دخولتسجيل الدخول

سورة مريم 04 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد؛ فأحيكم الله إخواني جميعًا وأبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نكمل مدارسة سورة مريم، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26].

بعد ما ولدت مريم العذراء عيسى عليه السلام، انتقلت بعد ذلك بهذا المولود الجديد، بهذا النبي الكريم، إلى قومها. يقول الله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ أي بعيسى عليه السلام، فأتت به قومها تحمله، قالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.

بعد ما أتت مريم إلى قومها ورأوا هذا المولود الرضيع، هذا الابن الصغير، تعجبوا وقالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، مباشرة اتهموا مريم عليها السلام لأنها لم تكن ذات زوج، والآن اختلط الأمر؛ امرأة صالحة صلاحًا نادرًا وصلاحًا عاليًا، من أسرة مباركة، من أسرة طيبة، وفي نفس الوقت كيف ترزق بابن من غير زوج؟ فمباشرة اتهموها قبل أن يسألوها ويستفهموا منها، قالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي شيئًا عظيمًا منكرًا.

﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. هذا الذي كانت مريم العذراء تخاف منه، أن تُتهم في عرضها وشرفها، وأن يُطعن في بيتها المبارك الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى واختاره.

﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أي يا شبيهة هارون، اختلف العلماء هنا؛ منهم من يقول بأن المراد هنا هارون أخو موسى عليه السلام، فهي كانت تشبه هارون بالعبادة. ومنهم من يقول بأن هارون هذا كان في زمانها رجل عابد مشهور بالعبادة يسمى بهارون، فكانت تشبه به بالعبادة. ومنهم من يقول بأن هارون كان رجل سوء فشبهوها به هنا أنها كانت تفعل فعله، وهذا قول بعيد واستنكروه واستغربه ابن كثير. وكذلك القول الأكثر غرابة هو قول من قال بأن المراد هنا بأنها أخت هارون لأمه وأبيه، وهذا لا شك من الأقوال البعيدة وليس بصائب.

القصد أنهم قالوا هنا: يا أخت هارون، يا شبيهة هارون بالعبادة والديانة والصلاة والزهد. ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ * وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾؛ أبوها عمران رجل صالح المقدم في بني إسرائيل، وأمها حنة امرأة صالحة تقية عابدة، وهذا الفعل لا يفعله أبناء البيوت الطيبة المباركة، فكيف تفعلينه؟

الآن هنا إشارة عظيمة لأثر الأب والأم في صناعة الأسرة الطيبة المباركة، فيصعب ويبعد أن توجد بنت سيئة في أسرة طيبة، لماذا؟ لأن الأصل بأن البنت تتلقى ما كان يقوله والده ووالدتها، وكذلك هناك البعد الديني، أن الله سبحانه وتعالى يحمي هذا البيت وذرية هذا البيت. فهنا هذه المرأة من أين تأتي بهذه الفعلة الشنيعة؟ كيف تقوم بهذا الأمر الذي ما يفعله إلا أبناء الفساق وأبناء الفاسقات؟ أما البيت الطيب المبارك تخرج منه امرأة تفعل هذا الفعل.

﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، مباشرة يكون التذكير بالأب والأم، ثم بعد ذلك فعلت مريم بما أمرها عيسى عليه السلام أو جبريل، فأشارت إليه، أشارت إليه مباشرة، لم تتكلم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾.

فأشارت إليه، قالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، تعجب واستغراب؛ هل هذه المرأة بعقلها لما تشير إلى ابنها الرضيع الصغير هي الآن تفعل فعل مثل هذا؟ ثم لما نسألها تشير إلى الابن، أمر عجيب غريب. وهذه المواقف يقدرها الله سبحانه وتعالى حتى تكون أبلغ في التأثير، فالنفس لما تكون منشدة، لما تكون نفس حاضرة، لما يصدم العقل يكون أثر الموعظة أقوى بكثير. لذلك من أراد أن يؤثر في إنسان هو منشغل عنه لابد أن يشد انتباهه وأن يصدمه، ثم بعد ذلك يقول له الذي يريد قوله، بهذه الطريقة يكون التأثير، والقرآن يعلمنا هذا الشيء.

فأشارت إليه، الآن صورة المشهد غريبة، والآن تشير إليه يزيد غرابة، قالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾، الآن النفس حاضرة بقوة والعقل مصدوم، هنا تأتي الآية العظيمة ويتكلم هذا النبي الكريم عليه السلام، قال عيسى عليه السلام أول كلمة يقولها: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.

على قول من يقول بأن الذي كلمها هناك هو جبريل عليه السلام، فهنا هذه أول كلمة قالها نبي الله عيسى عليه السلام ينفي القول المنكر الذي سيقوله عامة النصارى بأن عيسى عليه السلام هو الله أو ابن لله أو ثالث ثلاثة، وكذلك القول الذي يقوله عامة اليهود بأنه ابن كذا وكذا. هنا يقول عيسى عليه السلام: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 30-33].

هذه الكلمات العظيمات التي قالها نبي الله الكريم عيسى عليه السلام أول ما تكلم بها؛ قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، هذه الحقيقة التي ينبغي ألا ينساها أي إنسان، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. خلقنا من أجل أن نعبد الله سبحانه وتعالى فقط، وهنا الله يشرف هذا النبي الكريم بأن يكون عبدًا له، هذه عبودية تشريف، عبودية خاصة، هذه الإضافة إضافة تشريف، مثل ما ذكرنا في قصة زكريا، كذلك هنا، فالله سبحانه وتعالى يضيف هؤلاء الأنبياء إليه إضافة تعظيم وتشريف، ولكن كذلك هم عباد، يعني ما يخرجون من دائرة العبودية، هم عباد الله سبحانه وتعالى.

الله سبحانه وتعالى يثني عليهم في أربع مقامات بأنهم عباد له، أي هم وصلوا إلى الغاية في تحقيق العبودية، أي هم وصلوا إلى التذلل، التذلل والخضوع عندهم كان عاليًا جدًا، وكذلك المحبة كانت عظيمة، فلما يقال بأن فلان عبد لله، أي أن هذا وصل إلى الغاية في الذل والخضوع، وكذلك وصل إلى الغاية في الحب، والحب مع الخضوع يلتقيان.

لما يحب الشخص آخر وتعظم المحبة حتى تصل في النهاية إلى سقف المحبة العبادة؛ لأن الشخص هنا لا يستطيع أن يخالف، فإذا وصل إلى هذه المرتبة، الآن هذه العبودية عبودية التأله، هذه العبودية التي لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. لذلك يقول الشاعر: لا تناديني إلا بيا عبديها فإنه أشرف أسمائي. قال هنا: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، عبد الله أي المحب لله محبة عظيمة، وكذلك الخاضع لله، الذليل المنكسر له سبحانه وتعالى. فطريق معبد أي طريق مذلل، فالعبادة معناها الذل ومعناها الخضوع، وفي حق الله سبحانه وتعالى يجتمع الحب مع الخضوع فيكون غاية الحب مع غاية الخضوع. هذه هي العبادة: امتثال خطاب الشارع سبحانه وتعالى، امتثال خطاب الشارع مع غاية الحب وغاية الخضوع.

قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي أن الله منَّ عليه، ﴿وَعَلَّمَنِي﴾ أو سيعلمني الكتاب، الإنجيل، ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، اختاره الله سبحانه وتعالى بأن يكون نبيًا في هذا العصر.

وهنا الآن الانتقال من زكريا ويحيى إلى عيسى عليه السلام؛ فليس الذي سيرث الدعوة في الأرض يحيى عليه السلام، إنما هو عيسى عليه السلام ثم أتباع عيسى عليه السلام، حتى يبعث النبي ﷺ ثم يكون أتباع النبي ﷺ، وهذا هو تقدير الله سبحانه وتعالى. فالمقدمة كانت قصة يحيى وزكريا العظيمة التي تدل على آية كبيرة واستجابة لدعوات الصالحين من عباد الله سبحانه وتعالى، ثم تكون هذه الآية الكبرى، هذه الآية العظيمة التي ستبقى على مر العصور.

وهم يقولون هنا: «مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا»؛ هنا الله سبحانه وتعالى يبين بأن هذا البيت الذي اختاره الله سبحانه وتعالى سيمنَّ عليه بأكثر مما كان موجودًا عندهم. فليس الآن الشأن في مريم أو في عمران أو في حنة، بل سيأتي مخلوق جديد وأفضل من هؤلاء جميعًا، صفوة هذا البيت.

إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران، وهذا البيت المبارك سيكون من سلالته ومن ذريته أفضل من هذا المنزل وأفضل من هذا البيت. وهذا كذلك نراه في بعض العلماء؛ طبعًا هذه النماذج المختارة، ولكن كذلك تجد الأب صالحًا ثم يكون الابن صالحًا ثم يكون الحفيد أصلح منهم جميعًا، وأفضل منهم جميعًا وأرفع منهم جميعًا، ولكن هذا الحفيد ما كان لولا وجود الأب الصالح والجد الصالح.

فهذا قد يكون في بيوت العلماء، على سبيل المثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، عالم ووالده عالم وجده كذلك عالم؛ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، هذا المجد ابن تيمية إمام أئمة المسلمين، وابنه كذلك عبد الحليم عالم، لكن ابن تيمية أحمد هذا كان أعلم هؤلاء الثلاثة، هو الذي برز.

القسم من ذلك أن هذه البيوت الصالحة هكذا الله سبحانه وتعالى اختارها، فيكون الجد صالحًا ثم يكون الابن ثم يكون الحفيد وهكذا، وعادة يكون هذا الصلاح في ثلاثة بيوت، وقد يستمر هذا الشيء إذا اختار الله سبحانه وتعالى البيت واصطفاه وأراد أن يحفظه، مثل ما وقع مع يوسف عليه السلام؛ يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، أربعة آباء، هذه تكون. ولكن بالعادة ما تكون أكثر من ثلاثة بيوت، وهذا له شرح ذكره ابن خلدون رحمه الله تعالى بعضه في مقدمته الشهيرة.

القسم من ذلك أن هنا الله سبحانه وتعالى يقول عن عيسى عليه السلام بأنه قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ أي معلمًا للناس الخير، أي آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، فكان إذا حل في مكان ونزل في مكان يأمر بالخير وينهى عن الشر. وهذه صفة عباد الله سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.

والمؤمن أو المسلم مثالُه النخلة كما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر: «حدثوني بشجرة شبيهة بالمسلم»، فوقع الناس في شجر البوادي، يقول ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، فلما رأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، كرهت أن أتكلم وأقول شيئًا، فقال النبي ﷺ: «هي النخلة». لماذا شبه المسلم بالنخلة؟ للبركة، فالنخلة يستفاد من كل شيء فيها، كذلك المسلم. وكذلك النبي ﷺ شبه المسلم بالنحلة، فتأكل الطيب وتضع الطيب، فالمسلم مبارك؛ لأنه يعلم الناس الخير.

وقدّر البركة في هذا الإنسان بقدر إيمانه وتحقيقه للعبادة المذكورة هنا في قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، فبقدر تحقيقك لعبادة الله سبحانه وتعالى تكون بركتك في الحياة. قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾، هذا عبد مصطفى اختاره الله وجعله مباركًا.

بركة عيسى عليه السلام عظيمة جدًا، فعيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان، وهو الذي سيكسر الصليب، وسيُقضي على الدجال بضربة واحدة، وسينزل في الأرض المباركة أي في الشام، وهو ولد كذلك في الأرض المباركة في فلسطين، وفي آخر الزمان سينزل في دمشق، ثم بعد ذلك يقتل الدجال عند باب لُد في بيت المقدس، المكان المبارك.

فالقصد أن عيسى عليه السلام حياته كلها مباركة، والبركة محتفة به، وهو ابن امرأة مباركة ومن ذرية مباركة، وكذلك في الزمان الذي ينزل فيه سينتشر الخير ويعم الخير، وهذه السنوات التي سيبقى بها عيسى عليه السلام لا يوجد بها كفار، سيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل من الناس إلا الإسلام، ففي زمان عيسى لن يوجد إلا المسلمون، وهذا ما تكرر في التاريخ إلا في زمان نوح؛ لما نجى الله سبحانه وتعالى نوحًا عليه السلام مع من كان معه، وكذلك في حياة آدم الأولى قبل أن يولد له قابيل وهابيل.

في زمان عيسى عليه السلام كذلك تكون هذه السنوات، فطوبى لمن يعيش في هذا العصر، هذا العصر يكون عصرًا طيبًا ومباركًا والناس ينتفعون منه انتفاعًا كبيرًا، وعندما تذهب الذنوب والمعاصي تنزل البركات. وفي هذا الحديث كذلك القسم من عيسى بركة عامة وشاملة وكبيرة وعظيمة.

قال الله هنا: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ﴾، ثم ﴿أَوْصَانِي﴾، انظر الآن بما أوصاه الله سبحانه وتعالى؛ أول وصية هي الصلاة. لماذا؟ هذه العبادة التي إذا لم تُضبط لن يضبط شيء، هذه العبادة التي إذا حافظ الإنسان عليها حافظ، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾، إقامة صلاة وحفظ الصلاة، والحفظ يدل على أن هذه العبادة ثقيلة، والحفظ لا يكون إلا لأمر ثمين، فهو يحافظ على صلاته، على وقته، على وقت الصلاة، ويحافظ كذلك على أركانها وشروطها وواجباتها، وكذلك على الخشوع، فهو حريص أن يحافظ على هذه الصلاة وألا يأخذ الشيطان منه شيئًا منها.

﴿أَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، إذًا هذه العبادة هي التي تبلغ بالعبد، ﴿وَجَعَلْتُ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ﴾. انظروا كم مرة تكرر معنا أمر الصلاة، والأنبياء دائمًا كذلك، يذكر الله سبحانه وتعالى أمرهم بالصلاة ويذكر الصلاة على لسانهم وكذلك في دعواتهم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾، وهناك دعا زكريا ربه في المحراب، فالقصد من هذا أن الصلاة عبادة ما زلنا مقصرين في...

التذكير بها، التفكير بها؛ فالتذكير بالصلاة لابد يكون دائمًا. وهي العبادة الوحيدة التي رفع الله سبحانه وتعالى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ولم ينزل جبريل عليه السلام، إنما رفع الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام وفرض عليه في البداية خمسين صلاة.

لماذا فُرض في البداية هذا العدد من الصلوات؟ منها كثير جدا، حتى يكون العبد دائم الارتباط بالله سبحانه وتعالى. إذا الشخص ما يكتفي يصلي الصلوات الخمس ويتقنها، لكن ما أدى ذلك للسنن الرواتب ومع ذلك الوتر ويكثر من الصلاة، ستكون الصلاة نورًا. الصلاة إذا صلحت صلح كل عمل الإنسان، لذلك إذا حدث للإنسان شيء فليصلِّ ولا يبالي، قم وصلِّ سيفتح الله عليك. الصلاة نور، كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام.

قال والزكاة؛ أن يكون عيسى عليه السلام أوصى كذلك بالزكاة، والزكاة هنا من يقول المال؟ وهي قرينة الصلاة، كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي أعظم الأركان بعد الصلاة وهذا بالاتفاق، فالزكاة بالاتفاق أعظم من الصيام، أي صيام رمضان، وأعظم من حج البيت.

واختلف العلماء في تارك الصلاة وتارك الزكاة هل هو كافر أو لا، فالخلاف ليس في الصلاة، بل هو إجماع العلماء؛ نقل جماعة مثل ابن أبي مليكة وكذلك إسحاق بن راهويه بأن تارك الصلاة كافر، والزكاة كذلك الخلاف بها قوي. وقيل هنا الزكاة المراد بها الاستكثار من الخير، فكلمة الزكاة تأتي مع معناها النماء، ومعناها الطهارة، ومعناها كذلك البركة والإكثار. فيكون هنا فالله سبحانه وتعالى أمر بالزكاة، أي لما يحصل المال يزكي وكذلك يستكثر من الأعمال الصالحة.

قال: «ما دمت حيا»، أي سيموت عيسى عليه السلام، أي ليس هو الله سبحانه وتعالى كما يقول النصارى، تعالى الله سبحانه وتعالى. قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. ثم بعد ذلك بدأ كذلك بالعبادة العظيمة التي يقصر الناس بها كثيرًا خاصة في هذا العصر، قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32].

أمرني الله سبحانه وتعالى ببر والدتي، والبر المراد به الطاعة وحسن المعاملة، هنا الابن البار أي المطيع، بررة أي مطيعين الله سبحانه وتعالى، لا يخالفون الله سبحانه وتعالى ولا يعصون الله سبحانه وتعالى فيما أمرهم، ويفعلون ما يأمرون. هنا قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي مطيعًا لها في حسن التعامل معها، وليس طبعًا هذا في المعصية؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن مريم لا تأمر بالمعصية، مريم هذه المرأة الصديقة الصالحة ما تأمر بالمعصية.

فبر الوالدين لابد منه، وهو عبادة عظيمة وقربة كبيرة، وأعظم من الجهاد في سبيل الله من حيث الأصل؛ لما سئل النبي ﷺ كما جاء في الصحيح: «أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟» قال: «الصلاة على وقتها»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «بر الوالدين»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». فبر الوالدين أعظم من حيث الأصل من الجهاد في سبيل الله، وهي تلي الصلاة، الصلاة أعظم، ثم يأتي بعد ذلك بر الوالدين. والبر مثل ما ذكرت يكون في المعروف وليس في غير المعروف، ولكن المعاملة لابد أن تكون دائمًا حسنة في التعامل مع الوالدة وإن أمرت بالكفر، ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15]، ثم قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

فالمصاحبة بالمعروف لابد منها، ولا يجوز أن يرفع الشخص صوته هكذا على والدته وعلى والده، والعقوق شأنها كبير وعظيم عند الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي لم يجعلني عاصيًا لربي ولا شقيًا بسبب هذه المعصية وتكبر على الناس أو علوًا على الناس. وكان يقول العلماء: البار لا يكون جبارًا ولا شقيًا، وكل جبار شقي لا شك بأنه عاق، ولا يمكن أن يجتمع البر مع الجبروت وهكذا التكبر على الناس والعلو على الناس.

ثم قال: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]. والسلام علي أي السلامة، فالله سبحانه وسلم يوم ولد فلم يطعنه الشيطان كما ذكرنا، حفظه الله سبحانه وتعالى من الشيطان، كما حفظ والدته قبل ذلك ببركة دعوة الجدة الصالحة. قال: ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾، وكذلك السلام علي يوم أموت أي أمان علي وبركة، وكذلك ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي يوم القيامة. هذا عبد مسلم، هذا عبد مبارك، هذا عبد عليه أمان من الله سبحانه وتعالى، فالله سلم له دينه، وسلمه كذلك من الشيطان فلم يكن للشيطان سبيل عليه؛ لأن الله قال عنه أنه قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. فعباد الله ليس للشيطان سبيل عليهم، قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]. فقط هؤلاء منهم المخلصين، هؤلاء ما يستطيع الشيطان عليهم، نسأل الله أن نكون وإياكم منهم.

ثم قال الله معقبًا ذلك، أي هذا الذي ذكر هو الصحيح في حال عيسى عليه السلام، ذلك عيسى بن مريم، ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]. هذا هو قول الحق، أي عيسى قال قول الحق، وهذا هو قول الحق في عيسى عليه السلام، هذا الفصل، هذا القول الصواب الذي فيه يمترون أي فيه يختلفون؛ منهم من يقول هو ابن الله، ومنهم من يقول هو الله، ومنهم من يقول هو ابن كذا وكذا، مما يقوله النصارى وكذلك اليهود، ولكن الحق أنه ليس كما يقول النصارى، بل ليس كما يقول اليهود، إنما هو عبد الله سبحانه وتعالى، اصطفاه الله سبحانه وتعالى كما اصطفى غيره من الأنبياء والمرسلين.

﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: 35]. تنزيه لله سبحانه وتعالى وتعظيم له سبحانه وتعالى، لأن الولد لا يتخذه إلا الضعيف أي الإنسان، وخلق الإنسان ضعيفًا، فالإنسان الضعيف يحتاج إلى ولد مفتقر إلى ولد، ولكن الله سبحانه وتعالى غير مفتقر ولا محتاج، الله هو الصمد، الله هو الغني سبحانه وتعالى.

قال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]. فقط يقول له كن فيكون، ما يحتاج سبحانه وتعالى إلى أن يفعل غير ذلك، فقط الله سبحانه وتعالى يقول له كن فيكون، فكان عيسى عليه السلام بـ «كن» وليس هو «كن».

ثم قال الله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: 51]. هنا عيسى عليه السلام كذلك يقول: إن الله ربي وربكم فاعبدوه، هذا صراط مستقيم، يأمرهم بالعبادة كما قال الله سبحانه وتعالى لعيسى عليه السلام، أنه قال للناس: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم.

﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72]. قال: هذا فاعبدوه، هذا صراط مستقيم. ثم قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾.

هنا هذا صراط مستقيم، هذه تتكرر في قصة عيسى عليه السلام. فكلمة الآية أو الآيات، وكذلك هنا قول: «إني عبد الله»، وكذلك هذا صراط مستقيم. الصراط المستقيم متكررة في قصة عيسى عليه السلام، وهذه مخالفة للصليب الذي اعتقده النصارى. قال: فاعبدوه هذا صراط مستقيم، أي طريق مستقيم بين واضح.

ثم قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾، أي النصارى سموا أحزابًا لأنهم تحزبوا في شأن عيسى عليه السلام، واختلفوا فيها؛ فمنهم من يقول: هو الله، ومنهم من يقول: هو ابن الله، ومنهم من يقول: هو ثالث ثلاثة. ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. هنا تهديد ووعيد لهؤلاء النصارى، وكذلك اليهود الذين يتكلمون فيما لا يعرفون، ويطعنون في الله سبحانه وتعالى بزعمهم بأن الله ولد، أو يطعنون في عيسى عليه السلام ويرفعونه فوق مقامه.

وكان يقول النبي ﷺ محذرًا أصحابه: «لا تتركوني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾. فيما أسمع هؤلاء الكفار وما أبصرهم يوم القيامة لما ينظرون إلى العذاب، وينظرون إلى الساعة، وينظرون إلى النار.

ويسمعون إلى عيسى عليه السلام وهو يقول، لما يدعوه الله سبحانه وتعالى أمام الناس: أنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فيقول عيسى عليه السلام: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۖ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّيَ وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 116-117].

إذًا هنا الله يقول: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾. الآن هذه الآية تتنزل وهم يقرأونها، والله يقيم الحجج الدالة على أنه هو الواحد الأحد سبحانه وتعالى الصمد، وأنه لم يتخذ إلهًا ولد؛ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. ولكن هؤلاء لا يسمعون ولا يبصرون؛ سماع من يريد الاستجابة، سماع من يريد الفهم، لكن يوم القيامة ما أسمعهم. ما أعظم سمعهم وما أبصرهم! ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ يوم يأتوننا.

﴿لَّٰكِن ظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. الضلال في غياب، في ضياع؛ العرب تقول ضل اللبن في الماء أي غاب فيه. في ضلال مبين أي ضلال في ضلال، بين ظاهر الضلالة، فهم بعيدون غاية البعد. ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. سمي يوم القيامة بهذا اليوم بيوم الحسرة لتحسر الناس، ولكن ما الذي ينفع؟ تحسر الإنسان في ذلك اليوم العظيم، أن تقول نفسه: يا حسرة على ما فرطت في جنب الله.

﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾، خلاص انتهى كل شيء، دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. فلما يدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار، يؤتى بكبش أملح، فينادى يا أهل الجنة، فيشرفون وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت. ثم ينادى ويقال: يا أهل النار، فيشرفون وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.

﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وهم في غفلة أي عما يراد بهم، وهم في غفلة عن يوم القيامة، وهم في غفلة في هذه الدنيا؛ الهوى قد غلب عليهم والدنيا أثرت بهم، فلم يعد الواحد منهم يسمع الذي ينفعه ولا يبصر الذي ينجيه يوم القيامة. هم في غفلة، ومن أقوى أسلحة الشيطان على الإنسان سلاح الغفلة وسلاح التسويف؛ التسويف والغفلة هذه من أقوى أسلحة الشيطان على الإنسان.

ثم قال الله: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أي هم لا يصدقون وليست عندهم قابلية لسماع هذا الكلام حتى يصدقوا، هم معرضون. هذا الإعراض، هذا عدم التصديق، وانصرافهم عن الدين وعن هذه الآيات التي تنزل عليك، هي التي أوردتهم هذه المهالك، فهم تعمدوا، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. فهم الذين تسببوا بهذه النتيجة.

ثم ختم الله سبحانه وتعالى هذا المشهد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [النمل: 51]. أي إنا نحن نرث الأرض، أي نهلك جميع من في الأرض ولا يبقى إلا هو سبحانه وتعالى فيرثهم، فترجع الأرض إلى الله سبحانه وتعالى وهي له، ولكن لا يبقى أحد، الكل يموت. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، لا يبقى إلا هو سبحانه وتعالى. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾، بعد ذلك كلهم يرجع إلى الله سبحانه وتعالى فيجازيهم الله سبحانه وتعالى بأعمالهم في الدنيا.

ثم انتقل بعد ذلك إلى مشهد الحديث عن نبي آخر وهو أعظم الأنبياء بعد سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وذكر الله سبحانه وتعالى قصته مع والده، إن شاء الله تعالى نعلق عليها في الدرس القادم. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.