دخولتسجيل الدخول

سورة مريم 01 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعًا وإياكم، وأثبت على طريق الخير خطاي وخطاكم.

نبدأ بإذن الله في هذه الرحلة الجديدة بمدارسة سورة جديدة من سور القرآن الكريم، ومعنا في هذه الرحلة سورة مريم. هذه السورة من السور المكية بإجماع العلماء، وهذه السورة العظيمة الجليلة تكلمت عن عدد من القضايا، ولعل أبرز ما تحدثت عنه هذه السورة قضية المعجزات، قضية الآيات، قضية المواهب، وكذلك الرحمة، وكذلك الحديث عن نفي الولد عن الله سبحانه وتعالى.

فهذه السورة بها حديث طويل عن رحمة الله سبحانه وتعالى؛ فذكر الله في مطلعها: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. وذكر الله سبحانه وتعالى كذلك رحمته بمريم عليها السلام وبابنها عيسى عليه السلام، ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى رحمته بإبراهيم عليه السلام، ومنة الله سبحانه وتعالى على إبراهيم عليه السلام بالأبناء بالذرية الصالحة، وعدد الله سبحانه وتعالى رحمته على الأنبياء، ثم بعد ذلك ختم هذه السورة برحمته بأهل الإيمان بإدخالهم الجنة.

القصد من ذلك أن هذه السورة تكررت الرحمة بها عدة مرات، وكذلك اسم الله سبحانه وتعالى الرحمن الذي يدل على الرحمة الواسعة. بدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة، كغيرها من الكثير من سور القرآن الكريم، بالحروف المقطعة، إلا أن هذه السورة تختلف عن بقية السور بأن هذا المقطع أو هذه الحروف لم تتكرر إلا بها: ﴿كهيعص﴾ [مريم: 1]. هنا ذكرت هذه الأحرف المقطعة بتفرد؛ فالله ذكر ﴿حم﴾ في سبع سور، وذكر كذلك ﴿الم﴾، وكذلك الله سبحانه وتعالى افتتح بعض الآي بأحرف قريبة مثل ﴿المص﴾، ﴿المر﴾، إلا أن هذه السورة اختلفت عن بقية السور، فالله افتتح هذه السورة بـ ﴿كهيعص﴾.

بالعادة سور القرآن الكريم إذا افتتحت بالأحرف المقطعة يلي هذه الأحرف الحديث عن القرآن الكريم؛ مثل: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 1-2]، ﴿ق * وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]، ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يس: 1]، وهكذا. إلا أن هذه السورة لم يتلو هذه الأحرف المقطعة ذكر القرآن الكريم.

لماذا؟ هذه كذلك تحتاج إلى وقفة. إذن عندنا في مطلع هذه السورة وقفتان؛ الأولى أن نفس الأحرف مختلفة عن بقية الأحرف التي بالعادة تفتتح بها السور المقطعة، والوقفة الثانية أن هذه السورة لم يذكر بعدها القرآن الكريم. وعامة العلماء وجمهور العلماء يرون بأن الأحرف المقطعة المراد منها إثبات إعجاز القرآن الكريم، وأن هذا القرآن مكون من هذه الأحرف التي تتكلمون بها، وأنتم يا معشر العرب لم تستطيعوا أن تعارضوا القرآن الكريم، بل لن تستطيعوا أن تعارضوا القرآن الكريم.

لماذا هنا هذه السورة لم يذكر بعدها القرآن الكريم؟ الذي يظهر لي، والله أعلم، بأن هذه السورة افتتحت بقصتين عظيمتين غريبتين عجيبتين؛ القصة الأولى قصة زكريا عليه السلام ويحيى، والقصة الثانية والتي هي أعجب وأغرب وأعظم وأجل قصة، قصة مريم وعيسى. ففي القصة الأولى آية ومعجزة عظيمة، كيف أن شخصًا يصل به العمر إلى مائة وعشرين سنة، وكذلك زوجة عاقر وكبيرة في السن، ومع ذلك يرزق بابن، إذاً هذه تدل على قدرة عظيمة.

وبعدها أتى الله سبحانه وتعالى بقصة مريم عليها السلام مع عيسى عليه السلام، كيف ولد هذا الابن من غير أب؟ هذه كذلك تدل على آية عظيمة؛ فكأن القرآن الكريم هنا يبين بأن الذي أنزل هذه الأحرف هو الذي استطاع أن يرزق زكريا عليه السلام بابن مع بلوغه هذا السن، وهو كذلك الذي منّ على مريم عليها السلام بأن يرزقها بابن من غير زوج، وهذه آية عظيمة للبشر؛ لذلك كلمة الآيات تكررت كثيرًا في قصة مريم مع عيسى عليهما السلام، وفي هذا إظهار لقدرة الله سبحانه وتعالى.

فالله خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وخلق بقية البشر من أب وأم، ولكن بالعادة يخلقون من أب يكون في سن الشباب أو لا يكون كبيرًا جدًا في السن، والمرأة تكون كذلك في سن الحيض، أي تكون لا تصل إلى سن اليأس من الحيض وكذلك لا تكون عاقرًا، أما هنا زكريا عليه السلام يولد له وهو قد بلغ من الكبر عتيا، أي لم تعد به طاقة ولم تعد به قدرة، ومع ذلك زوج زكريا ترزق بابن وهي في سن التسعين سنة كما يقول جماعة من المفسرين، وهي كذلك عاقر.

إذاً من الذي فعله؟ هو الله سبحانه وتعالى الذي أنزل هذا الكتاب العظيم المكون من هذه الأحرف. إذاً هذه الأحرف تدل على قدرة القدير سبحانه وتعالى على عظمة العظيم سبحانه وتعالى، على أن هذا الكتاب العظيم الذي نزلت به هذه القصص، قصص زكريا ويحيى وعيسى وكذلك مريم، هو من الله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء سبحانه وتعالى.

إذاً هذه السورة تكلمت عن هذه القصة ابتدأت بها وتحدثت عن رحمة الله سبحانه وتعالى العظيمة بعباده المؤمنين بالمقربين منه سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك ثنت بذكر قصة مريم وابنها، ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى بقية الأنبياء وأخذت قصص الأنبياء غالب هذه السورة.

إذاً هنا الله سبحانه وتعالى يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 1-2]. أي اذكر يا محمد رحمة الله سبحانه وتعالى بعبده زكريا. هنا قال الله سبحانه وتعالى: "ذكر رحمة ربك"، أتى باسم الله "الرب" الذي يدل على العناية وعلى الاهتمام وعلى التربية.

والربوبية تنقسم إلى قسمين؛ ربوبية عامة هذه شاملة لجميع البشر، وربوبية خاصة هذه خاصة بعباد الله سبحانه وتعالى المؤمنين، وهم على درجات ومراتب، فمنهم من يكون اعتناء الله سبحانه وتعالى به كبيرًا جدًا كحال الأنبياء والمرسلين، وكل إنسان يأخذ من هذه العناية الخاصة بقدر إيمانه. فهنا الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أو يذكر نبيه عليه الصلاة والسلام برحمته سبحانه وتعالى.

والرحمة كذلك، والله من أسمائه الرحمن ومن أسمائه كذلك الرحيم. الرحمن يدل على عظمة الرحمة وعلى سعة الرحمة، والرحمن على وزن "فعلان"، وهذا الوزن يدل على السعة والامتلاء، فرحمة الله سبحانه وتعالى عظيمة جدًا. وكذلك اسم الله الرحيم يدل على الاستمرار، فاسم الرحيم على وزن "فعيل"، وهذه الصيغة تفيد الاستمرار، فالله سبحانه وتعالى صاحب الرحمة الواسعة، وكذلك صاحب الرحمة الواصلة المستمرة.

ذكر رحمة ربك عبده. هنا العبودية عبودية التشريف، هنا الله سبحانه وتعالى أضاف زكريا له، وهذه العبودية بها تشريف عظيم لزكريا عليه السلام، وأنه لما قام عبد الله يدعوه. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾؛ هذه كلها إضافة تشريف.

هنا الله سبحانه وتعالى يذكر زكريا عليه السلام ودعاء زكريا: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾. زكريا هو نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى من بني إسرائيل، وكان المقدم في زمانه، وكان في زمانه عائلة صالحة عظيمة الخير اصطفاها الله سبحانه وتعالى على جميع الأسر في زمانها، وهي عائلة عمران.

يقول الله إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران. فاصطفاء آدم متعلق بآدم، وكذلك اصطفاء نوح متعلق بنوح؛ لأن زوج نوح كانت كافرة وكذلك ابنه كان كافرًا، فليس الكل مصطفى، ليس كل بيت نوح مصطفى، ليس كل بيت آدم مصطفى. ثم بعد ذلك قال: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾، إذًا بيت إبراهيم كله مصطفى؛ إبراهيم وزوج إبراهيم وأبناء إبراهيم كلهم اصطفاهم الله سبحانه وتعالى واختارهم. وكذلك آل عمران؛ في عمران كان رجلًا صالحًا دينًا، وزوج عمران حنة كانت امرأة صالحة، وحنة هي التي نذرت لله سبحانه وتعالى بأن ما في بطنها محررًا: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وولدت مريم، وكذلك مريم ولدت عيسى، فالعائلة كلها مباركة والبيت كله مبارك.

هنا زكريا كان هو المقدم، كان هو نبي بني إسرائيل في زمانه، واقترب من هذه الأسرة المباركة الطيبة فتزوج منها. يقال بأنه تزوج ابنة عمران، ويقال بأنه تزوج أخت حنة، أي خالة مريم. زكريا عليه السلام كبرت به السن، ولم يوجد من شباب بني إسرائيل من يصلح أن يلي زكريا عليه السلام، فخشي زكريا عليه السلام على الدين، وأراد الولد الذي يحمل عنه الرسالة ويقوم بحفظ الدين في الأرض.

فدخل على مريم بعد ما كفل مريم عليها السلام، فلما رأى عندها فاكهة الشتاء بالصيف وفاكهة الصيف بالشتاء قال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. هنالك دعا زكريا ربه، فزكريا عليه السلام لما رأى هذا المشهد تذكر قدرة الله سبحانه وتعالى واصطفاء الله سبحانه وتعالى واختيار الله له، فهنا لجأ إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن زكريا نبي من الأنبياء، أي يعرف كيف يدعو ربه.

لذلك الله سبحانه وتعالى لما يقص علينا مثل هذه القصص حتى نتعلم العبادة من الأنبياء، حتى نتعلم طريقة عبادة الأنبياء لله سبحانه وتعالى، كيف عبدوا الله؟ كيف دعوا الله سبحانه وتعالى؟ هنا الله يقول: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. إذًا زكريا عليه السلام اختار الوقت الذي يدعو فيه، وكذلك اختار المكان الذي يدعو فيه، فيقال بأنه أجل الدعاء إلى آخر الليل، وكذلك لم يدعُ أمام الناس إنما تخفى منهم، فلا يسمع دعاءه ولا يراه إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على الإخلاص.

يقول النبي ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ذكر منهم: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». هنا ذكر الله سبحانه وتعالى خاليًا يدل على صدق هذا الإنسان وعلى محبة هذا العبد وعلى إخلاص هذا العبد، هذا العبد لا يريد أن يراه الناس ولا أن يقول الناس إن فلان يدعو، إنما هو يريد فقط أن يدعو الله سبحانه وتعالى، أن ينظر الله إليه بأنه عبد.

إذًا هنا الله يقول: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾، ربه أي المعتني به، القريب منه سبحانه وتعالى، نداءً خفيًا أي نداء بعيد عن الناس. قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.

الآن وقفة مع هذه الدعوات العظيمة. قال: "ربي"، يقال بأنه كررها ثلاث مرات، فقام في وقت السحر وقال: ربي، ربي، ربي، فقال الله له لبيك لبيك لبيك. فقال زكريا: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾، الآن اعترف، بدأ بدعاء الله سبحانه وتعالى باسم الرب الذي يدل على الاهتمام وعلى العناية وعلى القرب. قال: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي العظم وهن، أي ضعف ورق من الكبر. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أي انتشر الشيب في الرأس، أي انتشر وأصبح الرأس مليئًا بالشيب.

هذه المقدمة فيها اعتراف بضعف زكريا عليه السلام، وأنه بلغ ما بلغ من الكبر وأنه لم يعد يستطيع، الآن هو منكسر، الآن هو يظهر الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى، والضعف، والله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن ينكسر إليه، وهذه العبودية هي العبودية التي يقل من يفعلها من البشر. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تأملت أبواب العبادة فوجدتها ملأ إلا باب الافتقار والانكسار"، هذا الباب الذي تميز به الأنبياء عليهم السلام.

قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. الآن هو يستنبط رحمة الله سبحانه وتعالى ويتملكه الله سبحانه وتعالى، يقول: يا ربي ما عودتني أن ترد دعائي، يا ربي أنت الكريم، يا ربي أنت الرحيم، يا ربي أنت الغني، وأنا أفتقر إليك. أنا أسألك بأحب أسمائك إليك، أنا أسألك باسمك الرب أنك ما تتركني ولا تدعني، ولم تعودني يا ربي أنك ترد دعائي. وأنا شاب فلا تردني يا ربي، وأنا شيخ كبير هرمت في طاعتك. هو الآن يتذلل، الآن لا يدل على الله، إنما يتذلل لله سبحانه وتعالى بضعفه، ويعترف لله سبحانه وتعالى بجميل إحسانه عليه طيلة عمره.

هذا الاعتراف يحبه الله سبحانه وتعالى، أن الله أحسن لي بكذا وكذا، والله أعطاني كذا وكذا. قبل أسبوع كنت مع شخص يوم الجمعة، فلما صلينا العصر قال لا أريد أن أخرج، فقلت لم؟ فقال: أنا كنت مريضًا قبل 30 سنة، ورجل كبير في السن، ودعوت الله سبحانه وتعالى حتى شفاني الله، وعاهدت نفسي أني ما أخرج من المسجد بعد صلاة العصر يوم الجمعة؛ لأن يوم الجمعة هكذا يوم اعتكاف. فيقول الآن بعد ما شفاني الله سبحانه وتعالى ومنّ علي وأعطاني في آخر عمري، أترك هذه العبادة؟ فجلس في المسجد، ولم يقل لي لا أريد أن أترك هذه العبادة، أريد أن أستمر عليها حتى ألقى الله سبحانه وتعالى. هنا زكريا يقول ويعترف لله سبحانه وتعالى بجميل إحسانه عليه: منك ربي سمعت دعائي وأنا شاب، ولم تعودني.

يا ربي، هذا كله الآن في استمطار لرحمة الله سبحانه وتعالى. والكريم لما يخاطب بهذه الطريقة لا يرد من يطلبه، فكيف بأكرم الكرماء؟ فكيف بالكريم على وجه الحقيقة سبحانه وتعالى؟

قال: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، ثم بين بأنه الآن يريد الابن، لكن لماذا؟ من أجل أن يحمي الدين في الأرض: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾. والموالي أي العصبة، أي الأقارب من بني إسرائيل، خفت على الدين من هؤلاء؛ لأن هؤلاء فساق، لا يوجد منهم من سيحمي الدين من بعدي، ولا يوجد منهم من سيعلمهم الدين.

إذاً زكريا يخاف على الدين، فدعا الله سبحانه وتعالى ثم بين وقال: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾، يعني امرأتي عاقر، وهذا بعيد أن تلد العاقر. فبين بأنه: يا ربي أنا أريد ولداً، وأنت يا ربي ما عودتني أن تتركني، وأنا ضعفت وأنا أريد هذا الولد حتى يحمي الدين في الأرض.

﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. والولي أي ابناً يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله ربي رضياً أي يا ربي منّ علي بهذا الابن يرثني في حال الكبر، أي هذا الابن يرث النبوة عني، ويرث الدين عني، ويرث العلم.

وقال في دعائه في سورة الأنبياء: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾. يعني هنا زكريا يقول: يا ربي أنا أريد الابن حتى يحمي الدين، لست أنا متعلقاً بالابن ذات الابن، بل أنت يا ربي خير الوارثين، فيعترف بأن الله سبحانه وتعالى هو خير الوارثين، ولكن هنا يريد الابن حتى يحمي الدين، حتى يقيم الإسلام في الأرض، ويقيم الدين في الأرض، وحتى يأخذ زكريا هذا الأجر، وحتى يدعو هذا الابن لزكريا بعدما يموت.

إذاً هم زكريا الآن كيف أن عمله ما يتوقف، وكيف أن نصرة الدين وحفظ الدين يكون مستمراً؛ فزكريا قام طيلة عمره لله سبحانه وتعالى بهذا الحق وهذا الواجب، ثم بعد ذلك لما خشي على الدين دعا الله سبحانه وتعالى بأن يمنّ عليه بهذا الابن.

قال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾، أي ربي أنا ما أريد الابن فقط، إنما أريد ابناً رضياً، أريد منك يا ربي ابناً ترضاه، ترضى عنه وتحبه يا ربي، وتمنّ عليه بأن يقوم لك المقامات التي تحبها منه، ثم بعد ذلك تحببه إلى خلقك.

والله سبحانه وتعالى إذا أحب الإنسان حبّبه إلى أوليائه الصالحين، يقول النبي ﷺ: «إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».

إذاً هنا زكريا عليه السلام يدعو ربه بابن، ولكن ليس أي ابن، إنما ابن يكون رضياً، أي ابن يرضيك يا ربي وترضى عنه يا ربي، وكذلك يقوم بالعمل الذي ترضاه وتحببه إلى عبادك الصالحين. هذا ما يتعلق في مطلع هذه السورة، ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم استجابة الله سبحانه وتعالى لدعاء ونداء عبده زكريا عليه السلام. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.