الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على سورة مريم.
وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا ۖ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: 77-79].
بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى إنكار الكفار ليوم القيامة، وبين سبحانه وتعالى بأنه سيحاسب هؤلاء الكفار، وسيختار من هؤلاء العلية، وينتقي من هؤلاء أكثرهم كفرًا وضلالًا ويبتدأ بهم العذاب: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 80]، ذكر الله سبحانه وتعالى ما أمره النبي ﷺ أن يقوله لهؤلاء الكفار، وأن تكون الإجابة لطلب الكفار أو استنكار الكفار موافقة لطرف الكفار الفكري.
فالكفار كانوا يستنكرون يوم القيامة، فما هي الحجة العقلية؟ لا توجد، والله يقيم عليهم الحجة العقلية، ثم يأتي هكذا إرشاد للنبي ﷺ بطريقة التعامل مع من يتعمد الصدود، ويستنكر البعث أو يستنكر هذه الحقيقة، ويطول أمده في الاستنكار مع إقامة الحجج المتوالية والمتكاثفة عليها.
فيقول الله سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا * حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم: 75-76]. قل يا محمد لهؤلاء الكفار، من كان في الضلالة منا أو منكم فليمدد له الرحمن مدا، ليزده الرحمن من هذه الضلالة.
طبعًا معروف هنا من الذي في الضلالة؟ هم الكفار، لذلك قال الله بعد ذلك: ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾، أي هؤلاء الكفار، ما هو الذي يوعدون؟ إما العذاب الذي وقع يوم بدر، وإما الساعة لمن يموت قبل هذا العذاب، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾. ثم قال الله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76].
ثم قال الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾؟ هذا العاص بن وائل السهمي كان سيد بني سهم، وسهم أحد بطون قريش، وكان هذا سيد بطن هذا الوادي، وكان رجلًا شريفًا في قومه، وهو الذي قشع الناس عن عمر بن الخطاب لما أسلم عمر وتصارع مع الكفار عند الكعبة، حتى خارت يدا عمر وتعب، فجاء رجل وانقشع الناس عنه.
يقول عبد الله بن عمر: سألت أبي، قلت: من هذا الرجل الذي استجاب الناس له هذه الاستجابة؟ قال: هذا العاص بن وائل، أحد صناديد مكة، أحد الكفار، أحد الملأ المتكبرين المتجبرين، لكن القصد أنه كان مؤثرًا. هذا والد عمرو بن العاص.
هذا العاص بن وائل السهمي كان يعمل عند خباب بن الأرت، أو كان لخباب بن الأرت مال عنده، فذهب إليه خباب، وكان خباب رجلًا ضعيفًا في مكة، وطلب من العاص بن وائل أن يرد له ماله، فقال له العاص: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فأبى خباب، وزعم العاص بأنه إذا جاء يوم القيامة أعطيك مالك وسأكون أكثر منك مالًا وولدًا، وهذا كله على سبيل الاستهزاء.
من هؤلاء الكفار، فقال الله هنا سبحانه وتعالى ردًا على العاص بن وائل السهمي: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، أي إذا جاء يوم القيامة سيكون عندي مال كثير وسيكون عندي كذلك أبناء كثر. لماذا قاس الآخرة على الدنيا؟ لأنه رأى بأنه الآن في الدنيا عنده هذا المال وعنده الولد، وصاحب مكانة في قريش وصاحب جاه وسلطان وصاحب مال وعنده أولاد كثر، فمن الطبيعي أنه يوم القيامة بالنسبة لعقله القاصر سيكون حالي مثل حالي في الدنيا، فالذي أعطاني في الدنيا هذا المال سيعطيني هذا المال في الآخرة إذا وجدت.
هذا قياس فاسد، لماذا؟ لأن الدنيا ليست هي المعيار، والله سبحانه وتعالى بين بكتابه العظيم المعايير، وبين بأنه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكن لا يعطي الإيمان إلا من أحب. هذه الأموال والأولاد كلها فتنة، إما أن تنجو فترفعك هذه الفتنة وتدخل بها الجنة وتصيب درجات عالية، أو تصيبك الفتنة فتسقط.
الإنسان لما يتعرض إلى فتنة حاله أحد أمرين: إما أن يصعد أو ينزل، قبل الفتنة له حال معينة، وبعد الفتنة إما أن يصعد أو ينزل، مستحيل يكون حاله مثل حاله، فإذا نجا ونجح في الاختبار ارتفع، وإذا سقط في الاختبار سقط ونزلت منزلته ودرجته.
هذا الرجل قاس، وهذا سبحان الله ديدن الكفار أنهم يقيسون الآخرة على الدنيا؛ نحن في الدنيا عندنا مال، إذن الآخرة عندنا مال، نحن في الدنيا عندنا كذا، الآخرة عندنا كذا، وهذا الكلام ينفيه القرآن ويقيم الحجج المتتالية على عدم صحة هذا المعيار.
ذكرنا لكم يا شباب بأن القرآن الكريم حريص، فالأصل أن القرآن نزل حتى يكون هو الفرقان، حتى يقيم معاييره، حتى يقيم الحق ويبين الحق، فالله يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل. هذا الرجل استنكر واستبعد يوم القيامة وقال: إن جاءت القيامة فسأكون أكثر منك مالًا وولدًا، فرد الله عليه بقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾؟
القرآن الكريم في إجابته لشبهات الكفار واعتراضاتهم يجمع بين أمرين اثنين، وهذه أعلى طريقة في إقامة الحجة: الأولى الرد، والثانية الزجر. أحسنت، ما يكون رد عقلي من غير زجر، فهذا موجود في الواقع، وجود رد عقلي فقط ترى أنه خطأ، لأن هذه الشبهة بالأصل أقيمت على شهوة، فإذا لم تعالج الشبهة والشهوة ما أقمت الحجة بطريقة كاملة، فتحتاج أن تقيمها عقليًا وتزجر وتخوف نفسيًا، لا بد من الجمع بين هذا وهذا.
فهنا الله يرد عليه ويقول: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾؟ طيب كيف عرفت أنه يوم القيامة سيكون حالك أفضل، أو سيكون حالك في الآخرة مثل الدنيا؟ هل نظرت إلى الغيب؟ هل تعرف الغيب؟ الجواب: لا. الثاني: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؟ هل أخذت عهدًا من الرحمن أن يوم القيامة سيعطيك مالًا وولدًا؟ الجواب: لا. إذاً من أين أتيت بهذه الكلمات؟
طبعًا هو قال هذه الكلمات سخرية، فلماذا يكون الرد هنا بهذه الطريقة؟ ركزوا معي الآن، هذا الشخص قال الكلمات من باب سخرية، فرد القرآن الكريم يكون عليه إغلاق الحجة العقلية وكذلك الزجر، هنا قال: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ ردًا واستنكارًا واستبعادًا، ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؟ ولم يطلع على الغيب ولم يتخذ عهدًا، إذا الجواب: ﴿كَلَّا﴾. ﴿كَلَّا﴾ في القرآن الكريم تأتي على أحد معنيين.
إما بمعنى ليس الأمر كما، أو ردع وزجر. ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ * وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 79-81].
هذا رد القرآن الكريم؛ سنكتب ما يقول، هذه تقول الآن هذا كله مكتوب ومرصود عليك يا ابن آدم، وستأتي يوم القيامة وتسأل عن هذه الكلمات. قال: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي نزيد من العذاب؛ هذا الآن هو يتعامل بسخرية، لا ترى؟ ستعرف فجاء يوم القيامة كيف ستكون عقوبتك؟ وهذه الآيات ستتلى إلى يوم القيامة عنك أنت أيها الظالم الفاجر، والناس في مكة يقرأون ويصلون ويبكتونك بهذه الآيات.
ثم قال: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ يعني نفس هذه الأموال التي عنده الآن في الدنيا وهؤلاء الأولاد كلهم سنأخذهم منه، فسيموت وليس معه مال، بل أبناؤه يسلمون تنكيلاً وتبكيتاً له. من أبنائه عمرو بن العاص، أرطبون العرب، هذا الداهية، ويكون ممن يقيم الله سبحانه وتعالى به الإسلام في الأرض. ابنك أنت أيها الكافر الفاجر!
كيف سيكون حال العاص بن وائل لما يرى ابنه يوم القيامة؟ كيف سيكون حال أبي جهل؟ كيف سيكون حال الوليد بن المغيرة لما يرى خالد بن الوليد؟ هذه زيادة في التبكيت لهؤلاء الكفار. قال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ * وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. هذا الآن عنده أموال، عنده أولاد، سيأتي يوم القيامة وحيداً لا يملك شيئاً من أسباب القوة.
ثم قال الله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ أي هؤلاء الكفار اتخذوا هذه الآلهة حتى يأخذوا منها العزة، وسموا اللات والعزى، يريدون العزة من هذه الآلهة؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا﴾ ليس الأمر كما يفعلون، ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾؛ هؤلاء الكفار، هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ستنقلب عليهم، ونفس هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله سيكونون أضداداً لهم ولن يقبلوا بهم.
ويدعى من كان يعبد من دون الله سبحانه وتعالى من الصالحين، فيسأل عن عبادة هؤلاء له. هل الآن أنتم لما عبدتم عيسى عليه السلام هل أمركم بالعبادة؟ لا، إذاً عيسى يدعى أمام الناس كلهم ويكون عيسى عدواً لهؤلاء. الملائكة ماذا تقول؟ ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، فتخاف الملائكة: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَلِيُّ الرَّحِيمُ﴾، إنما كانوا يعبدون الجن وهكذا. فهذه الآلهة التي كانت تُعبد من دون الله كلها يوم القيامة ستتبرأ من هذه المعبودات، وهذا كله من باب التبكيت؛ فيبكت هؤلاء بنفس هذه المعبودات.
ثم انتقل الخطاب لبيان أن هذا كله يا معشر المسلمين خاضع لقدر الله، فانتبهوا أن تتضخم عندكم هذه الأفعال على حساب النظر إلى قدر الله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. من الذي أرسل الشياطين؟ قدراً، فهذا كله خاضع لقدر الله السابق حتى ما يتضخم عندك هذا الباب وتنزل لعاصم بن وائل وتغفل عن قدر الله سبحانه وتعالى.
الله قدر بأن يوجد هذا الكافر وأن ترسل له الشياطين، لماذا هذا كله؟ حتى يظهر حزب الله المؤمنين وحزب الشيطان الكافرين. لماذا يا ربي هذا كله؟ ليبتلي الله ما في قلوبكم وليبتلي الله ما في صدوركم، حتى يظهر المؤمن والمنافق. يحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ويحسب الدعاة إلى الله أننا لن يوجد عاصم بن وائل وذريته، هذا وهم كبير من الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى.
داعية لا يريد ذرية عاصم بن وائل لن يكون داعية، وداعية لا يريد ذرية أبي جهل هذا لا يمكن أن يكون. هذا قدر إلهي مكتوب على البشر حتى يظهر إيمان المؤمن ونفاق المنافق، حتى يبتلي الله سبحانه وتعالى الناس ويظهر الأصبر والأقوى والأصدق في دينه ومحبته وإيمانه وتعظيمه لله سبحانه وتعالى. لكن هنا الله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. إذاً هنا القرآن دائماً ما يربط بين الكفر والشيطان؛ أن هذا العاص بن وائل ليس وحده يقول هذا الكلام، لكن معه شياطين. هؤلاء الكفار في مكة ما انقادوا لك يا محمد لماذا؟ معهم شياطين.
إذاً لا تغفل عن حقيقة الشيطان ولا تنسى الشيطان ولا تنسى الاستعاذة منه، ولا بد أن نتعامل معه كما هنا. مع كثرة بيان القرآن الكريم للشيطان وحقيقة الشيطان وما إلى ذلك، الناس لما يتعاملون يغفلون عن الشيطان؛ الذي أمامك اثنان ليس واحداً، كافر من الإنس ومعه شيطان من الجن. الشيطان الذي من الجن الذي يؤز هذا الكافر أو هذا المنافق حله بالأذكار، حله بالاستعاذة، حله بالدعاء. أما هذا الكافر من الإنس فحله بأن تدعوه وأن تقابله بما أراد الله، إما بالإعراض أو بالرد.
الإعراض في سياق: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض"، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا هذا سياق. والسياق الثاني: "إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون"، هذا له حال وهذا له حال. نحن الآن في مكة، وسورة مريم هي سورة مكية، ففي مكة كان الواجب الإعراض؛ أعرض على المشركين، اصدع بما تؤمر وأعرض. هذه في مكة، لكن بعد ذلك في المدينة يدعو حسان بن ثابت ويدعو عبد الله بن رواحة ويدعو كعب بن مالك حتى يهجو الكفار، فهذا سياق وهذا سياق.
هنا القرآن الكريم يبين أن هذا كله خاضع لقدر الله، فهذا الأمر مقدر ومكتوب؛ أن يوجد قسم من الكفار بهذه الطريقة. انتبهوا أيها الدعاة، أن هذا الكلام الذي قاله العاص بن وائل أو الذي ترونه من فعل الكفار في مكة لا يمنعكم عن الدعوة، أو أن تظنوا بأن هذا خارج عن قدر الله، أو عن قدرة الله كما قال الإمام عبد القادر؛ هذا كله داخل القدرة وليس خارجاً عنها. لكن الله قضى وقدر وهذا كله يرجع إلى اسم الله الحكيم؛ أن يوجد كفار حتى يظهر المؤمن الصادق.
هذا كله مكتوب ومقدر. الله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾، يعني الشياطين هذه تدفع الكفار دفعاً حتى كأن هؤلاء الكفار ما عندهم مشروع في الحياة إلا إذا المؤمنين فقط. ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ يعني هذا الكافر إنسان عنده مصالح، لكن صورة الآن هؤلاء الكفار ما عندهم اجتماع ولا حديث ولا كلام إلا ماذا فعل محمد وأصحابه؟ فهم يجتمعون فقط حتى يستهزئوا بالمؤمنين، حتى يخططوا ويكيدوا على أهل الإيمان، بل مكروا مكرًا كبارًا. لذلك تجدون في قصص الأنبياء كلها قضية المكر ظاهرة: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾، يعني هذه وظيفتهم؛ أن كيف أن الذين معك يتركون الدين.
هذا المكر، هل كله نفسي؟ لا، مع إيش؟ ٢٤ ساعة، الشياطين معهم تؤزهم أزًا، دفعًا حتى يقضوا على المؤمنين؛ ما يتوقفون ولا يملون لأن معهم شياطين.
إذا استحضِر أيها المؤمن أن هذا كله لا يغيب عن دائرة الإيمان، عن أصل الإيمان بالقدر، أن الله قضى وقدر هذا الشيء لحكمة بالغة؛ هذه الحكمة بالغة، هذا الجواب فقط. فما تغني النذر، ما الواجب عليك؟ تفعل الذي يريده الله سبحانه وتعالى منك، تستمر في الدعوة، تثبت عليها، وهكذا.
لكن لا تجد مرحلة ما تجد فيها أعداء، بل أصلًا كلما ارتقى الدعوة ارتقى معها الأعداء. ما في مرحلة تبدأ أنت في البداية مع أعداء على مستوى الحارة، أو على مستوى المنطقة، ثم ترتقي تكون على مستوى أكبر، ثم حتى تصل إلى مستوى نفس الشياطين الكبار الذين اختارهم الشيطان حتى يقيموا الكفر في الأرض.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [الطور: 48]. فلا تعجل عليهم، يعني لا تستعجل بعقوبتهم، سيأتي يوم وتحل هذه العقوبة. متى يا ربي؟ الله أعلم، هذا كله خاضع لقدر الله سبحانه وتعالى.
ما يدخل في الدعاة، إنما الواجب على الدعاة يستمرون ويستمرون ويستمرون حتى يأتي قدر الله سبحانه وتعالى، وتأتي اللحظة التي يقضى فيها على هؤلاء الكفار وتفتح مكة، وتنتقل الدعوة من هذه الحال إلى الحال التي تليها.
ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا﴾ [مريم: 85]، نتكلم عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري