الحمد لله، الصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وأبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نكمل تفسير سورة مريم، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام مع والده، وكيف أنه أقام الحجة عليه بألطف أسلوب، ذكر الله سبحانه وتعالى هجرة إبراهيم عليه السلام، حيث دعا ربه سبحانه وتعالى بأن يمنّ عليه بالذرية الصالحة وألا يبقى وحيدًا.
فمنّ الله سبحانه وتعالى عليه بأن ينشئ ذرية مباركة، وأن يصطفى هذا البيت، بيت إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَوَهَبْنَا لَهُ﴾، منّ الله سبحانه وتعالى عليه وأعطاه إسحاق، وليس فقط إسحاق، بل كذلك يعقوب. ومن وراء إسحاق يعقوب، فإسحاق ويعقوب نافلة، أي زيادة على ما أراد إبراهيم عليه السلام؛ فالله أعطاه إسماعيل وأعطاه إسحاق وكذلك يعقوب، قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
إبراهيم وإسحاق ويعقوب كلهم أنبياء، وهذه لأول مرة تقع أن تكون هناك سلسلة أنبياء. قبل إبراهيم عليه السلام هذا الأمر ما كان موجودًا؛ قبل إبراهيم عليه السلام كان آدم نبيًا، وإدريس نبيًا، ونوحًا نبيًا، ولكن أن يكون نبي ابن نبي ابن نبي ثم بعد ذلك يوسف، هذه كرامة عظيمة لنبي الله إبراهيم عليه السلام. فأصبح هو أبو الأنبياء، لأن الله منّ عليه بأن تكون النبوة من ذريته، فكان إبراهيم عليه السلام لوحده، فالله منّ عليه بأن يكون جميع الأنبياء من ذرية إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ﴾، هنا ربط ما بين اعتزلهم ووهبنا له. كل إنسان منا يريد ابنًا صالحًا، يريد أن يكون ابنًا تقرّ به عينه في الدنيا وكذلك في الآخرة، وأن يكون هذا الابن سببًا في رفعة الدرجات يوم القيامة. هذا الابن لن يأتي من غير بذل، من غير عطاء، من غير تضحية؛ فإذا لم تتصدق، ولم تصلّ، ولم تثبت، ولم تضحِّ لله سبحانه وتعالى، فلن يُعطى هذا الابن.
قد يكون الصلاح على حسب ذلك وعلى حسب ما تقوم به؛ فإذا قمت بأعمال عظيمة لله سبحانه وتعالى، ودعوت الله، واستعنت بالله، هنا الله يمنّ عليك بهذه الذرية الصالحة. هذه الذرية الصالحة عطاء إلهي. والتربية يا شباب مثل ما ذكرت لكم ليست عبارة عن أن يأتي شخص بابنه ويبدأ يلقنه فحسب، هذا مهم، ولكن الأعظم منه أن الله سبحانه وتعالى يختار ابنك، وأن يمنّ عليك بهذا الابن الذي يكون صالحًا، وأن يكون هذا المكان، هذا المعدن، أو هذا المحل، الذي يصلح أن يكون هذا الابن صالحًا، وأن تكون هذه التربية تأخذ حظها ونصيبها من قلب هذا الابن.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. وهبنا لهم من رحمتنا؛ أعطيناهم العلم، ومنّنا عليهم بالعمل، وأعطيناهم كذلك الذرية. فأصبح لإسحاق عليه السلام ابن يقال له العيص، والعيص له ابن، وهذا الابن له ثلاثون ابنًا الذين هم الروم، وكذلك هنا يعقوب عليه السلام منّ الله عليه باثني عشر ابنًا، ثم من هؤلاء جاء أنبياء بني إسرائيل، وهو إسرائيل يعقوب عليه السلام، والمراد بإسرائيل أي عبد الله.
قال تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾، إبراهيم وإسحاق ويعقوب لهم ذكر حسن عند الناس، ولا يوجد من يعادي هؤلاء الأنبياء الثلاثة؛ فجميع الناس يحبون إبراهيم عليه السلام، وكل الديانات تعظم إبراهيم عليه السلام وتعظم إسحاق عليه السلام وتعظم كذلك يعقوب عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. ألم تنظر في حياة إبراهيم عليه السلام؟ في الزمان الذي عاش فيه لم يكن له صيت كبير في قومه، لكن لما نعيش الآن في حياة إبراهيم عليه السلام، كان هناك ملوك، مثل ملك مصر الذي أراد أن يأخذ سارة، وغيره من الملوك، والملك الذي حاجّ إبراهيم عليه السلام؛ هؤلاء كان لهم ظهور في زمانهم. إبراهيم عليه السلام لم يكن له الذكر الكبير جدًا في قومه، سمعنا «فتى يذكرهم» يقال له إبراهيم، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكرم هذا النبي حتى يكون له الذكر العام في العالم.
فإبراهيم عليه السلام الآن الكل يعرفه، وسيستمر ذكر إبراهيم عليه السلام حتى يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها. والله أمر إبراهيم بأن يؤذن، وأذن في الناس بالحج: «يأتوك رجالاً». هو الآن أذن الله سبحانه وتعالى وبلغ هذه الكلمات الناس، والناس إلى الآن يحجون بيت الله سبحانه وتعالى استجابة لدعوة ودعاء إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. هنا موسى له تمييز. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي واذكر يا محمد في الكتاب، أي في القرآن، ﴿مُوسَىٰ * إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا * وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. هنا إبراز لموسى عليه السلام لكونه من المعظمين من الرسل. ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾، كذلك إسحاق ويعقوب: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. هنا الله أراد أن يبين منزلة موسى عليه السلام، وأن موسى هو أشرف أنبياء بني إسرائيل، وموسى من ذرية يعقوب، وهو أفضل من جميع ذرية يعقوب، فأفضل الأنبياء الذين هم من ذرية يعقوب عليه السلام هو موسى عليه السلام. وذكر قبله عيسى عليه السلام، فموسى وعيسى يليان مباشرة مرتبة إبراهيم الخليل.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ أي واذكر يا محمد في الكتاب ﴿مُوسَىٰ * إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾، مخلصًا أي أن الله سبحانه وتعالى أخلصه له، الله اصطفاه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي * إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾. الله سبحانه وتعالى اصطفى موسى عليه السلام وأخلص موسى عليه السلام له. وفي القراءات الأخرى المتواترة: «إنه كان مخلصًا»، أي موسى كان يعمل فقط من أجل الله سبحانه وتعالى، فلم يكن موسى يرجو من عمله أي أجر من الناس. بل كذلك لما خرج من قومه إلى مدين وسقى للمرأتين، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. هنا الله يقول إنه كان مخلصًا، أي هذا عبد مختار. هذا العبد من ذرية آدم، وذرية إبراهيم، وذرية يعقوب، اختارهم الله سبحانه وتعالى حتى يكونوا محلًا للنبوة. أنت يا محمد مختار كمختار هؤلاء، وكذلك أتباع الأنبياء، إن أردتم أن يختاركم الله.
سبحانه وتعالى، فافعلوا كما فعل موسى عليه السلام. هو لم يخلص الله إلا لأنه يستحق أن يخلص لله، هو كذلك كان مخلصًا لله سبحانه وتعالى، وكان كذلك رسولًا نبيًا؛ ليس فقط نبيًا، بل كذلك رسولًا.
فيه بيان منزلة موسى عليه السلام وأنه أعلى من مرتبة إسحاق ويعقوب عليهما السلام، إن الله قال عنهم بأنهم أنبياء، أما موسى فهنا الله ذكر بأنه كان رسولًا وكذلك نبيًا، ثم قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52]. بيان كذلك منزلة موسى عليه السلام بأن الله سبحانه ناداه وخص بهذه المزية بأنه كليم الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، أي له مكانة عظيمة عالية عندنا، وقربناه حتى استمع لكلامنا. كيف سمع هذا الكلام؟ الله أعلم. هذه منزلة خاصة وخالصة لموسى عليه السلام.
ثم قال الله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53]. دعا موسى عليه السلام لما اختاره الله سبحانه وتعالى بأن يدعو فرعون وأن يقيم الحجة على فرعون، فدعا ربه سبحانه وتعالى بأن يشرك هارون عليه السلام معه، فاستجاب الله سبحانه وتعالى لدعوة نبيه وكليمه موسى عليه السلام.
قال الله: ﴿وَهَبْنَا لَهُ﴾، عطايا إلهية وكرامات ربانية لهذا القسم المصطفى من الناس، ﴿مِن رَّحْمَتِنَا﴾. في هذه السورة نجد الرحمة واسم الله الرحمن مع الهبة، منة الله سبحانه وتعالى على أوليائه ظاهرة وجلية. والله يريد أن يربي أوليائه بأن يعلموا بأن هذا كله محض فضل له.
فإذا أردت الخير اطلبه من الله سبحانه وتعالى، أردت أن تكون من العلماء اطلب هذا العلم من الله سبحانه وتعالى وقل: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، أردت أن تكون من الأخيار اطلب هذا من الله سبحانه وتعالى حتى يمن الله عليك ويهبك، وسيعطيك فوق الذي تريد. قال: ﴿وَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
ثم انتقل الآن الحديث إلى الفرع الثاني من ذرية إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾. الآن الحديث عن العرب، أنتم يا ذرية إسماعيل عليه السلام، أهل مكة ومن يعيش في جزيرة العرب كلهم يعرفون إسماعيل عليه السلام وهم من ذرية إسماعيل عليه السلام؛ ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا.
قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾. مزية إسماعيل عليه السلام أن كل الأنبياء كانوا صادقين في الوعد ولكن هنا أبرزت هذه الصفة في إسماعيل عليه السلام، وهذا يدل على مزيد اختصاص. إسماعيل عليه السلام ابتلي ببلاء وثبت فيه وصدق بوعده فيه، فاستحق أن يكون صادق الوعد.
وعامة العلماء يقولون بأن صادق الوعد هنا في قوله لأبيه: «يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين»، فلما أسلما صدق ولم يخالف ما قاله. ومنهم من يقول بأن شخصًا واعده إسماعيل عليه السلام، وبقي إسماعيل وانتظر ثلاثة أيام، وقيل انتظر أكثر من ذلك، المقصود بذلك أن إسماعيل عليه السلام كان صادق الوعد.
هنا الله سبحانه يريد أن يبرز هذا المعنى، الصدق بالوعد اتصف به إسماعيل عليه السلام، ومن ضمن صفات إسماعيل عليه السلام التي ميزته عن غيره، وهذه الصفة التي يحبها الله سبحانه وتعالى في إسماعيل عليه السلام، بأنه كان صادق الوعد. الخلف بالوعد صفة المنافقين، والصدق بالوعد على مراتب ودرجات.
بعض الناس يقول كلمة، حتى لو ما كتبها، يفعلها. شخص الآن يريد أن يبيع شيئًا وأعطاك وعدًا بأنه سيفعل كذا، ثم جاء شخص آخر يريد أن يبيع سيارة بقيمة خمسة آلاف مثلاً، وقال: خلاص أنا سأبيعك، وأعطاك الوعد أنه سيفعل كذا، ثم جاء آخر وقال: أشتريها منك بعشرة آلاف، هنا الناس ينقسمون لأقسام؛ قسم يأتيك ويقول: ما رأيك أن تحللني؟ ما رأيك أن أشتريها منك بستة آلاف؟ لماذا؟ هو يريد أن يأخذ العشرة ويعطيك الخمسة.
هنا الناس مراتب ودرجات، بعض الناس يكون صدقه للوعد لا يمكن أن يفكر أن يخالف، لا يفكر حتى لو كانت له مصلحة، وحتى لو كان هذا الأمر يجوز له ما دام قاله لن يتراجع، حتى لو خسر لا يخسر، وحتى لو أرضاك وهو لا يريد، هو يريد أن يرضي نفسه.
شوفوا يا شباب، هناك فرق كبير جدًا بين الشخص الذي يفعل الأفعال من أجل أن يقول الناس عنه كذا، وبين الشخص الذي يفعل الأفعال من أجل أن يقول الله عنه كذا. الآن الشخص ممكن ينوي بينه وبين نفسه، هو الآن يجلس مع نفسه يقول: أنا سأعطي فلان، هو الآن ما تكلم ولا كتب، عليه شيء لو ما فعل؟ ما عليه شيء، لكن لأنه نوى ما يخالف، لأنه يشعر لو خالف بتأنيب كبير، هذا قسم شريف وعالي جدًا.
فهنا الله يقول عن إسماعيل بأنه كان صادق الوعد، وكان تكرار «كان» لبيان منزلة إسماعيل عليه السلام وعظمته. قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾، واذكر يا محمد في الكتاب، ﴿إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾، ما كان يخلف. وهذه الصفة هي التي ورثها إسماعيل عليه السلام في العرب، فالعرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ من ذرية إسماعيل أخذوا صادق الوعد من إسماعيل عليه السلام.
لذلك تجدون مثلاً عمرو بن معدي يكرب الزبيدي، لما سأله عمر بن الخطاب، قال: حدثني عن أحيل من لقيت، وأجبن من لقيت، وأشجع من لقيت. فلما جاء عند أحيل، قال: يا أمير المؤمنين، كنت مرة خارجًا في سفر فلقيت رجلًا، فقلت له: شد عليك سلاحك فإني قاتلك، قال: ما أنصفتني يا أبا ثور، قال: لماذا؟ قال: أنت على فرسك وأنا على الأرض، قال: اركب، قال: أريد أن أشرب الماء، تعطيني الأمان أن لا تقتلني حتى أشرب الماء، فأعطاه الأمان، فسقى الماء وجلس، الآن هو يستطيع أن يقتله؟ يستطيع، لماذا ما قتله؟ ليس دينًا، هو الآن جاهلي، ما قتله لأنه صادق الوعد، لأنه لو قتله سيشعر بتأنيب كبير.
هذا الوصف يعني فرقًا كبيرًا بين شخص يسأل: هل ينظر أحد إلي؟ وبين شخص مع نفسه لا يستطيع أن يفعلها. فهنا إسماعيل عليه السلام أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بأنه صادق الوعد، هذا بيان يا إخوان لشرف إسماعيل عليه السلام. صادق الوعد يعني هو الآن قال كلمة، هذه الكلمة تحكمه، لو كان قد قضى على نفسه أنه سيفعلها، فهذا في بيان منزلة إسماعيل.
عليه السلام، وشرف معدن إسماعيل عليه السلام، الذي من أجله اختاره الله سبحانه وتعالى حتى يكون رسولاً نبياً، وليس فقط نبياً، بل كان رسولاً نبياً، وقد وردت ثلاث مرات.
وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة؛ قال هنا: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. إذاً إسماعيل عليه السلام لم يكن فقط نبياً بل كذلك رسولاً، رسولاً إلى من؟ إلى العرب، إلى جرهم.
إسماعيل عليه السلام؛ الله سبحانه وتعالى أمر والده إبراهيم بأن يذهب به هو مع والدته هاجر إلى وادي غير ذي زرع، إلى مكة قبل أن تُبنى مكة. وهو العبد المختار مع والده في بناء بيت الله سبحانه وتعالى المعظم المعرب في مكة المكرمة. والبقية، أي بقية ذرية إبراهيم عليه السلام إسحاق ويعقوب، كانوا في الشام. فجمع الله سبحانه وتعالى لنبي الله إبراهيم عليه السلام بين الجزيرة وبين الشام. والأنبياء إما أن يكونوا من هنا أو من هنا، وهؤلاء الأنبياء من الشام. وصفوة الأنبياء وخير الأنبياء وأعلى الأنبياء على الإطلاق، وخاتم الأنبياء وسيد البشر عليه الصلاة والسلام، كان من الحجاز.
فالقصد هنا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾، ليس فقط نبياً بل كذلك رسول. ثم قال الله مميزات إسماعيل عليه السلام: ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. كان يأمر أهله، يأمر قومه، أقرب الناس إليه أولاً، وكذلك قومه.
كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً؛ إذاً هنا أمر الأهل بالصلاة وكذلك بالزكاة من مميزات نبينا إسماعيل عليه السلام، وهذا هو الذي يبرز في قصص الأنبياء لأن هذه هي دعوة الأنبياء، لا تقدم أي شيء على عبادة الله سبحانه وتعالى في التربية. ولو خالف الابن ما خالف، ما دامت المخالفة ليست بالدين، لا تتعامل معه بشدة حتى لا تكون الشدة مكاناً للدين، حتى لا يكون هذا الأمر مكان الدين في القلب. انتبه أن تشد على ابنك من أجل الدراسة، ممكن تبين له لكن لا تشد شدة، لا ينظر الابن إليك أنك تشد من أجل الدنيا أكثر من أجل الآخرة. انتبه أن تشد على أي إنسان في أمر دنيوي أكثر من أمر أخروي، خاصة إذا كان قريباً منك، حتى لا يعظم هذا الأمر في قلبه.
هنا يأمر أهله بالصلاة والزكاة حتى تقرر هذه المعاني، والمعاني ما تتقرر إلا بكثرة التكرار. «علموهم الصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليهم وهم أبناء عشر»؛ الشدة مع التكرار هي التي تثبت المعنى في جوف الإنسان، ليس مجرد الكلام هكذا مرة عابرة: صليت ثم خلاص، ما يذكر إلا بعد شهر. لا، صليت كل صلاة، هل صليت خمس مرات باليوم؟ من سبع سنوات إلى عشر سنوات، كم مرة سيسمع منك هذه الكلمة؟ أكثر من ألف مرة. ثم من عشر إلى أن يبلغ، كيف سيكون أثر الصلاة في قلبه؟ عظيمة جداً. لكن لو كان هناك شيء آخر غير الصلاة يتعامل مع الابن بهذه الطريقة، سيأخذ مكان الصلاة، فستكون هذا الأمر الدنيوي أيًا ما كان مكان الصلاة، لذلك لا تزاحم الصلاة بشيء، لا تزاحم الصلاة بشيء بالتربية.
قال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. أي هو بلغ مرتبة عالية عند الله، فالله سبحانه وتعالى رضي عن إسماعيل عليه السلام ورضي عن فعل إسماعيل عليه السلام، فالله يحب إسماعيل عليه السلام.
ثم قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. واذكر في الكتاب إدريس؛ من هو إدريس؟ الله أعلم، العلماء يختلفون، وإدريس لم يأتِ في النصوص حديث كبير عنه، فإدريس عليه السلام هو قطعاً من أنبياء الله سبحانه وتعالى. وإدريس عليه السلام لاقاه النبي ﷺ في السماء الرابعة، والله رفع من شأن إدريس. ولكن من هو إدريس؟ متى كان إدريس؟ عامة العلماء يقولون بأن إدريس كان قبل نوح عليه السلام، أي هو من ذرية آدم قطعاً ولكن زمانه قبل نوح عليه السلام، ولم يذكر في القرآن بيان الزمان الذي بُعث فيه إدريس ولا المكان، إنما القرآن الكريم يبرز في إدريس الصديقية والنبوة ورفعة الله سبحانه وتعالى لشأن إدريس.
لماذا يذكر بعض الأنبياء في القرآن الكريم من غير أن يكون لهم تفصيل؟ مثل اليسع، وإلياس، وذو الكفل؟ هذا سؤال يحتاج إلى إجابة. والقصد من ذلك هنا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾. طبعاً هنا الأنبياء الذين ذكرهم في القرآن الكريم، حتى لا نقول هذا الباب من غير أن يتم التفصيل في سيرتهم، لبيان رفعة شأن بعض الأنبياء أو رفعة شأن بعض الأشخاص حتى لو ما يعرفهم أحد، بس اسمه.
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾. فالله يذكر قصة موسى عليه السلام ويطيل في ذكرها من أجل معاني كثيرة جداً لا يمكن للشخص أن يحصيها، لكن بعض الأنبياء يذكرون من غير أن يتم تفصيل في سيرتهم حتى يعرف الناس بأن الصلاح ليس من شرطه أن يكون معه التفصيل. هؤلاء الأنبياء اختارهم الله سبحانه وتعالى، وبين الله سبحانه بأن هؤلاء مصطفون وأنهم كانوا يحسنون عبادة الله سبحانه وتعالى. فقد يوجد كذلك في البشر كثير من الناس الذين يختارهم الله لكن ما يعرفهم أحد، لا يذكرهم الناس، وليس معنى هذا أنهم ليسوا مختارين، هذا هو المقصود، والله أعلم.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾، هذا النبي العظيم؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾. أنا الذي لفت انتباهي في قصة إدريس عليه السلام أمرين اثنين: وصف إدريس بمثل وصف إبراهيم. يعني هنا إبراهيم عليه السلام لما ذكر الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾، من هؤلاء أخذ نفس الوصف؟ إدريس. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾، يعني إدريس عليه السلام فيه شبه بإبراهيم عليه السلام في ما تعرفونه من قصة إبراهيم؛ ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، وإبراهيم الذي وفى. هذا الذي وقع في قصة إبراهيم بالتفصيل غير مذكور في الكثير من السور، إدريس عليه السلام قصته وحياته كان بها شبه من قصة إبراهيم عليه السلام. فتصديق إدريس لم يكن تصديقاً عادياً، وذكرنا لكم في اللقاء الماضي أن التصديق يكون بالقول وكذلك بالعمل، فتصديق إدريس لم يكن تصديقاً عادياً، لذلك هنا وصف بمثل وصف إبراهيم عليه السلام، وزيد في بيان وصف إدريس الذي حتى يلفت الانتباه القرآن الكريم لمنزلة إدريس أن الله قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
يدل أن هذا النبي الذي لا نعرف عن سيرته شيئًا كثيرًا، أن هذا ليس فقط صديق نبي، وليس فقط من عامة الأنبياء، إنما هو صاحب منزلة عظيمة وعالية جدًا عند الله. قد يكون حالك مثل حال إدريس، ما يعرفك أحد ولا تكون مذكورًا، لكن عند الله منزلتك عظيمة جدًا.
نحن الآن نعيش فوق الأرض، كم مسلمًا موجودًا؟ مليار وقليل. من أفضل هؤلاء؟ من الآن من هؤلاء هو أعلى واحد، رقم واحد عند الله سبحانه وتعالى في هذا العصر؟ هل يشترط أن يكون هذا الشيخ العالم المشهور؟ أبدًا لا يشترط، قد يكون هذا الإنسان مغمورًا ولا يعرف أحد، بل أقرب الناس إليه ممكن ما يتعاملون معه التعامل الذي هو في السماء ينظرون إليه فيه، قد يكون بهذه الطريقة.
القرآن الكريم يحرص كثيرًا أن يبين، مثل ما حكى النبي عليه الصلاة والسلام، حتى الشخص ما يتعلق بصورة شيء ظاهر على حساب تحقيق العبادة؛ فالظهور والخفاء هذا أمر ليس لك أيها الإنسان، إنما الذي ينبغي عليك أن تفعله هو أنك تحسن عبادة الله سبحانه وتعالى فقط، فلا تتعلق بالاسم، قد لا يكون اسمك موجودًا، وعند الله أنت رفعك الله مكانًا عليًا.
هنا مكانًا عليًا قيل: السماء الرابعة. لما صعد النبي عليه الصلاة والسلام في رحلة المعراج، التقى في السماء الأولى بآدم عليه السلام، ثم في الثانية بابني الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام، وفي الثالثة بيوسف عليه السلام، وبالرابعة بإدريس فوق يوسف. هذا كلكم تعرفون قصة يوسف عليه السلام. إدريس منزلته في السماء أعلى من يوسف عليه السلام، ثم الأعلى منه هارون عليه السلام، ثم موسى عليه السلام، ثم إبراهيم عليه السلام.
لماذا عيسى عليه السلام هو أفضل من من كان في السماء الخامسة والرابعة وكذلك الثالثة؟ لماذا في الثانية؟ لأنه سينزل، وكذلك مع من؟ مع ابن خالته وهو يحيى عليه السلام. فإدريس عليه السلام، لقاء النبي عليه السلام مع إدريس، بقية الأنبياء نعرف قصصهم في القرآن الكريم، لكن إدريس وبينهم. حتى تعرف منزلة هذا النبي، وحتى ما يغيب عنك أنه قد لا يكون شخصًا له ذكر، ولكن هو عند الله سبحانه وتعالى منزلته بمكان.
وهذا ترون أحيانًا بعض الناس يكون هكذا مغمورًا، لكن عنده توكل، عنده يقين، وعنده تعظيم، وعنده محبة، والواحد يتمنى أن يكون عنده نصفها، ومع ذلك الناس لما ينظرون له ما يتعاملون معه. والشخص الآخر قد يكون يأخذ شيءًا كبيرًا من الحظوة، وهذا ما يأخذه.
ثم قال الله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَعْقُوبَ عَلَى مَا هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]. أي هؤلاء الأنبياء كلهم كانوا أصحاب خشية، أصحاب خوف، أصحاب علم بالله سبحانه وتعالى، تعظيم له سبحانه وتعالى، فلما يذكر الله سبحانه وتعالى عند هذا القسم من الناس كانوا يخافون، وترجف القلوب وتتحرك الأفئدة.
فكان تعاملهم مع الله سبحانه وتعالى تعاملًا مبنيًا على علم، فلما يذكر واحد منهم بالله سبحانه وتعالى أو لما يذكر عنده الله سبحانه وتعالى، يتعامل مع هذا الموقف تعامل العارف بالله سبحانه وتعالى وليس تعامل غير العارف بالله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.
ثم انتقل الآن الحديث عن أقوام جاؤوا من بعدهم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلَفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 59-63].
نكمل بإذن الله تعليقًا على هذا المقطع في الدرس القادم إن شاء الله، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري