الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعاً وبيّاكم، وأستد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة مريم.
وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 16-17]. بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة يحيى وزكريا عليهما السلام، وكيف أن زكريا ولد له هذا الغلام على حال الكبر من السن، وكذلك كون الزوجة عاقرًا.
انتقل الآن الحديث إلى بيان الآية العظمى، الآية الكبرى؛ بيان قصة ولادة عيسى عليه السلام، هذا المخلوق الجديد الذي سينتقل به التاريخ من حال إلى حال. للتاريخ منعطفات، وعيسى عليه السلام من أعظم المنعطفات التاريخية. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: 33].
آل عمران، هذا بيت مصطفى. اختار الله عمران، وزوج عمران وهي حنّة. ودعت حنّة بدعواتها الشهيرة في سورة آل عمران: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35]. فولدت مريم عليها السلام، قالت: «ربي»، دعت الله سبحانه وتعالى، وبيّنت بأن المولود أنثى وليس ذكراً: «وليس الذكر كالأنثى، والله أعلم بما وضعت، وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم».
ذرية مريم، عيسى عليه السلام؛ فعيسى ومريم لم يستطع الشيطان أن يطعن بهما حين ولد. ما من مولود إلا وقد طعنه الشيطان حين ولد كما في الحديث، إلا عيسى عليه السلام وأمه مريم. إذن هنا الله سبحانه وتعالى اصطفى هذا البيت، ومن ضمن المصطفين هذه المرأة الصالحة، وهذه المرأة مصطفاة زيادة على هذا الاصطفاء: «إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين»، وابنها كذلك اصطفاه الله سبحانه وتعالى وكرمه وأعلى شأنه.
فدعا زكريا عليه السلام، كما تذكرون معنا في الدرس الماضي، بأن يمن الله عليه بولد: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْنِي رَبِّي رَضِيًّا﴾ [مريم: 6]. لكن الله سبحانه وتعالى قضى وقدر بأن زكريا عليه السلام يموت ابنه في حياته وليس بعد وفاته، حتى يكون أعظم لزكريا بالأجر. كان تقدير زكريا أن يولد له هذا الغلام حتى يحمي الدين من بعده، ولكن الله سبحانه وتعالى بقدره كان يريد شيئًا آخر، ودائمًا ما يغلب القدر التقدير؛ قدر الله يغلب تقدير الإنسان وإن كان صالحًا.
فكان في تقدير زكريا عليه السلام: إذا أنا ذهبت، من الذي سيحميه؟ من الذي سيوصله؟ فدعا الله سبحانه وتعالى بهذا الابن، ولكن كان في قدر الله سبحانه وتعالى بأن هذا الابن يموت قبل زكريا حتى يكون أعظم لزكريا بالأجر. والذي سيحمي هذا الدين هم الحواريون؛ عيسى يبعث نبي آخر في زمان يحيى عليه السلام، ويكون هو أفضل من يحيى ومن زكريا ومن عامة أنبياء بني إسرائيل إلا من موسى عليهما أو عليهم جميعًا السلام، وسيكون لهذا النبي أتباع وأنصار هم الحواريون، هؤلاء هم الذين ستنتقل أمانة الرسالة إليهم. هذا هو قدر الله سبحانه وتعالى الذي لا يستطيع البشر معرفته ولا الوصول إليه.
القصة من ذلك، أن الله سبحانه وتعالى هنا أمر النبي ﷺ بأن يذكر قصة ولادة عيسى عليه السلام. ولادة مريم ذكرت في قصة آل عمران، وأما هنا فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبين هذه الآية العظيمة؛ أي آية ولادة عيسى عليه السلام، فبدأ بإظهار القدرة في قصة يحيى، ثم بعد ذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين اسم القدير، أن يبين قدرة الرب سبحانه وتعالى للبشر من خلال ولادة عيسى عليه السلام، لذلك الله جعله آية للناس.
الله سبحانه وتعالى خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ضلع آدم الأيسر، وخلق عامة البشر من أب وأم، أما عيسى عليه السلام فخلق من أم من غير أب. إذاً الله جعل هذه الولادة آية حتى يعرف الناس قدرة الله سبحانه وتعالى، وهذا كله في تعظيم لله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى خلق البشر وكذلك الجن حتى يتعبدوا بأسمائه وصفاته. فالملائكة كانت تعبد الله سبحانه وتعالى، ولكن أراد الله أن يبين للبشر، وأن يدلل البشر على آثار هذه الأسماء أو معاني هذه الأسماء، حتى تتم عبادته بالطريقة التي يريدها هو سبحانه وتعالى.
إذاً لما نقرأ مثل هذه القصة، والتي قبلها، لابد أن نعيش مع اسم الله القدير، نعيش مع قدرة الله سبحانه وتعالى، مع شمول هذه الربوبية وعظمة هذه الربوبية، فالله سبحانه وتعالى من أسمائه القدير.
هنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ أي في القرآن، مريم ابنة عمران، ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾؛ انتبذت أي ذهبت وخرجت وتنحت واعتزلت عن أهلها، وذهبت إلى جهة المشرق. لماذا خرجت؟ يختلف المفسرون كثيرًا، والمشهور عندهم بأنها خرجت من أجل أن تغتسل من المحيض. فكانت هي عابدة، واسم مريم أي خادمة البيت، خادمة المسجد، فكانت هي محررة للمسجد، لأن أمها نذرت أن تكون هذه الذرية محررة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي لخدمة بيت المقدس والمسجد.
ولكن وضعت أنثى ولم تضع ذكرًا، فلما وضعت أنثى هنا كذلك استمرت بهذا النذر ولم تتراجع عنه، فكانت مريم أي خادمة البيت خادمة المسجد تعيش في هذا المسجد وتخدمه وتتعبد الله سبحانه وتعالى فيه، فإذا حاضت خرجت إلى بيت خالتها، وكان زكريا عليه السلام هو الذي كفلها، ثم هي خرجت بعد ما انقضت مدة الحيض لتغتسل، فانتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا، أي ذهبت إلى جهة المشرق. هناك لما ذهبت إلى هذا المكان ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ حتى لا يراها أحد لما تغتسل؛ قيل جبل، وقيل جدار، وقيل غير ذلك، والقصد أنها جعلت بينها وبين قومها سترًا وحاجزًا.
قال الله هنا: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾؛ هنا لما ذهبت وابتعدت عن الناس ولا يراها إلا رب الناس، فجأة يأتيها شاب جميل وهو بالحقيقة ملك. فلما رأت هذا المنظر، ولا يراها أحد ولا يستطيع أن يمنعها أحد من هذا الشاب إذا كان يريد بها سوءًا، قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾.
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ أي جبريل عليه السلام، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أي بشر سوي متناسب الأعضاء، مكتمل الخلقة، جميل الوجه. قالت: «إني أعوذ بالرحمن منك»، مباشرة فزعت إلى الله سبحانه وتعالى، واستعاذت بالله سبحانه وتعالى باسمه الرحمن. وعادة ما...
يأتي هذا الاسم في سياق العذاب. عادة ما يأتي هذا الاسم في سياق العذاب، وسيأتينا كذلك لما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: 45]. لماذا يؤتى باسم الرحمن في سياق العذاب، مع أن اسم الرحمن يدل على الرحمة الواسعة كما ذكرنا؟ إذاً لماذا يأتي هنا بسياق التخويف والتحذير، مع أن اسم الرحمن يأتي به تنزل الرحمة في سياق الرحمة وسياق الرجاء؟ لماذا هنا يأتي بسياق التخويف؟
قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18]. الجواب هو أن الرحمن على سعة رحمته لا يقبل بهذا الفعل؛ لا يقبل بالاغتصاب، ولا يقبل بالزنا. فإن كنت تخاف من صاحب الرحمة الواسعة، فاحذر أن تفعل هذا الشيء، ولا بد أن يمنعك اسم الله الرحمن من أن تتجرأ على محارم الله سبحانه وتعالى.
كذلك في قصة إبراهيم عليه السلام لما قال لأبيه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: 45]؛ الفعل الذي تفعله يا أبتي كبير، حتى إن رحمة الرحمن لا تسع الشرك إلا إذا تاب صاحبه منه، أما إذا لم يتب لا يدخل صاحبه بالرحمة؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ۖ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. أي فعلك هذا حتى هذه الرحمة الواسعة لا تسع، فما أستطيع أن أفعل لك شيء، فانتبه أن ينزل عليك عذاب من الرحمن، من صاحب الرحمة الواسعة سبحانه وتعالى.
هنا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18]. هذا القول منها المباشر يكشف صلاح هذه المرأة وتقواها وحياءها، واصطفاء الله سبحانه وتعالى لهذه المرأة الصالحة. أي كنت تقي تخاف الله، تتجنب المعاصي وتبتعد عنها، فهذه الاستعاذة ستمنعك. يقال بأنها لما ذكرت اسم الرحمن فزع جبريل عليه السلام وخاف عليه السلام، ثم بعد ذلك قال لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: 19].
أي إنما أنا رسول مبعوث من قبل ربك. هنا "رسول ربك" أي ربوبية الرحمة، ربوبية العناية، ربوبية الاهتمام. انظروا وتأملوا كم مرة تكرر معنا اسم الله الرب سبحانه وتعالى، وهنا ربوبية خاصة ليست عامة؛ هنا ربوبية الأولياء، أي ربوبية الحماية والنصرة والتأييد والرعاية. قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19]، وفي القراءة الأخرى: ﴿لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾. أي بعثني الله سبحانه وتعالى وأرسلني إليك حتى يمن الله عليك ويهب لك غلامًا زكيًا؛ ليس أي غلام، إنما غلام طاهر، صاحب نفس زكية، صاحب نفس طاهرة، صاحب نفس نقية.
تعجبت كما تعجبت زكريا قبلها، حيث قالت: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]. كيف هذا؟ كيف سأرزق بغلام وأنا لم يسبق أن تزوجت، ولم يسبق أن أتاني رجل؟ فكيف سأرزق بأي غلام؟ قالت أنى مستبعدة مستنكرة متعجبة: يكون لي ولم يمسسني بشر ولم أكن بغيًا.
قال كذلك، نعم كما قلت، أنت لم يمسسك بشر، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 21]. تكررت مرة أخرى "قال ربك"؛ اسم الله سبحانه وتعالى الرب، قال ربك المعتني بك، المهتم بك، هو علي هين، يعني هذا أمر يسير وسهل عند الله سبحانه وتعالى وليس بعظيم.
ثم قال الله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 21]. هذه كرامة عظيمة لهذه المرأة الصالحة، أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر مكانة هذه المرأة وأن يعلي شأنها، حتى تكون رقم واحد في ذرية آدم وحواء؛ فمريم ابنة عمران على المشهور هي أفضل نساء العالمين على الإطلاق، وهذا قول جمهور العلماء.
في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: 42]، هذا اصطفاء عام؛ أي اختار الله سبحانه وتعالى مجموعة من النساء واصطفاهم على بقية النساء. ثم قال: ﴿وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: 42]، هذا اصطفاء من اصطفاء؛ فهي اختيرت حتى تكون امرأة صالحة، ثم اختيرت حتى تكون هي الكاملة الأولى. لذلك الله سبحانه وتعالى ضربها مثلًا للذين آمنوا، فذكر امرأة فرعون، وبعدها مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها. فالله سبحانه وتعالى اختار هذه المرأة الجليلة العظيمة ورفع قدرها وشأنها حتى جعلها من الكمل من النساء. يقول النبي ﷺ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ».
إذن الله يقول: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ [مريم: 21]، أي آية دالة على قدرتنا، دالة على عظمة العظيم سبحانه وتعالى؛ فأراد الله سبحانه وتعالى أن يعرف نفسه من خلال خلق عيسى عليه السلام، أراد الله سبحانه وتعالى أن يكشف عن شيء من قدرته ويقربها للناس حتى يعظم الناس الله سبحانه وتعالى. هذا هو معنى الآية؛ حتى يعظم الناس ربهم ويعرفون من هو الله سبحانه وتعالى، واختار الله مريم ابنة عمران حتى تكون هي المختارة؛ لماذا؟ لصلاحها وصلاح أبيها وأمها.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ [مريم: 21] آية عظيمة للناس العالمين على مر التاريخ، ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي رحمة نرحم بها العباد بأن نبعث إليهم هذا النبي الكريم حتى يدلهم على الله سبحانه وتعالى ويُوصلهم إليه. فكانت أول كلمة قالها عيسى عليه السلام: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]، وكان يقول لبني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [الزخرف: 64]، هذه هي الرحمة؛ فالله جعله مباركًا يدل الناس على الخير ويدعو إلى عبادة الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 21]، أي هذا الأمر مفروغ منه، انتهى، لا تجادلي يا مريم، قضى الله سبحانه وتعالى وقدر بأن يخلق عيسى عليه السلام بهذه الصورة وهذه الطريقة وأن تكوني أنت أمه من غير أب.
فنفخ جبريل عليه السلام في جيب درعها فحملته، فحملته فانتبذت به مكانًا قصيًا؛ حملت بعيسى عليه السلام، ثم بعد ذلك ابتعدت واعتزلت قومها وذهبت إلى مكان بعيد عن الناس. فأجاءها المخاض، أي ألجأها الطلق، إلى جذع النخلة، قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]. الآن حملت بعيسى عليه السلام، وبعد ما اقترب وقت الولادة خرجت من المكان التي هي فيه وابتعدت إلى مكان بعيد جداً حتى أتاها الطلق، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فقالت يا ليتني الآن ستلد، وقالت من الذي سيقول الناس عني؟ هل ممكن يقبلوا كلامي حتى لو كنت صالحة؟ قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]، هذا من صلاحها وتقواها، خشيت أن يُطعن بعرضها، وأشد ما يقع للمرأة هو الطعن بالعرض. وأشبه النساء بمريم بنت عمران عليه السلام أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فهذا البلاء الذي وقع لمريم وقع كذلك لعائشة بنت أبي بكر وزوج النبي ﷺ.
والسلام رضي الله عنها وعن أبيها. وأنزل الله آيات كذلك تبرئ عائشة رضي الله عنها وأرضاها. ولو لم ينزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات لكان الناس في عرضها، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبرئها كما برأ مريم بنت عمران وجعلها آية للناس وعلامة.
قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]. أي وكنت لا أذكر شيئاً هكذا تافهاً لا يذكر، ينساها الناس مثل الخرقة البالية، مثل المتاع البالي، لما خلاص تنتهي مدة صلاحيتها ويتم إلقاؤها والناس ما يفكرون بها. هي تقول: يا ليتني مت قبل أن يأتي هذا اليوم وكنت نسياً منسياً، أي لا أذكر ولا يعرفني أحد.
انظروا كيف هي تطامنت بهذه الطريقة، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعلها أشهر نساء العالمين، بل هي أشهر نساء على الإطلاق. أشهر امرأة بالتاريخ هي مريم ابنة عمران لارتباطها الوثيق بعيسى عليه السلام، فكثير من النصارى لا يعرفون أمهات المؤمنين، ولكن كل النصارى يعرفون مريم، وجميع المسلمين يعرفون مريم. فهي أشهر امرأة على الإطلاق، رضي الله عنها ورحمها، وعليها السلام. فهي أرادت أن لا تذكر وأن لا تعرف، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعلها أشهر نساء العالمين على الإطلاق.
هل يجوز هنا الدعاء بالموت؟ يجوز الدعاء بالموت عند خوف الفتنة، أما إذا لم يخف الشخص الفتنة فلا يجوز. ولكن إذا خاف على نفسه الفتنة فهنا يجوز أن يدعو الشخص على نفسه بالموت، فهي هنا تمنت الموت حتى لا تُفتن، خافت أن تُفتن ويكثر الكلام عليها فلا تستطيع أن تقاوم الذي سيقال عنها، وكيف ستبرر نفسها؟ وكيف ستقول بأن هذا الابن أتاني بطريقة مختلفة عن بقية الأبناء؟ لن يقبل الناس بهذا الكلام.
حتى زكريا عليه السلام لما رزقت مريم بعيسى عليه السلام تعجب، وكان يقول لها: «يا مريم، أيكون زرع من غير بذر؟ يا مريم، أيكون ولد من غير ذكر؟»، قالت: نعم، وضربت مثالاً بآدم عليه السلام، وكذلك لما ذكر الزرع، قالت: نعم، من أخرج البذر الأول؟ فنفس زكريا عليه السلام كانت متعجبة من عظمة هذه الآية، يعني آية مريم أعلى بكثير من آية زكريا عليه السلام والتي وقعت له.
القصد هنا أن الله سبحانه وتعالى قال عنها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]. فناداها من تحتها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24]. لا يترك الله سبحانه وتعالى أوليائه يعيشون الهموم كثيراً، الله يمتحن الصبر ويوصلهم إلى درجة عالية في البلاء حتى يعظم أجرهم، ولكن يعينهم سبحانه وتعالى على الثبات، ثم الله سبحانه وتعالى يسليهم عن همهم ويخفف عنهم البلاء الذي يقع عليهم.
فنادها من تحتها، أي عيسى عليه السلام وقيل جبريل: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24]. و"السري" هو النهر الصغير. ثم قال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]. و"هزي إليك" هنا أمر ببذل السبب وعدم الاتكال. النهر هنا الله سبحانه وتعالى سيجريه لك، ولكن النخلة تستطيعين أنت أن تهزي، لابد أن تهزي. هنا الله سبحانه وتعالى يعلمنا بذل السبب، ولا يجلس ويتكئ هكذا، لا، لابد أن يبذل كل الذي يستطيع.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]، أي تساقط عليك رطباً شهياً ناضجاً. فالآن هي تأكل من هذا الرطب وتشرب من هذا الماء، والله سبحانه وتعالى هنا الآن يسليها ويخرجها من هذا البلاء الذي يحصر الإنسان عادة. الشخص لما يقع عليه البلاء يحصر، فلما يفكر به كثيراً ممكن يدمر نفسه ويتعب، هنا الله سبحانه وتعالى ينقلها مباشرة، هذا الماء الآن موجود، وهزي إليك بجذع النخلة.
ثم الله سبحانه وتعالى يسليها ويقول لها: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 26]. كيف تقر عيناً في موطن بلاء مثل هذا؟ نعم، لأن الله سبحانه وتعالى هو الحامي، وهو الذي سيقشع كل هذه الاتهامات. لا تخافي، إذا كان العبد في ولاية الله سبحانه وتعالى وصل إليها لماذا يخاف؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي سيدافع عنك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38].
فالله هو الذي سيدافع عن أهل الإيمان. لما أتى ابن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقيل له: "يا أبتي إنهم يتكلمون عليك"، فقال: "يا بني إن الله يدافع عن الذين آمنوا". يعني إذا كان الناس يتكلمون في هذا الشيخ أو هذا العالم أو هذا الرجل الصالح، أو بهذه المرأة الصالحة، فلا يلتفت الشخص كثيراً، ممكن يتأذى وهذا طبيعي، لكن لا يعطي الأمر أكبر من حجمه. إذا الله سبحانه وتعالى رضي عنك وقبلك في ولايته، هو الذي سيدافع عنك.
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 24-26]. فكلي من هذا الرطب واشربي من هذا الماء العذب وقري عيناً. العين ما تقر إلا عند أعظم المحبوبات. كان يقول النبي ﷺ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». أي إنسان، أي نبي عليه السلام هنا يسعد سعادة كبيرة ويفرح فرحاً كبيراً لما يصلي. وقال قبل ذلك: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ». لكن العين ما تقر إلا عند أعظم المحبوبات على الإطلاق، الصلاة، لأن فيها لقاء مع الله سبحانه وتعالى.
فهنا يقال لها: "وقري عيناً"، افرحي واسعدي بأن الله سبحانه وتعالى اختارك، وجعل هذه الآية لا تكون إلا منك. ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26]. أي إذا رأيت أحد من البشر لا تتكلمي، وقولي: "إني اليوم أنا صائمة نذرت للرحمن صوماً، فلن أكلم اليوم إنسياً".
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: 27]. فأتت به، أي بعيسى عليه السلام، إلى قومها وهي تحمله. فلما رأى الناس عيسى عليه السلام، وهذه المرأة الصالحة العابدة، وأبوها رجل صالح، وأمها صالحة، وزوج أختها أو خالتها زكريا كذلك صالحة، وزكريا هو المقدم في بني إسرائيل، البيت كله صالح، لكن كيف ترزق بابن بهذه الصورة؟
﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 27-28]. هذا الاتهام الذي كانت مريم عليها السلام تخاف منه، لكن الله سبحانه وتعالى مثلما ذكرنا تكفل في مريم عليها السلام بأن يدافع عنها ويدفع عنها. نكمل إن شاء الله تعالى ما ذكره.
عيسى عليه السلام، وقصة ولادة عيسى عليه السلام، ودفاع عيسى عليه السلام عن والدته، ودعوته لبني إسرائيل في الدرس القادم. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري