان: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم واغتبتم. ثم يقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً. والقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يخبر بهذا اليوم العظيم الذي ستمتلئ فيه جهنم، وجهنم تتفلت على الناس يوم القيامة. ويؤتى بالنار يوم القيامة معها سبعون ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك؛ كل هؤلاء الملائكة يجرون جهنم جراً ويسحبونها سحباً، وتكاد تتفلت عليهم وتأكل أهل الموقف.
فلما يلقى الكفار في النار يقول الله سبحانه وتعالى لجهنم: هل امتلأت؟ هل تحقق الوعد؟ هل امتلأت يا جهنم؟ فترد جهنم وتتكلم وتقول: هل من مزيد؟ على القول الأول جهنم تكون متشوفة تريد أكل الكفار وتريد تعذيب هؤلاء فتقول: هل من مزيد؟ أي هل يوجد مزيد؟ أريد المزيد. وعلى القول الثاني: من كثرة ما يلقى فيها تقول: هل من مزيد؟ أي هل فوق هذا العدد سيوجد عدد بعد أكثر مما ألقي فيها؟ ولا تمتلئ جهنم حتى يضع الرب سبحانه وتعالى فيها قدمه، فتقول: قط قط. فتنكفئ جهنم. فالله سبحانه وتعالى هنا يخاطب جهنم ويقول: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ تريد أن تعذب هؤلاء الكفار، تريد أن تقضي عليهم، تريد أن تنتقم منهم، وجهنم هي عذاب الله سبحانه وتعالى كما أن الجنة هي رحمة الله سبحانه وتعالى.
والرسل في هذا اليوم العظيم، في هذا اليوم المخيف، في هذا اليوم المرعب الشاق، الشديد، الطويل؛ دعاء الرسل يومئذ: «اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم». وجميع الرسل باستثناء سيد الرسل عليه الصلاة والسلام يقولون: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري. يوم مخيف، يوم مرعب، أكثر الله سبحانه وتعالى من ذكره في هذا الكتاب العظيم حتى سماه الله سبحانه وتعالى بأكثر من 29 اسماً، ومجموع أسماء يوم القيامة 50 اسماً في الكتاب والسنة، وعدد الآيات التي ذكر بها يوم القيامة أكثر من 1600 آية، أي ربع القرآن الكريم يتكلم عن هذا اليوم العظيم. هنا مشهد من هذه المشاهد، مشهد جهنم وهي تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾، وفي سورة الملك مشهد جهنم التي تكاد تميز من الغيظ، تكاد تتقطع من شدة الغيظ.
ثم قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً أهل الإيمان: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. وأزلفت الجنة أي قربت وأدنيت الجنة للمتقين، خص من سيدخل الجنة هم أهل التقوى، أي الذين كانوا يقومون بامتثال أوامر الله سبحانه وتعالى واجتناب نواهي الله، فكانوا يفعلون الطاعات ويتركون المحرمات خوفاً من الله سبحانه وتعالى ورجاءً لله، فيفعلون الطاعة ويرجون ثواب الطاعة، ويتركون المعصية ويخافون من شؤم المعصية.
سأل عمر بن الخطاب أبي بن كعب رضي الله عنهما عن التقوى، فقال: يا أمير المؤمنين، أما سلكت في طريق فيه شوك؟ قال: بلى. قال: ماذا صنعت؟ قال: شمرت. قال: ذاك التقوى. هذه هي التقوى، أي تتقي الشوك وتجتنب أن تضع قدمك على الشوك، كذلك المتقي ينظر هل هذا العمل يحبه الله سبحانه وتعالى فيفعله، هذا العمل لا يحبه الله سبحانه وتعالى فيتركه، وهكذا. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾. أواب أي رجاع، مسبح لله سبحانه وتعالى، معظم لله سبحانه وتعالى، حفيظ أي حافظ لأمر الله سبحانه وتعالى، مطبق ما أمر الله به في هذا الكتاب العظيم. ثم خص الله سبحانه وتعالى من هذه الأوصاف وصف الخشية، فمن خشي الرحمن بالغيب، الخشية هي الخوف المقرون بعلم، المشوب بالتعظيم.
الله يقول في كتابه العظيم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فالذي يخشى الله سبحانه وتعالى هو الذي يخاف من الله مع علمه بقدرة الله سبحانه وتعالى، بل مع علمه برحمة الله، لذلك هنا أتي باسم الله الرحمن، ويعرف أن الله سبحانه رحمن، ويعرف أن رحمة الله واسعة، ولكن لم تحمله هذه الرحمة الواسعة على أن يعصي الله سبحانه وتعالى، إنما استحى من الله وعلم بأن الرحمة تصيب أهل التقوى، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 156]، علم بأن هذه الرحمة الواسعة تصيب أهل التقوى والصلاح. لذلك ما كان يتكئ على الرجاء فيعظم عنده هذا الباب ويتساهل في الذنوب والمعاصي، إنما كان الميزان عنده منضبطاً.
من خشي الرحمن بالغيب، أي خاف الرحمن وعظم الرحمن وعرف قوة الرحمن سبحانه وتعالى، كل هذا مع العلم. وهو الذي كان يعمل الأعمال الصالحة من غير أن يراه أحد من البشر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». وهؤلاء هم أصحاب الخشية، أصحاب الصلاح والتقوى العالية. ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾، أي جاء بقلب تائب خاضع، هذا القلب حي ليس قلب ميت، هذا قلب منكسر، هذا قلب محب، هذا القلب معظم لله سبحانه وتعالى، أي راجع إلى الله سبحانه وتعالى. وهو مع هذا الرجوع خاضع، ومع هذا الخضوع محب له سبحانه وتعالى.
جزاء هذا القسم من الناس: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾، أي يدخلوا الجنة بسلام، سلمهم الله سبحانه وتعالى من الآفات، سلمهم الله من العقوبات، سلمهم الله من الأمراض، سلمهم الله من جهنم. وكذلك الملائكة تسلم عليهم، وكذلك الرب سبحانه وتعالى قبل ذلك يسلم عليهم، وكذلك تحيتهم ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: 44]. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾، يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت، فيزداد أهل الجنة نعيماً إلى نعيمهم. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أي أهل الجنة كل ما يشتهونه ويريدونه سيجدونه في الجنة، ثم مع هذا كله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. المزيد أي رؤية الرب سبحانه وتعالى، وهذا أعظم نعيم يلقاه أهل الجنة، والناس يتفاوتون في تحقق هذا النعيم لهم بقدر امتثالهم للعبودية التي يحبها الله سبحانه منهم، خاصة الصلاة التي قبل طلوع الشمس والصلاة التي قبل غروبها؛ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم على أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا». أسعد الناس بالنظر إلى الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم العظيم من حرص على صلاة الفجر وصلاة العصر.
ثم انتقل الآن المشهد إلى مشهد تذكير الكفار بالأمم السالفة. هم يعرفون عاد، يعرفون ثمود، هؤلاء كانوا من القبائل العربية القوية العظيمة وآثارهم ما زالت باقية. الله سبحانه وتعالى يذكر هؤلاء الكفار بضعفهم مقارنة بمن كان قبلهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾. تذكرون أصحاب الفيل؟ تعرفون أبرهة وتعرفون عاد وتعرفون ثمود وتعرفون هذه الأمم التي كانت قبلكم كيف كانوا أقوى منكم، هم أشد منهم بطشاً، فنقبوا في البلاد، ساروا في البلاد وطوفوا في البلاد، لكن ما أغنى عنهم هذا التطواف وما أغنت عنهم هذه القوة. هل من محيص؟ هل استطاعوا أن يفروا ويخرجوا من قبضة الله سبحانه وتعالى؟ هل استطاع هؤلاء الكفار أن يهربوا من الموت؟ أم تلقاهم الموت في الطريق وأخذهم الموت كما أخبر الله سبحانه وتعالى؟ ثم هل هؤلاء يستطيعون الخلوص من عذاب الله سبحانه وتعالى؟ لا شك بأن الجواب: لا يمكنهم ذلك.
