الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فحيّاكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدّد على طريق الخير خطاكم. معنا إن شاء الله تعالى في هذه الليلة سورة هود، ومع رحلة جديدة من سور القرآن الكريم. وستكون رحلتنا في هذه المرحلة إن شاء الله تعالى سورة هود.
سورة هود هي من السور التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة بإجماع العلماء، وهذه السورة تتضمن معاني عديدة، والله سبحانه وتعالى ذكر فيها مجموعة من قصص الأنبياء؛ فهذه السورة من السور التي تميزت بكثرة ذكر قصص الأنبياء فيها. وأشبه السور بهذه السورة هي سورة الأعراف، فسورة الأعراف كذلك متميزة بذكر قصص الأنبياء، وكذلك سورة الشعراء، وكذلك سورة المؤمنون، لكن لكل سورة من هذه السور قصداً معيناً من أجل ذكر الأنبياء.
الأنبياء ذكروا من أجل تحقيق أمر معين؛ فالقصد من سورة الأعراف هو بيان استكبار الكفار وامتثال الأنبياء ودعوة الأنبياء والصراع بين الحق وبين الباطل. أما سورة هود، فالقصد منها تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام وتسلية النبي عليه الصلاة والسلام؛ لذلك الله سبحانه وتعالى قال في آخر هذه السورة: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120].
إذن، هنا قصص الأنبياء ليس القصد منها مجرد ذكر القصة، إنما المقصود منها أن يثبت النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تتم تسلية النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أن يقتدي النبي عليه الصلاة والسلام بهؤلاء الأنبياء في دعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى. لذلك نجد هناك اختلافاً في عرض قصص الأنبياء بين سورة هود وسورة الشعراء، وسورة هود وسورة الأعراف؛ لماذا؟ لأن المقصد مختلف.
فالهدف هنا هو تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك نجد قصة نوح عليه السلام هنا طويلة، ونجد كذلك ذكر الصبر، ونجد كذلك ردود الأنبياء: ﴿أَتَسْخَرُونَ مِنَّا فِإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [الحجر: 95]، أكدوني جميعاً، ﴿ثُمَّ لَا تَنظُرُونَ﴾. ويؤمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقول: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ [الطور: 39-40].
ليس مثل سورة الشعراء ولا سورة الحجر: ﴿وَانذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وكذلك سورة الشعراء وسورة الحجر: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. في سورة الأعراف هنا الأمر مختلف، هنا يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب؛ لماذا؟ لأن مدة الدعوة لهؤلاء قاربت على الانتهاء، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن.
هنا في قصة نوح عليه السلام، إذن كذلك يا محمد، الأمر قارب وشارف على الزوال، انتبه أن تتغير، انتبه أن تبدل، اصبر على مراد الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ̚ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: 12].
والله سبحانه وتعالى يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصبر وعدم الالتفات يميناً أو يسراً: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 112-113]. إذن هنا الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يبين للنبي عليه الصلاة والسلام بأن هذا هو الطريق.
ولا تظن يا محمد بأن هذا الواقع الآن الذي تعيشه سيدوم أبد الدهر إلى أن تموت، إنما هذا الواقع سيتغير. كيف يتغير؟ لا ندري كيف تغير واقع نوح عليه السلام؛ كيف ينزل الماء من السماء وتتفجر الأرض عيوناً، كيف ينزل البلاء على قوم هود وعلى قوم صالح وعلى بقية أقوام الأنبياء الذين كفروا واستكبروا. كذلك أنت يا محمد، لكن الأمر هنا سيكون مختلفاً؛ بقية الأنبياء نزل عليهم البلاء قدرياً من السماء، أما أنت فالله سبحانه وتعالى سيتدخل بقدرة، ولكن ليس بإنزال صاعقة من السماء وليس بالطوفان، إنما بأمر آخر وهو الجهاد في سبيل الله.
كيف يكون الجهاد وإعدادنا قليلة؟ الله سبحانه وتعالى سيقيض لك أناساً يؤمنون بدعوتك وينقادون لها غير هؤلاء، والموصل إلى أولئك النفر لن يكون إلا بالصبر. انتبه أيها الداعية بأن لا تركن إلى الذين ظلموا، انتبه أيها الداعية بأن تغيير هذا الطريق من أجل تغيير الواقع قد يوقعك في الفتنة؛ الواجب عليك أن تصبر حتى يأتي أمر الله سبحانه وتعالى الذي يغير هذا الواقع.
تقول لي فسر أكثر؟ أقول لك: الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب العظيم حتى يعلمنا الطريق الذي من خلاله نصل إليه. إذا لم ندخل في القرآن الكريم ونأخذ معايير الإسلام كما ذكرها الله سبحانه وتعالى، هنا قد نغير بل سنغير ونبدل من أجل أن نغير الواقع، فنقع بالفتنة التي حذر الله سبحانه وتعالى منها.
والله هنا يقول: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾. وهذه الآية كما يقول جماعة من العلماء هي التي شيبت النبي عليه الصلاة والسلام، فيروى في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «شيبتني هود وأخواتها». لماذا شيبت هود النبي عليه الصلاة والسلام؟ العلماء منهم من يقول بأن الآية التي شيبت النبي عليه الصلاة والسلام من سورة هود هي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
طيب، أين الثقل في هذه الآية وفي تطبيق هذه الآية؟ الثقل أن النفس مضطربة، أن النفس متحركة، أن نفس الإنسان تتقلب عليه كثيراً، والإنسان لما يتعرض إلى بلاء نفسه لا يستطيع أن يسيطر عليها كثيراً، ولما يطول أمد هذا البلاء الأمر يكون أصعب وأصعب. هنا الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يثبت وأن يستقيم وفق مراد الله سبحانه وتعالى، أي لا يغير ولا يبدل ولا يفعل أي شيء لا يريده الله سبحانه وتعالى، وإن كان القصد هو هداية الكفار.
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾. الآن الكفار يبدؤون يعترضون وينتقدون ويتكلمون ويشتمون، والنبي عليه الصلاة والسلام لما يطول أمد مثل هذا البلاء قد يفكر الداعية بأن يأتي بشيء يغير الكفار، الله يبين لنبيه: ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾، أي فقط دورك النذارة.
هذا الكلام من حيث التنظير قد يكون سهلاً، لكن من حيث التطبيق الشخص لما يكون في نفس الموقف يكون الأمر صعباً عليه وثقيلاً عليه. إذن يحتاج الشخص أن يعود دائماً إلى القرآن الكريم، وأن يعيش مع آيات القرآن الكريم بهذه الطريقة؛ هذا الإنسان الذي يتعامل مع القرآن بهذه الطريقة ويعيش ويدخل ويطبق آيات القرآن الكريم هو الذي يهتدى إلى الامتثال.
الاستقامة على أمر الله سبحانه وتعالى، فلا يحيد، لا يمنه ولا يسره، لا يغير الذي يريد الله سبحانه وتعالى منه، ولا يقع بفتنة التأويل، إنما يُحمى بإذن الله. هذا الشخص كيف يحمى من فتنة التأويل؟ أن يكون صادقًا مع الله، أن يكون ممتثلاً لأمره، وأن يعرف الحق؛ فإذا عرف الحق هُدي لتطبيق الحق وأُعين عليه، لكن إذا لم يكن يعرف الحق، فإذا ظهر هذا الإنسان سيغير ما اعتقده.
الغرض من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا يذكر قصص الأنبياء من أجل أن يثبت النبي ﷺ، وفي جوف هذه القصص إرشاد للنبي ﷺ؛ بأن نوحًا عليه السلام فعل الذي فعل، ورد عليه قومه بما ردوا عليه، ومع ذلك صبر نوح عليه السلام، إذاً أنت يا محمد أولى بالصبر. وكذلك هود، وكذلك صالح، وبقية الأنبياء؛ نفس الانتقادات والاعتراضات التي وجهت للنبي ﷺ هي ذات الاعتراضات التي وجهت لأنبياء الله سبحانه وتعالى.
أنبياء الله سبحانه وتعالى بيّن الله لهم بأن هؤلاء لن يؤمنوا، كما بيّن في قصة نوح عليه السلام، إذاً كذلك هؤلاء قد لا يؤمنون؛ قد تدعو وتدعو وتدعو، وفي النهاية لا يؤمن أحد من هؤلاء، وهذا هو الذي وقع. وهذه السورة على المشهور بأنها نزلت في آخر المرحلة المكية، أي بعد موت أبي طالب وخديجة، وهذه المرحلة أصعب مراحل الدعوة في مكة.
فالدعوة في مكة مرت بمراحل؛ المرحلة الأولى كانت مرحلة الدعوة السرية، وهذه لم تكن صعبة ولا شاقة، فكانت البداية، فكان النبي ﷺ ينتقي من يدعوه، واستمرت هذه المرحلة كما يقول جمهور العلماء ثلاث سنوات، ثم بعد ذلك بدأت مرحلة الدعوة الجهرية، فصدع النبي ﷺ بما أمره الله سبحانه وتعالى. هنا وقعت البلاءات؛ فوقعت فتنة التعذيب، وقعت فتنة التكذيب، وقعت فتنة الإغراء؛ فكان يكذب النبي ﷺ ويطعن به ويتهمه بأنه ساحر وكاهن إلى آخره، وكان كذلك يعذب أصحاب النبي ﷺ، وكان كذلك أسلك الكفار طريق الإغراء.
وكل هذا نجده موجودًا في هذه السورة، ووقع لأنبياء الله سبحانه وتعالى على اختلاف الفتنة التي وقعت عليهم، وكيف كان النبي ﷺ هو الصادق الأمين، ثم أصبح بعد ذلك كذا وكذا؛ فكيف كانوا يواجهون صالحًا عليه السلام، وكيف كانوا يواجهون شعيبًا عليه السلام ويذكرونه بماضيه: «إنك لنت الحليم الرشيد»، «أصلاتك تأمرك أن نفعل هكذا؟»، فمثل هذه الدعوات أو مثل الاتهامات والاعتراضات التي تعرض لها أنبياء الله سبحانه وتعالى هي عين الاعتراضات التي تقع مع النبي ﷺ.
لذلك كل قصة تُذكر هنا تكشف وتبين للنبي ﷺ المعاني التي يحتاج إليها؛ لذلك القرآن الكريم لا يكرر القصص فقط من أجل التكرار، إنما التكرار يكون معه فائدة، بل معه فوائد مناسبة لطبيعة الحال التي وصلت إليها الدعوة. لذلك عرض القصص هنا مختلف عن عرضها في سورة الأعراف؛ لأن هناك قصدًا لشيء معين محدد، أما هنا فلقصد آخر.
كذلك هنا، لما ننظر في قصص الأنبياء نجد بأن الله سبحانه وتعالى يبين في قصص الأنبياء معنى الصبر، وكذلك طول أمد الدعوة. فنوح عليه السلام طال أمد دعوته ألف سنة إلا خمسين عامًا، هو يدعو قومه وصابر محتسب باذل، لكن نوحًا عليه السلام سأل الله سبحانه وتعالى أن يهب له ابنه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: 44].
هنا الله يبين بأن هذا الأمر لا يحب من الأنبياء، إذاً انتبه يا محمد أن تفعل مثل هذا الفعل؛ الله سبحانه وتعالى لما يكشف لنا مثل هذه المعاني، يبين لنا بأن هذا لا يُقبل حتى لو كان الشخص داعيًا إلى الله، حتى لو كان الشخص عاملًا للدين. الله سبحانه وتعالى لا يحب من أوليائه ولا من عبيده أن يدخلوا بهذه الدائرة، دائرة القدر؛ فيبين للنبي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، يعني هذا لا تقوله، حتى هذا لا تقوله.
لوط عليه السلام: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، هذه كذلك انتبه أن تقولها؛ فلوط صبر، لكن حتى في هذا الموقف الذي طربت فيه النفس وتحركت -وهذا أمر طبيعي يقع عند الإنسان- يأتي قوم لوط يهاجمون لوطًا ويريدون أخذ أضيافه حتى يفعلوا بهم الفاحشة، فهو يدفع هؤلاء ثم يقول في هذه اللحظة الصعبة: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. يقول النبي ﷺ: «يرحم الله أخي لوطًا، لقد كان يؤوي إلى ركن شديد».
كذلك لما يقول لوط عليه السلام لما تبين له الملائكة بأن هؤلاء مواعدهم الصبح، فلوط يقول الآن يا ربي، فالله يقول: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]، أي لا تستعجل يا محمد، انتبه لا تستعجل على هؤلاء، سيأتي يوم لهؤلاء متى لا ندري، متى نسلم لله سبحانه وتعالى وبهذا يتمايز الناس.
فالله سبحانه وتعالى يوجه نبيه عليه الصلاة والسلام من خلال قصص الأنبياء؛ كيف هؤلاء ثبتوا، كيف هؤلاء صبروا، وما هي المواطن التي لا تفعلها حتى تكون أعلى من هؤلاء الأنبياء وهو سيد الأنبياء بأبيهم ﷺ. فالله سبحانه يذكر لنا هذه المعاني حتى نعرف كيف نتعامل مع الله سبحانه وتعالى، وكيف نعبده سبحانه وتعالى على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى منا.
والقرآن الكريم كتاب نزل حتى يوجه الإنسان حتى يتعامل مع الإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى؛ التنظير سهل، لكن لما يأتي التطبيق يكون أمرًا شاقًا، إذاً اصبر واستعن بالله، اصبر واستعن بالله وقاوم ولا تستسلم. لذلك هذه السورة افتتحت بالصبر، فالله يقول هنا في كتابه العظيم: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَةُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 15-16].
الله سبحانه وتعالى هنا يبرز هذا المعنى، معنى الصبر من خلال ذكر مصطلح الصبر ومن خلال ذكر قصص الصابرين، وهم أنبياء الله سبحانه وتعالى. الغرض من ذلك أن سورة هود ينبغي أن يرجع الإنسان إليها كثيرًا، لكن أخص ما ينبغي الرجوع إليه من الحالات والأحوال هو لما يطول أمد البلاء على الإنسان.
كل سورة من سور القرآن الكريم نزلت من أجل توجيه معين ومقصد معين خاص بها، وسورة هود يرجع إليها الإنسان لما يطول أمد بلاؤه، لما يطول أمد دعوته ويدعو ويدعو ومع ذلك لا يجد استجابة، فيكون بعد مدة من الزمن، بعد أربع أو خمس عشرة سنة، بين خيارين: بين خيار أن يغير دعوته ويغير الطريق كله، وبين خيار أن يثبت على الطريق حتى يأتي قدر الله.
أقول لك: إذا كنت واثقًا بأن هذا هو مراد الله سبحانه وتعالى، وكنت أنت قد أخذت من القرآن الكريم وليس من نفسك، اثبت واصبر. أما إذا لم تكن واثقًا، فأقول لك ارجع للقرآن الكريم واعرف مراد الله سبحانه وتعالى، حتى تعرف كيف تدعو إليه.
ومن باب الاختصار والتقريب، أقول بأن الأمور البينة الظاهرة ظاهرة، لكن الأمور الخفية تحتاج إلى مراجعة قوية حتى يعرف الإنسان المواطن التي بها ثبات، والمواطن التي يكون بها تقدير وبها مصلحة. والذي يلتحم مع القرآن الكريم هذا هو الذي يهدى، هذا هو الذي يبين له معاه الإسلام ويعرف تفصيل ما يتعلق بمثل هذه المعاني.
سورة هود نزلت في هذه المرحلة؛ دعوة في مكة، النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بعد الدعوة السرية ثلاث سنوات، بعد ذلك بدأ بالدعوة الجهرية. تكذيب، تعذيب، إغراء؛ استمر هذا الأمر حتى جاءت السنة العاشرة. ومن السنة الرابعة إلى السابعة كان في شعب أبي طالب، حتى بعد ذلك مات أبو طالب.
أبو طالب كان هو القوة الحامية للنبي عليه الصلاه والسلام، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «لم تنل مني قريش شيئًا أكرهه إلا بعد وفاة أبي طالب». قبل ذلك وقع بلاء، لكن لم يكن ثقيلًا بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن بعد ما مات أبو طالب كان البلاء شديدًا. لماذا؟ لأن أبو طالب كان يحمي النبي عليه الصلاه والسلام من كثير مما تريد قريش، أما بعد ذلك لم يعد النبي عليه الصلاه والسلام يستطيع أن يدعو كما كان يدعو، حتى خرج عليه الصلاة والسلام من مكة وهو الشريف عليه الصلاة والسلام وهو المختار وذهب إلى الطائف، ثم بعد ذلك رجع إلى مكة في جوار المطعم بن عدي.
لم يعد النبي عليه الصلاه والسلام يستطيع أن يفعل كما كان يفعل قبل ذلك لذهاب القوة التي كانت تحميه. لذلك من السنة العاشرة من البعثة إلى الهجرة إلى المدينة، هذه المرحلة لم يستطع النبي عليه الصلاه والسلام أن يبلغ فيها الرسالة لقريش، إنما كان يبلغ القبائل؛ فكان إذا أتى إلى مكة يخرج النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من يؤويني حتى أبلغ رسالات ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالات ربي».
في هذه المرحلة كان الأمر شاقًا، فكان النبي عليه الصلاه والسلام ممنوعًا من الدعوة في مكة لأنه داخل في جوار المطعم بن عدي، وكان كذلك الكفار يستهزئون به استهزاءً زائدًا؛ فكان يأتي الرجل ويأخذ حفنة من التراب -عليه لعنة الله- ويضع التراب على رأس النبي عليه الصلاة والسلام.
كان هكذا الكفار يفعلون مع النبي عليه الصلاة والسلام، حتى كان يقول حافظ بن كثير بأن هذا البلاء الذي كان به إلقاء الجزور على ظهر النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي، هذا كله كان بعد وفاة أبي طالب؛ أما قبل ذلك كان هناك بلاء لكن لم يصل إلى هذا الحد. وكم ثقل هذا البلاء على الرجل! رجل شريف، وماضيه كله مشرف، وكان يقال عنه إنه الصادق الأمين، وهو كذلك من طبعه الرحمة ومن طبعه الحلم، فهو حليم عليه الصلاة والسلام، أحلم الناس، وأشرف الناس، ويتعرض إلى مثل هذا البلاء بعد ما جاوز الخمسين من العمر. هذه الأمور كلها تجعل البلاء ثقيلًا جدًا على نفس الإنسان، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقاسي من هذا البلاء شدة.
والله سبحانه وتعالى هنا ينزل هذه الآيات العظيمات ليمتّ النبي عليه الصلاة والسلام، ويبين له بأن هذا الطريق هو طريق الأنبياء. والإنسان لما يقع عليه مثل هذه الأمور ربما يفكر بأن يأتي بشيء آخر، والله سبحانه وتعالى يبين له: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [الرعد: 7]. هذا دورك؛ الله يريد منك أن تبلغ، يريد منك أن تثبت، يريد منك أن تصبر فقط، لا يريد منك أن تغير.
هنا نقترب الآن من معايير الإسلام؛ لما نعيش القرآن بهذه الطريقة نعرف بأن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نفعل كذا. ليس الذي نريده نحن أحيانًا؛ أحيانًا نريد أشياء معينة محددة، ولكن ليس هذا هو الذي يريد الله سبحانه وتعالى، إنما الذي يريد الله سبحانه وتعالى هو أن تثبت، أن تصبر، أن تبلغ، لا يريد منك أن تغير. وتقول من الحكمة أن نفعل كذا، نعم إذا كانت الحكمة هي نفس الإسلام، لكن لا يريد منك الحكمة التي تتخذها من قبل نفسك، ليست هي نفس الدين.
فالقص من ذلك أنه بعد ما مات أبو طالب وبعد ما ماتت خديجة اشتد البلاء، وكان هذا البلاء الشديد من جهتين: الأولى عدم قدرة الداعي على تبليغ الدعوة، وما أثقل هذا على الداعي -والحديث وهو أحرض الدعاة عليه الصلاة والسلام-. الأمر الثاني من جهة نفس الأفعال التي كان يفعلها الكفار مع النبي عليه الصلاه والسلام، فكان الأمر ثقيلًا وشديدًا عليه عليه الصلاة والسلام.
فالله أنزل سورة في هذا الجو، بعد سنوات من الدعوة وبعد سنوات من البلاء والأفق مظلم لا يجد طريقًا للتغيير، وهؤلاء الكفار ثابتون على كفرهم صابرون على ضلالهم مقيمون عليه، والله سبحانه وتعالى يبين للنبي صبرًا، ويبين له بأن هذا الواقع الذي يملكه هو الله سبحانه وتعالى. لذلك الله سبحانه وتعالى يقول في آخر آية من هذه السورة: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [هود: 123]. الذي يعرف الغيب هو الله سبحانه وتعالى، والذي يملك الغيب هو الله سبحانه وتعالى، وإليه يرجع الأمر كله.
كل شيء ارجع إليه؛ هذا الكون لا يسير إلا بأمر الله سبحانه وتعالى الكوني، لا يخرج أحد عن مراد الله سبحانه وتعالى الكوني، قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. أما أنت الواجب عليك فاعبده، وتوكل عليه، وفوض أمرك لله سبحانه وتعالى، اعتصم بالله، افعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك وفوض الأمور إليه.
والله سبحانه وتعالى ينظر ويبصر، ويتهدد هؤلاء الكفار ويتواعدهم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: 123]. سبحانه وتعالى، فالله سبحانه ليس بغافل، إنما ينظر ويبصر، وستأتي عاقبة مثل هذه الأمور كما وقع لقوم نوح، وكما وقع لقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط وهكذا، وكذلك فرعون، كذلك سيقع لقومك، لكن كيف؟ لا ندري. لكن المراد منك أن تصبر، المراد منك أن تتعلق بالله، المراد منك أن تثبت على هذا الدين، حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا.
جاءهم نصرنا، لا يأتي النصر إلا في مثل هذه اللحظات، والآن اقتربت لحظة التغيير، اقتربت لحظة الانتقال. ولما نعيش مع القرآن الكريم بهذه الطريقة، سنصحح معاييرنا وسنفهم بأن الذي يقع في أذهاننا كثيرًا ليس هو مراد الله سبحانه وتعالى. سنفهم كيف الله يحمي دينه، كيف الله سبحانه وتعالى يحمي هذا الإسلام.
كيف نواجه جبًّا على الداعية في لحظة انغلاق الواقع؟ انغلاق الواقع هو تسليم الداعية لله سبحانه وتعالى، وتعلق الداعية بالله سبحانه وتعالى، وبذل الداعية ما يستطيع من أسباب، ثم سيكون قدر الله. لا يريد من الداعية أن يتعلق بالأسباب، لذلك تنقطع الأسباب ولا يوجد شيء، خلاص يبذل الداعية كل شيء وينقطع كل شيء. الله يريد من الداعية هذه المرحلة حتى يثبت صدقه، حتى يثبت توكله، حتى يقر بأن الله سبحانه وتعالى هو الملك، إن الله سبحانه وتعالى هو المسيطر. سبحانه هو الذي يغير هذا الواقع، هو الذي يملك سبحانه وتعالى تغيير الحال من حال إلى حال، تغيير الواقع من هذا الواقع إلى واقع آخر.
الله يحب من الداعية أن يتعامل معه بهذه الطريقة؛ لذلك الله يقدر على الداعية كثيرًا البلاءات التي يضيق معها الأفق ويغلق معها الواقع في ظن الإنسان، لكن المتعلق بالله سبحانه وتعالى يعلم أن هذا كله سيتغير. كيف لا ندري؟ نقول كما قال موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟». كيف يتغير؟ لا ندري، لكن الله سبحانه وتعالى سيغيره.
الآن البلاء في غزة شديد وثقيل ومستمر ومتتابع ومتوالي إلى متى؟ حتى يأتي قدر الله. وسياتي قدر الله سبحانه وتعالى بشرط أن يصدق الدعاة مع الله، أن يصدق الناس مع الله، كما أنجى الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان في الخندق. سيُنْجي الله سبحانه وتعالى كل من يتعرض إلى بلاء شبيه من هذا البلاء، كيف لا ندري؟ لكن الله سبحانه وتعالى سيقدر المقادير.
الجزء من ذلك أن سورة هود تعلمنا هذه المعاني العظيمة الجليلة؛ سورة هود سورة التثبيت، سورة هود سورة التسلية للدعاة الذين طال أمد دعوتهم وأيسوا من أقوامهم أو كادوا يئسوا من أقوامهم وممن يدعونهم. سورة تعلم الداعية بأن الواجب عليك أن تثبت وأن تصبر وأن تستمر. والفتنة التي ستقع عندك إذا غيرت، وليس الفتنة التي ستقع عندك إذا فعلت كذا وكذا، إنما الفتنة الآن الخطيرة جدًا عليك التي ينبغي عليك أن تخاف منها أشد الخوف هي فتنة التغيير.
هنا الداعية لما يفهم الدين بهذه الطريقة ويعيش مع القرآن الكريم بهذه الطريقة، لن يلوم، لن يقع باللوم والعتب وتذمر الكبير؛ هذا لن يقع عنده، إنما سيكون هم الداعي: كيف أثبت على مراد الله؟ كيف أطبق الذي يريد الله سبحانه وتعالى مني؟ كيف أفعل الذي يحب الله سبحانه وتعالى مني؟ هكذا سيفكر الداعية. الإنسان من حيث هو إنسان ضعيف، لذلك إذا ضغط هذا الإنسان يتشكل وفق الضغط الذي يضغط عليه فيبدأ يلوم، يبدأ ينتقد. لكن إذا هذا الإنسان صنع صناعة قرآنية، كما كان هنا الله سبحانه وتعالى يصنع النبي عليه الصلاة والسلام ويصنع أتباع النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112]، أي من عاد إلى الحق معك من ترك الباطل؛ اتباع النبي عليه الصلاة والسلام.
هنا هذا الإنسان سيقف، الإنسان لما يصنع بهذه الطريقة سيتعامل مع كل حادثة وكل واقع التعامل الذي يريد الله سبحانه وتعالى منه. هذا هو الفارق بين الإنسان الذي يصنع صناعة قرآنية وبين الإنسان الذي يصنع صناعة عامة ليست صناعة قرآنية؛ إنما هكذا يسمع بعض المحاضرات، أو هكذا يقرأ بعض الكتب إلى آخره، هذه صناعته ليست قوية، هذه صناعته إذا ضغط ممكن تتغير وتتبدل. لكن الذي يصنع صناعة قرآنية واللي يعيش مع مثل هذه الآيات، هذا الإنسان هو الذي يهدى لتطبيق المراد الإلهي.
القصد من ذلك أن سورة هود نريد أن نقرأها بهذه الطريقة، يعني نعيش الآن مع واقع النبي عليه الصلاة والسلام ونفهم طبيعة الإنسان؛ كيف أن البلاء لما يطول يتعب الإنسان ويتدمر الإنسان ويتغير، كذلك الإنسان، وكيف الله سبحانه وتعالى يقيم هذه الحجج العظيمة. والله سبحانه وتعالى كيف يصنع أولياءه من خلال هذه الآيات ومن خلال قصص الأنبياء. كيف أن السورة، سورة النبي أو سورة الرجل الصالح الذي يطبق الدين، تكون ذات أثر عظيم في نفس الإنسان. وكيف أن الرجل المؤمن لما تأتيه مثل هذه السور يتأثر بها.
وكيف لما يكون الإنسان بمثل حال النبي عليه الصلاة والسلام، الذي هو العبد المختار الأول، كيف لما يقرأ: ﴿وَإِلَىٰ نُوحٍ وَإِلَىٰ عَادٍ وَإِلَىٰ ثَمُودَ وَإِلَىٰ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ وَلُوطٍ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَقَوْمِ تُبَّعٍ﴾ [هود: 50]، كيف ثباته سيكون أحرص على الثبات من هؤلاء الأنبياء الأجلاء عليهم السلام؟ لماذا؟ لأنه أعلى من هؤلاء الأنبياء وأرفع درجة من هؤلاء الأنبياء، فهو خير الأنبياء على الإطلاق عليه الصلاة والسلام.
إذًا نريد أن نقرأ هذه السورة بهذه الطريقة، وسيكون إن شاء الله تعالى عندنا مجلس كل يوم بإذن الله نعيش مع بعض المعاني، ولا نستطيع أن نتكلم ونفصل في هذه السورة التفصيل الكبير؛ لذلك ستكون قراءتنا لهذه السورة مناسبة للوقت الموجود عندنا. وإذا أراد الإنسان أن يعيش مع معاني هذه السورة ليدخل بها، وكذلك ليقرأ التفسير بتأمل وتدبر، وكذلك ليقرأ هذه السورة ويسمع هذه السورة ويحاول جاهدًا أن يعيش مع حال النبي عليه الصلاة والسلام وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المرحلة، فيقرأ مثلًا من كتب السيرة مرحلة الدعوة في مكة ويعيش معها حتى يصل إلى هذه المرحلة، مرحلة موت أبي طالب وموت خديجة؛ هذا الإنسان الآن يبدأ يعيش مع هذه المعاني وهذه الآيات.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا، وأن يهدينا، وأن يسددنا، وأن يوفقنا، وأن يعيننا على امتثال أوامره، إنه ولي ذلك القادر عليه. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري