دخولتسجيل الدخول

سورة هود 03 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة هود، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9].

ذكرنا لكم في اللقاء الماضي بأن هذه السورة نزلت في حال عصيبة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعاني من شدة من الكفار، وكان عدد أهل الإيمان قليل، وكانت القوة للكفار والعلو لهم. وطال أمد كفر هؤلاء الكفار، وكذلك طال أمد هذه الدعوة، ولم يستجب هؤلاء الكفار لها، فكانت هذه الحال صعبة وثقيلة على النبي عليه الصلاة والسلام. والله سبحانه وتعالى أنزل هذه الآيات مثبتًا ومصبرًا وموجهًا ومطمئنًا للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك لأتباعه وأصحابه.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: 9-10]. إذن هذه الآيات تكشف الإنسان، وتبين طبيعة هذا الإنسان؛ فهذا الإنسان كائن متقلب، كائن ضعيف. الإنسان لا يذكر في القرآن الكريم إلا ويراد به الضعف، إما الضعف الديني أي الكفر، أو الضعف الخلقي. هنا الإنسان أي ضعيف، سواء كان المراد به الكافر كما يقول جماعة من العلماء، أو على القول الآخر جنس الإنسان، فطبيعة الإنسان هكذا إلا من روّض نفسه.

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾، نعمة، أعطينا هذا الإنسان نعمة مال، ولد، مننّا عليه بنعمة من النعم، ثم نزعناها منه، أخذنا منه هذه النعمة، صرفنا عنه هذه النعمة، أخذنا منه الابن، أخذنا منه المال، سلبنا منه الصحة. ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، طبيعة هذا الإنسان أنه سريع اليأس، سريع الجحود. هذا الإنسان إذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بنعمة، ثم ابتلاه الله سبحانه وتعالى بأخذ هذه النعمة، ييأس هذا الإنسان ويجحد. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾، إذا مننّا على هذا الإنسان وأذقناه النعماء بعد الضر الذي أصابه، بعد البلاء الذي وقع به، ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾، مباشرة يقول ذهب، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.

﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 11]. إذاً الله سبحانه وتعالى الآن يذكر الإنسان، ويكشف طبيعة هذا الإنسان؛ هذا الإنسان كائن متقلب، كائن ضعيف، إذا أعطي نعمة ثم سلب هذه النعمة ييأس ويجحد، وإذا منّ الله عليه وأعطاه النعمة بعد ما كان فقيرًا، بعد ما كان ضعيفًا، بعد ما كان هكذا مفتقرًا إلى هذه النعمة، مباشرة يطغى ويتكبر ويتجبر.

وتعرفون قصة الثلاثة الذين ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام: الأقرع، والأبرص، والأعمى. أراد الله سبحانه وتعالى أن يبتليهم فأرسل إليهم ملكًا بصورة إنسان، وكل واحد من هؤلاء اختار شيئًا معينًا؛ هذا قال: أحب أن يرجع الله إليّ بصري، وهذا قال: أريد أن يمن الله سبحانه وتعالى عليّ بشعر حسن، والثالث قال: بجلد حسن. ثم كل واحد منهم أعطي نوعًا من الدواب من بهيمة الأنعام؛ فالأعمى اختار الغنم، والثاني اختار البقر، والثالث اختار الإبل، ثم ابتلاهم الله سبحانه وتعالى واختبرهم. فكان الأبرص والأقرع يقولان: «إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر»، لما جاء هذا الملك بصورة رجل مسكين فقير منقطع به السبيل يطلب منهم المال وذكرهم بهذه النعمة. ولكن جحدوا، وقالوا بأننا ورثنا هذا المال كابرًا عن كابر؛ لذلك الله سبحانه وتعالى لام هؤلاء. كيف أنك تكون ضعيفًا وفقيرًا ومسكينًا، ثم الله يعطيك ويمنّ عليك، واذكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك واشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. لكن طبع الإنسان أنه ما يصبر عند المصيبة ولا يشكر عند النعمة.

بخلاف ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، إلا من روّض نفسه، إلا من استذكر قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، إلا من استذكر اليوم الآخر، إلا من استذكر الجنة والنار، إلا من استذكر الجزاء يوم القيامة، إلا من استذكر نظر الله سبحانه وتعالى، إلا من استذكر عبودية الله سبحانه وتعالى، إلا من استذكر ما يحب الله سبحانه وتعالى من هذا الإنسان. هذا هو الذي يوفق، هذا يصبر عند الضراء ويشكر عند السراء، هذا يكون حاله مثل حال أيوب عليه السلام، يقع عليه البلاء العظيم فيصبر ويصبر ويصبر حتى يضرب به المثل في الصبر. وحاله مثل حال سليمان عليه السلام، لما يمنّ الله عليه بهذه العطيات ويعطيه هذه النعم الكبيرة، فيقول مباشرة: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم سبحانه وتعالى.

هنا الله سبحانه وتعالى يبين للنبي عليه الصلاة والسلام وكذلك لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ضرورة الصبر. اصبروا، أنتم مختلفون عن هؤلاء، أنتم مستثنون من جنس الإنسان؛ لأنكم اختاركم الله سبحانه وتعالى على عينه. فلما يمنّ الله عليكم، وسيمُن عليكم، وستنتقلون من هذا الواقع إلى واقع آخر، وسيفتح عليكم، وستحكمون هؤلاء الذين هم يحكمونكم الآن. كيف امتثل النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآيات؟ كيف دخل مكة عليه الصلاة والسلام؟ دخلها متواضعًا منكسرًا لله سبحانه وتعالى، ولما قال: «ما تظنون بأني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». هذا هو المؤمن؛ المؤمن لما يبتلى بالسراء يصبر ويشكر، ولما يبتلى بالضراء يصبر ويشكر، وفتنة السراء عادة ما تكون أعظم فتنة الضراء.

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». هنا الله سبحانه وتعالى يكشف لنا هذا الإنسان، ويبين لنا هذه المعاني العظيمة والجليلة التي هي من طبع الإنسان إلا من روّض نفسه. إلا من استعمل الرياضة كما يذكر ابن القيم في مدارج السالكين منزلة الرياضة، ذكرها الهروي قبل ذلك وهو يشرح كلام الهروي، هذا الذي روّض نفسه، عوّد نفسه على الشكر عند السراء وعلى الصبر عند الضراء حتى أصبحت هذه العبادة ملازمة له.

نظرتم إلى ذاك الرجل الذي كان عنده بستان، عنده مزرعة، وأخذ يحرث هذه المزرعة ويزرع هذه المزرعة، يبذر فيها البذور ويسقي هذه البذور حتى نبتت وأثمرت ثم جاءت جائحة وأكلت كل ما فعل، ذهب المال وذهب الوقت وذهب الجهد، فخرّ لله سبحانه وتعالى ساجدًا شاكرًا له. هذه عبادة الأولياء، هذه هي عبادة الأولياء؛ لا يكون بينك وبين ما تريده إلا خطوة واحدة ثم فجأة يذهب؛ ماذا تقول الآن؟ ماذا تفعل الآن؟ «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». هذه عبادة، هذه ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ الوحيدة في القرآن الكريم في هذا الموطن، موطن الاشتداد؛ لأنك لن تحصل ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ إلا لما تكون في هذه الحال الصعبة، في هذه الحال الثقيلة، في هذه الحال الشديدة، وهذا الموقف أي تثبت فيه وتصبر فيه ثم يحملك هذا الصبر على العمل الصالح. هذا هو الذي يبلغ بك، هذا هو الذي يوصلك إلى المراتب العالية، هذا هو الذي يدخلك في مصاف الأولياء مصاف الأصفياء. العبادات التي يقوم بها الإنسان ترفعه، ولكن المواقف تنقله نقلات كبيرة جدًا، وهذه المواقف ما ينتقل الإنسان بها عادة إلا لما يكون عنده رصيد ويكون مستحضرًا مثل هذه الآيات، فهذا يوفق بإذن الله ويعان.

هنا الله يقول ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 11]. ثم انتقل الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فكان النبي عليه السلام يدعو الكفار، والكفار أرادوا من النبي عليه الصلاة والسلام ألا يسب آلهتهم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يسفّه آلهة الكفار ويعيب آلهة الكفار، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام فكر وهمّ بأن لا يذكر هذا الشيء. والعلماء يقولون لا، ليس بهذه الطريقة، إنما كان هذا فقط استنهاضًا لهمة النبي عليه الصلاة والسلام وتثبيتًا له عليه الصلاة والسلام وإلا هو أصلاً ما فكر بهذا.

قال الله هنا ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: 12]. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾، هل ستترك يا محمد بعض ما يوحى إليك بسبب هذا البلاء الكبير؟ بسبب إرادة الكفار؟ بسبب هذه الشدة التي تقع عليك؟ هل ستخرج عن دائرة التبليغ إلى دائرة التقدير التي لا يريدها الله سبحانه وتعالى؟ لا، لن تفعل هذا، وأنت أعلى وأرفع من أن تفعل هذا الفعل. فكان كذلك عليه الصلاة والسلام. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾، نعم، نعلم أن صدرك ضيق مما يقوله الكفار، نعلم بأنك تريد أن تهدي هؤلاء الكفار، نعلم بأنك حريص غاية الحرص على هداية هؤلاء وإنقاذهم من النار، ولكن لن يكون إلا قدر الله سبحانه وتعالى.

لذلك الله هنا كشف وبين له ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾، لا تخرج عن هذه الدائرة، دورك فقط التبليغ، دورك النذارة، دورك أن تبين للناس الذي يريده الله سبحانه وتعالى، ليس أكثر من ذلك. ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾، لست أنت عليهم بوكيل، الله هو الوكيل سبحانه وتعالى عليهم ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾. قال ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾، انظروا إلى عتو هؤلاء الكفار، هؤلاء لا يريدون الإيمان، هؤلاء حتى لو أتيتهم بالكنز حتى لو فعلت لهم ما يريدونه لن ينقاد هؤلاء؛ لأن هؤلاء المشكلة عندهم ليست بالعقل، إنما المشكلة عندهم بالنفس. هؤلاء لا يريدون أن يتركوا دين آبائهم وأجدادهم، المشكلة في هؤلاء هذا التعصب المقيت، المشكلة في هؤلاء أنهم لا يريدون أن يذهب عنهم السلطان، لا يريدون أن يساووا ببلال وبصهيب وبخباب، لا يريدون هذا؛ هؤلاء عندهم كبر، هؤلاء أصحاب طغيان. هؤلاء لن تنفعهم الحجج، هؤلاء لو فعلت معهم ما فعلت، ولو أعطيتهم الذي يريدونه، ولو قدرت ما قدرت، لن يتغير الواقع، لأن هؤلاء لا يريدون إلا الدين الذي يوافق أهواءهم، وليس الدين الذي أنت أتيت به. ودورك بلاغ، دورك بيان، دورك نذارة، ليس أكثر من ذلك.

لذلك هنا قال الله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾، أي دورك فقط أن تبين وتبلغ حتى تقيم الحجة، ثم قال الله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، الله وكيل، هو الحفيظ سبحانه وتعالى، الله ينظر ويبصر ويحفظ هذه الأعمال ويشهد سبحانه وتعالى ما يقوله الكفار وسيحاسب هؤلاء، والوكيل هو الله لست أنت أيها العبد. إنما هذا الأمر يرجع له هو سبحانه وتعالى، إنما لينحصر همك أيها العبد في البيان والبلاغ وعدم التوقف، وانتبه أن تهزك هذه الدعوات أو هذه الكلمات من الكفار، بل استمر ووحد الهم في تبليغ رسالة الرب سبحانه وتعالى كما يريد هو سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13]. أي بل أَيقولون افتراه؟ قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. يقول هؤلاء الكفار بأن هذا الكتاب العظيم افتراه النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً فأتوا بعشر سور، هذا تحدٍ، من تحديات القرآن الكريم لهؤلاء الكفار تحداهم القرآن الكريم بأن يأتوا بمثله، وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور، وتحداهم بأن يأتوا بسورة، وعجز الكفار ولم يأتوا بذلك ولم ينافسوا القرآن، لماذا؟ لعلمهم بعجزهم عن الإتيان بمثل هذا الكتاب العظيم. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، فقط عندكم هكذا التشهير بالسب والطعن وإثارة الشبهات؟ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.

وادعوا من استطعتم من دون الله، ادعوا من تريدون من آلهتكم، من الجن، من الإنس، الشعراء، الخطباء، اجتمعوا جميعًا. ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. افعلوا الذي تريدونه، افعلوا الذي تستطيعون عليه، افعلوا كل ما تستطيعون إن كنتم صادقين أتتكم بمثل هذه السور، ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.

﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [هود: 14]. أي إذا لم يستجيبوا لك يا محمد، هنا أتي بضمير الجمع للتعظيم، لتعظيم النبي عليه الصلاة والسلام. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾، إذا ما استجاب الكفار لهذا التحدي وما طبقوا هذا الأمر، فاعلموا أن هذا الكتاب أنزل بعلم الله سبحانه وتعالى، متضمن علم الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه يعلم السر وأخفى، والله يعلم سبحانه وتعالى كيف تقام الحجج ويعرف كيف يخاطب البشر سبحانه وتعالى، ﴿وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لعجز هؤلاء الكفار فبين بأن هذا الكلام ما أنزل إلا هو سبحانه وتعالى، فلا معبود بحق سواه سبحانه وتعالى.

قال ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، هنا الخطاب إما يكون للكفار؛ يعني لما عجزتم ولم تستطيعوا أن تأتوا بمثل هذا الكتاب، هل ستسلمون؟ أم زلتم مستمرين على هذا العناد والكبر والطغيان؟ والقول الآخر بأن هذا الخطاب لأهل الإسلام؛ هم مسلمون لكن هل ستثبتون على الدين؟ هل سيعظم عندكم الدين؟ هل ستستمرون بثبات على هذا الدين؟ وتعلمون بأن هذا الكتاب أنزل بعلم الله وأنه لا إله إلا هو سبحانه وتعالى ولا تتأثروا بما يقوله هؤلاء الكفار. انظروا كيف أفحم القرآن الكريم الآن حجة الكفار، وكيف يقيم عليهم الحجج، كيف هم يزعمون ويريدون ثم كيف القرآن الكريم يرد مثبتاً لأهل الإيمان ومسقطًا لحجج هؤلاء الكفار حتى ما تبقى عندهم حجة ﴿لِّئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾. حتى ما تكون عند هؤلاء حجة، ثم انتقل الخطاب بعد ذلك للحديث.

عن من يريد الدنيا؛ مشكلة هؤلاء الكفار التمسك في الدنيا والتشبث بها، والذي يتشبث بالدنيا ما يبصر هذه الحقائق ولا يعيش معها كثيرًا. هذه هي المشكلة، لذلك الإيمان بيوم القيامة واستقرار الإيمان وتعظيم اليوم الآخر يعين الإنسان على العمل الإسلامي وعلى الدعوة إلى الله وعلى إبصار هذه الحقائق. لكن الشخص إذا كان متعلقًا بالدنيا ومطمئنًا إليها وراضيًا بها، فهذا لا يفعل ذلك. لماذا الدنيا تثقله؟ الدنيا ثقيلة.

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16]. من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، الذي يريد الدنيا وزينتها، نوف إليهم أعمالهم فيها؛ الأعمال الصالحة التي يقوم بها هؤلاء ويفعلونها يؤتون ثمرتها في الدنيا. لذلك قد تجدون في الدنيا أحيانًا بعض الأشخاص بررة، وبعض الأشخاص عنده صلة رحم، فيعطى ثمرة هذا العمل في الدنيا، لكن في الآخرة ليس له شيء، حتى لو كان بارًا، لا يحصل شيء أبدًا، فهذه الثمرة تكون في الدنيا، لكن في الآخرة ليس لهذا الإنسان شيء.

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون، هؤلاء الذين كانت إرادتهم فقط الدنيا، هؤلاء الذين يريدون فقط الدنيا، أصحاب الرياء، هؤلاء الذين عملوا فقط للحياة الدنيا، من أراد غير الله سبحانه وتعالى بهذه الأعمال، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون. هؤلاء الذين كان همهم فقط الحياة الدنيا ليس لهم في الآخرة شيء، إنما فقط النار، لأن الله ما يقبل العمل الذي لا يكون العبد مخلصًا فيه لله. قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، وقال ﷺ: «من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».

كيف نزلت هذه الآيات على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ وكذلك على الكفار. الآن الصحابة يعانون ما يعانونه ويقاسون ما يقاسونه من بلاءات عظيمة، والله ينزل مثل هذه الآية: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، الذي يريد الدنيا سيمتع فيها، نعم سيذهب هذا البلاء، نعم ستنتقلون إلى صف آخر، ولكن النتيجة ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾. وكذلك هؤلاء الكفار، أنتم تعملون من أجل الدنيا، اعملوا من أجل الدنيا، ستحصلون هذه الأشياء التي تريدونها في الدنيا وتعطونها، ولكن في الآخرة ليس لكم إلا جهنم.

لذلك ما ينضبط المعيار عند الإنسان وميزان الإنسان إلا إذا أدخل الآخرة ونظر إليها. أما إذا نظر فقط إلى مشهد الدنيا من غير مشهد الآخرة، فهنا ما ينضبط الميزان عند الإنسان. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون؛ لماذا؟ لأنه لم يكن لله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. أفمن كان على بينة من ربه؟ أي النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل عامة أهل الإيمان، على بينة من الله سبحانه وتعالى، ويتلوه شاهد منه، فيه القرآن الكريم، يتلوه جبريل عليه السلام على محمد، ويتلوه محمد عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة. ومن قبله كتاب موسى، أي من قبل القرآن الكريم، كتاب موسى إمامًا، أي هاديًا لبني إسرائيل يقتدون به، ورحمة، من الله سبحانه وتعالى بها على بني إسرائيل، فمن الله عليهم بكتاب موسى، ومن الله عليكم بهذا القرآن العظيم.

هو على بينة من ربه، النبي عليه الصلاة والسلام وهذا العبد المؤمن صاحب الفطرة النقية السليمة، ويتلوه شاهد منه، أي القرآن الكريم الذي تلاه جبريل، وكذلك محمد عليهما الصلاة والسلام، ومن قبله أي قبل القرآن مؤيد ومصدق لهذا الكتاب العظيم، كتاب موسى، فبشر موسى عليه السلام بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام وبهذا الكتاب الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ومن قبله كتاب موسى إمامًا ورحمة، أولئك، أي أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أتباع موسى عليه السلام، وكذلك الذي آمن من أتباع موسى وعيسى بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أولئك يؤمنون به.

ومن يكفر به من الأحزاب الذين تحزبوا على النبي عليه الصلاة والسلام واجتمعوا من هؤلاء الكفار، النتيجة فالنار موعده، الجزاء فالنار موعده، ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. انظر الآن إلى الخطاب المباشر إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإلى أهل الإيمان، فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. الشخص لما يكون في موطن الفتنة وموطن البلاء وشدة، هنا تضطرب عندها النفس وتتحرك، فيحتاج إلى مثل هذه الخطابات المباشرة. هذه الخطابات المباشرة ما يفهمها الشخص إذا ما كان في موطن الفتنة والبلاء.

الذي يكون في موطن الفتنة والبلاء، لما يكون له الخطاب هكذا مباشر: فلا تكن في مرية منه، لا تكن في شك في هذا الكتاب، إنه الحق من ربك، هذا الكتاب الحق من الله سبحانه وتعالى. والنتيجة: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. لابد أن يتضح عندك المعيار أيها العبد المؤمن، أكثر الناس لن يستجيبوا، أكثر الناس من أهل النار، أكثر الناس ليسوا هم المعيار، إنما المعيار ما نزل في هذا الكتاب العظيم. وبين القرآن الكريم بأن أهل الإيمان قلة: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]، قليل، نسأل الله أن يحشرنا مع عباده القليل هؤلاء. فقليل من عباد الله سبحانه وتعالى من ينقاد إلى الحق، أما عامة الناس فيستجيبون لنداء الشيطان. كما في الحديث، يقول النبي ﷺ: «يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: يا ربي وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، واحد إلى الجنة، وتسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار». قال الله: ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

ثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا؟ لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله سبحانه وتعالى. هؤلاء سيعرضون يوم القيامة. انظر إلى هذا المشهد المخيف المرعب، مشهد التشهير؛ هؤلاء سيشهر بهم. أنتم الآن يفعل معكم شيء من هؤلاء الكفار، يشهرون بكم، يسبونكم، يشتمونكم، لكن المشهد عبارة عن بقعة صغيرة من الأرض، ومرحلة زمنية قصيرة، هؤلاء الكفار سيشهر بهم أمام الناس، أمام الخلق أجمعين.

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا؟ أولئك هؤلاء الكفار يعرضون على ربهم. ويقول الأشهاد، أي الملائكة والأنبياء والرسل وأهل الإيمان، وكذلك الأعضاء، هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. الكل يشهد على هؤلاء الكفار، ألا لعنة الله على الظالمين، الذين يصدون عن سبيل الله. هؤلاء الظالمون الذين يصدون ويبعدون الناس، يمنعون الناس من الانقياد، يمنعون من تحت سلطان دعوتهم من الاستجابة والناس تنقاد لهم، ويبغونها عوجًا، يريدون أن يغيروا طريق الله سبحانه وتعالى، يريدون أن يحرفوا الناس عن هذا الدين، ويريدون أن يحرفوا نفس هذا الدين، يبغون هذا الدين عوجًا، والله جعله مستقيمًا يوصل إليهم مباشرة. أما هؤلاء فيريدون هذا الدين معوجًا، يريدون هذا الدين غير الدين الذي أنزل الله سبحانه وتعالى، يريدون أن يحرفوا الإسلام ويبعدوا الناس عنه، قالوا: ويبغونها عوجًا وهم بالآخرة هم كافرون.

سبب صد هؤلاء الناس عن الدين وكذلك إرادتهم في تغيير هذا الدين وحرف الناس وحرف هذا الدين أنهم مشكلتهم أنهم لم يكونوا يؤمنون بالآخرة، لو كانوا يؤمنون بالآخرة لما استطاعوا أن يفعلوا هذا الشيء. وهذه الآيات والله مخيفة، يعني الشخص لما يؤمن بالآخرة وتعظم عنده القيامة ومشهد الجنة والنار سيكف عن كثير مما يفعله، وسيحاسب نفسه كثيرًا قبل أن يبدأ بالكلام، قبل أن يتكلم، قبل أن يكتب، سيرجع ويحاسب هل الله يريد مني هذا الشيء أو لا يريده؟ هل أفعل هذا أو ما أفعله؟ هل هذا ما أريد به وجه الله؟ هكذا يحاسب نفسه العبد الصالح الذي يخاف من حساب يوم القيامة.

ثم قال الله: ﴿أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي هؤلاء يستطيع الله سبحانه وتعالى أن يعذبهم الآن، هؤلاء ليسوا معجزين لله سبحانه وتعالى، فقدرة الله سبحانه وتعالى غالبة عليهم، ولكن اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يؤخر العذاب على هؤلاء. أولئك أي هؤلاء الكفار لم يكونوا معجزين في الأرض. هذا الخطاب ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الصحابة وهم ينظرون إلى أبي جهل، ينظرون إلى أبي لهب، ينظرون إلى هؤلاء الصناديد، هؤلاء الذين ترونهم ليسوا معجزين، الله قادر على أن يهلكهم الآن، وعلى أن يخسف بهم الآن، وعلى أن يتم القضاء عليهم الآن.

أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض، وما كان لهم من دون الله من أولياء؛ ما عندهم أولياء أنصار يستطيعون أن ينصروهم من الله سبحانه وتعالى، يضاعف لهم العذاب، هؤلاء الصناديد الكفار الفجرة سيضاعف لهم العذاب يوم القيامة. ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، هؤلاء ما كانوا يستطيعون السمع؛ السمع الذي ينفع، إنما يستجيب الذين يسمعون. هؤلاء ما كانوا يسمعون السماع النافع، ما كانوا يستطيعون السمع، لماذا لم يسمع هؤلاء؟ لماذا لا يبصر هؤلاء؟ إن هؤلاء ملأ الكبر نفوسهم حتى أعمى أبصارهم وأصم آذانهم.

هنا تأتي أهمية التجريد، هنا أهمية الانقياد للحق، الشخص دائمًا يروض نفسه، ويجعل نفسه كالقائد، يجعل نفسه منقادًا للدين الحق، حتى ما يمنعه الكبر، حتى ما يمنعه الحسد؛ هؤلاء ما كانوا يستطيعون، لماذا؟ الكبر، الحسد، الطغيان الموجود عندهم منعهم. كانوا يسمعون، لكن السماع الذي لا ينفع، يبصرون، لكن البصر الذي لا ينفع، ينظرون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ملئت قلوبهم من كره النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الكره منعهم من الاستجابة، من السماع، من الانتفاع بما جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، وهذا ليس خاصًا في زمان النبي عليه الصلاة والسلام يا شباب، بل الشخص في كل زمان، إذا طغى عنده شيء أو كبر عنده شيء، ممكن ما يستجيب لشخص هو ما يحبه، انتبه، قد يكون معه الحق، شخص أصغر منك كان ينصحك، قد يكون معه الحق، لكن الكبر أو العلو الموجود عندك يمنعك من الاستجابة، يمنعك من السماع، يمنعك من الاستفادة والانتفاع. فنحتاج إلى تجريد دائم للنفس، والقرآن هنا يعلمنا هذا التجريد.

ثم قال الله: أولئك، هؤلاء الملعونون، هؤلاء المبعدون، المطرودون من رحمة الله سبحانه وتعالى، أولئك الذين خسروا أنفسهم، انظروا كيف عاد هذا الأمر عليهم، خسروا أنفسهم، نسوا الله فنسيهم، هؤلاء أضروا بأنفسهم والضرر كله عاد عليهم، أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم -غاب عنهم- ما كانوا يفترون، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾، انظروا لهذا التكرار الكبير ليوم القيامة وللآخرة، حتى يستقيم وينضبط الميزان عند أهل الإيمان، حتى ما يبقى عندهم هذا الجانب الذي يرونه الآن في الدنيا، هذا كله سيذهب، سيزول، سينقلب، سيتغير، فانتبهوا أن تجعلوا هذا هو المعيار.

وقبل أن يذكر الله سبحانه وتعالى العقوبات التي نزلت على أقوام الأنبياء، الله سبحانه وتعالى يبين لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أنه ممكن الواحد يموت قبل أن يحدث هذا الشيء، فلا تنتظر، لا تنتظر انتظار أنه لازم يقع هذا الأمر في حياتك، لا ممكن ما يقع في حياتك، إذن النتيجة في الآخرة. وكذلك في الدنيا سيقع هذا الأمر، لكن قد لا تدركه أنت، قد لا تدركه أنت، وبعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام مات في مكة وقتل فيها قبل أن ينظر إلى ما وقع للكفار يوم بدر وما وقع عليهم بعد ذلك. لذلك الإيمان، القرآن هنا قبل أن يأتي بقصص الأنبياء يقيم لنا هذه المعايير ويبينها لنا ويبرزها لنا حتى تتعلق القلوب بهذه المعايير، حتى تفهم العقول مراد الله سبحانه وتعالى، وأن العبرة بالآخرة ليست في الدنيا. لا جرم حقًا أنهم في الآخرة هم الأخسرون.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. إن الذين آمنوا؛ اعتقدوا ما يقال، علموا بأن هذا الكلام أنزله الله سبحانه وتعالى وآمنوا به وصدقوه تصديقًا جازمًا، أقروا بما جاء عن الله سبحانه وتعالى، ثم أثمر هذا الإيمان عندهم العمل الصالح الذي يحب الله سبحانه وتعالى، وأخبتوا إلى ربهم؛ استكانوا، خضعوا لله سبحانه وتعالى، انكسروا لله سبحانه وتعالى، وأخبتوا إلى ربهم. الإخبات أي الخضوع، الخشوع، الاطمئنان بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام عن الله سبحانه وتعالى.

وكان يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل للربيع بن خثيم: يا ربيع، ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين. هؤلاء أخبتوا أي آمنوا وقادوا وعملوا الصالحات وانكسروا بين يدي الله سبحانه وتعالى، وخضعوا وخشعوا له سبحانه وتعالى. هذا القسم من الناس أولئك، هؤلاء المعظمون، هؤلاء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى، هؤلاء المكرمون أصحاب الجنة، أي من يفعل هذا الفعل في مثل هذه اللحظات الصعبة، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. البلاء الذي يقع على الإنسان والضغط الذي يقع عليه يحاول أن يسحب الإنسان، يشد الإنسان إليه، وهؤلاء يقرأون القرآن، يعيشون مع القرآن، فيجذبهم القرآن الكريم إليه، فإذا ترك الإنسان نفسه لما يقع عليه من بلاء سيجذب البلاء، والإنسان كان ضعيفًا كما سبق وبين الله سبحانه وتعالى كيف الإنسان يتقلب بسرعة، لكن الذي يعيش مع القرآن ودائمًا يرجع للقرآن ويستضيء به...

بنور القرآن الكريم هذا القرآن يجذب إليه، فيعان بإذن الله ويقوى عنده الإيمان ويعمل العمل الصالح، وكذلك يخبت لله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: 23].

مثل الفريقين، هذان الفريقان كالأعمى والأصم، أعمى لا يبصر وأصم لا يسمع، والثاني البصير والسميع، يبصر ويسمع. بعد ما ذكر الله هذه الآيات العظيمة المبينة لهذا الصراع وطبيعة هذا القسم وهذا القسم، مثل هذين الفريقين باختصار وإيجاز كالأعمى والأصم. أعمى لا يبصر وأصم لا يسمع، هذا كيف يهتدي؟ هذا كيف يقيم ما يحتاج؟ هذا كيف يتخذ القرارات التي فيها فائدة له؟ لا يستطيع. أما الثاني، البصير والسميع، يسمع ويبصر، ينظر ويستجيب. هل يستويان مثلًا؟ أبدًا لا يستويان.

هذا يفتقد إلى من يقيمه، يفتقد إلى من يعينه. هذا الإنسان لا يستطيع أن يدبر نفسه فضلًا عن أن يدبر أمر غيره بخلاف هذا. هل يستويان مثلًا؟ أفلا تذكرون؟ انظروا الآن كيف التعقيب القرآني بقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 24]. ما يحتاج هذا الأمر بيان كبير أو تفكير كبير، إنما فقط تذكر، ارجع لنفسك، تذكر. تذكر مباشرة فتبصر الحق إذا كنت منقادًا للحق وتريد الحق؛ إذا كنت تريد الحق مباشرة تنظر إلى هؤلاء وإلى هؤلاء بعيدًا عن طبيعة الضغط الموجود الآن. دعنا ننظر الآن إلى المشهد من غير هذا الضغط النفسي، مباشرة ستعلم بأن هذا الحزب -أي حزب النبي عليه الصلاة والسلام ومن كان معه من أهل الإيمان- هو حزب الله، وهؤلاء حزب الشيطان.

ما يحتاج الأمر إلى كبير علم ولا كبير معرفة، والقرآن هنا يعلمنا بأن الناس ما تحتاج إلى معلومات كثيرة، الناس تحتاج إلى إيمان، الناس تحتاج إلى قرآن. تريد أن تقيم الحجة على الناس، تريد أن تسلك الطريق الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تسلكه؛ انظر إلى القرآن الكريم كيف كان يقيم حججه هنا، إذا أقمت هذه الحجج سيهتدي من يهتدي ويضل من يضل. أما ما تظنه أنت أيها الداعية من طرق مبلغة أو أفضل، ترى هذه ليست صحيحة، هذه طرق طويلة وفي النهاية ما تنتج شيئًا، وفي النهاية ما تستمر شيئًا، بخلاف هذا الطريق؛ هذا الطريق مباشر يخاطب الناس، يخاطب الفطرة، يخاطب النفس خطابًا مباشرًا بينًا. والذي خلق الإنسان يعرف ما يصلحه ويعرف كيف يصلحه سبحانه وتعالى.

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ثم انتقل الخطاب بعد ذلك إلى الحديث عن قصص الأنبياء، عمن قام بهذا الواجب، عمن بلغ هذه الرسالة، وكيف رد عليهم أقوامهم. نتكلم عنها إن شاء الله تعالى، ونفسرها إن شاء الله تعالى، ونعيش معها بإذن الله في المجالس القادمة. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.