الحمد لله، الصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فأحيّاكم الله إخواني جميعًا وحياكم وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.
نكمل مدارسة هذه السورة الجليلة سورة مريم، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة يحيى وزكريا وقصة عيسى ومريم، عرج بعد ذلك وذكر الله سبحانه وتعالى من أتى بعد ذلك.
قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. أي خلف من بعد هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة خلف أضاعوا الصلاة. هذه الصلاة التي أمر الله سبحانه وتعالى أنبياءه بها، وبين حرص أنبياءه العظيم على أداء هذه العبادة العظيمة، هذه الفريضة الجليلة التي بها اتصال العبد بربه. فالصلاة صلة بين العبد وربه.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي لم يعطوا هذه العبادة حقها، بل تخلفوا وتنكبوا عن هذه العبادة، فأصبح الإنسان هو المركز بالنسبة لهم. والصلاة تمثل علاقة الإنسان، وتبين مركزية المعاني الموجودة في قلب الإنسان. كل إنسان عنده معنى يدور حوله في حياته، ما هو هذا المعنى؟ ما هو هذا الشيء؟ من هو الشخص الذي تدور حوله في هذه الحياة وتريد أن ترضيه وتسعد وتأنس لما تتحدث معه؟ العبد المؤمن الصالح لا تقر عينه إلا بالصلاة، كما قال ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». فالصلاة هي المعيار، الصلاة هي الميزان، الصلاة هي الكاشفة.
لذلك كون الله سبحانه وتعالى ذكر أنهم أضاعوا الصلاة، فإذا أضاعوا الصلاة فمن باب أولى أضاعوا جميع العبادات وبقية الشعائر؛ فالصلاة هي عمود الدين، والصلاة هي ركن الإسلام الأعظم بعد التوحيد.
جاء بعد هؤلاء المعظمين، هؤلاء المختارين من أنبياء الله سبحانه وتعالى، قوم أضاعوا الصلاة، فلما أضاعوا الصلاة اتبعوا الشهوات. ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾؛ علاقة الصلاة مع الشهوة علاقة عكسية، إذا عظمت الصلاة ضعفت الشهوات، وإذا قويت الشهوات ضعفت الصلاة. فإذا أردت أن تقضي على الشهوات وتمنعها لابد أن تقيم الصلاة. لذلك كثير من الناس اليوم يشكو إدمان كذا وكذا، ويشكو انفلات قلبه، ويشكو المشاكل الكبيرة التي تقع عليه، ثم يأتي بعد ذلك كثير ممن يجيب ويقول افعل كذا لا تفعل كذا، وجميع هذه العلاجات تبوء بالفشل؛ وسبب ذلك أن أصل العلاج غير موجود، فإذا لم يكن أصل العلاج موجودًا طبيعيًا جدًا أن المتممات ما تنفع الإنسان كثيرًا. فإذا كان أساس البيت غير موجود ما ينفع الباب ولا النافذة، هذه كلها ما تنفع لأن نفس الأساس غير موجود.
إذا أردت أن تقضي على الشهوات حافظ على الصلوات، جاهد نفسك؛ إذا كانت الصلاة عظيمة عندك لا يمكن أن تكون الشهوة عظيمة عندك. متى تقوى الشهوة وتعظم وتسيطر على الإنسان؟ لما يكون هذا الإنسان ضعيفًا بالصلاة. يقول النبي ﷺ: «الصلاة نور». وهذا النور لما يتعامل الإنسان معه تعامل العبد المؤمن، أي يحافظ على الصلاة ويحرص على إقامتها، ويفزع قلبه لما يسمع صوت المؤذن، كما كان النبي ﷺ إذا سمع النداء وثب. تقول أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها: الشخص لما يكون بهذه الطريقة لا يمكن أن تتمكن الشهوة منه، حتى لو وجدت الشهوة الطبيعية الموجودة عند الإنسان ما تتمكن من القلب؛ لماذا؟ لأن الصلاة موجودة، الصلاة عظيمة.
فإذا أردت أن تقضي على هذه الشهوات، أي نوع من أنواع الشهوات، أقول لك أول شيء قبل أي علاج تسمعه: حافظ على الصلوات، اجعل علاقتك مع الله قوية. والله سبحانه وتعالى يحب العبد الذي يتعامل مع هذه الصلاة تعامل العبد؛ لأن الله ينصب وجهه قبل وجه عبده إذا صلى. وكذلك يقول النبي ﷺ: «قسمت الصلاة فيما بيني وبين ربي عز وجل، قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. حتى يقول: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل».
فالصلاة عظيمة عظيمة جدًا عند الله سبحانه وتعالى، لذلك أنبياء الله سبحانه وتعالى كانوا يسألون الله سبحانه وتعالى المحافظة على الصلوات: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40]. وكان يقول سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وهو ذكر الناس كثيرًا بالصلاة، كان يقول قبل أن يموت بخمس ليالٍ: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم». وكان عمر الفاروق بعد ما طعن قال: أصلى الناس؟ أصلى الناس؟. وكان ينصح ويقول: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة». انظر، هؤلاء بلغوا الذروة في العبادة وعرفوا قيمة الصلاة.
وكان النبي ﷺ مرة من المرات ذهب ليقضي حاجته كما في غزوة تبوك كما جاء في الصحيح، فلما جاء ووجد الناس يصلون، جاء بلال وذهب إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال: أأقيم فتصلي؟ فقام بلال وأذن وأقام ثم صلى عبد الرحمن بن عوف، وتأخر النبي ﷺ وجاء في الركعة الثانية عليه الصلاة والسلام، فلما سلم الصحابة قام النبي ﷺ يقضي هذه الركعة وهو معذور عليه الصلاة والسلام، فلما سلم قال: «أحسنتم» أو قال: «أصبتم»، يغبطهم أن صلوا الصلاة في وقتها، وهم الآن في جهاد ومقابل الرومان ومع ذلك الصلاة موجودة.
الصلاة عبادة عظيمة جدًا وكبيرة، ولا يمكن أن تنصلح حال الإنسان إذا لم ينصلح حاله مع الصلاة. الصلاة تحمي الإنسان في الدنيا، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. أما إذا كان الشخص لا يصلي أو صلاته ضعيفة أو لا يقيم الصلاة ولا يحرص عليها، هنا طبيعي أن المنكر يتمكن منه والفحشاء تتمكن منه، والشهوة تتمكن منه.
لكن لما تكون الصلاة عظيمة، لذلك نقول لكل من يعاني من شدة الشهوة، لكل من يعاني من بلاء في تعلق نفسه مثلاً أو بشهوة، أنا أقول: قم صلِّ، صلِّ مئة ركعة، صلِّ خمسين ركعة، هكذا أطل الصلاة وجاهد نفسك في صلاتك، ستلاحظ بأن هذا الأمر بدأ يضعف عندك. قلبك هكذا منصرف لغير الله؟ أقول: قم صلِّ؛ لأن الصلاة عظيمة جدًا جدًا عند الله سبحانه وتعالى، فالصلاة ستحملك وستصلح حالك شئت أم أبيت، بشرط أنك تعطيها حقها وأنك تجاهد نفسك على إقامتها.
والقصد هنا الله يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾؛ سوء الصلاة، تركوا الصلاة أو فرطوا بأداء أركان الصلاة، أي لم يحافظوا على الصلاة، تركوا المساجد، انشغلوا بغير الصلاة عن الصلاة، لم تصبح الصلاة عظيمة عندهم، لم يصبح اليوم مرتبًا على الصلاة، بل أصبحت الصلاة تابعة، هذا إذا وجدت.
منهم من يقول هنا ترك الصلاة بالكلية، ومنهم من يقول بأنهم أخلوا بركن من أركان الصلاة أو شرط من شروط الصلاة، فأصبحت الصلاة ليست كبيرة بالنسبة لهم؛ عادي شخص يفرط بصلاة الجماعة، عادي يفرط بالمسجد، عادي يصلي يدخل بالركعة الثانية كأنه ما فعل شيء. لكن العبد الصالح ما يفعل هذا ولا يستطيع أصلاً، لأن هذا لقاء مع الله سبحانه وتعالى.
فخلف من بعدهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وإضاعة الصلاة تفتح باب الشهوات، فلا بد ألا يستطيع الإنسان أن يتحكم بشهوته إذا فرط بصلاته؛ لأن الصلاة تجعل القلب موجهًا إلى الله، فيكون التعلق قويًا بالله سبحانه وتعالى، هنا النفس ما تتعلق بشيء من الدنيا لأنها الآن تعلقت بالله سبحانه وتعالى. لكن إذا ضعف التعلق بالله سبحانه وتعالى، هنا تبدأ النفس تتعلق وتبدأ الشهوة تتمكن، فما يستطيع الإنسان أن يقاوم الشهوة إذا لم يكن صاحب صلاة مهما حاول.
والإنسان ما يستطيع على نفسه ولو كان أقوى البشر، ما يستطيع يقاوم نفسه مدة معينة ثم لا بد أن تغلب النفس، لكن لما النفس لا تميل إلى الشهوة الميول القوي جداً، إنما الميول الطبيعي الموجود عند البشر لكن القلب مملوء بالصلاة وعامر بالصلاة، هنا النفس ما تملك الإنسان ولا تتحكم به ولا تستطيع عليه.
قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]؛ أي هؤلاء الذين فرطوا بالصلوات وضيعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً، أي خسارة. والغي وادي في جهنم، أولاء أي هؤلاء سيواجهون عقوبة ونتيجة تركهم للصلوات واتباعهم للشهوات. يقول النبي ﷺ: «حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره». هؤلاء اتبعوا وساروا خلف شهواتهم فاقتحموا هذا الحاجز، هذا الحاجز عن جهنم، فوقعوا في جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.
﴿فَسَوْفَ يُلْقَوْنَ غَيًّا﴾ سيواجهون هذا الغي، هذه الخسارة، ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: 60]. هنا الله يفتح باب التوبة لهذا القسم من الناس الذي أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي وأكثر فيها، إذا رجع إلى الله سبحانه وتعالى وتاب إلى الله سبحانه وتعالى وندم وعزم على عدم العودة، وبدل الشهوات بالحسنات، بدل السيئات بالحسنات. ﴿فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: 60]؛ فالذي يتوب ويتبع هذا النبي الكريم وينقاد لشرعه ويقيم الصلوات ويغلق باب الشهوات ولا يسمح للشهوات أن تتحكم فيه، هذا الإنسان ستكون نتيجة عمله الجنة بإذن الله.
الصلاة أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فإذا صلحت فقد صلح سائر عمله، وإذا فسدت فقد فسد سائر عمله. ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾، ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي جنات إقامة، لا يتحولون ولا يزولون عنها إلى غيرها. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۖ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: 61]. جنات عدن التي وعد من؟ الرحمن سبحانه وتعالى، وهنا أتى باسم الله الرحمن الذي يدل على سعة هذه الرحمة.
والجنة لا يدخلها العبد بعمله إنما برحمة الله سبحانه وتعالى؛ اعلموا أنه لا يدخل أحدكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». هنا الرحمن سبحانه وتعالى صاحب الرحمة الواسعة جداً وعد عباده، وهنا من العباد؟ هنا إضافة تشريف؛ العباد الذين أخلصوا له في الطاعة، العباد الذين تذللوا له، العباد الذين أحبوه، العباد الذين حافظوا على الصلوات، العباد الذين اجتنبوا المنكرات والمعاصي.
﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ هؤلاء العباد بلغ إيمانهم إلى درجة أنهم يؤمنون بالغيب، أي شيء لم يروه، بمجرد أن سمعوا به وصدقوا بهذا الكتاب العظيم وهذا النبي الكريم آمنوا بالجنة، هم لم يروا الجنة ولكنهم آمنوا بها بالغيب. والناس يتفاوتون في منازلهم عند الله سبحانه وتعالى بقدر التسليم؛ إن كان قالها فقد صدق، بقدر التسليم فيما قاله الله سبحانه وتعالى في كتابه.
كان النبي ﷺ يحكي لأصحابه مرة ويقول بأنه في آخر الزمان سيوجد بقرة تتكلم وذئب يتكلم، فيقول الناس سبحان الله تعجباً: كيف بقرة تتكلم؟ كيف ذئب يتكلم؟ فقال النبي ﷺ: «إني أؤمن به هذا أنا وأبو بكر وعمر»، وما هما ثم، أي بلغ إيمان الصديق والفاروق الإيمان الجازم، لا يوجد عندهم أي تردد ولا أي شك في هذا، وبهذا يتفاوت الناس في منازلهم عند الله سبحانه وتعالى.
لذلك الله هنا يثني على هؤلاء العباد الذين وعد الرحمن عباده بالغيب، ثم الله يؤكد ذلك ويقول إنه كان وعده مأتيا، أي لا بد أن يأتي وسيقع وسترونه جميعاً. ثم قال الله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62]. أي هؤلاء أهل الجنة لا يسمعون في الجنة لغواً، أي كلاماً لا ينفع، لا يسمعون كلام الباطل أو الكلام الذي لا توجد منه فائدة، ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾، هنا إلا استثناء منقطع، أي ولكن سلاماً.
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾؛ أي هؤلاء يرزقون في وقت البكور وكذلك بالعشي، وجنة لا ليل فيها إنما هي نهار، ولكن هي سُجى، أي في أي وقت الجنة مثل الوقت الذي يكون قبل طلوع الشمس، ما بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، هذا الوقت، النور في الجنة بمثل هذه الصورة، لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرًا.
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63]؛ أي سيرث هذه المقامات في الجنة من كان تقياً من العباد. التقي هو الذي يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى ويجتنب معصية الله سبحانه وتعالى. سأل عمر الفاروق مرة الصحابي الجليل أُبي بن كعب رضي الله عنه أجمعين فقال: ما التقوى يا أُبي؟ قال: «يا أمير المؤمنين، أما سرت في طريق فيه شوك؟» قال: بلى، قال: «ماذا صنعت؟» قال: «شمرت»، قال: «هذه التقوى». أي تسير في طريقك، هذه معصية تجتنبها، وهذه معصية تجتنبها وهكذا، في الحياة تمشي ما تفعل كما يفعل الناس، إنما تقول إذا تسأل هذه معصية إذا ما فعلها لأن هذه معصية لا يجوز أن يفعلها. وفي ذلك يقول الشاعر: خل الذنوب صغيرها وكبيرها *** ذاك التقى واصنع كما تشاء فوق أرض الشوك يحذر ما يرى *** لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾. ثم انتقل الآن الحديث إلى النبي ﷺ: ﴿وَمَا تَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 69]؛ أبطأ جبريل عن النبي ﷺ وكان النبي ﷺ يشتاق إلى نزول جبريل لسماع كلام الله سبحانه وتعالى.
فتأخر مرة جبريل فسأله النبي عليه الصلاة والسلام، وطلب منه أن يزوره ولا يتأخر عنه ولا يبطئ. فقال الله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 52]. هنا جبريل يبين للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه تعليم للنبي عليه الصلاة والسلام ولجميع المؤمنين.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ هنا تعظيم لربوبية الرب سبحانه وتعالى؛ نحن ما نفعل من قبل أنفسنا، وجبريل ما يتحرك إلا بأمر من الله سبحانه وتعالى. إذن ينبغي لك كذلك يا محمد ألا تفعل إلا ما يريده الله سبحانه وتعالى منك فقط. لذلك الله سبحانه وتعالى يعامل أولياءه معاملة تختلف عن البقية في مثل هذه الأشياء، يحاسب أولياءه على الأمور الدقيقة جداً التي قد لا يحاسب عليها أكثر الناس.
فمثلاً لما ينسى سليمان عليه السلام أن يقول إن شاء الله، هنا الله سبحانه وتعالى ما يقدر له الذي يريد. ولما يخرج يونس عليه السلام، هنا الله سبحانه وتعالى يأمر الحوت. وهكذا؛ لماذا؟ لأن هؤلاء بلغوا درجة عالية في علمهم بالله سبحانه وتعالى، فالله يحب منهم أن تكون عبادتهم بهذه الطريقة، مثل عبادة الملائكة؛ ما يختارون أي شيء.
والشخص كلما اقترب من هذه المرتبة فهم هذا الكلام، فهو ما يتخذ أي قرار إلا لما يستخير الله سبحانه وتعالى: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، إن كنت تعلم أن هذا الأمر فيه خير لي في ديني ودنياي، عاجل أمري وآجله، فاقضه لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي، عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واكتب لي الخير حيث كان ثم رضني به». هكذا يتعامل معنا في كل شيء، ما يتخذ قراراً من قبل نفسه؛ لأنه يستحضر ربوبية الله سبحانه وتعالى، وشمول أوامر الله سبحانه وتعالى، وحكم الله سبحانه وتعالى وسلطانه.
فيكون جبريل علم النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك علم الصحابة، أننا ما نفعل شيئاً إلا لما يأتي الأمر من السيد سبحانه وتعالى، من الملك سبحانه وتعالى. ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي له الدنيا وله الآخرة وما بين ذلك، أي ما بين الدنيا والآخرة. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أي الله سبحانه وتعالى ينزل الآيات بحكمة وتقدير، ليس عن نسيان، ولما يسكت عن بعض الأشياء ليس عن نسيان سبحانه وتعالى، إنما لحكمة وتقدير، وهذا كله يرجع إلى حكمة الرب سبحانه وتعالى.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]. هنا الله سبحانه وتعالى يبين شمول هذه الربوبية وعظمة هذا السلطان. رب السماوات والأرض هو السيد سبحانه وتعالى والمالك والمدبر لكل من في السماوات، وكذلك هو السيد والمالك والمدبر لكل من في الأرض، وكذلك ما بينهما من الطيور وغيرها من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ أي اعبد هذا الملك، اعبد هذا السيد الذي لا يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى، فاعبده كما يريد وكما يأمر وليس كما يريد الإنسان. ثم قال: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أي احمل نفسك على الصبر والمصابرة لعبادته، أي نفذ أوامره وإن كانت أحياناً قد يكون بها شيء من المخالفة للنفس والهوى، لابد أن تحمل نفسك على التطبيق، واصبر لحكم ربك. ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ﴾، واصطبر هنا أي صبر زائد على الصبر، احبس نفسك على تحقيق العبادة؛ قم لصلاة الفجر، وقم الليل، وافعل كذا وكذا مما يخالف هو النفس؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، ولا يمكن لشخص أن يدخل الجنة إلا لما يهتك هذا الحجاب، هذا الحاجز، الحاجز المكروه، والمقصود هنا بالمكروه المكروه للنفس. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، هذه كره لكم، لابد أن يفعل هذا الأمر وأن يقتحم هذا الحاجز، فاقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة؟ لابد أن تقتحم هذه العقبة، فاعبده واصطبر لعبادته.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾؟ هل تعلم له شبيهاً ونظيراً؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. هذه الآيات بها تقرير لربوبية الله سبحانه وتعالى، وهذا المعنى الذي كان ينطبع في ذهن من كان يقرأ القرآن وهو ينزل عليهم في مكة، ففي مكة كانت تنزل هذه الآيات والصحابة يتلقونها بعد ما سمعوا قصص الأنبياء ورأوا إلى هذه الآيات العظيمة المبهرة.
ثم بعد ذلك الله يحذر من مخالفة الأنبياء والمرسلين، ثم بعد ذلك يفتح باب التوبة، ثم يفتح الله سبحانه وتعالى ويذكر بالجنة حتى تجري النفس لتحقيق هذه المنزلة العالية، للفوز بجنة الله سبحانه وتعالى، بسلعة الله سبحانه وتعالى. هنا أخذت الجنة تستقر في قلب العبد المؤمن وتعظم عنده، وكذلك ربوبية الله سبحانه وتعالى تتمكن في كونه، فإيمان العبد بربوبية الله سبحانه وتعالى وملكه وسلطانه يكون عظيماً جداً عند الله، ويكون الله في قلبه مكانة عظيمة جداً، ما يكون الإيمان صورياً أو إيماناً عاماً أو إيماناً ضعيفاً، إنما تكون المنزلة عالية جداً عند هذا العبد، حتى يصل إلى أن يكون الله سبحانه وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام أحب إليه مما سواهما.
هنا الآن يذوق لذة الإيمان، ويذوق طعم الإيمان؛ «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً». إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه الآيات، والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري