دخولتسجيل الدخول

سورة هود 05 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطايا وخطاكم. نكمل التعليق على سورة هود، وكنا قد توقفنا عند قصة هود عليه السلام بعد ما ذكرنا ما يتعلق بقصة نوح عليه السلام، وما صنع الله سبحانه وتعالى لنبيه نوح من إنجائه ومن آمن معه، وكذلك إهلاك الله سبحانه وتعالى لأعداء نوح عليه السلام.

عقب الله سبحانه وتعالى بعد ذكر هذه القصة بقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]. ثم ذكر الله سبحانه وتعالى قصة هود عليه السلام مع قومه، قال: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: 50-51].

يخبر الله سبحانه وتعالى بأنه قد بعث هودًا عليه السلام، واختاره وبعثه إلى عاد، وعاد من العرب، وهود من قوم عاد؛ فبعث هود نبي عربي يعرف الكفار قصة عاد، ويعرف الكفار قصة ثمود. أما القصة التي قبلها قصة نوح، فهذه ما يعرفها الكفار، ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا﴾ [هود: 49]. فلذلك الكفار يقولون بأنه ادعاه، كيف تقولون بأنه ادعاه؟ من الذي يعلمكم بذلك؟ هل كان عندكم علم يخالف هذا العلم؟ هل كنتم تعرفون بقصة مخالفة لهذه القصة؟ فالجواب لا. إذًا هذا إخبار من الله سبحانه وتعالى وتخصيص لنبيه عليه الصلاة والسلام بإعلامه بهذه العلوم الغيبية بالنسبة لكم.

ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾. والكفار يعرفون قصة عاد وقصة ثمود لأنهما قبيلتان عربيتان. ما الذي قاله هود عليه السلام؟ مثل ما قال نوح عليه السلام، ومثل ما يقولها بقية الأنبياء؛ فهذه الدعوة واحدة لا تتغير، هذه دعوة مكررة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: 50]. هنا هود عليه السلام يدعو هؤلاء لعبادة الله سبحانه وتعالى وحده. ثم قال: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾، أي مفترون بما تفعلونه ومفترون بما تقولونه، هذه الاعتقادات التي تعتقدونها هي من قبل أنفسكم، أنتم الذين افتريتموها، ليست مأخوذة من أنبياء الله سبحانه وتعالى، إنما عبادة أنتم صنعتموها.

﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: 51]. هذه دعوة الأنبياء، جميع الأنبياء كانوا يقولون هذا القول وهذا المعنى يبرز في القرآن الكريم هنا وكذلك في سورة ص وكذلك في سورة الشعراء. لماذا؟ حتى لا يكون هناك منفذ للكفار؛ والداعي لا بد أن يكون بصيرًا في طريقة إيصال الدعوة، لا يسمح للكفار بأن يطعنوا به إلا بما جاء به الوحي واضحًا وجليًا. إذا كان هناك منفذ سيدخل الكفار من خلاله للطعن بالدعوة أغلقه، إلا إذا كان هذا المنفذ هو الدعوة نفسها، فإياك ثم إياك أن تتدخل فيها.

إذا كان الناس سيسقطون الداعية بسبب أمر يستطيع الداعية أن يتركه؛ فأقول اترك هذا الأمر، حتى لو كان لك، لا تبالغ بمزاحمة الناس. لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما بأيدي الناس يحبك». لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل إلى اليمن قال: «إياك وكرائم أموالهم»، لا تأخذ الأموال الكريمة، فإن أعطوك إياها بطيب نفس فنعم، لكن لا تأخذها. كذلك هنا الأنبياء كلهم يقولون بهذا ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾. من يعرف الله سبحانه وتعالى لا يطلب من الخلق، من يعرف الله سبحانه وتعالى لا يفتقر إلى الخلق إنما هو مفتقر إلى الله، والأجر يأخذه فقط من الله. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ إن كانت لكم عقول تنظرون تنفعكم هذه العقول ستخبركم هذه العقول وستشدكم إلى بطلان ما أنتم فيه وإلى صحة ما أدعو إليه. ما هي الحجة الموجودة عندكم التي تمنعكم من قبول دعوتي؟ وما هي الثغرة أو الخطأ الموجود في الدعوة التي أدعوكم إليها؟ لماذا لا تتفكرون؟ لماذا لا تعقلون؟

والله سبحانه وتعالى أعطى وأكرم بني آدم بالعقل حتى يعرف مصالحه ومفاسده. فالعقل يستطيع أن يميز الأمور العامة، يعرف بأن هذا مضر، يعرف بأن أكل هذا الأكل السام يؤدي إلى الموت فلا يأكله، ويعرف أنه إذا صعد إلى مكان عالٍ ثم رمى بنفسه سيموت، فالعقل يميز هذا الشيء. وسُمي العقل عقلًا لأنه يعقل صاحبه عما لا ينفع، يمنع ويزجر صاحبه عما لا ينفع.