ثم انتقل الآن الحديث إلى بيان من الذي سينتفع بالقرآن الكريم، من الذي سينتفع بهذه الرسالة؟ وهذا لأهل الإيمان قبل أن يكون خطاباً للكفار. يقول الله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. ها هنا حالان اثنان: الحال الأول حال صاحب القلب الحاضر، صاحب القلب الحي، صاحب الفطرة النقية السليمة، الذي حاله كحال الصديق رضي الله عنه وأرضاه. هذا ما يحتاج إلا للذكرى فقط، فقط يستمع الآية مباشرةً يحضر قلبه، مباشرةً يتأثر، مباشرةً يرعوي وينزجر، مباشرةً يتحرك عندها الفؤاد والقلب، لماذا؟ لأن مادة القلب حية، مادة القلب قوية. وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: 35]، نور الإيمان مع نور الفطرة، نور الصفاء، يكاد هذا النور -أي نور الفطرة، نور القلب السليم- يضيء ولو لم تمسسه نار، من شدة ضيائه من شدة صفائه. هذا القسم الأول من الناس، لمن كان له قلب، هذا القسم لا يدعى إلا بالحكمة فقط، هذا ما يحتاج إلى مواعظ كثيرة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: 125]، فقط يذكر فيتذكر مباشرةً، ما يحتاج أنك تكثر عليه من الكلام أو من النصائح أو المواعظ، لماذا؟ لأن القلب نفسه حي، القلب نفسه طري، القلب نفسه معمور بالإيمان.
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، هذا القسم الثاني الذي يجمع قلبه، الذي يحاول أن يحضر قلبه، الذي يجاهد على ترك شتات القلب، هذا القسم الثاني ينتفع كذلك بهذه المواعظ؛ الذي يحاول لما يسمع القرآن الكريم ولما يقرأ في التفسير ويتأمل في آيات الله سبحانه وتعالى أن يجمع قلبه وأن يجعل قلبه يحضر، هذا كذلك ينتفع ولكن ليس كالانتفاع الأول. الانتفاع الأول أعظم بكثير، ولكن كذلك الثاني منتفع بالقرآن الكريم، والناس في هذا مراتب ودرجات كبيرة. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، إذا اجتهد صاحب السمع قد يصل إلى صاحب القلب، إذا اجتهد وبدأ يتأمل ويتدبر ويتفكر، إذا من الله عليه يحيي قلبه فيكون قلبه حاضراً دائماً، وهذا الإنسان هو الذي لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، لماذا؟ لأن القلب صافي نقي.
والناس يتفاوتون في هذا تفاوت كبير جداً. خرج مرة عبد الله بن المبارك العالم الجليل مع جماعة من أصحابه، فكان يقول أحد أصحابه وهو أبو أسامة حماد بن أسامة: كنت أقول في نفسي بما فضل علينا هذا الشيخ؟ يعني ما الميزة في عبد الله بن المبارك حتى يرتفع ذكره بهذه الطريقة؟ ما هي الميزة الموجودة به؟ قال: حتى كنا معه في مجلس فانطفأ السراج، ثم قام أحدنا وأصلح السراج، قال: فنظرت إلى لحيته قد ابتللت بالدموع، قال: فعلمت بأنه فضل علينا بالخشية؛ تذكر يوم القيامة، تذكر الموت، تذكر هذه المشاهد. هذا صاحب القلب الحي.
وما زال في هذا القسم بقية من الناس ممن كانوا يقلون في آخر الزمان، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]. ثم قال الله سبحانه وتعالى مبينًا عظمة الله سبحانه وتعالى وعظمة هذه القدرة التي خلق بها السماوات والأرض، يقول الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38]. فالذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يعيد البشر وعلى أن يخلق الخلق الآخر.
﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ رد على اليهود الذين يزعمون، لعنهم الله، أن الله سبحانه وتعالى قد أصابه التعب بعدما خلق السماوات والأرض. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: 39]، بعد ما قام هذه الدلائل العظيمة على القدرة، وذكر هذه المشاهد العظيمة المؤثرة المخيفة المرعبة لأهل النار، وكذلك ذكر أهل الجنة بما أعد لهم من نعيم عظيم. وكم في هذه الآيات من تسلية وتصبير لأهل الإيمان.
الآن هؤلاء الصحابة الأجلاء الذين كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في مكة كانوا يعذبون وكانوا يشتمون وكانوا يكذبون، فلما يستمعون مثل هذه الآيات تؤثر فيهم تأثيرًا عظيمًا، وتعطيهم من الطاقة ما يحملهم على الاستمرار في هذا الطريق، والثبات على الدين، وعدم الالتفات يمنةً أو يسرةً. لذلك الذي يلتحم مع القرآن الكريم ويعيش معه لا تقوى فتنة الدنيا عليه، بخلاف الذي يبتعد عنه؛ فالذي يبتعد يفتن ولا يستطيع لأنه بشر ضعيف.
لكن الذي يكون دائمًا ملتحمًا مع القرآن الكريم، هذه الآيات مثل الأوتاد القوية التي تكون في قلبه، فإذا حاولت النفس أن تذهب يمينًا أو يسارًا تأتي آيات القرآن الكريم فتثبت النفس، ولا تجعل النفس هكذا تفر أو تتفلت على صاحبها. إذاً قلنا الذي يعيش مع القرآن الكريم، آيات الكتاب العظيم تثبت هذا الإنسان وتعينه بإذن الله على الاستمرار والمضي في هذا الطريق، ولا تقوى فتن الدنيا عليه، لا تقوى فتن الدنيا عليه بخلاف الذي لا يعيش مع آيات القرآن الكريم.
والذي يقرأ القرآن كقراءة الشعر أو الذي ما يتدبر إلا يسيرًا من الآيات هذا ما يقوى على فتن الدنيا، تقوى عليه الفتن ويقوى عليه الشيطان. لكن الذي يكون ملتحمًا مع القرآن الكريم مثل هذه الآيات تثبته وتعطيه وقودًا تجعله يستمر في هذا الطريق، لذلك من المهم جدًا أن نعود إلى القرآن الكريم ونعيش معه كل يوم، ليس أحياناً وأحياناً، إنما كل يوم نعيش معه حتى نستطيع أن نثبت مقابل هذه الفتن العظيمة والكبيرة التي تقع في هذا الزمان.
لذلك هنا الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾، اصبر على ما يقوله هؤلاء الكفار وأعرض عنهم، ولا تبالِ بهم، واستمر في دعوتك، وانتظر حكم الله سبحانه وتعالى فيهم. ثم أرشده الله سبحانه وتعالى إلى العبادة التي من خلالها يقوى على الثبات، التي من خلالها يستطيع أن يقاوم هذا التكذيب وهذا البلاء الكبير الذي كان يقع عليه وعلى الصحابة رضي الله عنهم في مكة، قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]، وكانت الصلاة أول ما فرضت ركعتان في أول النهار وركعتان في آخر النهار.
وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، أي صلاة الفجر وصلاة العصر. ومنهم من يقول المراد هنا بالتسبيح الصلاة، والصلاة يطلق عليها تسبيح، ومنهم من يقول هنا التسبيح أي قول: سبحان الله وبحمده، لأن الله قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فيكون هذا القول أي تسبيح الله سبحانه وتعالى يكون قبل طلوع الشمس قبل الشروق، وكذلك قبل غروب الشمس تنزيهًا وتعظيمًا لله سبحانه وتعالى، وأعظم ذكر يقال في هذا الموطن التسبيح، كما أن أعظم ذكر يقال في السحر هو الاستغفار، فهنا أي قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أفضل ما يقال تسبيح الله سبحانه وتعالى تنزيهًا له وتعظيمًا.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 39-40]. ومن الليل فسبحه، أي صلِّ له بالليل، أكثر من الصلاة له بالليل. وأدبار السجود اختلف العلماء فيها، منهم من يقول بأن هنا وأدبار السجود أي الذكر بعد الصلوات، فبعد الصلاة يسبح العبد الله 33 مرة، ويحمد الله سبحانه وتعالى 33 مرة، ويكبر الله 33 مرة، ثم يقول في تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
والقول الآخر هنا وأدبار السجود، وهذا قول أكثر السلف، أي سنة المغرب. وهذه الصلاة صلاة المغرب، سنة المغرب، صلاة البيوت؛ فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة يصلون في المسجد بعد صلاة المغرب قال: «تلك صلاة البيوت». فالأصل بأن سنة المغرب تصلى في البيت، وكذلك عامة السنن، الأصل بأنها تصلى في البيت إلا إذا كان الشخص يريد أن يجلس في المسجد إلى صلاة العشاء مثلاً، فهذا يصلي سنة المغرب في المسجد. وماذا يقرأ في سنة المغرب؟ يقرأ فيها بالركعة الأولى بعد الفاتحة الكافرون، وبالركعة الثانية الإخلاص، كما جاء عن ابن مسعود وكذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنهما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بعد المغرب ويقرأ بعد الفاتحة بالكافرون بالركعة الأولى وبالثانية بالإخلاص.
قالوا وأدبار السجود، ثم قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41]. أي واستمع يا محمد يوم ينادي المنادي من مكان قريب، أي من مكان قريب من الأرض، قيل هذا المكان صخرة بيت المقدس، وقيل المراد هنا أي مكان قريب يسمع كل أهل الأرض، يسمعه كل أهل الأرض. هنا المراد بهذا المنادي الذي ينفخ في الصور، وعلى المشهور هو إسرافيل عليه السلام، فينفخ النفخة الثانية، وتلتحم وتقرن الأرواح بالأجساد بعدما ينزل الماء من السماء فتجتمع الأجساد، ثم تدخل الأرواح في الأجساد، ثم بعد ذلك يقوم الناس من قبورهم.
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: 42]. يوم يسمعون الصيحة بالحق، أي الصيحة الواقعة، وهي النفخة الثانية في الصور وهي الصيحة التي تأتي بالحق، تأتي بيوم القيامة، تأتي بالحساب والجزاء. ذلك يوم الخروج، أي هذا اليوم يوم الخروج، يخرج الناس من قبورهم. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ [ق: 43]. إنا نحن نحيي ونميت، الله سبحانه وتعالى هو الذي يحيي وهو الذي يميت، ثم بعد هذه الحياة والموت يكون المصير، وإلينا المصير أي إلينا المرجع، فالكل سيعود ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويجازي الأعمال الصالحة والسيئة.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [ق: 38]. أي ما أسمع هؤلاء وما أبصر هؤلاء يوم يأتون الله سبحانه وتعالى، فالكل سيرجع إليه والكل سيأتي الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: 44]. أي يخرج هؤلاء من قبورهم مهطعين إلى الداع، مسرعين إلى المكان الذي سيجازي الله تعالى به البشر، الكل سيخرج من قبره والكل سيعود إلى الله سبحانه وتعالى، الكل سيجمع في هذا المكان، أرض المحشر والمنشر. وأول من تنشق عنه الأرض هو النبي عليه الصلاة والسلام.
يوم تشقق الأرض عنهم سراعًا، هذا الحشر كله واجتماع الناس وإعادة الناس منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، في المكان الواحد قد يدفن فيه 100 أو 200 وأكثر من ذلك، هؤلاء كلهم سيجمعون ويحشرون وهذا كله علينا يسير، هذا الحشر يسير على الله سبحانه وتعالى، ليس بكبير على قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمة الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [ق: 45]، تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام، الله سبحانه وتعالى يقول للنبي عليه الصلاة والسلام بأن الله يعلم الذي يقوله هؤلاء، والله سبحانه وتعالى يسمع والله سبحانه وتعالى يبصر، وكذلك تهديد لهؤلاء وتخويف؛ الملك العظيم يسمع الذي تقولونه، الملك العظيم يعلم الذي تقولونه، القوي سبحانه وتعالى المتين يسمع هذا كله ويعلم هذا كله سبحانه وتعالى.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 45]. أي لست بالذي تكرههم على الإيمان، لست بالذي تفتح قلوبهم بالقوة وتدخل الإيمان في قلوبهم، هذا الأمر ليس لك؛ وما أنت عليهم بجبار لست عليهم مسيطر، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]. إذاً الواجب عليك أيها الرسول البلاغ وعلينا الحساب، على الله سبحانه وتعالى الحساب، الكل سيعود له سبحانه وتعالى وسيجازيه، إنما واجبك أيها الرسول أن تبلغ هذه الرسالة وأن تقرأ هذه الآيات وأن تذكر الناس وتعظ الناس، هنا ينتهي دور المبلغ.
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]. أي أن الذي سينتفع بالقرآن الكريم هو الذي يخاف الوعيد، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10]، فالذي يخشى هو الذي يتذكر، ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45]. فالذي يخشى هو الذي ينتفع، أما الذي ما يخشى ولا يخاف من يوم القيامة ولا يوجد في قلبه إيمان فهذا ما ينتفع. وبقدر الإيمان الموجود في قلب الإنسان يكون انتفاع الإنسان بآيات القرآن الكريم، لذلك الله يبين لنا ويعلمنا بأن القرآن الكريم ينتفع بقراءته والعيش معه هو الذي يخاف، أما شخص إذا ما خاف ولا يوجد عنده إيمان حتى لو قرأ القرآن ما يتأثر.
لذلك من المهم أن يعمر الشخص قلبه بالإيمان حتى ينتفع بالقرآن الكريم، حتى يكون انتفاع الشخص بالآية التي يقرأها والسورة التي يقرأها انتفاعًا عظيمًا وجليلاً وكبيرًا. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾، فعظ بهذا القرآن من يخاف الوعيد، من يخاف الحساب والجزاء، من يخاف من جهنم، هذا هو الذي ينتفع بآيات القرآن الكريم. هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري