دخولتسجيل الدخول

سورة هود 04 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن ولاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطايا وخطاكم. نكمل مدارسة سورة هود، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 24].

بعد ما بين الله سبحانه وتعالى هنا حجج الكفار، ورد على هذه الحجج ودحضها، وذكر في هذه المقدمة ما يتعلق بالقرآن وعظمته وتفرد الله سبحانه وتعالى بالحكم والسلطان، وأن هذا الكتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير؛ بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الآيات المتعلقة بالإنسان واضطراب الإنسان وتحرك الإنسان وعدم ثباته وسرعة تغيره وضعفه، وحث نبيه عليه الصلاة والسلام على الثبات والاستمرار في هذا الطريق، بعد ما ذكر هذه المقدمة المتضمنة لهذه المعاني ولمعايير القرآن الذي يريد الله سبحانه وتعالى من العبد المؤمن الصالح أن يستقيم عليها، ذكر مثل الفريقين: أي الفريق المتعلق بالكفار كالأعمى والأصم، والفريق الذي مع النبي عليه الصلاة والسلام -وعلى رأسهم أنبياء الله سبحانه وتعالى ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام- كالبصير والسميع، هل يستويان مثلاً؟ أفلا تذكرون؟

ثم شرع الله سبحانه وتعالى بذكر قصص الأنبياء مع أقوامهم. لماذا؟ حتى يتم إيصال المعاني إلى الإنسان، والإنسان يتأثر بالمعنى لما يكون متضمناً صورة؛ صورة شخص أعظم من الكلام المجرد. بمعنى تريد أن توصل معنى الشجاعة عند الناس، ائتهم بصورة رجل الشجاعة، أما أن تتكلم عن شجاعة مجردة عن التطبيق العملي لها، لا يكون التأثير كبيراً. فلذلك الله سبحانه وتعالى جعل ثلث هذا الكتاب العظيم قصصاً.

هنا الله سبحانه وتعالى قص هذه القصص على النبي عليه الصلاة والسلام حتى ينظر إلى الصفوة المختارة، كيف كانوا يدعون إلى الله سبحانه وتعالى وكيف صبر هؤلاء، وكذلك ما الذي قاله أقوام الأنبياء الملأ، كيف تعاملوا مع أنبياء الله سبحانه وتعالى، وكيف كانت النتيجة والعاقبة لمن؟ إذاً ذكر هذه القصص لبيان هذه المعاني العظيمة، حتى يصطنع النبي عليه الصلاة والسلام بهذه القصص، وحتى يستمر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الطريق كما صبر الأنبياء. وسنلاحظ بأن هذه الآيات العظيمات وهذه القصص القرآنية عملت عملاً كبيراً في نفس النبي عليه الصلاة والسلام، حتى كان النبي عليه الصلاة والسلام يتذكر الأنبياء في المواقف الصعبة: «رحم الله أخي موسى؛ أوذي بأكثر من هذا فصبر». ولما يأتيه أبو سفيان بن الحارث ويقول: ت الله لقد آثرك الله علينا، مباشرة يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم»؛ لأنه ما كان يحب أن يسبق أحد إلى الله سبحانه وتعالى. فكانت هذه القصص تصنع بالنبي عليه الصلاة والسلام وتعمل في نفس النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك مع أتباع النبي عليه الصلاة والسلام.

وبدأ الله سبحانه وتعالى هذه القصص القرآنية العظيمة بقصة نوح عليه السلام. لماذا نوح؟ لأن نوحاً عليه السلام هو أول الرسل إلى أهل الأرض، ولأن نوحاً عليه السلام صبر صبراً عظيماً واستمر مدة طويلة مع قومه؛ فدعوة نوح كانت مميزة بطول الأمد، الأمد طويل، دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، تسعمائة وخمسين سنة وهو يدعو قومه وينصحهم. وفي هذه السورة ذكر الله سبحانه وتعالى تفاصيل في قصة نوح عليه السلام لم يذكرها كما ذكرها هنا في هذا التفصيل؛ لماذا؟ لأن هذه السورة نزلت بعد طول الأمد، طال أمد الدعوة وما زال النبي عليه الصلاة والسلام مستمراً، وما زال كذلك الكفار مستمرين على عدائهم للنبي عليه الصلاة والسلام، لذلك تم إبراز هذه المعاني في قصة نوح عليه السلام في هذه السورة، وتمت الإطالة في الحديث عن قصة نوح عليه السلام في هذه السورة.

إذاً نوح عليه السلام هو أول الرسل إلى أهل الأرض، ونوح عليه السلام بعث بعدما عم الكفر وانتشر، وكان الناس على التوحيد؛ فلما غير الشيطان الناس وعم الكفر، واستقر الكفر حتى أصبح أصل بالناس الكفر، ولم يعد يوجد من هو على دين آدم عليه السلام، تبدلت الفطرة، انتكست الفطرة، هنا الله سبحانه وتعالى بعث نوح عليه السلام. وأنبياء الله سبحانه وتعالى أو رسل الله سبحانه وتعالى لا يبعثون إلا في أشد المنعطفات التاريخية. إذاً نوح عليه السلام الذي صنعه والواقع الذي بعث فيه، مثل الواقع الذي بعث فيه يا محمد؛ فهؤلاء الذين بعث فيهم نوح عليه السلام هم أبناء آدم، وآدم كان على التوحيد، وكذلك هؤلاء الذين أنت بعثت فيهم هم من ذرية إبراهيم، وإبراهيم كان على التوحيد، لكن هؤلاء تغيروا وتبدلوا كذلك أولئك.

فلما تغير الناس واستحكم الكفر وعم الضلال بعث نوح عليه السلام؛ كذلك أنت يا محمد لما عم الكفر واطلع الله سبحانه وتعالى على أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، استحكم الكفر، لم يعد أحد يستطيع الآن أن يجابه مشروع الشيطان في الأرض، بعث النبي صلى الله عليه وسلم. انظر يا محمد ماذا صنع نوح عليه السلام، وانظر كيف كان رد هؤلاء على نوح، وانظر ما الذي فعل نوح، وكيف صبر نوح، وأنت أفضل من نوح، إذاً يصبر نوح عليه السلام وأنت ما تصبر؟ هذه الآيات نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذا الجو؛ طول أمد أكثر من عشر سنوات يدعوهم النبي عليه الصلاة والسلام والكفار يقابلون بالصدود، ولا يؤمن أحد من علية الكفار، لا يؤمن أحد.

يعني الشيء العجيب في مكة لم يؤمن أي شخص من علية القوم، أي من أصحاب النفوذ في مكة، ما آمن أحد. نعم، آمن أناس أشراف في مكة مثل حمزة، لكن حمزة ليس هو سيد بني هاشم، إنما كان السيد هو أبو طالب. كذلك آمن عمر بن الخطاب، آمن أبو بكر الصديق، لكن أبو بكر ليس سيد بني تيم، وعمر ليس سيد بني عدي. إذاً نفس السادة الكبار هؤلاء الذين يتبعهم جميع أبناء هذا الفخذ أو هذه القبيلة أو هذه العشيرة لم يؤمنوا ولم ينقادوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في مكة. من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام هم أتباع الأنبياء. إذاً انظر إلى قصة نوح عليه السلام ثم قس قصة نوح عليك.

دعونا الآن ندخل في قصة نوح عليه السلام وننظر إلى هذه المعاني، كيف القرآن الكريم يبرزها في نفس النبي عليه الصلاة والسلام حتى يمتثل النبي عليه الصلاة والسلام المراد وحتى يثبت على هذا الطريق؛ فهذه القصص كان فيها تسلية عظيمة للنبي عليه الصلاة والسلام. يقول الله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: 25]. من الذي أرسل نوحاً؟ الله سبحانه وتعالى إلى قومه، فقال لهم نوح: إني لكم نذير مبين؛ أي بين واضح النذارة. ألا تعبدوا إلا الله، دعوة نوح عليه السلام مثل دعوتك يا محمد: ألا تعبدوا إلا الله. ثم حذرهم وخوفهم نوح عليه السلام: ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: 26]. كما كنت تقول أنت هؤلاء الكفار.

فنوح عليه السلام باختصار وإيجاز بعثه الله سبحانه وتعالى وأرسله كما أرسلك، وبين لهم بأنه نذير مبين كما قلت أنت لما قمت على جبل الصفا وذكرتهم وحذرتهم وقلت لهم إنك مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، هل جربتم علي كذباً؟ فقالوا: لا. قال: فإني لكم نذير مبين. فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى. ما هي دعوة نوح عليه السلام؟ ألا تعبدوا إلا الله، هذا الذي كنت تدعوه أنت إليه طيلة هذه السنوات، نفس الدعوة، وكذلك التخويف: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: 26].

كيف رد الملأ؟ أبرز الملأ، والملأ هم أعداء الأنبياء غالباً؛ فقال الملأ -هي العلية أصحاب الوجاهة والسلطان والجاه- فقال الملأ الذين كفروا من قومه، ماذا قال هؤلاء الملأ؟ ماذا قال أبو جهل، ماذا قال أبي بن خلف، أمية بن خلف، الوليد بن المغيرة، وهؤلاء الذين كانوا في زمان نوح عليه السلام؟ ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾ [هود: 27]. كما قال لك الكفار، هذه دعوة الأنبياء وأعداء الأنبياء كما قال الله عنهم: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 53]؛ كأنهم يتواصون بهذه الحجج وبهذه الاعتراضات على دعوة الأنبياء. ما نراك إلا بشراً مثلنا، ثم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: 27].

الأول بشر، نفس ما قال الكفار للنبي عليه الصلاة والسلام، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا، مثل ما قال الكفار للنبي عليه الصلاة والسلام، وطلبوا منه بأن يترك هؤلاء الضعفاء، وأنه ما يجلس مع عمار وصهيب وخباب وبلال، إنما يجلس معهم، فأنزل الله سبحانه وتعالى آيات عظيمة منبهة ومبينة للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52]؛ لا تطرد هؤلاء ولا تتبع ما يقوله الكفار. وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي؛ يعني هؤلاء ما فكروا ولا تأملوا ولا تدبروا إنما انقادوا لدعوتك مباشرة، بادي الرأي، يعني يتهمونهم بضعف عقولهم.

ثم قالوا: ﴿وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: 27]، ما الميزة الموجودة عندكم؟ كما قال الكفار ذلك. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: 27]. يعني الآن حجة الكفار: أنك بشر، اتبعك الأراذل وضعاف العقول، ليس لكم فضل علينا، ما عندكم لا مال ولا جاه ولا سلطان، كلكم ضعفاء وعاديون، ما لكم فضل، حتى لما أسلمتم ما الذي تغير؟ هل أصبحت عندكم أموال؟ لا، لم تصبح عندكم أموال. هل أصبح عندكم جاه وسلطان وقوة؟ لم يصبح عندكم هذا كله، إذاً النتيجة: بل نظنكم كاذبين، كما قال الكفار للنبي عليه الصلاة والسلام.

وهذه كذلك فيها إرشاد وبيان بأن أتباع الأنبياء هم عادة ضعفاء وليسوا الأقوياء، كما قال هرقل لما سأل أبا سفيان: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. قال: هم أتباع الأنبياء. فعادة ما يكون أتباع الأنبياء هم هؤلاء. لماذا السر؟ لأن الأشراف عادة ما يمنعهم الكبر والحسد من الانقياد لدعوة الأنبياء، بخلاف الضعفاء، لا يوجد عندهم هذا الشعور النفسي، هذا العلو على الآخرين، هذا الطغيان غير موجود عندهم، فلذلك تكون الدعوة قريبة منهم.

ثم هنا انظروا كيف قالوا بادي الرأي، لاموهم بما يتمايز به الناس عباد الله سبحانه وتعالى؛ يتمايزون بسرعة الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، وأفضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في الاستجابة هو أبو بكر الصديق. فلما دعا النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر لم يتلكأ، حتى أثنى عليه بثناء عظيم لما وقعت بينه وبين عمر الفاروق رضي الله عنهما هكذا بعض الخلاف محاورة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ بعثني الله إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت»، فما أوذي أبو بكر بعدها أبداً. أبو بكر الصديق مباشرة كل ما قال شيء النبي عليه الصلاة والسلام قال: صدقت.

طيب، كيف قال الصديق؟ لماذا لم يتفكر؟ لماذا لم يترو؟ لأن الحق كان بين وواضح وجلي، والصديق نفسه كانت قابلة للحق فمباشرة استجاب. التأخر في الاستجابة والانقياد للحق يؤخر الإنسان. انظروا كيف الثلاثة الذين قاتلوا في غزوة مؤتة وكانوا هم أمراء الجيش: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، كيف أن عبد الله بن رواحة تردد هنيهة ثم قال: أقسمت يا نفسي لتنزلن، لتنزلن أو لتكرهن، أجلب الناس، ما لي أراك تكرهين الجنة؟ يثبت نفسه ويصبرها، كيف نزل عنهم شيء يسير، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: رأيت في سريره ازوراراً، لماذا؟ من أجل هذا التردد. إذاً هنا بادي الرأي هذا الطعن من قبل الكفار بالنسبة لأهل الإيمان تأخر، أي أن الشخص لما يتردد أو يتفكر هل التزم أو ما التزمت، هل أطبق هذا الحكم الشرعي ولا ما أطبقه، هذا التردد في أمر واضح وبين وجلي حتى لو طبقته ينزل من درجتك، لا تكن درجة عالية، إنما تنزل، لماذا؟ لأنك ما طبقت وامتثلت وسارعت في الاستجابة، وبهذا كان يتمايز الصفوة، بهذا يتمايز الصفوة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: قال يا قوم، نوح عليه السلام يخاطب هؤلاء، قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]. نوح عليه السلام يبين لهؤلاء بأنه على بينة، على هدى، على بصيرة من الله سبحانه وتعالى، ومنَّ الله عليه بهذه الرحمة، منَّ الله عليه بالنبوة، منَّ الله عليه بالهداية بالرسالة، فعميت عليكم؛ يعني مع وضوح هذا النبي، مع وضوح هذه الدعوة. فنوح عليه السلام رجل في نفسه كامل، ولا يدعي النبوة إلا أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين كما يقول شيخ الإسلام؛ فشخص يدعي النبوة وهو بهذا العقل وبهذه المثابة وبهذه المنزلة وهذه الدرجة، لا يمكن إلا أن يكون هو نبي حقيقة، وأنتم كذلك تعرفون هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

﴿وَلَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]. هنا نوح عليه السلام يقول: هذه الرسالة من الله سبحانه وتعالى، والله هو الذي منحني بهذه النبوة، وأنتم تنظرون إلى كلمات نوح عليه السلام إلى دعوة نوح عليه السلام، لكن المشكلة ليست في الدعوة، إنما المشكلة فيكم أنتم، فعميت عليكم، يعني لم تعودوا تبصرون. المشكلة في القلوب، القلب إذا ضُرِب عليه لا يبصر، لا ينظر، ينظر إلى المعروف بأنه منكر، والمنكر بأنه معروف، تنقلب عندها المعايير، لماذا؟ لأن القلب لا يستحق الهداية. فهنا نوح عليه السلام يقول: فعميت عليكم، أي لم تعودوا تبصرون هذه البينة، هذه الرحمة، هذا الهدى. أَنُلْزِمُكُمُوهَا، يعني هل نحن نستطيع أن نلزمكم بهذه الدعوة وأنتم لها كارهون؟ هذه.

مشكلة كبيرة في الكره، أنتم كرهتم نوحاً عليه السلام، إذا لا تريدون سماع أي شيء؛ كانوا يستغشون ثيابهم ويجعلون أصابعهم في آذانهم وأصروا واستكبروا استكباراً. ونوح عليه السلام مستمر في دعوته معهم، لكن المشكلة في هؤلاء الكبر والحسد والكره، هذا منعهم من إبصار هذه الدعوة، ولا يستطيع الداعية أن يفعل أكثر من هذا. ننتقل الآن من نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، كيف كان الكفار يقابلونه؟ كيف كانوا يستهزئون به؟ كيف كانوا يشتمونه؟ كم كانت نسبة الكره الموجودة عندهم تجاه النبي عليه الصلاة والسلام؟ فهنا نوح قال هذه الكلمات، إذاً كذلك أنت يا محمد، هؤلاء لن يستجيبوا لك إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى، إنما واجبك أن تفعل كما فعل نوح عليه السلام.

ثم قال الله عن نوح عليه السلام حاكياً عنه بأنه قال لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: 29]. ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً، كما قلت أنت لهم قل: ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. هذه دعوة جميع الأنبياء، أنهم ما يسألون عن هذه الدعوة مالاً ولا يطلبون مقابل هذه الدعوة أن يأخذوا أموال الناس، إنما هم يريدون إيصال هذه الدعوة إلى الناس، وهداية الناس، وإرشاد الناس، وتوجيه الناس. وطلب المال قد يجعل في أذهان الكفار أنهم يريدون مالاً، يريدون المنصب، يريدون الجاه، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما قبل بما قاله الكفار، لما عرضوا عليه المال ما قبل، لما عرضوا عليه الملك والسلطان ما قبل، لما عرضوا عليه وعرضوا عليه لم يقبل أبداً؛ لأنه يريد أن يبلغ هذه الرسالة، يريد أن يقيم الحجة على هؤلاء: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، أريد الأجر من الله. وهكذا كانوا أتباع الأنبياء، لما بايع النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار على القتال قالوا: فما لنا؟ قال: «الجنة»، الأجر على الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، طلب الكفار من نوح عليه السلام أن يطرد هؤلاء الضعفاء الأراذل؛ لماذا؟ لا يريدون أن يجلسوا مع هؤلاء، حتى ما ينظر الناس إليهم بأنهم هكذا جالسين مع ضعفاء ومساكين وفقراء، فيتم الاستهزاء بهم، فلا نريد أن نجلس مع هؤلاء. إذاً الدخول في الدعوة ليس دخولاً حقيقياً، يريدون أن يستصحبوا نفس المعايير الجاهلية، والإسلام لم يأت من أجل تقرير هذه المعايير، إنما جاء الإسلام حتى ينصب معاييره. فكان شريف أشرف الخلق أجمعين النبي عليه الصلاة والسلام يجلس مع ضعفائه ويجلس مع المساكين، وكان يقول: «آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد»، أراد الإسلام أن يقرر قيمة التواضع، خلق التواضع.

﴿إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، أي هؤلاء سيلاقون الله سبحانه وتعالى وسيحاسبهم الله سبحانه وتعالى على أعمالهم، ولكنكم أنتم قوم تجهلون، لا تعرفون لا تفهمون. تريدون أن تأتوا بهذه المعايير، وتريدون أن تطبقوا ما عندكم من أفهام سقيمة، من معايير مقلوبة. هذه مشكلة الجهل، والجهل قد يكون معه علم وقد يكون من غير علم. قد يكون معه علم، أي شخص يفعل الفعل ويقول عنه الشخص بأنه جاهل وهو عالم، هو يعرف بأنه مخطئ فيكون فعله مثل فعل الجهال. وقد يكون من غير علم، لكن القصد من ذلك أن شخصاً ما يقع بهذه الأفعال إلا وأن يكون جاهلاً، أما بالعاقبة أو جاهل بنفس المعرفة، بنفس المعرفة.

ثم قال نوح عليه السلام: ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۖ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، لو طردت هؤلاء من ينصرني من الله سبحانه وتعالى إذا خالفت أمر الله سبحانه وتعالى؟ كيف سيكون لقائي معه سبحانه وتعالى؟ وإذا أنزل الله علي هذه العقوبة كيف سأتعامل معها؟ من سيمنعني؟ من سيحميني؟ نوح يريد أن يبين لهؤلاء الكفار الملأ أن دور نوح عليه السلام دور البيان، دور البلاغ، دور النذارة. هؤلاء عندهم مشكلة في فهم دور نوح عليه السلام، فنوح يريد أن يبين لهم دور الرسول، الواجب على الرسول، ﴿إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾. كذلك هو النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل مثل ما كان يفعل نوح عليه السلام، والله أمره بأن يصبر مع هؤلاء: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

ثم قال هنا: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 31]. هنا نوح يريد أن يبين من هو؛ عبد مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى حتى يقيم الحجة على الكفار. هؤلاء يريدون الأموال، يريدون معرفة الغيب، يريدون الاطلاع على أمور نوح عليه السلام لا يملكها ولا يستطيع عليها، إنما هذه خالصة وخاصة بالله سبحانه وتعالى. وهذا فيه إشارة للنبي عليه الصلاة والسلام، كما كان يطلب الكفار من النبي عليه الصلاة والسلام بأن ينزل معه ملك، وبأن النبي عليه الصلاة والسلام يكون عنده كنز، وهكذا الله سبحانه وتعالى يثبت النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذه الكلمات التي يقولها لك الكفار: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾، إنما أنت نذير. هذه المقدمة التي بين فيها الله سبحانه وتعالى هذه المعايير كذلك كان يقال لنوح عليه السلام، ونوح بين لهم المعيار الإسلامي الإيماني، بين لهم من هو: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، أنا ما أملك هذه، ملك لله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾، أنا لست ملكاً، أنا بشر، ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، كأنهم اتهموا هؤلاء، فنح عليه السلام يبين بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب هؤلاء، والمرجع كله لله سبحانه وتعالى.

نوح عليه السلام يريد أن يقيم معياراً إسلامياً واضحاً وبين وجلياً، ويريد أن يبين لهؤلاء الكفار أن هذا العلو، هذا الطغيان، هذا الكبر الذي تشعرون به، لن ينجيكم يوم القيامة، وهذا لا قيمة له. لا بد أن تعرف أيها الإنسان بأنك إنسان ضعيف، لا بد أن تعرف بأنك ستسأل يوم القيامة، ولا بد أن تعرف بأنك مخلوق ولست أنت الخالق. فنوح يبين لهم هذه المعاني وهذه الأمور، وهم يطلبون من نوح أشياء نوح عليه السلام ما يملكها، إنما هي خالصة وخاصة بالله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. نوح يرد عليهم وهم يتكلمون ويتحججون، ونوح عليه السلام يجادل هؤلاء بالحق، ويذهب حظ هذه الحجج، فردوا عليه وقالوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: 32]. كما كان الكفار يطلبون ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، خلاص لا نريد أن نؤمن، لا نريد دخولاً بهذا الدين، أين هو هذا العذاب الأليم؟ متى ينزل هذا العذاب؟

رد عليهم نوح عليه السلام مبيناً كذلك دور نوح عليه السلام بأنه مبلغ، بأنه نذير: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: 33]. الله هو الذي أمرني بأن أخوفكم من هذا اليوم، وأن أنذركم من هذا اليوم، وأبين لكم بأن الذي يخالف أمره ستحل به العقوبة وسينزل عليه العذاب. لكن متى؟ هذا ليس لي، هذا لله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾، لستم بالذي تستطيعون أن تفروا أو تفوتوا الله سبحانه وتعالى، فالملك ملكه والسلطان سلطانه، وأنتم تقيمون في هذا الملك والسلطان فأين ستذهبون؟ قدرة الله سبحانه وتعالى محيطة بكم.

﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: 34]. أي هذا الكلام كله الذي يقول لكم، المبالغة في البيان، 950 سنة ينصحهم وينصحهم ويقيم الحجة عليهم، هذا كله ما ينفع إذا ما أراد الله سبحانه وتعالى. هنا نوح عليه السلام يبين بأني أنا فقط دوري البيان، دوري الهداية، الإرشاد، الدلالة، لكن هداية التوفيق هذه ليست لي: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، هذا كله إشارة كذلك للنبي عليه الصلاة والسلام وتعليم له، بأبي أمه عليه الصلاة والسلام فيبين ويبلغ، وحريص غاية الحرص النبي عليه الصلاة والسلام على هداية الكفار، وبوده لو آمن هؤلاء. فالله كان ينزل الآيات الكثيرة على النبي عليه الصلاة والسلام بأن هؤلاء الكفار لن يؤمن منهم إلا من يريد الله سبحانه وتعالى له الهداية، حكمة بالغة. فمات النذير، كان حريصاً النبي عليه الصلاة والسلام على هداية أبي طالب، فينزل الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56]. والله أعلم سبحانه وتعالى بمن يستحق الهداية ممن لا يستحقها، قال: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۖ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ سبحانه وتعالى، هو المالك، هو السيد سبحانه وتعالى، هو الخالق ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، ستعودون إلى الله سبحانه وتعالى وسيجازيكم بهذه الأعمال وهذه الأقوال التي تقولونها.

لماذا تنزل هذه الآيات بهذه الطريقة وتبرز هذه المعاني؟ لأن الإنسان من حيث هو إنسان يتعلق بالنتيجة، فلما يبين ويبلغ ثم يرى من المقابل صدوداً يتأثر ويحزن، وقد يبلغ به الحزن إلى درجة أنه يفكر يغير شيئاً من الدين، أو يجعل شيئاً واضحاً بيناً من الدين والله يريد أن يبينه لا يبينه، لماذا؟ حتى يهتدي، حتى ما ينفر، حتى ما ينفر. هل معيارها الإسلام؟ هل معيارها القرآن؟ أو معيارها ما وقع بنفسك بسبب صدود الكفار أو صدود المخالفين؟ ما هو المعيار؟ القرآن يريد أن يقيم معاييره، يبين للداعية أن يستمر على هذا المعيار. طيب تقول الآن: كيف أعرف هذه المعايير؟ أقول لك ادخل إلى القرآن الكريم، ادخل دخولاً إلى القرآن الكريم وعش مع هذا الكتاب وتأمل فيه، وعش مع هذه الأحوال وهذه الأحداث، حتى تستقيم عندك معايير الإسلام، حتى تعرف متى تقول هذه الكلمة ومتى لا تقولها، حتى ما يضطرب عندك معيار الحكمة ولا يضطرب عندك معيار المصلحة، فتطبق المصلحة والحكمة النفسية وليست المصلحة والحكمة الشرعية. تضغط فيتشكل في عقلك شيء معين، فتقول المصلحة الآن تقتضي هذه، مصلحتك أنت ليست هي مصلحة الدين وليس هو أمر الله سبحانه وتعالى.

إن الله يبين ونوح كيف يخاطب هؤلاء ويقول: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ﴾. هذه إشارة كذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، أن هؤلاء إذا لم يكن الله يريد أن يهديهم لن يهتدوا، يا محمد لو فعلت ما فعلت، لو بذلت ما بذلت لن يهتدي هؤلاء. لماذا بهذه الطريقة؟ لأن الإنسان يتأثر، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127]، لا تغير، إنما أقم الذي يريد الله سبحانه وتعالى وبلغ كما أراد الله سبحانه وتعالى. وانظر إلى أنبياء الله سبحانه وتعالى كيف بلغوا الرسالة وكيف أدوا هذه الأمانة كما أمر الله سبحانه وتعالى، أما النتيجة فليست لك ولا تفكر بها ولا تدخل بها. إذا دخل الشخص بالنتيجة هنا يتأثر، هنا يغلب هذا الشيء، لكن إذا ما دخل بهذه النتيجة يكون هم هذا الإنسان هو البيان. بمعنى الآن تمشي في طريق وتسلم ولا يرد عليك شخص سلاماً، تحزن أم ما تحزن؟ أكثر ناس يحزنون، طيب لماذا حزنت؟ ثم يحملهم هذا الحزن أنه ما يسلم مرة ثانية، يقول: لماذا؟ يقول أسلم عليه ما يرد علي. طيب الآن الأجر معلق على سلامك أو على رده؟ الذي يريد الله منك أن تسلم أو لا تسلم؟ الله يريد منك أنك تسلم، أنت الآن ما سلمت؛ لماذا؟ لأنك تعلقت بالنتيجة، لم تفعل المراد، الآن خرجت من دائرة العبودية.

القصد من ذلك أن الله يريد أن يقيم هذا الداعي، لما يتعلق بالنتيجة يتضخم عنده الأمر فممكن يغير شيئاً من الدين، ممكن هكذا يقيم المصلحة الخاصة مكان مصلحة الشريعة، ممكن لا يفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى ولا يقول الذي يريد الله سبحانه وتعالى؛ لماذا؟ هذا كله يتعلق بالنتيجة. لو كان من البداية الأمر عنده واضحاً وبيناً ما تعلق بالنتيجة، فيكون الأثر بسيطاً لا يكون الأثر قوياً. نعم، نفس الإنسان تتأثر، لكن لما يكون دائماً يعود إلى قرآن ويصنع كما صنع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، هنا الإنسان يستطيع أن يسير على طريق الأنبياء، وأن يكون ممتثلاً ومتبعاً لأنبياء الله سبحانه وتعالى فيما قاموا به.

ثم انتقل الآن الحديث إلى كفار مكة، بين قصة نوح عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى ذكر ما يقوله الكفار ويتهمون به النبي عليه الصلاة والسلام، فانتقل الخطاب من العيش مع نوح عليه السلام وقوم نوح عليه السلام إلى مباشرة الخطاب إلى الكفار في مكة وما كانوا يقولونه للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: 35]. أيقولون افترى هذا القرآن وأتى به من قبل نفسه؟ قل يا محمد، قل: ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾، أي عاقبة هذه الفرية ستعود علي، الله سبحانه وتعالى سيحاسبني عليها ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾، أنتم المجرمون، أما أنا ما افتريت، إنما دعوتي هي دعوة الأنبياء والذي.

يقول الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: 36]. هذه إشارة للنبي عليه الصلاة والسلام بأنه لن يؤمن أحد من أهل مكة. الآن ستنتقل من هذا الواقع إلى واقع آخر، فلا تبتئس بما يقوله الكفار ولا تتأثر بما يصنعونه، واستمر بدعوتك لهؤلاء الذين يأتون الوفود، وسيقيد الله لك من يصلح لحمل هذه الرسالة. لا تحزن بما يفعل هؤلاء ولا بما يقولونه ولا تبال بهم.

انتقل الآن إلى أمر آخر: النبي عليه الصلاة والسلام يدعو في مكة ثم انتقل بعد ذلك إلى دعوة من يأتي من الوفود إلى مكة، دعوة القبائل؛ لم تستمر الآن الدعوة في مكة، خلاص بعد السنة العاشرة بعد ما رجع عليه الصلاة والسلام من الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي. فانتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى دعوة الوفود، إلى دعوة القبائل. وهنا نوح عليه السلام كذلك ينتقل من حال إلى حال، فينتقل نوح عليه السلام من دعوة قومه إلى أن يصنع الفلك، لماذا؟ لأن هؤلاء سيذهبون كلهم وسينجو من كان معك في هذه السفينة. كذلك أنت يا محمد ستنتقل من هذا الواقع إلى واقع آخر، وهؤلاء ستحل بهم العقوبة، سينزل بهم البلاء، ونزل عليهم في يوم بدر.

﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: 37]. أمر الله نوحاً عليه السلام بأن يصنع الفلك، فكان نوح عليه السلام يجمع المسامير ويأتي بالخشب ويصنع هو مع أتباعه ومن آمن معه، ما كان عددهم قليلاً، الفلك، فأخذ الكفار يمرون عليه ويضحكون ويستهزئون ويقولون: يا نوح كنت نبياً وأصبحت نجاراً! ويصنع الفلك ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: 38]. يسخرون من نوح عليه السلام، حتى إن الرجل كان يأتي بأبنائه الصغار ويقول: يا أبنائي انظروا إلى هذا، إياكم أن تصبحوا مثله، ويطعن بنوح عليه السلام، يربون أبناءهم على الكفر. هذا كذلك كان يقع مع النبي عليه الصلاة والسلام، فكانوا يستهزئون في مكة ويتضاحكون.

﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾، سخروا منه، يعني حتى ما يتركونه، إنما هم مستمرون. هذه عادة أهل الباطل، أهل الباطل ما يتركون أهل الحق، وواهم من ظن بأن أهل الباطل سيتركونه. تدعو الناس، قسم منهم سيهتدي ويستجيب وينقاد، وقسم سيستهزئ، وقسم سيستهزئ وربما يستمر بالاستهزاء، لماذا؟ الشيطان يدفع هؤلاء، ويؤز هؤلاء أزاً حتى يوقفوك عن دعوتك، فإياك أن تستجيب لدعوة الشيطان.

قال نوح عليه السلام: ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [هود: 38-39]. في سياق كان نوح عليه السلام يقول: يا قومي ليس بي سفاهة، ويرد عليهم بلين ورفق، وفي سياق آخر بعد ما تمت الدعوة وأقيمت الحجة عليهم يرد نوح عليه السلام بمثل هذه العبارات. في سياق النبي عليه الصلاة والسلام في مكة كان يسكت ولا يرد: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]، وفي سياق «لقد جئتكم بالذبح»، وفي سياق «اهج يا حسان فهاجاهم حسان فشفى واشتفى، اهج وروح القدس معك». سياق نسكت فيه ولا نرد، وسياق نشد ونرد ونستهزئ بهم كما هم يستهزئون.

ثبات عظيم من نوح عليه السلام، وأتباع نوح عليه السلام ثابتون على ما يقول هؤلاء الكفار، مع أن الواقع كان ظاهره مع الكفار والإعلام مع الكفار واستمرار الاستهزاء من الكفار، ونوح عليه السلام ثابت وعنده إيمان ويقين تام بأن العقوبة ستنزل على هؤلاء، وأنه على يقين وعلى بينة من ربه سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]. حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور؛ جعل الله سبحانه وتعالى العلامة لنوح عليه السلام التنور، والتنور كما يقول جماهير المفسرين أي تنور الخبز، فإذا فار هذا التنور خرج من التنور الماء، هذه علامة الإهلاك العام لقوم نوح عليه السلام.

الله سبحانه وتعالى أمر السماء بأن تفتح: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 11-12]. وهنا الله سبحانه وتعالى بين لنوح عليه السلام بأن العلامة أن يخرج الماء من التنور، إذا خرج الماء من التنور احمل فيها من كل زوجين اثنين؛ خذ من كل بهيمة من الأنعام أو من كل الحيوانات زوجين اثنين، ذكراً وأنثى، ذكراً وأنثى، ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي من كفر من أهلك، أي ابنك وكذلك زوجتك، فنوح عليه السلام زوجته كانت كافرة، وكذلك ابن نوح، أحد أبناء نوح كان كافراً.

﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، كما هو حالك يا محمد، أنت الآن في مكة لم يؤمن معك إلا عدد يسير وقليل مقارنة بعدد الكفار، مع وضوح الرسالة ووضوح البينة وإقامة الحجة، لكن هذه هي السنة. وما آمن معه إلا قليل، قيل آمن معه ثمانون، وقيل اثنان وسبعون، وقيل عشرة، وقيل اثنا عشر. تسعمئة وخمسون سنة ما يؤمن إلا هذا العدد! يعني لو قلنا ثمانون، تقريباً في كل اثنتي عشرة سنة يؤمن شخص، اثنتا عشرة سنة وهو يدعو ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً ويسلم واحد. لذلك هو من أولي العزم من الرسل نوح عليه السلام، فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وسماها الله سبحانه وتعالى عبداً شكوراً.

﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: 41]. هكذا هو العبد الصالح، العبد الصالح يوكل الله سبحانه وتعالى في كل شيء، والله سبحانه وتعالى إذا أحب هذا العبد يسر له الأسباب وهيأ له الأمور وصنع له حياته ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه: 39]، ﴿صَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]، ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9].

فالعبد يوكل الله سبحانه وتعالى في كل شيء في حياته، في زواجه، يوكل الله سبحانه وتعالى أبناءه، كذلك أعماله، أعماله الشرعية الدينية وكلها الله سبحانه وتعالى، واجعل الله هو الذي يدبرها. إذا دخلت أنت، قد توكل لنفسك؛ فاجعل عملك مثل سفينة نوح، قل يا ربي وكلتك، يا ربي أنا ما أعرف، يا ربي أنا إنسان ضعيف. وكل الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى إذا استودع شيئاً حفظه. وإذا وكل الله سبحانه وتعالى في هذه الأمور هذه إشارة وعلامة على ضعف العبد وعلى انكسار العبد لربه سبحانه وتعالى، فيعينه الله سبحانه وتعالى ويهديه ويوفقه ويسدده. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، غفور لمن تاب سبحانه وتعالى وأناب، ورحيم بعباده المؤمنين سبحانه وتعالى، ورحيم على وزن فعيل أي الرحمة صفة ملازمة للرب سبحانه وتعالى.

﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: 42]. نوح عليه السلام رأى ابنه في هذه الحالة الصعبة، والماء بدأ يعلو ويعلو، فلما نظر إلى ابنه قال: يا بني، أخذته الرأفة والرحمة بابنه، قال: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. ﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43].

إشارة إلى موقف النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي طالب، كان حريصاً غاية الحرص النبي عليه الصلاة والسلام على أن يهدي عمه وكان يحبه محبة عظيمة، والله قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]، قيل من أحببت ذاته، وقيل من أحببت هدايته، وكان أبو طالب قريباً من النبي عليه الصلاة والسلام ودفع ونافع عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن حكم الله سبحانه وتعالى ماضٍ وقدر الله سبحانه وتعالى مهيمن وحكمة الله سبحانه وتعالى بالغة، حكمة بالغة. هنا ابن نوح عليه السلام لم يهتد ولم يستجب لدعوة والده ولم ينقد لها، ونوح مستمر معه حتى وصل الحال إلى هذا الموقف الصعب، هو ينظر الآن سيموت ومع ذلك ما يهتدي، أبو طالب يعرف بأنه نبي ومع ذلك لما قيل له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال: على ملة عبد المطلب، ومات على ملة عبد المطلب، مات على الكفر.

﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44]. انظر الآن إلى عقوبة الله سبحانه وتعالى كيف إذا نزلت، قضي الأمر، ذهب كل شيء. قضي على الكفر الموجود في الأرض تماماً، لم يعد هناك كفار على وجه الأرض، أين هؤلاء الذين كانوا يستهزئون وكانوا يفرحون وكانوا يقولون: أبعد هؤلاء الضعفاء؟ اصنع كذا لا تفعل كذا، أين هؤلاء؟ وقضي الأمر، كل هذا ذهب ومضى وانقضى، وقضي الأمر. هذا هو الذي سيحدث معك يا محمد، وقضي الأمر، اذهبوا فأنتم الطلقاء، ما تظنون أني فاعل بكم؟ جاء بدر، قضي على هؤلاء الصناديد، ذهبوا جميعاً، ثم يأتي فتح مكة وتصبح دار إسلام، دار إيمان، ويذهب هؤلاء الكفار وأصبحوا أثراً بعد عين، هذا الذي وقع مع هؤلاء هو سيقع معك.

ثم بعد ما أنجى الله سبحانه وتعالى نوحاً ومن آمن معه، تذكر نوح ابنه، وأخذته الرأفة وأشفق على ابنه، فقال نوح عليه السلام: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: 45]. انظروا كيف نوح عليه السلام اختار هذا الاسم، أنا مسلم يا ربي لحكمتك ولعدلك، ولكنه ابنه فيريد أن ينجي ابنه. ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 46].

آية مخيفة والله، آية مرعبة عظيمة، الله سبحانه وتعالى ينهى نوحاً عليه السلام هذا العبد الصالح الذي قام لله سبحانه وتعالى هذه المقامات، ينهاه أن يسأله مثل هذا السؤال، لا تدخل في هذه الدائرة، هذه الدائرة خاصة لله سبحانه وتعالى يدخل البشر فيها. قال: يا نوح إنه ليس من أهلك، أهلك هم أهل الإيمان، أهلك هم من قادوا إلى دعوتك، من عبدوا الله سبحانه وتعالى، أما من ليس من هؤلاء فهو ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح. فلا تسألني ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين.

مباشرة نوح عليه السلام رجع إلى الله وأناب إليه وخاف، قال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47]. إظهار صفة العبودية عند الأنبياء، الأنبياء هم أعبد الخلق لله سبحانه وتعالى وأعلم الناس بالله سبحانه وتعالى، والله يظهر لنا رجوع الأنبياء، يظهر لنا تعامل الأنبياء مع الله سبحانه وتعالى، انظروا إلى رجوع نوح عليه السلام وإلى انكسار نوح عليه السلام، وهو من هو من أولي العزم من الرسل، يعني هو من أفضل خمسة من أبناء آدم عليه السلام.

قال: رب إني أعوذ بك، أعتصم وألتجئ، أعتصم يا ربي بك وألتجئ بك وأستعيذ بك يا ربي أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين. إذا ما غفرت لي يا ربي وأدخلتني في رحمتك أكن من الخاسرين. انظروا كيف النبي يتعامل مع الله سبحانه وتعالى، كيف ينكسر له سبحانه وتعالى، ولا تشمخ به الطاعة ولا يزهو بالعبادة، إنما يكون منكسراً، فالعبادة تزيد انكساراً. وهذا الفاصل، هذا هو المعيار بين العلم النافع والعلم غير النافع، العلم النافع يكسر العبد، والعلم غير النافع يزيد فخراً، كما يقول مالك بن دينار: من طلب العلم...

العلم كسرة للعلم، ومن طلب العلم لغير الله لم يزدد به إلا فخراً. تريدون أن تعرفوا طالب العلم الذي نفع العلم، وطالب العلم الذي لم ينفعه العلم؟ انظروا إلى انكساره. فطالب العلم الذي يكسره العلم ويزداد خشية وخوفاً وتعظيماً لله سبحانه وتعالى، هذا نفع أهل العلم. أما طالب العلم الذي ما يزيده العلم إلا فخراً وعلواً على الآخرين وكبراً، هذا ما انتفع بعلمه.

﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47]. قيل: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: 48]. قيل يا نوح: اهبط بسلام بأمان وبركات من الله سبحانه وتعالى عليك وعلى أمم ممن معك، أي على هؤلاء الذين آمنوا معك وعلى من يأتي من ذريتهم من المؤمنين، فكل هؤلاء لهم سلام من الله سبحانه وتعالى أمان، وبارك الله سبحانه وتعالى بهؤلاء بقدر ما عند هذا الشخص من الإيمان.

أما هؤلاء الذين سيكونون من الكفار من ذرية من معك، أو من ذرية نوح عليه السلام ممن سيأتي بعد ذلك ويكون كافراً وليس منقاداً لدعوة الأنبياء ويتبع شيطانه: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ يمتعهم في هذه الدنيا، لكن متاع الدنيا قليل، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم يعودون بعد ذلك ويمسهم العذاب الأليم. هذا تحذير عظيم لهؤلاء الكفار الذين كان يخاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام ويدعوهم؛ فأنتم من ذرية هؤلاء، أنتم المقصودون بقوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ستتمتعون قليلاً ثم في النهاية ستكون النتيجة كما كانت نتيجة عداء الأنبياء.

ثم يعقب الله سبحانه وتعالى بعد ذكره لهذه القصة بقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾. هذه القصة بهذا التفصيل هذا كله وحي من الله سبحانه وتعالى، ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا؛ هذه قصة بهذا التفصيل هذا كله من علم الله سبحانه وتعالى، وهذا غيب بالنسبة لكم يا أهل مكة.

ثم بعد هذه القصة كلها ما هو التوجيه المباشر للنبي عليه الصلاة والسلام وأتباع النبي عليه الصلاة والسلام؟ التوجيه المباشر هو: ﴿فَاصْبِرْ﴾. الآن الواجب عليك الصبر، ليس شيء آخر، إنما تصبر حتى يأتي قدر الله سبحانه وتعالى الغالب. أنت الآن مثالك مثال نوح عليه السلام لما كان يصنع السفينة، فاصبر ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

ثم انتقل بعد ذلك الله سبحانه وتعالى للحديث عن قصة نبي آخر يعرفه الكفار؛ لأنه كان في جزيرة العرب، ومن الأنبياء العرب، نتكلم عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.