ثم قال: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 52]. استغفروا ربكم من هذا الشرك، من هذه الأفعال التي تفعلونها، ومن هذه الأقوال التي تقولونها، ثم توبوا إليه، أي ارجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بفعل المأمورات واجتناب المنهيات. ما الرابط بين الاستغفار والتوبة والعمل الصالح وبين إرسال السماء المطر؟ الرابط أن الذي أمر بهذا سيعطي هذا، وأن هذا الكون خالقه واحد هو الله سبحانه وتعالى، وهذا الدين الذي أنزل واحد هو الله، والله ربط بين هذا وهذا. فالله سبحانه وتعالى جعل للعبادات والأعمال الصالحة أثرًا فيما يقع في كون الله، وجعل للذنوب والمعاصي أثرًا فيما يقع من مصائب وكوارث. لما رجفت المدينة في زمان عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه صعد المنبر وقال: أحدثتم، والله لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا. فهم عمر بأن هذه الهزة الأرضية سببها بالأصل الذنوب والمعاصي، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165].

فالذي يقع في كون الله من مصائب وكوارث، الأصل أن سببها الذنوب والمعاصي، والرغد والعيش في الأصل سببه هو الطاعات، خاصة لأهل الإيمان. لما ينزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان ويقضي على الكفر، يكسر الصليب ويقتل الخنزير، تعم البركة حتى إن الناس يعيشون في رغد عيش وفي رخاء وفي طيب عيش، لماذا؟ لأن الكفر ليس موجودًا، والكفر يقلل من نسبة البركة، يقلل من نسبة الصلاح في الأرض، والسماء تحبس المطر بسبب الذنوب والمعاصي، أو ينزل المطر وليس الغيث فلا ينتفع الناس. القصد أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين نفس العبادات والأعمال الصالحة التي يصنعها الإنسان وبين نفس الحياة التي يعيشها. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124]. لما يقع الضنك والضيق والكدر، ارجع إلى نفسك وانظر ما الذي فعلته، ما هو الذنب الذي وقعت به؟ ما هو العمل الصالح الذي تركته؟ هذا كله يؤثر في حياة الإنسان.

هنا هود عليه السلام يبين هذا المعنى العظيم والجليل بأن هناك ارتباطًا وثيقًا بين هذا وبين هذا، فلما تقع الكوارث أول ما نرجع فيه إلى الله سبحانه وتعالى، ونصلح علاقتنا مع الله. وبين النبي عليه الصلاة والسلام بأن نزول البلاءات لا تكون إلا مع انتشار الخبث، قيل له: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث». إذا كثر الخبث وانتشرت المعاصي هنا تعم العقوبة وينزل البلاء، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. والناس تستغفل لما تقع العقوبات والبلاءات، سواء بصورة ملك ظالم جبار طاغية مجرم، أو كان بصورة إنزال مطر شديد ومتتابع وثقيل يهلك الحرث والنسل، مباشرة ينسبون هذا الأمر إلى من فعله؛ صح لا بأس، ولكن السبب الرئيسي ما هو؟ ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما. لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم، ما العلاقة؟ العلاقة أن الذي أمر بهذا بين بأن هذا سبب غيبي أنت لا تعرفه وكشفه الله لك في القرآن الكريم. فشخص إذا أراد أن يحل مشكلاته فليتب ويستغفر ويكثر من العمل الصالح، خاصة الاستغفار.

هنا هود عليه السلام يبين هذا المعنى الذي ذكر في أول السورة، فالله سبحانه وتعالى يقول في أول السورة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: 3]. هود يبين كذلك هذا المعنى المهم: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 52]. كانوا أصحاب قوة، كانوا أصحاب بأس، فكانوا من أشد الناس، الله سبحانه وتعالى وصفهم بهذه القوة وهم كانوا يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]، فكانوا يتكبرون ويتجبرون على الناس بهذه القوة الموجودة عندهم. هنا هود عليه السلام يدخل عليهم ويبين لهم بأنكم تريدون قوة؟ نعم يزدكم قوة إلى قوتكم إذا تبتم إليه، فهذه القوة لن تضعف كما تظنون بل ستعظم. وهذه نفسها قالها النبي عليه الصلاة والسلام بكلمة واحدة، تريدون سلطانًا؟ تريدون أن يبقى لكم هذا الملك والسلطان ويعظم ويدين لكم الجميع؟ قولوا لا إله إلا الله، لكن ما قالوها. كذلك هؤلاء ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾، لا تبتعدوا وأنتم مجرمون فيما تقولونه وتفعلونه.

﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 53]. قالوا يا هود ما جئتنا ببينة، بدليل، بحجة، ببرهان. وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين. ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: 54]، أي أصابك بعض آلهتنا بجنون. قال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 54-56].

هنا كلمة البينة مكررة في هذه السورة، لكن العجيب هنا في قصة هود عليه السلام بالذات البينة لم يقلها هود عليه السلام، إنما قالها شعيب وقالها صالح وقالها نوح، فأغرقوا بينهم على بينة من الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أو ينهى النبي عليه الصلاة والسلام بأن يركن إلى الذين ظلموا ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113]. وكذلك ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: 12]. إذا هنا الشك والريب والبينة واليقين، هذه المعاني متكررة في السورة. هنا في قصة هود عليه السلام لم تذكر البينة، وبعض العلماء يرون بأن البينة هي نفس فعل هود عليه السلام، والقول الآخر بأن كل نبي جاءت معه بينة، ولكن هنا الله سبحانه وتعالى لم يذكر هذه البينة، فلا يشترط أن يذكر القرآن الكريم كل ما وقع وجرى. وتدل النصوص الأخرى كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».

الخلاصة من ذلك أن هؤلاء قالوا ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين، إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. هنا هود عليه السلام لما ردوا عليه بمثل هذا الرد، وهود يأتيهم بالبينات ويقيم عليهم الحجج ويدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى ويقول أفلا تعقلون ويبين أن الله هو الرازق ويغلق جميع المنافذ التي ممكن أن يتأول فيها الإنسان عليه، ثم يكون الرد بهذه الطريقة، لا إله من صنم تعتري الإنسان وتصيبه بالجنون. هنا كان رد هود عليه السلام صادمًا وصاعقًا، قال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم﴾. هذه الآيات هي التي كان يريدها الله سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في مكة؛ واقع مر، واقع صعب، واقع شديد، واقع ثقيل، وأنتم تدعون هؤلاء وتردون عليهم وتجيبونهم وهم مع ذلك يسفهون ويكذبونكم ويطعنون بكم. الرد: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾.

دابة إلا هو آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم. الله يريد أن يقرر هذه المعاني في نفوس المؤمنين.

إني أشهد الله. قولوا مثل ما قال هود. يقين تام وجازم بأنه على بينة من الله سبحانه وتعالى، وأنه على هدى، وأن هذا الذي تقولونه كله لا قيمة له ولا يؤثر بي ولا حتى شعرة. إني أشهد الله وأشهد أني بريء مما تشركون من دونه.

هنا إبراز هذا الرد القوي من هود عليه السلام في هذه القصة، من غير أن تذكر بينة لهود عليه السلام. سميت هذه السورة به. كأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين بأنه يريد من العبد المؤمن أن يكون بهذه القوة وهذه المثابة. فنفس ذكر البينة ليس مقصوداً، إنما المقصود أن يظهر هذا المعنى جلياً وواضحاً، ويستجيب الشخص لله سبحانه وتعالى بهذه الصورة وهذه الطريقة لما جاء عنه سبحانه وتعالى. الله يريد من أهل الإيمان أن يفعلوا مثل ما فعل هود عليه السلام؛ هذا هو معيار النجاح في القرآن الكريم وليس إدانة الكفار، بل الاستمرار على الطريق واليقين والصبر. ﴿فَلا تَكُ ن فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء﴾، على بينة من ربي، وفاصبر. هذا الصبر مع اليقين مع الرضا عن الله سبحانه وتعالى مع كل ما يفعل الكفار، ومع عدم وجود أي أفق لتغيير هذا الواقع؛ هذا اليقين هو المقصود أن يصل إليك من هذه القصص.

لما تحتكم الأمور وتصعب على الشخص الأمور ويضيق صدر هذا الإنسان، هنا يظهر اليقين، هنا يظهر التوكل. هود عليه السلام هنا يقول لأقوام أقوياء، لجبارين، لعتات: إني أشهد الله وأشهد أني بريء مما تشركون من دونه. ثم يتحداهم تحدياً يستفز هؤلاء الكفار: فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون. افعلوا ما تفعلون، اصنعوا ما تصنعون، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون. لا تتأخروا، استعجلوا بإيقاع العقوبة بي، استعجلوا بقتلي. لا تؤخروني، أنا لن أفكر ولن أغير رأيي، افعلوا الآن هذا الشيء.

لماذا؟ من أين أتى هود بهذه القوة العظيمة؟ إني توكلت على الله ربي وربكم. إني توكلت اعتمدت على الله، فوضت أمري لله سبحانه وتعالى، قلبي معلق به لا بكم ولا يلتفت إليكم. امتلأ القلب من تعظيم الله سبحانه وتعالى وجلال الله سبحانه وتعالى والخوف من الله سبحانه وتعالى ومخاشاة الله سبحانه وتعالى؛ القلب لم يعد فيه مساح أو مجال أو فراغ حتى يدخل فيه خوف من غيره أو تعظيم لغيره.

إني توكلت على الله ربي وربكم رغماً عنكم. هو الخالق لكم، هو السيد، هو المصلح سبحانه وتعالى، هو الرزاق، هو القادر، هو الرب سبحانه وتعالى، هو المالك. إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها. الكل تحت حكم الله سبحانه وتعالى، الكل تحت سلطان الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى من أسمائه القاهر، فالله سبحانه وتعالى قاهر للجميع، الواحد القهار سبحانه وتعالى. فالكل لا يستطيع أن يخرج من سلطانه ولا من حكمه سبحانه وتعالى. ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، أنتم ملك لله سبحانه وتعالى، أنتم دواب تدبون على هذه الأرض تمشون، أنتم لا تستطيعون أن تفعلوا إلا ما قضاه الله سبحانه وتعالى، إلا ما كتبه الله سبحانه وتعالى، إلا ما قدره الله سبحانه وتعالى.

إن ربي على صراط مستقيم. على عادة العرب لما تقول فلان صاحب طريقة حسنة؛ أي إذا أرادوا أن يثنوا على شخص بأنه عادل، بأنه حكيم، بأن أخلاقه حسنة قالوا فلان على طريقة حسنة. فالله سبحانه وتعالى على صراط مستقيم؛ فحكم الله سبحانه وتعالى عادل، والله سبحانه وتعالى له الملك، وكل أفعاله سبحانه وتعالى حسنة، وكل صفاته سبحانه وتعالى حسنة، وأسماؤه حسنى سبحانه وتعالى. إن ربي على صراط مستقيم فيما يقضيه، فيما يدبره، فيما يصنع، فيما يفعله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾. إبراز الواجب عليه، إبراز معيار القرآن: بلغت الرسالة. إذا لم تريدوا الإيمان ولا الإسلام أأُلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ ما نستطيع أن ندخل ونجبركم على الإيمان والانقياد للحق، لكن النجاح: فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم. ويستخلفني ربي قوماً غيركم. تخويف وتحذير؛ أنتم ستذهبون وسيأتي أناس آخرون، وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم. ويستخلفني ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً. إن ربي على كل شيء حفيظ سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى يحفظ هذه الأعمال، ويحفظ هذه المواقف، والله ينظر إلى ما تقولون وتفعلون، وينظر إلى ما أقول وأفعل.

هنا البعد الغيبي؛ هذا استشعار، استشعار قرب الله سبحانه وتعالى. كما سيأتي في قصة صالح عليه السلام: إن ربي قريب مجيب. هنا هود يقول: إن ربي على صراط مستقيم، إن ربي على كل شيء حفيظ. وسياتينا في وصف صالح. الله يريد أن يقرب هذه المعاني التي ذكرها الأنبياء ويوصلها إلى المؤمنين في مكة. كيف الأنبياء وصفوا الله سبحانه وتعالى؟ كيف عاشوا مع الله سبحانه وتعالى؟

إن ربي على كل شيء حفيظ. أنتم الآن في مكة تعذبون وتبتلون، هذا كله الله يعرفه ويحفظه، ويحفظ الكلمات التي تقولونها. يحفظ كلمة بلال، يحفظ كلمة الصديق، يحفظ كلمة فلان وفلان إن كان قالها فقد صدق، ويحفظ ما يفعل هؤلاء الكفار، وسيجازي الكل بعمله؛ المحسن بالإحسان والمسيء بالعدل، إن ربي على صراط مستقيم.

ثم قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. لما جاء أمر الله سبحانه وتعالى، جاء الحكم، جاء القضاء، نجينا هوداً. يعني سيأتي أمر الله سبحانه وتعالى لكم يا من طال الأمد عليكم، يا من طالت مدة البلاء عليكم. سيأتي، متى؟ فاصبر. ما ندري، ستحل، لكن ما ندري متى، ولا كيف، ما ندري. هنا يظهر الإيمان، هنا يظهر التوكل على الله سبحانه وتعالى.

وتلك عاد؛ هذه عاد التي بعدها. ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾. جحدوا بآيات الله سبحانه وتعالى، وعصوا رسله، هنا جمع مع أن المبعوث إليهم فرد واحد فقط، لكن دعوة الرسل واحدة، لا تتغير: اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره. وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد. المشكلة الموجودة عند عاد هي نفس المشكلة الموجودة في مكة، أن هؤلاء يتبعون الجبابرة، أصحاب العناد، الجبار المتكبر، العنيد الذي لا ينقاد للحق. إذا اتبع الناس ستكون النتيجة هي هذه النتيجة، والكل سيحاسب؛ الجبار العنيد سيحاسب، والذي اتبع الجبار العنيد سيحاسب. مشكلة عاد أنهم اتبعوا العلية، اتبعوا الملأ، سلموا عقولهم لهؤلاء، فحلت العقوبة على الجميع.

والله سبحانه وتعالى ينزل عقوبته على جميع من يكفر بعد ما تقام الحجة، يؤمر الأنبياء بإيصال الرسالة حتى ما يبقى إلا الهوى فقط. فالحجة تقام وتقام ويطول أمد من باب الزيادة في إقامة الحجة، حتى ما يبقى إلا الهوى فقط، إذا بقي فقط الهوى تنزل العقوبة. فلما تنزل العقوبة هؤلاء يتم القضاء عليهم ويحاسبون بعصيانهم وعدم اتباعهم لأنبياء الله سبحانه وتعالى.

انظروا معي يا شباب وتأملوا معي لما نقرأ مثل هذه الآيات وهذه القصص كيف الحال كان في مكة وكيف الآن. يتم إخراج المؤمن من الجو أو الواقع الضيق في مكة إلى التاريخ، إلى الحديث عن المستقبل، إلى الحديث عن الماضي، إلى الحديث عن قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمة الله سبحانه وتعالى. كيف يتم الآن ملء القلب وإخراج النفس من هذا الواقع الضيق؛ النفس إذا حوصرت تأذت، وهذا الأذى إذا استمر يغير النفس. طيب ما الحل؟ أخرج النفس من هذا الواقع، لا بد أن تخرجها وأن تسارع في إخراجها. تقول لي ليش أغير؟ أقول لك انتبه أن تغير، النفس إذا ضغطت تبحث عن تغيير، النفس لما تضغط تريد أي شيء حتى ما يستمر هذا الأمر. لا، إنما أنت أخرجها بهذه الطريقة، عش مع القرآن الكريم. كان إذا حزبه أمر عليه الصلاة والسلام قال: «أرحنا بها يا بلال»، كان إذا حزبه أمر صلى، وكان يقول: «أرحنا بها يا بلال». فالأمر لما إيش؟ قم وصل واقرأ مثل هذه القصص، تخرج من الواقع الذي أنت فيه، وتجدد النفس عندك، وتقوى النفس عندك، فيكون القرآن مثل المدد القوي لقلب الإنسان، لنفس الإنسان. الإنسان إذا ما فعل هذا طول البلاء والأمد لا بد أن يكسره وأن يؤثر به، لكن لما تنزل مثل هذه الآيات ويكررها الشخص ويعيش معها ويستنطقها تعطيه قوة، تكسبه قوة، فيستمر هذا الإنسان في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى وفي تنفيذ مراد الله سبحانه وتعالى. فالآن واقع مضيق، والإنسان لما يقع في الواقع يفكر هذا الكافر سيفعل كذا، هذا سيضربني، هذا سيقول لي كذا، قد يقتلونني. لما يخرج من هذه الطريقة بالتفكير إلى العيش مع القرآن الكريم وقراءة مثل هذه القصص يخرج من هذا الواقع إلى واقع آخر مع استمراره بتنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾. هؤلاء لعنهم الله سبحانه وتعالى، طردهم من رحمته في هذه الدنيا وطردهم كذلك من رحمته في الآخرة. ففي الدنيا حل عليهم هذا العقاب العظيم الغليظ، وفي الآخرة جهنم وبئس المصير. ألا إن عاداً كفروا ربهم، ألا بعداً لعاد قوم هود؛ بعداً إهلاكاً وخسراناً لعاد.

ثم قال الله سبحانه وتعالى ننتقل الآن للقصة الأخرى التي دائماً تأتي مع قصة هود عليه السلام وهي قصة صالح. قصة صالح بعد قصة هود بالتاريخ، وكذلك صالح كان من أنبياء العرب وهود كان من أنبياء العرب، فكلا القبيلتين عاد وثمود كانتا عربيتين، وكذلك أن صالح عليه السلام وقوم صالح كانوا مثل قوم هود بالقوة، يعني الحضارة المادية كانت عند عاد وثمود، فنفس الفتنة التي كانت موجودة عند قوم هود عاد هي فتنة صالح وقومه، أي فتنة قوم صالح. وصالح نجا من هذه الفتنة وأنجاه الله سبحانه وتعالى وحماه، ولكن هم لم ينجوا من هذه الفتنة فطغوا وتكبروا بسبب وجود هذه القوة. يعني المدخل الذي من خلاله دخل الشيطان على هؤلاء هو وجود القوة عندهم.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾. دعا صالح بمثل ما دعا بقية الأنبياء: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الأرض سبحانه وتعالى هو الذي خلقكم، واستعمركم فيها جعلكم عماراً في هذه الأرض، فاستغفروه مما تفعلونه وتقولونه وتعتقدونه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب. الله سبحانه قريب، الله سبحانه وتعالى أقرب ما يكون من عبده في ثلث الليل الآخر. والله سبحانه وتعالى قريب من العبد، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، إن ربي قريب مجيب. الذي يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويعود إليه ويستغفره الله سبحانه وتعالى يكون قريب منه حتى لو فعل ما فعل، أقول لك حتى لو كان مثل ثمود، حتى لو كان كافر، إذا تاب إلى الله تاب الله سبحانه وتعالى عليه، فأصبح قريب من الله سبحانه وتعالى، والله قريب منه. والله يحب التوابين سبحانه وتعالى يحب المتطهرين، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأقرب ما يكون الرب من عبده في ثلث الليل الآخر، فالله سبحانه وتعالى قريب. الله سبحانه وتعالى قريب، كذلك يجيب دعوة الداعي إذا دعا، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعا فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.

إذا الله سبحانه وتعالى قريب منكم يا أهل مكة، هذا البلاء يقع عليكم، الله قريب. وهذه كلمة قريب تدل على، أو تكسب العبد طمأنينة وراحة وسكينة، فيعلم بأن الله قريب منه، يعلم بأن الله سبحانه وتعالى مجيب له، هذه تعطي العبد قوة وكذلك راحة وسكينة وطمأنينة نفسية، فالله سبحانه وتعالى قريب حفيظ على صراط مستقيم. هذه كلها تقرب العبد من الله سبحانه وتعالى، وتجعل العبد يستمر، وتجعل النفس أهدأ، ولا تكون نفسه مضطربة بسبب الواقع المر الذي تعانيه.

قال: إن ربي قريب مجيب. قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب. قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا، حجة جديدة من حجج الكفار، الآن الكفار قوم صالح قالوا له قد كنت فينا مرجواً قبل هذا، يعني قبل أن تأتي بما أتيت به كنا نرجو أن تكون أنت السيد في المستقبل، أنت العالم الكبير، أنت أفضل واحد فينا، كيف تنهانا عن أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ يعني الآن الدخول على صالح عليه السلام مثل ما فعل الكفار لما أرادوا أن يغروا النبي عليه الصلاة والسلام: نجمع لك من المال حتى تكون أكثر منا مالاً، ونصنع لك ونعطيك ونعطيك، وأنت الصادق الأمين. من الصادق الأمين إلى ساحر كاهن كذاب مجنون حاشاه عليه الصلاة والسلام. هذه كاسرة لأصحاب النفوس الشريفة، الرجل الشريف يكسر بهذه الطريقة لما يدخل عليه بهذا الباب.

ما تم الدخول عليه الآن باب التهديد والوعيد، لا إنما باب هكذا تقرب منه. أنت كنت مرجواً، كنا في السابق نعدك من أكملنا عقلاً، ومن أكثرنا علماً، وكنا نعدك أن تكون أنت السيد؛ الآن تقول هذه الكلمات؟ كيف يا صالح تفعل هذا الشيء؟ تريد منا أن نترك ما يعبد آباؤنا؟ الدخول هنا دخول صعب على النفس.

وقع مرة خلاف بين الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى مع أحد علماء الحنابلة، هو ليس خلافاً، ابن قدامة ألف رسالة، فرد ذاك العالم على ابن قدامة بكلام طويل، وكان من ضمن الحجج التي ذكرها قال: قد كنت فينا مسألة إجماع، فأصبحت في موطن خلاف، يعني كنت في السابق عندنا مجمعاً عليك، أما الآن بعد ما قلت الذي قلته وفعلت الذي فعلته الآن سيفترق الناس عليك. فرد ابن قدامة برد عجيب قال: وأما قولك بأني كنت مسألة إجماع ثم أصبحت مسألة خلاف، فلا أبالي إلا كنت ممتثلاً لسنة النبي عليه الصلاة والسلام من خالفني في ذلك ومن أسقطني ومن عاداني، أو كما قال ذكر ابن رجب في ذيل الطبقات. ما الذي تريده من كلمة كنت مسألة إجماع؟ تريد الآن مني أن أترك الحق الذي أعتقده من أجل أن الناس يجتمعوا علي؟ إذاً أنا عبدت الناس لما أعبد الله سبحانه وتعالى.

ابن قدامة مصدوم من هذه الكلمة، ورد ابن قدامة يدل على ديانة عظيمة وإيمان كبير. فهنا كذلك يقولون لصالح هذا الكلام: قد كنت فينا مرجواً قبل. الكلام هنا قد يكون سهلاً، لكن لما يكون شخص في موطن هذا الناس كلهم مجتمعون حوله والناس كلها تحبه والناس كلها تثني عليه، ثم فجأة هؤلاء الناس كلهم يذهبون، وكلهم يطعنون بك، لماذا قلت كذا؟ هنا قد يترك الشخص ليس كل ما عليه لكن بعض ما عليه قد يتركه؛ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك انتبه، هذه الكلمات قيلت يا صالح.

نفس هذه الطريقة في الدخول على الإنسان من باب هو يحبه ثم ينتقل الإنسان فجأة من هذا التقدير والتعظيم عند الناس إلى أن يتم الطعن به، وأن يتم التسفيه له والتهديد. هذه النقلة كبيرة صعبة، شخص هنا ممكن يسكت، شخص هنا ممكن يتنازل قليلاً، هذه وسطية ليست إسلامية إنما وسطية أبي طالب، وسطية نفسية، هذا خطر كبير في الدين؛ لأنك رجوت غير الله سبحانه وتعالى وطلبت من غير الله سبحانه وتعالى الثناء والمدح. قبل هذا احسب، قبل أن تبدأ في طريق الدعوة إلى الله، قبل أن تبدأ في تعليم الناس، قبل أن تبدأ بسيرك على الطريق، أنت تريد من؟ تريد الله أو الناس؟ حدد من الآن، إذا أردت الله إذاً لن تبالي؛ خلاص، أنت الآن تنظر إلى الملأ الأعلى، تنظر إلى الله سبحانه وتعالى في السماء ماذا يقول، هذا الذي تريده وهذا هو الذي لك، أما إذا كان الهدف بالأصل الناس فهذا خطير، خطير جداً.

قالوا: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: 62]. عجيب الرد، أين الحجة؟ الحجة أن آباءنا عبدوا هذه الآلهة، فكيف تنهانا يا صالح؟ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب، يعني نحن قلقون بشأنك، هذا الذي تقوله لا يمكن أن يكون صواباً، وكذلك هناك قلق من الذي تقوله. الريب أخص من الشك، الشك ليس بيقين خلاف اليقين، لكن الريب شك معه شك علمي متعلق بالعلم، يعني لا يوجد علم عند هذا الشخص أو بالعقل، لكن الريب نفسي، أن النفوس غير مطمئنة، نحن عندنا قلق تجاه هذا الذي تقوله والذي تدعو إليه، دعوة الأنبياء مريبة؟

الحق الواضح البين يكون مريباً إذا كان الشخص طاغية، إذا كان الشخص متكبراً، لأنه ما يبصر الحق، المشكلة بالنفس، حالة بين القلب وبين النظر إلى ما يقوله الأنبياء. فلم يعودوا يبصرون الحق، فأصبح الحق بالنسبة لهم باطلاً، أصبح الحق مريباً، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ [هود: 17]، لا يدخل قلبك شيء من هذا انتبه، إنه الحق من ربك.

قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: 63]. أنا على علم وبينة وهدى من الله سبحانه وتعالى، وآتاني منه رحمة، النبوة، فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ إذا عصيت الله سبحانه وتعالى من الذي يستطيع أن يمنعني؟ من الذي يستطيع أن ينصرني؟ هنا صالح يريد أن يبين لكم ما تعرفون من هو الله سبحانه وتعالى، لذلك تقولون ما تقولون، أما أنا على بينة، أنا أعرف من هو الله سبحانه وتعالى.

في هذه الآيات الله يريد أن يبين للنبي عليه الصلاة والسلام وللصحابة ولكل أهل الإيمان أن هؤلاء لما يقولون هذه الكلمات هم ما يعرفون الله، لكن أنتم تعرفون الله؛ فارق كبير جداً بين قول وفعل من لا يعرف الله وبين قول وفعل من يعرف الله سبحانه وتعالى، لذلك أول من تسعر به النار من؟ عالم، لماذا؟ لأنه عرف الله لكنه طلب بهذا العلم الدنيا، هذا ممن عبد الله على جهل، لماذا؟ لأنه يعرف، هذا يعرف من هو الله سبحانه وتعالى، فيؤمر به ويعرف تفصيل ما لا يعرفه غيره. هنا صالح عليه السلام يبين بأنه يعرف الله، على بينة هو نبي، لكن أنتم تقولون ما تقولون لأنكم ما تعرفون من هو الله، فتأتونني بمثل هذه الحجج السخيفة الباطلة. قد كنت فينا مرجواً قبل هذا، يعني ماذا تريدون مني أن أترك الحق الذي عندي حتى ترضون عني؟ وهو على بينة ويعرف قوة الله، يعرف أن الله يعاقب من يخالف أمره، انتبهوا، فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني فيما تقولونه وما تفعلونه وما تعتقدونه غير تخسير.

﴿وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64]. هذه ناقة الله لكم آية، آية خاصة لكم، ناقة مختلفة عن جميع النوق، علامة على صدق نبوتي وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي بعثني. فذروها تأكل في أرض الله، لا يوم ولكم يوم، ولا تمسوها بسوء، انتبهوا أن تتعرضوا لها، فيأخذكم عذاب قريب، أي إذا مسستم هذه الناقة بسوء وفعلتم لها شيئاً وقتلتم وعقرتم هذه الناقة النتيجة مباشرة نزول عذاب الله سبحانه وتعالى، وانظروا هنا إلى كلمة قريب. هؤلاء الكفار طغوا وتجبروا وعادوا النبي عليه الصلاة والسلام وردوا هذه الحجج البينات، إذاً العذاب قريب وسيأتي.

﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65]. عقروا الناقة، تسعة من هؤلاء يقودهم رجل يقال له قدار أو قيدار بن سالف، فتعاطى فعقر الناقة وقتلها، فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب، تمتعوا بهذه النعم فقط ثلاثة أيام. طيب لماذا ثلاثة أيام؟ لماذا ما نزلت العقوبة عليهم مباشرة؟ الله يريد أن يربي أهل الإيمان على الصبر، الله سبحانه وتعالى له موعد هو الذي يقدره، ويريد أن يبين وأن يقرر، ويقر كذلك في عقول أهل الإيمان حكمة بالغة، اسم الله الحكيم.

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ [هود: 66-68]. أي نزلت العقوبة، نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ، إن ربك سبحانه وتعالى هو القوي العزيز. وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها كأنهم لم يكونوا موجودين قبل ذلك كأنهم لم يوجدوا فوق الأرض، ألا بعداً لثمود، بعداً هلاكاً وخسراناً لثمود لأنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى.

ثم انتقل بعد ذلك الخطاب والحديث عن إبراهيم عليه السلام، وأعطاه الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام شيئاً من وصف نبي الله سبحانه وتعالى. بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى قصة لوط مع قومه، نذكرها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.