دخولتسجيل الدخول

سورة مريم 10 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعاً وأبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل التعليق على سورة مريم، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.

بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى الكفار، وأن الآلهة ستتبرأ منهم يوم القيامة وستكون عليهم ضداً، وهم كذلك سيعادون هذه الآلهة، ومشهد الصراع بين الكفار وبين آلهتهم، انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن مشهد المؤمنين. وهذه عادة القرآن، والله سبحانه وتعالى ينوع؛ فيذكر منزلة أهل الإيمان، وصفة أهل الإيمان، وصورة أهل الإيمان، وجزاء أهل الإيمان، وكذلك يذكر صورة الكفار، وأقوال الكفار، والرد على الكفار. فالقرآن هكذا أحياناً يذكر ما يتعلق بالكفار، ثم بعد ذلك يعرج ويذكر المؤمنين، ثم يرجع ويتكلم عن الكفار، حتى يكون هذين المشهدين ظاهرين عند الإنسان، فلا يعيش الإنسان مع مشهد ثم يغفل عن المشهد الآخر.

فإن الله سبحانه وتعالى لما بين حال الكفار يوم القيامة، مباشرة انتقل وقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. المتقون هم الذين اتقوا الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، وعملوا بطاعة الله سبحانه وتعالى على نور من الله، واجتنبوا معصية الله سبحانه وتعالى على نور كذلك من الله سبحانه وتعالى. يبين الله بأن هذا القسم الشريف من الناس سيحشر يوم القيامة وفداً، أي سيأتي يوم القيامة وهو راكب. وكان يقول جماعة المفسرين بأنهم يؤتون يوم القيامة على النجائب، أي يؤتون ويفدون إلى الله سبحانه وتعالى مثل وفد الأشراف المعظمين. ما يكون مجيئهم هكذا مجيء أناس يمشون على أقدامهم أو مجيء عادي، لا، إنما يكون مجيء أناس مكرمين.

فالله هنا سبحانه وتعالى يقول إن هذا القسم الشريف من الناس سيحشر يوم القيامة وفداً. الآن يسمع الآيات أبو بكر الصديق وهو في مكة، ويعاني من العصب والأسقام، ويعاني من أبي جهل، ويعاني من فلان ومن فلان؛ الله سبحانه وتعالى يقول: أنتم يا معشر المؤمنين أتباع الرسول يوم القيامة ستحشرون وفداً، فلا تتعلقوا بالدنيا، ولا تغرنكم هذه المناصب، ولا يغرنكم هذا الكلام، ولا يغرنكم تسلط الكفار العاني، فهذا فقط بالدنيا، هذه لحظات قصيرة وتزول.

دائماً القرآن الكريم ينقل الناس إلى المشهد الآخر، إلى يوم القيامة، حتى يكون التعلق كله هناك. لولا يوم القيامة لأجبتك؛ يوم القيامة هي الأصل، والآخرة هي الحياة الحقيقية، أما دار الدنيا فهي متاع الغرور، هذه الدار زائلة لا قيمة لها. هنا الله يقول: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. انظر الآن إلى اختلاف المشهد؛ هذا القسم من الناس الأول يحشر إلى الله سبحانه وتعالى وهو مكرم ومعزز، أما هؤلاء فيساقون، والسوق فيه سحب بشدة.

فلما تسوق الشيء أي تسحب هذا الإنسان، ومع هذا السحب تكون معه شدة. هنا الله يقول: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ نحشر أي نجمع، ونسوق أي بشدة وقوة، نجمع هؤلاء ونحشر هؤلاء الكفار، قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، أي هؤلاء يساقون إلى جهنم وهم عطاش.

قالوا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، لا يملكون الشفاعة، إلا هنا استثناء منقطع، أي ولكن، إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً. لا يملك هؤلاء الكفار الشفاعة، لماذا؟ لأن هذه الشفاعة خاصة بالله سبحانه وتعالى، هو الذي يملك الشفاعة، وهو الذي يعطي من يشاء الشفاعة. أما هؤلاء ما يملكونها، وكذلك لا يستحقونها، لماذا؟ لأنه ليس بينهم وبين الله عهد، إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، أي قال لا إله إلا الله في الدنيا. فالذي قال لا إله إلا الله، أي أهل الإيمان، هم الذين لهم الشفاعة في الآخرة، أما الكفار فلا شفاعة لهم.

قال: لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً، أي بالإيمان بلا إله إلا الله. وقالوا هؤلاء الكفار قولا شنيعاً عظيماً، وقالوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾. الرحمن تكرر معنا في هذه السورة كثيراً، والرحمن يؤتى بسياق الرحمة وبسياق العقوبة والعذاب. لما يؤتى بسياق الرحمة فالأمر واضح وجلي، لأن اسم الرحمن على وزن فعلان، ويفيد الرحمة الواسعة. لكن لما يؤتى بسياق العذاب، لماذا؟ لأنهم استحقوا العذاب فأغضبوا الرحمن، أي أن هؤلاء فعلوا الذنوب والمعاصي التي جعلت الرحمن، صاحب الرحمة الواسعة، يغضب. وإذا غضب الرحيم، كيف يكون غضبه؟ يكون شديداً جداً، لذلك العرب تقول: اتق شر الحليم إذا غضب.

فالله يأتي باسم الرحمن ليدلل أن هذا الذنب عظيم جداً حتى أنه أخذ بالرحمن، إذاً ستكون العقوبة عظيمة جداً التي ستحل عليكم. ثم الله يقول: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾؛ لقد جئتم شيئاً إدّاً أي شيئاً عظيماً أن تزعموا أن الرحمن اتخذ ولداً. ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. لماذا يا ربي هذا كله؟ لأنهم ادعوا للرحمن ولداً. لماذا هذا الغضب كله من الرحمن؟ لأن الرحمن ما ينبغي له أن يتخذ ولداً، من الذي يحتاج الولد؟ الضعيف، الإنسان، أما الرحمن سبحانه وتعالى غير مفتقر للبشر، هو الصمد سبحانه وتعالى.

﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ LR تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ثم قال هذا العبد العارف بالله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ولم يقل الغفور الرحيم.

هنا عيسى عليه السلام خاف. وهذه السورة سورة مريم تتكلم عن عيسى وعن أمه، ففي مطلع السورة بين الله سبحانه وتعالى ميلاد عيسى وشأن عيسى وأنه عبد الله، وأول كلمة قالها: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾. وفي دعوته لبني إسرائيل قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة. وكذلك في يوم القيامة يؤتى بعيسى عليه السلام ويسأل الله سبحانه وتعالى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فعيسى يقول وهو خائف وجل: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، تعظيماً وتنزيهًا للرب سبحانه وتعالى.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول عن هؤلاء الكفار الذين زعموا بأن الله سبحانه وتعالى اتخذ ولداً: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. الانفطار هو الانشقاق الصغير.

لما تقول الرجل تفطرت، وخرجت بها الفطريات، الفطريات تكون صغيرة. فالانشقاق أو الانفطار هو الانشقاق الصغير، فالانشقاق الأول يكون كبيراً، ثم بعد ذلك هذا الانشقاق يتفطر فينشق إلى قطع صغيرة، هذا هو الانفطار، «إذا السماء انفطرت». هنا الله يقول: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾، يعني تتشقق إلى قطع صغيرة من شدة الغضب، ومن شدة الخوف، ومن شدة تعظيم الله سبحانه وتعالى هذه السماوات.

قال: ﴿وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ * وَتَبْثُّ الْجِبَالَ هَبًّا﴾ أي سقوطاً. لماذا يا ربي هذا كله؟ لأن هؤلاء دعوا للرحمن ولداً، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً. لماذا يتخذ ولداً؟ هو مالك كل شيء، والمتصرف في كل شيء، هو السيد سبحانه وتعالى، هو الكامل سبحانه، الصمد سبحانه وتعالى.

لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعظم هذا الأمر، لما أراد الله سبحانه أن يصف من هو، أتى الكفار إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا محمد صف لنا ربك، وفي رواية: أنسب لنا ربك، فأنزل الله سورة قل هو الله أحد: «أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد»، سبحانه وتعالى.

قال: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. كلكم ستأتون الله سبحانه وتعالى يوم القيامة وأنتم عبيد؛ الملائكة وأمامهم جبريل، والبشر وأمامهم محمد عليه الصلاة والسلام، كلهم هؤلاء عبيد الله سبحانه وتعالى. ولما يثني الله على عبد من عبيده، يصفه بأنه عبد الله، وهذه أعلى مرتبة يثنى فيها العبد: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾.

قال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، أي خاضعاً، منكسراً، ذليلاً له سبحانه وتعالى. ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. الجميع أحصاهم، لن يفلت أحد، لن يغيب أحد؛ ليس لأن العدد كبير، بل لأنه لن يفوت أي إنسان، كل من خلق من ذرية آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة سيأتي يوم القيامة والله سبحانه وتعالى أحصى هؤلاء وعدهم عداً، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ضعيفاً لا يملك لأمره شيئاً ولا يستطيع أن يفعل أي شيء، ويأتي خاضعاً ذليلاً يوم القيامة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآن تطمين، انظروا كيف الآن تخويف ثم يأتي الآن تطمين. يوم القيامة تدنو الشمس حتى يكون بينها وبين البشر ميل، قيل ميل المكحلة، وقيل ميل أي المسافة المعروفة كيلو وستمائة متر أو سبعمائة متر، والناس تكون الشمس قريبة فيتصبب منهم العرق؛ فمنهم من يلجم العرق إلجاماً، ومنهم من يكون العرق إلى حقويه، ومنهم إلى ثدييه، وهكذا.

فالناس من شدة تعبهم يذهبون إلى الأنبياء، فيأتون آدم عليه السلام، فيقول آدم عليه السلام: «إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري»، ويذكر بأنه أكل الشجرة. ثم يذهبون إلى إبراهيم عليه السلام، وإلى نوح عليه السلام، وإلى موسى عليه السلام، وإلى عيسى عليه السلام، كلهم يقولون: «إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، نفسي نفسي نفسي»، حتى يأتون النبي عليه الصلاة والسلام فيشفع للناس يوم القيامة، ودعاء الرسل يومئذ: «اللهم سلم سلم».

ثم قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. إن الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات، أي لم يكن إيمان فقط بالقلب بل أثمر هذا الإيمان العمل الصالح، هؤلاء سيجعل لهم الرحمن وداً، أي أن الله سبحانه وتعالى سيحبب الناس إلى هؤلاء، فيجعل الناس يحبون هؤلاء الصالحين.

وجاء في الحديث: «إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه»، فيحبه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء: «إن الله يحب فلاناً فأحبوه»، فتحبه الملائكة وتعرف الملائكة في السماء، ثم بعد ذلك يوضع له القبول في الأرض فيحبه أهل الإيمان. لذلك أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ادعُ الله بأن يحببني إلى المؤمنين، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام فقال أبو هريرة: «والله لا يراني مؤمن إلا أحبني». لماذا؟ علامة إيمان، والأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق.

فالقسم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يجعل لهذا القسم من الناس وداً، أي محبة، لأن الله أحبه فيحب الأخيار من الناس؛ الصالحين يحبون هذا الإنسان لصلاحه وتقواه ولأن الله سبحانه وتعالى أحبه. ومن الذي لا يحبه؟ أصحاب الشر، أما أصحاب الخير فيحبون هذا القسم من الناس. لذلك انظر يا إخوان عبر التاريخ ما يبقى إلا الصالحين، أما الطالحين فما يقتدي بهم الناس.

لما تأتي عمر المختار مثلاً، تشوف الناس يحبونه، طيب الذين قتلوا عمر والذين وقفوا ضده، أليس لهم أتباع؟ أتباعهم مع عمر المختار بالادعاء، لكن ليس في التطبيق. واضح هذا الأمر، أحد طغاة هذا العصر لما غني له وصفوه بعمر المختار، ما وصفوه بمن قتل عمر أو بمن كان ضده، وهو لو كان في زمن عمر لقتل عمر، لكن انظروا كيف أن الذي يبقى في التاريخ هو هذا القسم، هم الذين يثنى عليهم والناس يميلون إليهم ويحبونهم.

قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي بالقرآن الكريم، ورفع مقام النبي عليه الصلاة والسلام، واللغة التي نزل بها هذا القرآن الكريم؛ فالله يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي بلسان العرب، ﴿لِّتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يخافون الله ويحبونه، نزل هذا القرآن حتى يبشرهم بما لهم عند الله يوم القيامة. قال: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لَّدًّا﴾، تنذر، تخيف، توضح، تبين، به قوماً لدّاً، أي قوماً خصاماً كذبة لا يريدون الاستجابة، فالقرآن نزل حتى يقيم الحجة على الكفار، وكذلك حتى يبشر المؤمنين بأن لهم جزاء عظيماً عند الله سبحانه وتعالى جزاء تقواهم وصلاحهم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الكفار: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ﴾، يعني أنتم يا معشر الكفار لستم بأول من كفر، ولستم بأول من سيتم إهلاكه إذا لم تتوبوا وتؤوبوا وترجعوا. قال الله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ﴾ من...

«جيل، من جماعة، من قوم». هل تحس منهم من أحد؟ هل بقي منهم أحد؟ كلهم ذهبوا، وبقي الله سبحانه وتعالى.

أما هؤلاء الكفار كذلك سيحل بهم كما حل بفرعون وجنده، وكما حل بثمود، وعباد، وبقية هذه الأمم. قال: ﴿هَلْ تَحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ * أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رَكْزًا﴾ [مريم: 94-95]، أي صوتًا خفيًا.

الجواب: لا نحس منهم أحدًا، ولا نسمع لهم ركزًا. هؤلاء الكفار كذلك، هم الآن يرفعون أصواتهم، هم الآن يتكلمون، هم الآن يقولون: «من أحسن منا ناديًا؟ من أكثر منا؟ من أعظم منا؟ من أقوى منا؟». لكن هذا كله مرحلة زمنية، ثم نفس هذا المكان، هذا المكان الذي هم فيه لن يكون لهم فيه أي ذكر ولا أي صوت، وحل هذا ووقع.

وما هي إلا مدة يسيرة حتى فتح النبي عليه الصلاة والسلام مكة وانقطع ذكر الكفار إلا بالشر، إلا بالسوء. أما غير ذلك لم يعد لهم أي ذكر، إنما بقي ذكر الأخيار؛ بقي الصديق، بقي خباب، هذا الذي كان يقول له العاص بن وائل السهمي: حتى تكفر بمحمد، حتى كذا وكذا، بقي خباب، واليوم خباب صفحة مضيئة من صفحات التاريخ.

وبقي بلال، وبقي عمار. أما أمية بن خلف، والعاص بن وائل، وأبو جهل، هؤلاء كلهم ذهبوا وطواهم التاريخ إلا بذكر سيء.

إذًا هنا الله يقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تَحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ * أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 74-75]. هذا ما يتعلق بهذه السورة الجليلة. والله أسأل أن ينفعنا وإياكم بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.