دخولتسجيل الدخول

سورة مريم 08 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نكمل التعليق على سورة مريم، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 90]. أولًا يذكر الإنسان: أأنحن خلقناه من قبل ولم يكن شيئًا؟

بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى قصص الأنبياء؛ قصص زكريا ويحيى وعيسى، وكذلك إبراهيم وبقية الأنبياء، ثم بعد ذلك بين الله سبحانه وتعالى بأنه جاء بعد هؤلاء الأنبياء أقوام أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى ربوبيته الشاملة لجميع البشر، رب السماوات والأرض وما بينهما، فاعبده واصطبر لعبادته، هل تعلم له سميًا؟

ثم قال الله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ﴾، والإنسان إذا ذكر في القرآن الكريم يراد به الإنسان الضعيف، أو يطلق الإنسان في القرآن الكريم بسياق الضعف؛ إما أن يكون المراد الضعف الديني، أي الكافر، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]، أو يكون المراد بالضعف هنا الضعف الخلقي، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]؛ فمصطلح الإنسان واسم الإنسان يذكر في القرآن الكريم بسياق الضعف، إما الديني أو الخلقي المتعلق بأصل الخلقة.

هنا الله يقول: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ﴾ أي الكافر: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾؟ يعني هذا الإنسان متعجب، مستنكر، مستبعد أنه يبعث بعدما يموت. فيرد الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان ويقول: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 91]. ألا تذكر بأنك لم تكن موجودًا؟ أنت ولدت في أي سنة؟ في أي عام؟ قبل هذا العام بعام، أين كنت؟ لما تسمع القصص التي حدثت قبل أن تولد، من والدك ومن والدتك ومن كذا وكذا، من الناس، أنت في هذه القصة، في أثنائها، في وقتها، في تاريخها، أين كنت؟ لا شيء. ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. لم تكن موجودًا.

كيف وجدت؟ وجدت من نطفة، والنطفة أصبحت بإذن الله وقدرة الله علقة، ثم مضغة، ثم نفخ فيك الروح، ثم خرج الآن عندك عظام وأسنان ولسان وأذن، وتشكلت هذه الأجهزة كلها فيك. كيف حدث هذا الأمر؟ هل الذي خلق الإنسان من عدم عاجز أن يعيده حتى بعدما خلقه؟ بل هذا أهون عليه، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه.

إذًا هنا التعجب الآن المفترض يكون ممن؟ من هذا الإنسان الذي يتعجب من عدم خلق الله سبحانه وتعالى وإعادته له بعدما يموت، أو ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾؟ الذي خلقك ولم تكن شيئًا مذكورًا قادر أن يعيدك بعدما يميتك سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾. الآن الله أجاب إجابة عقلية مباشرة، واضحة، وبينة، ثم يأتي بعد ذلك التهديد والتعظيم؛ لماذا؟ لأن هذا القسم من الناس سبب استبعاده ليس عقليًا، إنما تكبر، جحود، حسد. ستعرف أيها الإنسان وستعلم عاقبة هذا الكلام: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنَحْضُرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68].

فوربك أقسم الله بربوبيته سبحانه وتعالى، ثم قال: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾، ليسوا فقط بل كذلك هؤلاء الشياطين الذين يضلونكم، والذين تعبدونهم من دون الله، والذين استجبت لوسوستهم؛ هؤلاء الشياطين سيحشرون معكم، لستم أنتم فقط بل كذلك معكم الشياطين، هؤلاء الشياطين الذين يدعونكم إلى إنكار البعث، الذين يدعونكم إلى معاداة أولياء الله سبحانه وتعالى، الذين يدعونكم إلى التكذيب بالقرآن الكريم وأنتم مسلمون لهم، سيحشرون معكم وسترونهم أمامكم وأنتم وهم كلكم حول جهنم جثيًا.

﴿ثُمَّ لَنَحْضُرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ أي قعود حول جهنم، ليس فقط تحشرون بل تحشرون وتعذبون، ولستم أنتم فقط بل كذلك معكم الشياطين. ثم ليس هذا فقط: ﴿لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]. لما يجتمع هؤلاء المكذبون بالله سبحانه وتعالى وبرسله من كل شيعة، من كل مجموعة من هؤلاء، من أشد هؤلاء ضلالًا؟ من الذي كان يقود هؤلاء إلى الكفر بالله؟ أبو جهل، فرعون، عاقر الناقة، هؤلاء الملأ الذين استكبروا؛ سيكون عذابهم أكثر من غيرهم، وستكون العقوبة لهم أعظم من غيرهم.

لماذا؟ لأن هؤلاء كانوا سببًا في إضلال الناس وإبعادهم، ومثل هذه الكلمات عادة ما يتجرأ أن يقولها الكفار العاديون، إنما يقولها من الكفار الذين يضلون الناس، من الذي يقود الناس؟ التاجر كقارون يقولها، والحاكم كفرعون يقولها. هذه الكلمات عادة ما يقولها قس من الناس؛ أبو جهل، أبي بن خلف، أمية بن خلف، الوليد بن المغيرة. انظر الآن في الآيات، من الذي قال هذه الكلمات؟ من الذي قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * ثُمَّ أُمِدُّهُ بِمَا عَلِمَ﴾؟ من الذي قال: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾؟ الوليد بن المغيرة، فهذا الله يقول عنه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. وكذلك لما يقول بعضهم هنا مثلًا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، من الذي قالها؟ العاص بن وائل السهمي. هؤلاء هم الذين يقولون مثل هذه الكلمات.

إذًا هنا الله سبحانه وتعالى يبين للكفار جميعًا بأنكم ستعذبون، لكن هؤلاء سيكون عذابهم أعظم وأشد وأكبر: ﴿لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. انظر الآن إلى تكرر اسم الرحمن مع العذاب ومع المخالفة، أي هؤلاء لم يحسنوا أن يتعاملوا مع الرحمن، هؤلاء فعلوا ذنوبًا ما تستحق هذه الرحمة، وحق الرحمن أن يقابل بالإحسان والعبادة ليس بالكفر، هؤلاء تعاملوا مع الرحمن الذي أنعم عليهم، والذي أعطاهم، والذي سدّهم، بمثل هذه المقالات.

﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صَلِيًّا﴾ [مريم: 71]. ثم نحن أعلم بالذين يستحقون أن يصلوا هذه النار أشد من غيرهم، الكل من الكفار سيصلى نار جهنم، ولكن من سيكون عذابه أكبر؟ الله يعلم. مَن الذي يسأل؟ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]؛ لماذا هؤلاء في الدرك الأسفل؟ أشد كفرًا. ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾، ﴿ادْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَذَلَّ الْعَذَابِ﴾؛ لماذا فرعون وآله؟ قومه وجنده وأتباعه وأنصاره أشد العذاب لأن هؤلاء كانوا أشد معاداة لموسى عليه السلام.

ثم ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صَلِيًّا﴾. ثم قال الله بآية مخيفة لطالما خاف منها الأولياء والأصفياء: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. هذه الآية بكى منها الصالحون كثيرًا، وخاف منها الصالحون. عبد الله بن رواحة في يوم من الأيام كان قد وضع رأسه في حجر زوجته فبكى، فبكت زوجته لما رأته يبكي، فقال: ما يبكيك؟

فقالت له: رأيتك تبكي فبكيت. فقال: بكيت من قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. الكل سيرد النار، ولكن صفة الورود كيف ستكون؟ هل المراد هنا بالورود الدخول؟

اختلف العلماء كثيرًا في تفسير هذه الآية؛ منهم من يقول بأن المراد بالورود الدخول، وجميع آي القرآن الكريم كما جاء عن ابن عباس عن نافع الأزرق، وبين له بأن الورود كله دخول. فهنا «وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا».

كيف يكون الورود هنا للمؤمنين؟ منهم من استثنى وقال: هذه الآية ليست لي إنما هي للكفار. ومنهم من يقول: لا، بل كذلك أهل الإيمان يدخلون النار ولكن تكون عليهم بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم عليه السلام نار الدنيا، قلنا: يا نار كوني بردًا وسلامًا.

ومنهم من يقول: لا، ليس المراد هنا بالورود الدخول، إنما المراد بالورود فيها المرور على الصراط. والمنصب هو فوق جهنم، ويكون أدق من الشعر وأحد من السيف، وتجري بالناس أعمالهم، ونور الإنسان بقدر ما عنده من إيمان، وسرعته بقدر ما عنده من عمل. تجري بهم أعمالهم؛ فالمؤمن عليها كالطرف، كالبرق، كالريح، وكجواد الخيل والركاب، فمنهم ناجٍ مسلم، ومنهم ناجٍ مخدوش، ومنهم مكدوس في نار جهنم والعياذ بالله.

القسم أن الله قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، يعني هذا أمر انتهى وفرغ منه، الكل سيرد النار. لكن أخبرنا الله الآن بالورود، ولكن هل الصدور؟ هل سيصبر العبد؟ هل سينجو أو لا ينجو؟ الله أعلم.

وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وأبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه، يذكر الله كثيرًا؛ حتى ينجو من هذه الآية، حتى لا يكون من الداخلين فيها، أي في داخلين في جهنم والعياذ بالله. وكذلك الحسن البصري، لما ذكر له نار رجلين، قالوا بأن الله أخبرنا بالورود ولكن لم يخبرنا بالصدور، فكان الحسن يقول: كيف لرجل يضحك ولا يعرف هل سيصدر أو لا؟ فالقسم من ذلك أن مثل هذه الآيات لابد أن تخيف الإنسان.

وبعض العلماء المتأخرين يتأول هذه الآية ويقول بأن المراد بها الكفار، ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ هذا خاص بالكفار، ويقول الورود هو الدخول، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًا. أي أهل الإيمان ينجون ولا يدخلون النار.

قسم ذلك هنا أن الله قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي بالأعمال الصالحة؛ عملوا لله الأعمال الصالحة واجتنبوا المعاصي والكبائر وابتعدوا عنها واتقوا هذه المعاصي. ﴿وَنَذَرُ الْظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ أي نترك الظالمين فيها، أي في جهنم، جثيًا أي قعودًا فيها.

﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [الكهف: 29]. هذه الآية تنزل في مكة، وهنا الكفار يقولون للذين آمنوا: أنتم تجلسون بدار الأرقم بن أبي الأرقم، وتختبئون وتخافون، ونحن في مكة في بيت الله المعظم نفرش الفرش ونجلس عليها، وكل واحد منا ناديه كبير، أي مدرسة كبيرة العدد، ونحن أفضل منكم بكذا وكذا، هل يعقل أن تكونوا أنتم أفضل منا؟

قال الله إذا تتلى عليهم هؤلاء الكفار آياتنا بينات: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. أي: نحن وأنتم؟ أنتم تجتمعون وأنتم خائفون، أما نحن فأصحاب مقامات عالية، أصحاب بيوت جميلة، ونادينا انظر إلى نادي أبي جهل كم واحد فيه، ونادي الوليد بن المغيرة، كم واحد يكون عندهم مجتمع حولهم. أما أنتم فيسمعكم الضعفاء؛ نحن معنا فلان وفلان، كلهم من العلية، كلهم من القادة، كلهم من الأموال، أمراء العشائر وأمراء القبائل، أما أنتم فمعكم خباب وعمار والضعفاء. هل يعقل أن نقول هؤلاء الضعفاء أفضل من هؤلاء الأغنياء الشرفاء المعظمين؟

فقال الله سبحانه وتعالى لهؤلاء: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [الكهف: 55]. هنا الله يقول لهؤلاء: كم أهلكنا قبلهم من قرن، من جيل من الناس، هم أحسن منكم أثاثًا، أنتم يا أهل مكة ألم تعرفوا أو تتذكروا قوم عاد، هم عندكم في جزيرة العرب، ألم يكونوا أقوى منكم وأعظم منكم؟ وكذلك تعرفون قصة هود وقصة صالح وثمود، ثمود كانوا أقوى منكم، هل نسيتم هؤلاء؟

﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ أي هم أحسن متاعًا ومنظرًا. هؤلاء الذين هم مع النبي عليه الصلاة والسلام وجوههم شاحبة بسبب شظف العيش، وبسبب شدة البلاء، ولقلة المادة، أما هؤلاء الكفار فالواحد منهم منعم، يعيش في هذه الحياة صاحب مال كثير وصاحب متاع، وانعكس هذا على صورته. فالله هنا يبين ويقول بأن الذين كانوا من قبلكم كانوا أكثر منكم متاعًا، وكذلك أحسن منكم بدنا وصحة ونضارة بسبب عدم احتياجهم إلى العمل والكدح.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا مُحَمَّدُ﴾ لهؤلاء لأنهم مجرمون ولا يريدون الكلام الحق: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75]. من منا في ضلالة؟ فليمدد له الرحمن في هذه الضلالة مدًا. ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ أي هؤلاء الكفار، إما العذاب وإما الساعة يوم القيامة، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم: 75].

هؤلاء الكفار كل الآن ادعاءاتهم ومعاييرهم معايير ترفيهية، ليست حقيقية، منطلقها ليس العقل، إنما هو الترف؛ ما عندهم شيء فجالسين يقولون: أنتم كذا ونحن كذا، إذاً أكيد نحن أفضل منكم. كما ذكر الله قصة صاحب الجنتين مع صاحبه؛ هذا هو المنطلق المتكرر عبر التاريخ، أن شخصًا يكون عنده مال والثاني ما عنده، شخص عنده متاع والثاني ما عنده، شخص عنده بيت وشخص عنده عشيرة، فيكون معياره كله بالدنيا وليس بالآخرة، المعيار ليس أخرويًا، هي ليست معايير قرآنية بل معايير مستحدثة.

الآن عندنا معايير شهادات؛ أنا عندي كذا وكذا، من معقول تكون أنت تعرف أكثر مني؟ هذا المعيار الذي أنت فيه، صورتها تختلف لكن حقيقتها لا تختلف، حقيقة المعيار دنيوي وليس معيارًا قرآنيًا، يتغير من جيل إلى جيل، حتى البعض كان يجعل معياره كثرة السفرات؛ تصور يجعل معياره أنا سافرت إلى كذا وكذا من البلدان.

«أنا أفضل منك»، أفضل منك بماذا؟ «أنا سافرت أكثر منك». وأنتم ترون هذا الشيء، وأنتم ترون هذه المعايير كلها ليست معايير إيمانية، ليست معايير قرآنية، هذه كلها معايير نفسية، معايير متعلقة بواقع الإنسان الذي يعيش فيه.

وكل زمان لابد أن يوجد فيه نوعان من المعايير: معيار قرآني متعلق بالإيمان والتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، ومعيار دنيوي تختلف صورته على حسب الواقع الذي يعيش الناس فيه، لكنه ليس معيارًا دينيًا، إنما هو معيار دنيوي. وهؤلاء يعرفون بأن معاييرهم ليست معايير حقيقية، إنما معايير نفسية فقط: أنا أكثر منك كذا، أنا أعظم منك كذا، أنا عندي قوة، أنا عندي كذا وكذا، لكن الثانية عند الله سبحانه وتعالى.

ذكر هنا الله يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم: 84]. أنتم الآن أيها الكفار ترون بأن عندك أنت قبيلتك كذا، وأنك مجموعتك كذا وكذا، وهؤلاء ضعفاء، لكن لما يأتي العذاب، وجاء متى؟ يوم بدر. هذا أمية بن خلف، ماذا فعل به بلال؟ هذا الذي تستحقره وتنظر بأنه أقل منك، لما جاءك العذاب يوم نبطش البطشة الكبرى: ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22]، ما الذي فعل بك بلال؟

هذا قبل يوم القيامة، وقسم لا يعلم هؤلاء ساعة يوم القيامة، لما تقوم القيامة وينظر هؤلاء إلى منزلة بلال، إلى منزلة عمار، إلى منزلة خباب، إلى منزلة هؤلاء العلية من الناس، هؤلاء الصف، هؤلاء الأخيار، سيعرفون من هو شر مكانًا وأضعف جندًا. ثم قال الله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]، ثم قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾ [الكهف: 46].

هنا أبو الدرداء كان يذكر الله كثيرًا. المشهور عند العلماء بأن الباقيات الصالحات هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذا هو الذي يبقى، هذا هو الذي يبقى عند الإنسان، وهذا الذكر يذكر بالعبد عند ربه سبحانه وتعالى. فالذكر يطوف حول العرش، ويذكر بالعبد عند الله سبحانه وتعالى، والملائكة تعرف أهل الذكر، والملائكة تحضر عند ذكر الله سبحانه وتعالى. إن لله ملائكة سياحين، إن لله ملائكة طوافين يلتمسون مجالس الذكر، فالملائكة تعرف الذاكر لله، وهذا العبد لما يذكر ويذكر ويذكر تكون الملائكة دائمًا معه.

فالملائكة تدفع للذكر، فيكون الذكر عنده جزءًا من يومه. والشيطان حريص أن يفك الذكر لأن الذكر يقمع الشيطان، والشيطان ضعيف مع الذاكر، قوي مع غير الذاكر؛ لأنه ضعيف مع الذاكر.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى * وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ أي الذكر والعبادة عمومًا ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾ أي خير جزاء، وكذلك خير عاقبة. فعاقبة الباقيات الصالحات ذكر الله سبحانه وتعالى، والإحسان إلى الناس، وحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى، خير عند ربك سبحانه وتعالى ثوابًا وخير مردًا.

ثم انتقل بعد ذلك الحديث إلى رجل آخر كفر بآيات الله سبحانه وتعالى وادعى ما ليس له، نعلق عليها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.