دخولتسجيل الدخول

سورة مريم 05 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاكم.

نكمل تفسير سورة مريم، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 41-42].

بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى شأن عيسى عليه السلام، وهذه الآية العظيمة الدالة على القدرة العظيمة والكبيرة لله سبحانه وتعالى، انتقل الحديث الآن للحديث عن الأنبياء. وبدأ الله سبحانه وتعالى بأب الأنبياء، والذي منه كان عيسى عليه السلام، ومنه كانت مريم، ومنه كان زكريا ويحيى، وهذا هو أعظم الأنبياء بعد النبي ﷺ.

قال الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي وتل يا محمد على قومك نبأ إبراهيم عليه السلام. لماذا يا ربي؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ أي لأنه كان صديقًا، فهنا "إن" توكيدية وكذلك تعليلية. وإبراهيم عليه السلام كما تعرفون هو الخليل الثاني، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الخليل الأول، وإبراهيم عليه السلام هو أشرف الأنبياء وأفضل الأنبياء بعد سيد الأنبياء.

فهنا الله سبحانه وتعالى يذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع والده، ثم بعد ذلك يذكر الأنبياء الذين هم من نسل إبراهيم عليه السلام. هنا الآن الله سبحانه وتعالى لم يذكر عن إبراهيم شيئًا كثيرًا، إنما كان الذكر متعلقًا بعبادة إبراهيم عليه السلام وتعامله مع والده، حتى ما يظن الشخص بأن التعامل مع الأب خاص كما في حالة زكريا، أو الأم كما في حالة مريم. فالله سبحانه وتعالى أمر يحيى بأن يبر والديه، وكذلك عيسى عليه السلام قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾، وهذا الأمر ليس قاصرًا على من كان حاله مثل حال مريم أو من كان حاله مثل حال زكريا، إنما كذلك إبراهيم عليه السلام؛ انظروا كيف تعامل مع والده.

فالآن السياق كله حديث عن آية يحيى عليه السلام، وبعدها الأعظم منها آية عيسى عليه السلام، وفيها معنى مهم جدًا تم إبرازه، أو أعظم المعاني إطلاقًا هو معنى العبادة. ثم ما يتعلق بالبر، فسنلاحظ بأن في هذه القصة معنى العبادة ظاهر جدًا، والتوحيد، ومفارقة المشركين، وكذلك معنى البر. وكذلك الله سبحانه وتعالى يبين لنا هبات الله سبحانه وتعالى ورحمة الله سبحانه وتعالى بأولي الصفوة من خلقه، فإبراهيم عليه السلام من الصديقين وكذلك من الأنبياء.

قال الله: ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي في القرآن ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عليه السلام، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾، وهؤلاء العرب كذلك من ذرية إبراهيم، وكانوا يتفاخرون بهذا؛ قريش من ذرية إبراهيم، والعرب الذين هم من نسل إسماعيل عليه السلام كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام.

قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾، مرتبة الصديقية أعلى، فالصديقون هم الأنبياء، ثم من لم يصل إلى درجة النبوة ولكنه صديق، بمعنى كل نبي صديق وليس كل صديق نبي؛ كل نبي ولي وليس كل ولي نبي، فمرتبة النبوة أعلى، والصديقية سقفها النبوة، والنبوة ختمت بسيدنا محمد ﷺ. والآن المرتبة التي يستطيع الناس أن يتنافسوا للوصول إليها والحصول عليها ونيلها هي مرتبة الصديقية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69].

والله قال عن مريم العذراء: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، فمريم بلغت مرتبة الصديقية، أما المسيح فكان رسولًا: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75]. فمرتبة الصديقية تلي مرتبة النبوة مباشرة. والمعروف في أمتنا الصديق من هو؟ هو أبو بكر. لماذا أبو بكر نال مرتبة الصديقية؟ لأنه كان إذا قيل له قال رسول الله ﷺ شيء يقول: "إن كان قالها فقد صدق". «والرجل لا يزال يصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة».

الذي يمنع الشخص من الوصول للصديقية هو التخلف، إما بالأقوال أو بالأفعال، هذا يمنع من بلوغ الصديقية. فالصديق هو الذي دائمًا يصدق بفعله وبقوله، ليس فقط بالقول بل كذلك بالفعل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]. كيف تم إثبات هذا الصدق؟ بالموقف بالاختبار؛ هذا هو الصدق، فالصدق يكون بالمواقف. هذا الشخص ينال الصديقية لما يسارع إلى التصديق، هو الآن عنده إيمان، يؤمن بأن الإسلام دين حق، هل بالكلام؟ بل بالفعل. إذا كان دائمًا يصدق ما جاء به الدين بقوله وبفعله هذا هو الذي يصيب بإذن الله الصديقية، أما إذا لم يكن بهذه الطريقة لا يصيب هذه المرتبة العالية.

هل ممكن يكون صالحًا وليس صديقًا؟ أقول ممكن؛ هو صالح في نفسه، يفعل الواجبات ويترك المحرمات، ولكن ما يصدق المستحبات بفعله، ممكن بقوله لكن بفعله ما يصدقها، هو قليل بفعل المستحبات، وكذلك ما يتباعد عن المكروهات، هنا ممكن يقع فيها كثيرًا، هذا ما يصيب الصديقية، هو صالح صالح. فمرتبة الصديق أعلى من مرتبة الصالح؛ كل صديق صالح، وليس كل صالح صديقًا. ذكر الله وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69]، فالصالحين أقل من الصديقين.

فالشخص قد يكون صالحًا ولكن ما يكون صديقًا، فمرتبة الصديقية مرتبة عالية جدًا، مرتبة عالية منيفة، ومن هؤلاء وأعلاهم في أمتنا بعد النبي ﷺ أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه. ومن أراد أن يعرف مرتبة الصديقية فليدرس حياة الصديق الأكبر، وينظر إلى طريقة امتثال الإسلام، هذه هي الصديقية. فالصديق كان مسارعًا للخيرات، الصديق كان ينجح بالاختبارات التي تعترضه، الصديق كان يبادر، الصديق كان مباشرة ينفذ ولا يتردد، فهذا هو الذي ينال هذه المرتبة.

إبراهيم عليه السلام، لماذا الله عبر عنه بأنه صديق؟ لأن إبراهيم عليه السلام كان يسارع في تنفيذ الأمر: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37]. فإبراهيم عليه السلام كان يصدق ما يأمر الله به بفعله وبقوله، وكان سريعًا في المبادرة، فهو انتقل حتى بلغ هذه المراتب العالية، حتى وصل إلى الخلة، أعلى المراتب على الإطلاق؛ لذلك الله هنا يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾.

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾، الآن الموقف الذي يراد إبرازه في هذا السياق هو موقف إبراهيم عليه السلام. انظروا الآن إلى إبراهيم هذا النبي كيف تعامل مع قومه؟ كيف قال لهم: ﴿أَفَ لَكُمْ وَلَهُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْتُمْ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟ وانظروا كيف يتعامل مع والده، انظروا كيف تعامل مع والده الكافر.

والذي كان يأمره بالكفر ويحثه عليه، كيف تعامل؟ هنا إبراز موقف إبراهيم مع والده في أي سورة؟ في سورة مريم، نزلت سورة مريم في مكة. إذاً الصحابة كانوا يتعرضون لمثل هذا الموقف كثيراً، فكانت الأمهات كافرات، وكذلك الآباء كانوا كثير منهم كفرة، فما آمن كأسرة كاملة إلا قليل، مثل أسرة عمار بن ياسر.

هذا الموقف يسمعه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وينظرون كيف أن الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال، وتقديس التوحيد، وبغض الكفر والكفار واعتزالهم ومباعدتهم، ومع ذلك يكون التعامل بهذه الموازنة. هذا الذي القرآن يريد أن يقيمها؛ نعم تكره الكفر وتكره الكفار، ولكن مع والدك التعامل يختلف عن البقية، لماذا؟ لأن له فضلاً، والله سبحانه وتعالى يحب الإحسان، والله سبحانه وتعالى كتب الإحسان على كل شيء.

واذكر في الكتاب إبراهيم أنه كان صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 42-43]. هنا إبراهيم عليه السلام يقيم الحجة على والده بألطف أسلوب.

حتى لا تمنع النفس من الاستجابة؛ فالأب تحضر نفسه بقوة لما يكون ابنه يعرف شيئاً هو ما يعرفه، حتى لو كان يحبه. فهنا إبراهيم عليه السلام يخاطب والده بهذا اللين: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. إذاً هذا نقص، كيف يكون إلهاً معبوداً ناقصاً؟ كيف يكون إلهاً لا يسمع ولا يبصر؟ أنت الآن كيف تدعوه وكيف تسأله؟ ﴿وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾، هو ما يستطيع أن يمنع عن نفسه، ولو أراد؛ فإبراهيم كسر الأصنام وما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً.

الآن يقيم الحجة بأبلغ طريقة، وحجة إبراهيم هنا العقلية جداً قوية وأسلوبه جداً عالٍ حتى لا تمنع النفس من الاستجابة. وهذا سبب كفر الكفار؛ يعرفون بالنبي ﷺ أنه صادق، ولكن الإعراض، والجحود، والتكذيب، والكبر، والحسد، هذا هو المانع.

فهنا الله سبحانه وتعالى يقول عن إبراهيم عليه السلام بأنه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. يا أبتي، هذا التكرار مقصود؛ لأن الإنسان كائن ليس بكلمة واحدة يتأثر، قد يكون في بعض اللحظات، ولكن لما يكون في تكرار الإنسان لابد أن يخضع، أو الأصل بأنه يخضع. لما تتكلم مع شخص بلين في المرة الأولى قد يغضب، فإذا عدت مرة ثانية تتكلم معه بلين تقل نسبة الغضب، وفي المرة الثالثة تقل أكثر، وفي الرابعة والخامسة في النهاية يتأثر.

فهنا التكرار مقصود: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾. يقول: يا أبتي أنت لست لأنك أخذت العلم من آبائك وأجدادك قد أخذت الحق، أنا عندي علم الآن أعرفه وهو غير موجود عندك. وهذه كذلك إشارة للكفار في مكة بأن النبي ﷺ يخبرهم بعلم عنده غير موجود عندهم، وهذا العلم يفحص بالاختبار.

إبراهيم عليه السلام يقول: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾، أي أنا سأدلك على الصراط المستقيم السوي، أنا سآخذك حتى تسير على الطريق الصحيح. هنا في بيان وإظهار للنصح: ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ ليس لي أنا، إنما حتى تصل إلى الله سبحانه وتعالى، ألا تريد أن تعبد الإله الحق؟ هو لماذا يعبد هذه الآلهة؟ لأنه يعتقد بأنها تنفع وتضر، فإبراهيم هدم هذه الحجة الأولى، ثم بين له بأن الإله الحق ليس هذا، وأنه هو الإله الحق الذي يعبده، ويقيم عليه الحجة الآن العقلية بأفضل وأنق أسلوب.

وهذا كذلك تعليم من النبي ﷺ للصحابة في مكة؛ كيف يخاطب هؤلاء الكفار في التوجيه؟ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ الشَّيْطَانَ * إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44-45]. يا أبتي لما تعبد الشيطان؟ أي لما تطيع وتستجيب للشيطان؟ لماذا تنقاد له؟ ﴿وَإِن يَسُأْ يَوْرِدْهُ عَذَابًا﴾ [مريم: 45].

هل والد إبراهيم كان يعبد الشيطان بذاته؟ هو يعبد الشيطان بصورة الآلهة، فآتباع الشيطان هم يعبدون من خلال صورة صنعها الشيطان، وليس من خلال نفس الشيطان في اعتقادهم. عندما تأتي لكفار مكة، هل يعظمون الله أكثر أم الشيطان؟ ماذا قال القرآن الكريم؟ ألم يذكر حبهم لله؟ والذين آمنوا أشد حباً لله، لكنهم كانوا يحبون الله كما يحبون غيره.

طيب، لماذا تبعوا الشيطان؟ هل هم يريدون الشيطان؟ لا، لكن اتبعوا ما يريده الشيطان فأصبحوا معه. لذلك قد أنت تسب الشيطان ولكن تكون من أوليائه؛ كيف؟ أقول لك الشيطان هو من يريده، يريد أنك ما تعبد الله، فما دمت لم تعبد الله فأنت عبد الشيطان شئت أم أبيت، لأنك أطعت وانقدت للشيطان واستجبت لدعوته.

فالشيطان وعباده قلة، لكن الكفرة هم الكثرة، وهؤلاء الكفرة ليسوا عبيد الشيطان؟ بلى، عبيد له باعتبار أنهم لم يعبدوا الله سبحانه وتعالى، فانقادوا للصورة التي صنعها الشيطان، أياً كانت هذه الصورة؛ فما دمت لم تنقد إلى عبادة الله سبحانه وتعالى فأنت الآن تعبد الشيطان وتنقد له.

إبراهيم عليه السلام يبين لنا الحقيقة من غير أي توريه؛ لأن أحياناً كثيرة ما يمنع الإنسان الوهم عن الحقيقة، فلما يقشع الوهم هنا الإنسان يكون في المحك. والداعية لابد أن يكون صريحاً جداً في بيانه للتصور حتى لا يكون الشخص في غفلة، أو يقول ما في أحد أقام عليه الحجة. فهذا الذي يعبد غير الله سبحانه وتعالى يعبد الشيطان، أياً كان دينه؛ يهودياً كان أو نصرانياً، هو يعبد الشيطان؛ لأن الإنسان مخلوق ليعبد، ولابد أن يعبد، ولابد أن يكون خاضعاً، وهذا الخضوع وهذا الاتباع هو العبادة. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾؛ إذاً هو عبد الهوى، تعس عابد الدينار، تعس عابد...

الدرهم، إذاً هو عبد الآن، الدينار والدرهم، باعتبار أنه أصبح أسير خاضع للدرهم والدينار، وهكذا. فالإنسان كان أصلاً مخلوقاً حتى يعبد؛ فالذي لا يعبد الله هو قطعاً يعبد الشيطان. وهنا الله يبين بأن إبراهيم عليه السلام لما دعا كان واضحاً في البيان؛ أنك ما دمت لا تعبد الله، فهذه صورة الصنم. هم كانوا يعبدون الأصنام المشكلة بصورة الهياكل، بصورة النجوم والكواكب، فهذا الصنم الذي هو عبارة عن صورة هو الشيطان.

تقول: هم؟ أقول لك: هذا ما دمت لا تعبد الله ولا تسجد لله، إذن أنت تعبد الشيطان، لأنه ما في خيار ثالث. وهذا كان يفعله كفار مكة؛ كفار مكة كانوا يعبدون الأصنام، لكن كيف كانت عبادة الأصنام؟ هم كذلك كان البيت معظم عندهم، طيب هذا ليش بيت الله؟ وهم يعرفون بأن هذا بيت الله، وهم يرون بأنهم من أتباع إبراهيم عليه السلام لأنهم من ذريته. إذن لماذا عبدتم الشيطان؟ يقول: ما كنا نعبد الشيطان، إذن هذه الأصنام ما عبدها إبراهيم؟ ثم تأتي تقيم الحجة عليهم؛ إذن أنت الآن إما تعبد الله أو تعبد الشيطان قطعاً.

واضح؟ إذن هنا الله يقول عن إبراهيم عليه السلام بأنه قال: «يا أبتِ لا تعبد الشيطان»، لا تطع الشيطان فيما أمرك فيه وتنقاد له؛ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44]. اسم الله الرحمن تكرر كثيراً في هذه السورة، واسم الله الرحمن يأتي في سياق التخويف، ويأتي في سياق كذلك الرحمة الواسعة. هنا ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ﴾، يعني الرحمن صاحب الرحمة العظيمة الواسعة، هذا الشيطان أغضبه، وهذا الشيطان لم ينقد له مع عظم أثر الرحمة التي كان الشيطان بها، والشيطان خلق برحمة الله سبحانه وتعالى بالأصل؛ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5].

فالكل برحمة الله سبحانه وتعالى، عَمَّ المسلم والكافر، المتعلقة باسم الرحمن. فالشيطان خلقه الله، والله سبحانه وتعالى علم من هو، ومع ذلك عصى الله سبحانه وتعالى؛ أي هو قابل هذه الرحمة بالجحود والنكران. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾. «يا أبتِ إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا». يقول: يا أبتِ أنا أخاف أن يمسك عذاب من صاحب الرحمة الواسعة، لأن الشرك ما يغفر، هذا النوع من المعاصي لا يغفر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

فيقول: يا أبتِ، من عظمة وشناعة هذا الفعل أن سعة رحمة الرحمن ما تسعه، لأن هذا كفر وجحود للخالق سبحانه وتعالى. ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: 45]، أي تصبح من أعوان الشيطان ومن أنصار الشيطان، والشيطان هو وليك، هو الذي معك. فكان رد والد إبراهيم عليه السلام شديداً وقاسياً: ﴿قَالَ أَرَغِبْتَ أَنتَ عَن آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46].

تعصب غير طبيعي للأوثان والأصنام التي كان يعبدها، ما قبل الحجة ولم يعمل بالأسلوب، وهذا تعليم للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؛ أنه لا يشترط أن الناس تستجيب لدعوتك، ولكن يجب عليك أن تمتثل الأمر. لا تعلق فعلك باستجابة المدعو، إنما يجب عليك أن تعبد الله؛ الله يريد منك افعل كذا، إن تأثر أو ما تأثر فليس لك علاقة، انتبه أن تدخل في هذا الباب.

قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾، قال: ﴿أَرَغِبْتَ أَنتَ عَن آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ عَن سَبِّ آلِهَتِي لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي أسبك وأشتمك وأتكلم فيك وأطعن بك، هذا القول الأول وهو قول الجمهور. والقول الثاني أن الرجم المراد به الرجم بالحجارة. وقال: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أي اهجرني دهراً طويلاً، لا تأتيني ولا تسلم علي ولا تقترب مني، لم تعد ابناً لي.

لماذا هذا كله؟ لأنه نهاه أن يعبد الأوثان والأصنام. أحياناً الشخص ممكن يكون حاله مثل حال إبراهيم عليه السلام، ممكن يكون شخصاً ملتزماً في بيئة غير صالحة، ووالده شديد أو والدته كذلك ويدعوهم إلى الخير ولا يقبلون، خلاص حالك مثل حال إبراهيم عليه السلام. لا يشترط أن يكون حالك مثل حال عيسى عليه السلام مع والدته، أو يحيى مع زكريا، لا؛ ممكن تكون مثل إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء، تكون في بيئة هكذا، والدك لا يحب الخير ولا يحب الملتزمين، لكن ثق تماماً بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيك فوق ما تؤمل.

إذا كان والدك بهذه الطريقة وأنت تعاملت معه كما تعامل إبراهيم عليه السلام، انظر كيف تكون عاقبة إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، ما الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى لإبراهيم عليه السلام؟ فقس من ذلك أن الابن قد يكون والده شديداً، قد يكون والده لا يحب الدين، هنا الابن لا يقيس والده على غيره، إنما كن عبداً لله؛ الله الذي يريده افعله، سواء والدك كان صالحاً أو طالحاً، والدك محباً أو مبغضاً، افعل معه ما يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تفعله.

ويبدو أن يكون والد الشخص مثل والد إبراهيم عليه السلام؛ لو والد إبراهيم عليه السلام كيف أنه يريد أن يرجم ابنه، سواء بالحجارة أو بالكلام والسب والشتم، كل هذا من أجل أنه نهاه، ومع ذلك يتعامل معه إبراهيم بلين ورفق، وهذا نادر في الآباء. قد يكون أب كافر، لكن الولد لما يتعامل معه بلين ورفق ما يقول له شيئاً، يتركه. انظر مثل أبي طالب كيف كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه كان يسب النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أبا طالب كان له لحسن تعامله معه، لكن هنا والد إبراهيم كان الوضع عنده أشد، والد إبراهيم مثل أبي لهب من هذه الشريحة، ما كان يعمل فيه القرابة ولا الأسلوب، وهذا في البشر ليس كثيراً.

إذن هنا قال الله سبحانه وتعالى عن والد إبراهيم أنه قال: ﴿أَرَغِبْتَ أَنتَ عَن آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾، قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾. انظروا كيف الآن هو يشد عليه ويرد عليه بهذه الطريقة وهو يقول: «سلام عليك»، أي أنت تريد أن ترجمني؟ أما أنا فعليك مني أمان، سلام، أنت آمن من قبلي، لن يأتيك من قبلي شيء. قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]، أي تدعو الله سبحانه وتعالى بأن يهديك.

وهذه هي الموعدة، هذه الموعدة التي وعدها إبراهيم لوالده. فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. إبراهيم الآن ما يدري والده سيموت على الكفر أو لا، فهنا الاستغفار بمعنى أن الله يهدي والده إلى الحق. لا يجوز الاستغفار للكفار إذا ماتوا، لكن في الحياة يكون المراد بالاستغفار هو هدايتهم إلى الحق، فيغفر لهم ما فعلوه من ذنوب ومعاصي، والإسلام يجب ما قبله.

هنا إبراهيم عليه السلام قال: «سأستغفر لك ربي»، هذا قبل أن يموت. هذه هي الموعدة، لكن لما تبين له أنه خلاص سيموت على الكفر تبرأ منه. خلاص هنا براءة؛ ولاء وبراء. الولاء لله سبحانه وتعالى ولما يحب الله سبحانه وتعالى، والبراء من كل ما لا يحب الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]. حفيا أي معتني بي، رحيم بي سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي ۖ عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48]. قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أنا سأترك هذا المكان كله لله سبحانه وتعالى، سأترككم أنتم وآلهتكم ومعبوداتكم، هذا هو البراء. هو الآن هاجر: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ سَيَهْدِينِ﴾ [القصص: 80]. ترك الآن العشيرة والوالد والوطن، كل هذا تركه من أجل الله سبحانه وتعالى، لذلك استحق الصديقية، أنه كان مع الله سبحانه.

فتخيلوا، تصوروا إبراهيم عاش لوحده. إبراهيم عليه السلام كان يقول: اللهم أنت في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك، ولم يؤمن به من قومه إلا لوط وزوجته سارة، فهاجر مع لوط وسارة. وذهب لوط إلى القوم الذين دعاهم كما تعرفون قصته، وذهب هو مع زوجته، وكانوا في حران أي في العراق، فهاجر الآن وانتقل إلى بلد آخر، ذهب إلى الشام وذهب إلى مصر وذهب إلى الجزيرة بعد ذلك كما تعرفون.

لكن تصوروا شخصًا يعيش في الحياة لوحده، لا يوجد أنك تعلمين بأنه ليس مؤمن على وجه الأرض غيري وغيرك. يقول لزوجته سارة، هذا هو إبراهيم عليه السلام. لكن استحق أن ينال هذه المرتبة العالية جدًا، لكن الله سبحانه وتعالى ما تركه لوحده. هو الآن هاجر، هو مع زوجة سارة ومع لوط كذلك. قالوا طبعًا هنا أنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيره وغيرك، أي بيت مسلم ما فيه إلا هو فقط، حتى لوط زوجته لم تكن مؤمنة.

قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي ۖ عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48]. فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، هنا فسر الدعاء بالعبادة، هنا قد يكون المراد الدعاء، وطبعًا الدعاء من العبادة، والدعاء هو العبادة. فدعاء المسألة أو دعاء العبادة؛ أي الصلاة، الصلاة تسمى دعاء، والزكاة والصيام هذه كلها تسمى كذلك دعاء، لكن دعاء عبادة؛ لأن العبد يسأل الله سبحانه وتعالى من خلال هذه العبادة أن يتقبل منه أعماله ويدخله الجنة، فهي سؤال ضمني.

قال: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي ۖ عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48]. تكرر معنا ربي الآن، ربي أي المعتني بي، المهتم بي، لن يتركني سبحانه وتعالى. فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، خلاص تركهم كلهم فقط من أجل الله سبحانه وتعالى.

وهبنا له، الآن بعد ما ترك هؤلاء خرج منهم، ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100]. هنا الله يقول وهبنا له، يعني هو لما قام لله هذه المقامات العظيمة، ثبت ودعا وأنكر بشدة وبلين على والده، وشدة على قومه وبلين مع أبيه، وأرادوا أن يحرقوه بالنار، وقعت مع كل هذه البلاءات وثبت وامتثل أمر الله سبحانه وتعالى كما يريد الله، ثم في النهاية هاجر وترك هؤلاء كلهم لله سبحانه وتعالى، هنا الله سبحانه وتعالى ما تركه، ﴿وَهَبْنَا لَهُ﴾، وهبنا له إسحاق ويعقوب، ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50-51].

الله سبحانه وتعالى لما خرج أعطاه إسماعيل وإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم أصبح من ذرية يعقوب أنبياء بني إسرائيل كلهم، إلا النبي ﷺ أصبح من ذرية إسماعيل عليه السلام. كل الأنبياء الذين جاؤوا بعد إبراهيم كلهم من ذرية إبراهيم. انظر إلى الكرامة العظيمة لهذا النبي الكريم لما ترك قومه لله سبحانه وتعالى وهاجر بزوجته لوحده ولا يدري أين سيذهب، واستمرت معه البلاءات لكن استمر معه إثبات صدق الله سبحانه وتعالى فيها حتى انتقل حتى وصل إلى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].

إذن هذا ما يتعلق بقصة إبراهيم عليه السلام ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.