الحمد لله. الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نبدأ إن شاء الله تعالى في هذا المجلس بالتعليق على سورة هود. وهذه السورة كما ذكرنا في اللقاء الماضي من السور التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، بل في أواخر مرحلة الدعوة المكية. فالآن نقرأ هذه الآيات ونعيش مع هذه المعاني الجليلة العظيمة التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في حال اشتداد الواقع عليه وعلى أصحابه.
فحال النبي عليه الصلاة والسلام وحال كذلك الصحابة رضي الله عنهم، لما كانوا يقرأون هذه الآيات، كان الواقع مرًّا، وكان الواقع به شدة. وكان الكفار قد بلغ بهم العتو والطغيان والتكبر إلى مداه، ولم يعد هناك بالأفق شيء يلوح في تغيير هذا الواقع.
فالله سبحانه وتعالى ينزل هذه الآيات على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الصحابة وهم في هذه الحال، في هذا الواقع. فيبدأ الله سبحانه وتعالى بتمجيد هذا الكتاب العظيم والثناء عليه، وكذلك يبدأ هذه السورة بذكر اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى الدالة على حكمة الله سبحانه وتعالى وعلى اطلاعه سبحانه وتعالى.
يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الر ۚ ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: 1-4].
إذن الله سبحانه وتعالى يفتتح هذه السورة الجليلة بهذه الحروف المقطعة، الدالة على أن هذا القرآن الكريم مكون من هذه الحروف. يفتتح الله سبحانه وتعالى هذه السورة التي تدل على أن هذا الكتاب نزل من عند الله سبحانه وتعالى. فانظروا الآن كيف الباطل يعلو وينتفش، والله سبحانه وتعالى يقابل هذا الباطل بمثل هذه المقابلة، لا تكون المقابلة هنا بأسلوب هكذا على الحق المبين، بل ببيان بأن هذا الكتاب الذي أنزله هو الله سبحانه وتعالى، وأنتم ما زلتم أيها الكفار عاجزون عن الإتيان بمثل هذا الكتاب العظيم.
«ألف لام راء»؛ تعرفون أنتم هذه الحروف. لماذا لم تستطيعوا طيلة العشر سنوات الماضية أن تأتوا بكتاب مثل هذا الكتاب؟ لماذا لم تستطيعوا أن تأتوا بمثل هذا القرآن وأنتم أهل الفصاحة وأهل البيان؟ لماذا عجزتم عن الإتيان بمثل هذه الكلمات العظيمة؟
ثم انظروا كيف الله سبحانه وتعالى يثني على هذا الكتاب: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، أي هذا الكتاب محكم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا تجد به أي اختلاف، ولا توجد به أي ثغرة، ولا يوجد فيه موطن من المواطن يستطيع الشخص أن يطعن في هذا الكتاب أو أن يرد على صاحب هذا الكتاب. هذا الكلام محكم متقن، يعجز البشر عن الإتيان بمثله، ولو كان من عندي غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، ليس قليلًا؛ فكتب البشر الاختلاف الموجود بها كثير، لماذا؟ لعجز البشر، ولضعف البشر.
أما هذا الكتاب العظيم الذي أنزله هو الله سبحانه وتعالى، الذي أنزله هو الحكيم سبحانه وتعالى، الذي أنزله هو الخبير سبحانه وتعالى: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. انظروا يا إخواني إلى كثافة المعنى في هذه الآية الأولى من هذه السورة الجليلة.
الله سبحانه وتعالى الآن يتحدى الكفار. الكفار الآن هم منتشين في هذا الباطل، يشعرون بالعلو، يشعرون بأنهم أقوى من أهل الإيمان، وبدأوا يستضعفون أهل الإيمان، بل نستحضر ممثل هذه الدعوة، أي النبي عليه الصلاة والسلام مات عمه، أي ماتت القوة الحامية له، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى هنا يطرق أسماع الكفار ويقرع أسماع الكفار وقلوب الكفار بمثل هذه الآيات العظيمة: أنتم عجز، أنتم ضعفاء، لا تستطيعون. لما عجزتم عن منافسة القرآن والإتيان بسورة من مثله، بدأتم تلجأون إلى ما لجأتم إليه من أساليب الضعف. لماذا لا تواجهون الحجة بالحجة؟ لماذا لا تواجهون البرهان بالبرهان؟
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ كتاب محكم لا يأتيه الباطل، ولا يوجد به أي خلل. وكذلك هذا الكتاب كتاب متقن من حيث ألفاظه، فألفاظ القرآن ألفاظ متقنة، ألفاظ قوية، ألفاظ متينة، يعجز العرب الفصحاء البلغاء على أن ينافسوا هذا الكتاب العظيم. ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، أي ألفاظ هذا الكتاب محكمة، وكذلك معاني هذا الكتاب.
﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي أن الله سبحانه وتعالى ذكر الآيات المفصلة في هذا الكتاب المحكم بقدر معين، فالله سبحانه وتعالى لما يذكر التوحيد، لما يذكر قضية الرسالة، لما يذكر قضية البعث والنشور، لما يذكر تفاصيل الأحكام، هذه الأحكام وهذه الشرائع مفصلة، مفصلة تفصيلًا مناسبًا لما يذكره الله سبحانه وتعالى بها، ولنفس هذه المعاني التي فصلت من أجلها هذه الأحكام.
والذي يقع في ذهني مع هذه السورة الجليلة أن الله سبحانه وتعالى هنا لما يتكلم عن عظمة القرآن وعن شرف هذا الكتاب العظيم وعن علو هذا الكتاب العظيم ثم يقول ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي لا تطلب أيها الرسول، وكذلك لا تطلب أيها الداعي إلى الله سبحانه وتعالى تفصيلًا أكثر من هذا التفصيل. فالله سبحانه وتعالى فصل الآيات، والله سبحانه وتعالى بين هذه الآيات، وتفصيل القرآن الكريم لا مزيد عليه؛ أي أن القرآن الكريم جاء بالحجة الظاهرة البينة البالغة، لا توجد حجة بعد هذه الحجة. هذه الحجة هي أعظم الحجج على الإطلاق، فالذي يطلبه الكفار لن يغير من الواقع شيء.
فانتبه أيها الداعية أن تطلب شيئًا خارجًا عن القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى بين وفصل هذه الآيات، وفصل هذه الأحكام وهذه الشرائع، وما عليك إلا البلاغ ثم الصبر. عليك الإنذار والبيان ثم أن تصبر لأمر الله سبحانه وتعالى، سيتغير هذا الواقع، سينقلب هذا الواقع.
فالله سبحانه وتعالى هنا يثني على هذا الكتاب العظيم، يبين الله بأن هذا القرآن مفصل، وهذا التفصيل مناسب للمراد، مناسب لإقامة الحجة، مناسب للمعاني التي يذكرها الله سبحانه وتعالى؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان، والله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم طريقة توجيه هذا الإنسان وإصلاح هذا الإنسان. فلما ينزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات بهذه السورة حتى تخاطب نفس الإنسان خطابًا مباشرًا، تتكرر الآيات وتثنى المعاني وكذلك القصص؛ لأن هذه الطريقة في التكرار ليست تكرارًا محضًا، إنما تكرار نفس المعاني وكذلك نفس هذه القصص من أجل إيصال الإنسان إلى المعنى الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن...
يوصل الإنسان إليه؛ فالله هنا يقول: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، أي هذه الأحكام، هذه الشرائع مفصلة. من الذي فصلها؟ من الذي أحكم هذا الكتاب؟ ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، أي الله سبحانه وتعالى هو الحكيم، وهو الذي أنزل هذه الأحكام بهذه الصورة وهذه الطريقة، وهو الخبير، أي الذي يعلم دقائق الأمور، ويعلم ما يقوله الكفار.
فلا تعجل واصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، وابتعد عن معاصي الله سبحانه وتعالى، وقم بما يريده الله سبحانه وتعالى، ولن تكون النتيجة إلا كما كانت النتيجة مع من نصر الله أولياءه، كذلك ستكون النتيجة. اسم الله الحكيم يدل على أن الله سبحانه وتعالى يضع الأمور في مواضعها، ولما فصل هذه الآيات وهذه الأحكام ووضع هذه المعايير في القرآن الكريم، فكل هذا من حكيم؛ فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم، ولما يؤخر العقوبة، هذا كله يرجع إلى اسم الله الحكيم، ولما لا يؤمن هؤلاء الكفار مع هذه الحجج البينة الظاهرة، هذا كله يرجع إلى اسم الله الحكيم، حكمة بالغة.
إذن نعيش مع اسم الله الحكيم ومع المعاني العظيمة التي يتضمنها هذا الاسم، فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم في أقداره، وهو الحكيم في شرعه، وهو الحكيم في كل ما يفعله في أفعاله. وكذلك الخبير؛ فالله سبحانه وتعالى يعلم دقائق الأمور، يعلم ما يحيك الكفار ويعلم مكرهم، ويعلم ما يفعل أهل الإيمان، ويعلم ما يصلح الإنسان، ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير، يعلم هذه النفس البشرية لأنه الخالق لها، فيعلم الذي يصلحها، ويعلم بأن هذا الكلام إذا لم يقبله الكفار لن يقبلوا أي حجة غير هذه الحجة لو فعلت لهم ما فعلت، ولو أعطيتهم ما يريدون، كل هذا لن يؤثر في الواقع شيئًا.
ألم يطلب فرعون من موسى أن يأتيه بآية، فآتاه بالعصا وألقاها فأصبحت ثعبان مبين؟ ثم جمع السحرة ثم ألقى موسى العصا فأكلت عصا موسى، أي الثعبان الذي تحولت إليه هذه العصا، فآمن السحرة، فما الذي فعله فرعون؟ ليست المشكلة بتكذيب موسى عليه السلام، فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
إذن نعيش مع اسم الله الحكيم حتى نتعرف على الله سبحانه وتعالى، حتى نعرف من هو الحكيم سبحانه وتعالى، فلما لنا واقع مثل هذا الواقع، أو لما نأتي بهذه الحجج، نعرف بأن هذه الحجج لا توجد حجج أقوى منها، فلا نذهب ولا نميل ولا نحيس، ونعلم أن هذا القدر سيغيره الله سبحانه وتعالى، ونعلم أننا إذا استنفذنا الطاقة وبذلنا كل ما نستطيع وانقطعت الأسباب، بقي الآن تدخل قدر الله سبحانه وتعالى، متى؟ الله أعلم، وليس من حقك أن تعرف، إنما هذا يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.
فالقسم من ذلك أن هذا كله يتضمن اسم الله الحكيم، والله سبحانه وتعالى الذي أحكم هذا الكتاب وفصل آياته، هذه كلها ترجع إلى اسم الله الحكيم، وكذلك إلى اسم الله الخبير. ثم قال الله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، أي الله سبحانه وتعالى أحكم هذا الكتاب وفصل آياته لكي لا تعبدوا إلا الله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.
هنا بدأ بأعظم قضية جاء بها الدين، قضية العبادة، قضية التوحيد لله سبحانه وتعالى، وأنتم يا معشر الكفار تعبدون غير الله سبحانه وتعالى، وتصرفون العبادة لغير الله، فتساوون الله سبحانه وتعالى بغيره في المحبة، وكذلك تدعون غير الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.
فأنتم تشركون مع الله سبحانه وتعالى غيره، وتعبدون معه غيره، ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكذلك تخافون من الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. إذن هنا القلب منصرف لغير الله، والجوارح كذلك منصرفة تبعًا للقلب لغير الله سبحانه وتعالى، فالدعاء لغيره، والخوف من غيره، والمحبة لغيره، أي محبة التأله، هذه كلها عبادة لغير الله سبحانه وتعالى، والله بعث هذا النبي الكريم حتى يصحح هذا الأمر، حتى يعيد الناس إلى ملة إبراهيم عليه السلام: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.
القضية الأولى قضية التوحيد، والثانية الرسالة؛ أشهد أن لا إله إلا الله، هذا الشق الأول من كلمة التوحيد، والشق الثاني: وأن محمدًا رسول الله. هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي لَكُمْ﴾، أي محمد عليه الصلاة والسلام مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، ﴿نَذِيرٌ﴾، أي أنذر من يعصي الله سبحانه وتعالى، أنذر الكفار، وأنذر العصاة بأن هناك يوم قيامة، وهناك جهنم، وجهنم صفتها كذا وكذا، والذي يخالف أمر الله سبحانه وتعالى ستكون عقوبة هذه المخالفة وجزاءها جهنم وبئس المصير.
وتأملوا وعيشوا معي هذه الآيات في سياق علو الكفار؛ كيف القرآن يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يخاطب الكفار بهذه الطريقة؟ كيف سيكون وقع الكفار وهم قد علوا وطغوا وتجبروا بأن يخاطبوا بهذه الصورة وهذه الطريقة: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾، بدأ بالنذارة، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَبَشِيرٌ﴾، بشير لمن؟ لمن يؤمن؛ الذي يؤمن ستكون الدنيا له حسنة، أي سيصلح الله سبحانه وتعالى له دنياه، وكذلك ستكون الآخرة له، وسيكون في الجنة بإذن الله.
ثم يذكر القرآن الكريم في بقية السور تفصيل ما يتعلق بهذه النذارة وهذه البشارة. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾.
استغفروا ربكم من الذنوب التي وقعتم بها، استغفروا الله سبحانه وتعالى، وهنا أتي باسم الرب ولم يؤتِ باسم آخر ليدل على المنعم. أي هنا الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يخاطب الكفار بهذا الخطاب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ مِنْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، إذاً هذا الخالق لماذا تعصونه؟ لماذا تعبدون معه غيره؟ أنتم تعلمون بأن هذا نبي مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، وتعلمون أن هذا الكلام لا يقوله البشر، إنما هذا كلام رب البشر سبحانه وتعالى، لماذا الحسد والبغي والكبر أوصلكم إلى ما أوصلكم إليه؟ لماذا تصدون عن رسالة الحق بعدما تبينت؟
لكم بعدما ظهر لكم الحق وبان وأبرزه هذا النبي الكريم. قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: 3]. أي استغفروا الله وتوبوا إليه سبحانه وتعالى، ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا حسنًا. واستغفروا ربكم أي اندموا على ما فعلتم وأقلعوا عن هذه الذنوب والمعاصي التي وقعتم بها.
أوتي بسم الله الرب الذي يدل على أنه هو الذي أعطاكم، هو الذي من عليكم بكل ما تعصون الله به الآن من نعم؛ هذه الحواس، من الذي من عليكم بها؟ الله سبحانه وتعالى. هذه الأموال، من الذي أعطاكم إياها؟ هذه الصحة، من الذي أعطاكم هذه النعم العظيمة؟ الرب سبحانه وتعالى، وأنتم تعلمون ذلك، إذا لماذا تعصونه؟ لماذا تخالفون أمره؟
ثم توبوا إليه أي ارجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، وأوبوا إلى الله سبحانه وتعالى؛ فاتركوا المحرمات وأقبلوا على فعل الطاعات. إن فعلتم ذلك سيمتعكم الله سبحانه وتعالى، يمتعكم متاعًا حسنًا؛ أي أن الله سبحانه وتعالى سيمتن عليكم بسعة الرزق في هذه الحياة الدنيا، وأعظم الرزق راحة البال، أي ستسعدون ولن تكون قلوبكم في كدر، ولن يصيبكم الألم والضيق الكبير.
﴿وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124]. هذه لن تكون لكم، إنما ستتمتعون متاعًا حسنًا في هذه الحياة الدنيا. يمتعكم متاعًا حسنًا، أي أن الله سبحانه وتعالى سيطيل هذه الأعمار، والأصل في كلمة المتاع أي الطول. أمتع الله بك أي أطال الله بقاءك، أمتعنا الله بك أي أطال الله سبحانه وتعالى بقاءك.
والدنيا كلها متاع، والمتاع مهما طال في النهاية سينتهي، فالإنسان يتمتع فيها ثم ينتقل إلى غيرها، مثل متاع المنزل يكون له مدة زمنية معينة ثم بعد ذلك ينتقل، والله سبحانه وتعالى ثم بعد ذلك يفسد ويخسر ويؤتى بغيره. هنا الله يقول: يمتعكم متاعًا حسنًا، أي أن الله سبحانه وتعالى سيجعلكم تعيشون فوق الأرض بحياة حسنة، سيفتح عليكم بالرزق، وسيعطيكم سبحانه وتعالى ما يصلحكم في هذه الحياة، وسيصلح الله سبحانه وتعالى بالكم.
أعظم المتاع هو راحة البال كما ذكرت. قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه؛ فالقناعة كنز عظيم يمن الله عليكم بهذا الكنز. يعطيكم الله سبحانه وتعالى هذه الراحة وهذه السعادة، وفي الدنيا نعيم من لم يذقه، ومن لم يدخله لن يدخل نعيم الآخرة. هذا النعيم الذي يحصله أولياء الله سبحانه وتعالى، والذي يتمتع به هذا القسم المختار من عبيد الله سبحانه وتعالى، يعطيه الله سبحانه وتعالى لمن يشاء منهم، أي لمن يحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى، يمن الله عليه بهذا النعيم.
قال: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: 3]. أي أن الله سبحانه وتعالى يعطي ويجزي كل صاحب فضل، كل صاحب حسنات، كل من عمل صالحًا على أعماله. وانظروا الآن إلى التلازم بين الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى وبين إصلاح حياة الإنسان؛ فالذي يدمن ويكثر من استغفار الله سبحانه وتعالى والتوبة إليه، هذا يفرج كربه ويفرج همه ويرزق من حيث لا يحتسب.
وسبحان الله، القصص في هذا الأمر في الاستغفار وأثره في الرزق، سواء كان بالأبناء أو بالزواج أو بالوظيفة إلى آخره، أمر عجيب غريب. ومن القصص التي حضرتها قبل مدة أن امرأة كانت صالحة وجالسة في بيتها، ووقع عليها بلاء في الزواج الأول فطلقت، فاستعانت بالله سبحانه وتعالى وأكثرت من الاستغفار، فكانت تستغفر في اليوم عشرين ألف مرة. فأتاها زوج يبعد عنها أكثر من ألف وخمسمائة كيلو، وسبحان الله كيف وصل إليها لا يوجد أي سبب يوصل إليها، وكان الرجل الذي أتاها رجلًا صالحًا، وفي مجتمعهم من الصعب أن يجدوا شخصًا مثل هذا الشخص. فالقصد من ذلك أن الاستغفار أثره عجيب، وهذا الأمر مشاهد ومجرب؛ فمن يبتلى ويدمن الاستغفار ويكثر منه يجد أثر الاستغفار العجيب عليه.
انظروا هنا كيف القرآن الكريم يذكر الاستغفار وأثر الاستغفار في الحياة الدنيا؛ كيف أن هذا الإنسان الذي يكون يعيش في نكد أو عليه هم أو محتاج إلى أن يقوم بشيء معين ولكن ما يستطيع لأن الباب مغلق أمامه، كيف أن الاستغفار يفتح هذه الأبواب. وكان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ابن تيمية إذا استغلقت عليه آية ولم يفهمها يستغفر الله سبحانه وتعالى ألف مرة أو أكثر حتى يفتح له بالفهم. فالاستغفار شيء عظيم، له أثر عظيم حتى في فهم القرآن، وحتى في فهم أحاديث النبي ﷺ. وكان النبي ﷺ يستغفر الله سبحانه وتعالى في المجلس ويتوب إليه مئة مرة.
قال: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: 3]. أي أن الله سبحانه وتعالى لم يفتح لهم هذا الباب، باب التوبة والرجوع إليه. ﴿فَإِن تَبْتُمْ﴾ بعد كل ما فعلتموه، سيمن الله عليكم بأن يمتعكم متاعًا حسنًا حتى تموتوا، ويفتح الله سبحانه وتعالى عليكم ويعطيكم ويرزقكم مع كل ما فعلتموه.
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا﴾ أي إذا لم يقبلوا بما أتيتم به ولم يتوبوا ولم يقلعوا عن هذه الذنوب والمعاصي وهذه الأعمال الشركية التي يقومون بها، ﴿فَإِنِّي﴾ قل لهم: ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾. وصف الله سبحانه وتعالى هذا اليوم بأنه كبير لشدة أهوال هذا اليوم وعظمة ما ستلاقون في هذا اليوم العظيم المخيف.
ثم قال الله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، أي سترجعون إلى الله، ستموتون ثم ترجعون إلى الله سبحانه وتعالى. كم سنة تعيشون؟ كم ستبقون فوق الأرض؟ ثم ماذا؟ ثم الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: 4].
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِهِ ۘ أَلَا إِنَّهُمْ إِذَا اسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: 5]. كان النبي ﷺ يدعو الكفار، فإذا رأوا النبي ﷺ يصدون عنه وينصرفون عنه ويغطون وجوههم بثيابهم، وكذلك يحنون صدورهم حتى لا يكلمهم النبي ﷺ حتى لا يستمعوا إلى دعوته، كل هذا مبالغة في الإعراض. وكذلك كان بعض الكفار، وهو الأخنس بن شريق، كان يأتي النبي ﷺ ويزعم بأنه معه، ثم لما يرجع إلى الكفار.
يبين بأنه ليس مع النبي عليه الصلاة والسلام، فكان حلول كلام كما يقول ابن عباس؛ فيزعم لكن إذا رجع إلى الكفار يبين بأنه ليس مع النبي عليه الصلاة والسلام، فهنا يثنون صدورهم ليستخفوا منه، على حين يستغشون ثيابهم ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: 13-14].
وكذلك قيل بأن هذه نزلت في نفر من المسلمين، فكانوا يستحيون من الله سبحانه وتعالى في حال الوقاع وكذلك في حال قضاء الحاجة، فكانوا يثنون صدورهم حتى كانوا يستحون من الله سبحانه وتعالى؛ فالله سبحانه وتعالى يبين لهم بأن الورع ليس هنا، والزهد ليس هنا، والعبادة ليست هنا، إنما بما في القلوب.
فعلى المعنى الأول والثاني المقصود به بيان عظمة علم الله سبحانه وتعالى، وأن الكفار إذا كانوا يظنون بأن إخفاءهم ما في صدورهم أو فعلهم هذه الحركات تمنع، أو أن الله سبحانه لا يعرف ما يقولون أو ما يفعلون، فالله سبحانه وتعالى يبين لهم بأنه على حين يستغشون ثيابهم، أي لما يغطون وجوههم بثيابهم، يعلم ما يسرون من قول، أي الكلام الخفي الذي يقولونه، وكذلك ما يعلنون، أي ما يجهرون به.
بل أبلغ من ذلك: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي يعلم الله سبحانه وتعالى ما تحتويه هذه الصدور من أفكار ووساوس وخواطر وهواجس، هذه كلها يعلمها الله سبحانه وتعالى ولا تخفى على الله سبحانه وتعالى خافية.
ثم يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: 6]. وما من دابة تدب فوق الأرض إلا على الله رزقها، سواء كانت هذه الدابة ذات رجلين، أو ذات الأربع، أو ذات الثلاث، كل ما يدب على الأرض من إنس وكذلك من بهائم وسباع، فالله سبحانه وتعالى رزقها على الله.
فالرزق يأتي من السماء وليس من الأرض، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]. فالرزق يأتي من هناك، يأتي من السماء ليس من الأرض، ومن ظن بأنه في الأرض سيحصل الرزق، فالرزق يأتي الإنسان وهو جالس في بيته، ويكدح الشخص ويعمل وقد لا يحصل الرزق، يحارب الرزق، هو يريد الرزق لكن الرزق ينصرف عنه. وليس معنى هذا أن الشخص لا يبذل السبب، لكن بذل السبب يبقى سبباً ولا بد من بذله، أما الرزق فهو من الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾؛ هذه الدابة التي تخرج للبحث عن الرزق، الله سبحانه يعلم المكان الذي تأوي إليه، ويعلم هذه الحركات التي تتحركها وإلى أين ينتهي بها طلب الرزق، وكذلك الله سبحانه وتعالى يعلم المستودع؛ قيل المستودع أي المكان الذي ترجع إليه، وقيل المكان الذي تموت فيه وتدفن فيه، فالله سبحانه وتعالى يعلم حركات هذه الدابة، ويعلم أين تخرج ومتى تخرج، وإلى أين ستذهب وأين ستموت، هذا كله يعلم الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي كتبه سبحانه وتعالى، هو الذي قدره.
فكل ما يصنع العباد مكتوب عند الله سبحانه وتعالى، كل هذه الحركات والسكنات وهذه الأرزاق وهذه الدواب كل هذا في كتاب مبين، أي في اللوح المحفوظ. فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض خلق القلم، وأمر هذا القلم بأن يكتب، فقال: يا ربي ماذا أكتب؟ فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكتب هذا القلم ما سيقع في هذه الأرض.
فالله سبحانه وتعالى كتب بأننا في هذه اللحظة سنفسر سورة هود، وأن العدد الذي حضر معنا الآن والذي يستمع الآن هذه الكلمة سيسمع في هذه اللحظة في هذا اليوم، فالله سبحانه وتعالى كتب هذا كله. إذاً لماذا العمل؟ اعملوا، «فكل ميسر لما خلق». فالله سبحانه هنا لما يخبرنا بأن هذا كله مكتوب حتى لا يجزع الإنسان على الدنيا حتى لا يتعلق بها، وكذلك وقبل ذلك حتى يعظم الله في قلبه. فالله سبحانه وتعالى هو العليم، الله سبحانه وتعالى هو الخبير، الله سبحانه وتعالى هو صاحب الأوصاف الكاملة سبحانه وتعالى، أسماؤه الحسنى وصفاته العلى.
وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بأن كل ما قاله الأئمة أو ما قالته الأمة -الإجماع- هو شرح لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكل ما في السنة هو شرح للقرآن الكريم؛ فالسنة شارحة للقرآن الكريم، وكل ما في القرآن هو شرح لأسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى وصفاته العليا، فالله يبين لنا شيئاً من أوصافه.
فالله كتب هذا كله وعلم هذا كله سبحانه وتعالى ثم كتبه، فعلم الله ثم بعد ذلك خلق القلم، وأمر القلم بأن يكتب، وقبل أن يخلق القلم الله سبحانه وتعالى كان يعلم، وهذا كله مكتوب في اللوح المحفوظ، كله في كتاب مبين. الذي يعيش مع هذه الآيات يعلم بأن الآن هذا الواقع مكتوب؛ يا أيها النبي الكريم، يا أصحاب النبي، كل ما يقع معكم هذا مكتوب قبل أن يخلق الله السماوات والأرض، والله يعلم كل ما وقع وما سيقع، فالله سبحانه يعلم هذا كله، فهذا الذي تقعون به الله يعلمه، كله في كتاب مبين.
ثم قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [هود: 7]. هنا الله سبحانه وتعالى ذكر خلق السماوات والأرض في ستة أيام، لماذا؟ حتى يعلم البشر الإمهال، كي ينتظروا، لا تستعجلوا؛ فالإنسان مفطور على العجل، خُلق الإنسان من عجل، والله يريد أن يربي هذا الإنسان وأن يهذب هذا الإنسان، وهذا القرآن الكريم يهذب هذا الإنسان.
هنا الله سبحانه وتعالى يبين للنبي الكريم، وكذلك لأصحاب نبيه، أن الله سبحانه وتعالى هو الله جل جلاله، صاحب القدرة الشاملة، وهو على كل شيء قدير. لما خلق السماوات والأرض خلقها في ستة أيام، لم يخلقها هكذا مرة واحدة وهو قادر على ذلك، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، لكن لما خلق السماوات والأرض خلقها في ستة أيام.
أيها الإنسان، الإمهال، تعلم أيها الإنسان الحلم، تعلم أيها الإنسان الانتظار، ولا تستعجل. وهذا معنى الرباني، الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره، وفي وصف الرباني يقول العلماء هو الحليم العليم الحكيم، فهو يوجه الناس ويصبر على الناس حتى يأتي قدر الله سبحانه وتعالى، فالله يبين هنا بأنه هو، وهو الله، لما خلق السماوات والأرض خلقها في ستة أيام سبحانه وتعالى.
ثم قال: «وكان عرشه على الماء، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً». إذاً الله يبين بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهذا الخلق للسماوات والأرض القصد منه هو الاختبار. أي وجود السماوات، وجود الأرض، وخلق الإنسان، القصد من هذا كله الاختبار، لذلك هذه السماوات ستنتهي وتذهب لما تأتي القيامة؛ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. هذه الأرض ستُبدل، هذه السماوات ستذهب، إذاً القصد من خلق السماوات وخلق الأرض هو: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
فالله الآن يبين بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض سبحانه وتعالى، ويبين بأن الخلق كان في ستة أيام. «وكان عرشه على الماء» سبحانه وتعالى، «ليبلوكم أيكم أحسن عملاً»، ولم يقل: «أكثر عملاً». «وكان عرشه على الماء»، إذاً العرش مخلوق قبل السماوات والأرض، وكذلك الماء كان موجوداً قبل السماوات والأرض، فكان الله ولم يكن شيء معه. كان الله ولم يكن شيء معه، وفي رواية أخرى: «كان الله ولم يكن شيء قبله».
فالله سبحانه وتعالى خلق العرش، وكذلك خلق الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض، واختلف العلماء في أي المخلوقات خلق الله سبحانه وتعالى أولاً، ما أول المخلوقات؟ فقيل العرش، وقيل الماء، وقيل القلم، ولكن على قول جمهور العلماء بأن العرش قبل القلم، ومنهم من يقول الماء كما جاء عن بعض العلماء، وكذلك روي عن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فالقصد من هذه الآية تبيان بأن الله خلق العرش، وكذلك هذا العرش كان على الماء.
«وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً». هنا الله سبحانه وتعالى ذكر حسن العمل ولم يذكر كثرة العمل؛ لماذا؟ لأن المقصود حسن العمل، فحسن العمل في الدين أعظم من كثرة العمل. ما هي الموازنة؟ الحسن مع الكثرة أفضل، والحسن مقارنة بالكثرة هو أفضل من الكثرة. يعني لما يكون عندنا شخص يحسن العمل ويكثر العمل هذا أفضل. لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعنّي على نفسك بركعة في جوف الليل»، وكثرة السجود. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾.
ولما دنا أجل النبي عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْ ۖ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]، أي أكثر من التسبيح والاستغفار لله سبحانه وتعالى. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر، لكن الحسن أفضل من الكثرة. لما يكون إما حسن أو كثرة، فالحسن يكون أفضل. والحسن المراد به الإخلاص والإصابة. يعني شخص في وقت السحر، الأفضل يكثر من التسبيح أو من الاستغفار؟ الحسن هنا الاستغفار.
خرج رجلان من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فلم يجدا الماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء؛ فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر. فلما رجعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال للذي أعاد: «لك الأجر مرتين»، وقال للذي لم يعد: «أصبت السنة». أيهما أعظم؟ الذي لم يعد، لكن الأجر مرتين؛ الأجر الأول الصلاة الأولى، والأجر الثاني الصلاة الثانية. يعني اجتهد فأخطأ فله أجر، إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجر، وإذا أخطأ فله أجران. أما هذا الذي أصاب السنة فله ثلاثة أجور: له أجر الصلاة الأولى، وله أجر الإصابة بالحكم، فلما أصاب في الحكم أي عدم الإعادة للصلاة والوضوء له أجران، فأجران مع أجر ثلاثة أجور، وهذه هي السنة. أي لو كان النبي عليه الصلاة والسلام مكان هذا الشخص لفعل هذا الذي فعله.
إذاً القصد هو حسن العمل، القصد هو الإصابة، القصد هو الإخلاص. فالعمل لما يكون الشخص مخلصاً فيه ويصيب فيه سنة النبي عليه الصلاة والسلام هذا أفضل من الذي يكثر ولا يصيب السنة، أو الذي يكثر ولا يكون عنده إخلاص، طبعاً إذا لم يكن عنده إخلاص حتى لا يقبل عمله. وإذا لم يصب السنة فعلى حسب هذه السنة؛ إذا كان الذي يقع به بدعة فهذا كذلك عمله مردود: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». لكن إذا لم يصب السنة من غير أن يكون هناك مخالفة في بدعة، كشخص يسبح في وقت السحر، فالتسبيح جائز وفيه أجر لكن ليس مثل أجر الذي استغفر، لأن هذا الوقت وقت استغفار. شخص يسبح قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، أفضل أم يستغفر؟ يسبح لأن هذا وقت تسبيح. هذا هو الذي يعرف السنة يعرف الآن المراد، فلما يوافق المراد يكون أجره أعظم عند الله سبحانه وتعالى وإن كان أقل عملاً.
إذاً هنا الله يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، أي أخلصه وأصوبه كما يقول فضيل بن عياض. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾. أي إذا خطبت الكفار وقلت لهم بأنكم ستبعثون بعد هذا الموت وهم يسلمون بالموت، ثم بعد هذا الموت ستبعثون، ليقولن الذين كفروا -أي من جاء بالحق ورد هذا الحق ولم ينقادوا له-: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾. سحر مبين أي هذا باطل، هذا غرور، هذا لا يمكن أن يكون، أو أن هذا الكلام تسحر به الناس فالذي يستجيب لك يكون قد سحرته والعياذ بالله. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾ ويقولون ﴿مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر بين بأن هذا الكلام غير صحيح، وأن هذا الكلام ما يتأثر به إلا شخص وقع بهذا الأمر، السحر.
ثم قال الله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾. قبل ذلك هنا الله لما قال: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، لماذا أتى بهذه الآية في هذا السياق؟ هنا الله يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام، ويبين له بأن هذا الذي يقال لك من هؤلاء الكفار الله يعلمه سبحانه وتعالى. فالله يبين له ويعظم الله سبحانه وتعالى كتابه، وقبل ذلك ذاته سبحانه وتعالى لنبيه الكريم، ثم بعد ذلك يبين بأن هذه الحجج البينة والظاهرة والعالية الكفار يخاطبونها بمثل هذا النوع من الخطاب، هذا يؤثر في النفس.
وهنا كما ذكرنا لكم في اللقاء الماضي أن هذه السورة مثبتة للنبي عليه الصلاة والسلام ومسلية له عليه الصلاة والسلام؛ فالله هنا يعظم عنده الإيمان، ويبين له ما يقوله الكفار. قالوا: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾. ما أعجب رد هؤلاء الكفار وما أغرب ما يقوله هؤلاء المجرمون، كيف أن هذه الآيات تأتي بينة وظاهرة ومع ذلك لما تخاطبهم بهذه الحقيقة يقولون الذي يقولونه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ * لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: 8].
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ أي إلى مدة زمنية معينة، فالله يؤخر هذا العذاب هنا. من العلماء من يقول المراد بالعذاب أي عذاب الآخرة، ومنهم من يقول يوم بدر، والأظهر الأول.
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ أي عذاب الآخرة، ﴿إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ أي مدة زمنية معينة مقدرة، يكون رد الكفار: "ما يحبسه؟" لماذا ما ينزل عليهم العذاب؟ لماذا ما تحل بنا العقوبة؟ فالله يرد عليهم ويقول: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ أي هذا العذاب ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ سيأتي، ولكن الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام كذلك له تقدير الحكيم الخبير، له تقدير في وقت نزول العذاب.
لذلك لا تستعجل أيها المؤمن لما ترى الكفار يطغون ويتجبرون، لهذا الطغيان وهذا الجبروت، متى النهاية؟ حكمة بالغة. متى؟ ﴿إِنَّمَا يُوعَدُونَ الصُّبْحُ ۚ أَبَعِيدٌ﴾ ثم فصلت من لدن حكيم خبير. لا تقل متى، إنما افعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك. الله يريد أن يوجه الداعية إلى تنفيذ المراد، ليس إلى الخروج عن دائرة المراد إلى دائرة أخرى، دائرة التفكير في أمور ليست له.
فالله هنا يبين: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ سيأتي ولكن متى لا ندري. لماذا يتأخر؟ حكمة بالغة، والله يريد منك أن تصبر، والله يريد منك أن تفعل الذي يريده.
﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم﴾ أي نزل بهم ما كانوا به يستهزئون، هذا الذي يستهزئون به ويضحكون. يستهزئون بأصحاب النبي ﷺ ويسخرون: ﴿أَتَسْخَرُونَ مِنَّا ۚ قَالُوا إِنَّا نَسْخَرُ مِنْكَ﴾ كما تسخرون إذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. هذا كله سينظرون إلى عاقبته، ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ سينزل بهم هذا الذي يقولونه، سينزل بهم هذا الذي كانوا يستهزئون به: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
نقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري