دخولتسجيل الدخول

سورة هود 06 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحييكم إخواني جميعًا، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة هود، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69]. بعد ما قص الله سبحانه وتعالى قصة صالح عليه السلام، انتقل الحديث إلى قصة إبراهيم عليه السلام.

لم يذكر هنا تفصيل دعوة إبراهيم وصراع إبراهيم عليه السلام مع قومه، إنما ذكر هنا صفة إبراهيم عليه السلام، وخلق إبراهيم عليه السلام، ومنة الله سبحانه وتعالى عليه. ففي هذه القصة لم يذكر الله سبحانه وتعالى ما وقع بين إبراهيم وقومه، إنما ذكر وصفه وتعامل إبراهيم عليه السلام، ومنة الله وعطاءه وكرمه لبيت إبراهيم عليه السلام، وهذه فيها إشارة عظيمة للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يكون مثل إبراهيم عليه السلام، وأن يفعل كما فعل.

دعونا نعيش مع قصة إبراهيم عليه السلام المذكورة في هذا السياق؛ فلم يذكر هنا ما ذكر بين نوح وقومه، ولا بين صالح وقومه، ولا بين هود وقومه، ولا حتى بين لوط وقومه، ولا شعيب وقومه. إنما ذكر هنا معنى معين محدد يراد إبرازه في ثنايا هذه القصص القرآنية. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69].

جاءت الرسل إلى إبراهيم عليه السلام بالبشرى، بالبشرى في هلاك قوم لوط، وكذلك بتبشير الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام بالذرية، بأن الله سيمن عليه بهذه الذرية. الرسل الملائكة أتت إبراهيم عليه السلام وسلمت عليه، فرد إبراهيم عليه السلام وقال: سلام، ثم مباشرة انطلق إبراهيم وراغ ينطلق بسرعة وخفاء وجاء بعجل حنيذ، أي مشوي على الحجارة المحماة.

﴿فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 70-71]. هذه الرسل أتت إبراهيم عليه السلام من أجل أن تبشره بإهلاك الله سبحانه وتعالى لقوم لوط، وأن الله سبحانه وتعالى سيقضي على هؤلاء الذين انتكست فطرهم وعادوا لوطاً عليه السلام.

لما جاءت الرسل بالبشرى وسلموا على إبراهيم عليه السلام، رد إبراهيم السلام ثم مباشرة أتاهم بالعجل الحنيذ، وهذا فيه دلالة على صفة إبراهيم عليه السلام برد السلام، وكان رد إبراهيم أكمل من سلام الملائكة؛ فالملائكة قالوا سلاماً، وإبراهيم قال سلام، أي رد عليهم السلام بالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والاستقرار. ثم مباشرة انتقل إبراهيم وجاء بالعجل، وهذا فيه كرم إبراهيم عليه السلام. وكان الصديق رضي الله عنه أبو بكر حريصاً أن يتشبه بإبراهيم عليه السلام، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يصف الصديق بقوله: «إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام»، وكان يقول: «أرحم بأمتي أبو بكر».

فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم، قدم لهم الطعام فلم يأكلوه، فلما رآهم لا يأكلون أوجس إبراهيم في نفسه خيفة واستنكر هذه الفعلة. فقالوا له: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط. ما المراد هنا إيصاله؟ المراد أن يعلم الناس بأن أنبياء الله سبحانه وتعالى لا يعرفون الغيب؛ هؤلاء رسل جاءوا بالبشرى، وإبراهيم عليه السلام لا يعرف بأنهم رسل مبعوثون من قبل الله. إذاً كيف تطلبون من الأنبياء أن يأتوا بأشياء ليست في قدرتهم ولا يملكونها؟ هم بشر أنبياء مبعوثون من قبل الله، ولكنهم ليسوا آلهة، لا يستطيعون أن يفعلوا إلا ما يأمر الله به أو ما يأذن به فقط.

إبراهيم عليه السلام هنا خاف، إذاً هو بشر ومهما كان الشخص شجاعاً يصيبه الخوف، وهذا الإنسان لا يخرج من دائرة الإنسانية. فجميع أنبياء الله بهذه الصورة، وأنتم يا كفار مكة من ذرية إبراهيم عليه السلام وتزعمون بأنكم على دينه؛ وهذا إبراهيم بشر مخلوق كغيره من البشر من ذرية آدم عليه السلام، إذاً البشر يخافون حتى لو كانوا أنبياء، والأنبياء لا يعرفون الغيب إلا ما يطلعهم الله عليه.

وامرأته قائمة فضحكت؛ لماذا ضحكت سارة زوج إبراهيم عليه السلام؟ قيل للبشرى؛ فلما بشرت هؤلاء الملائكة إبراهيم عليه السلام بأنهم سيهلكون القوم المجرمين الفاسدين الفاسقين، ضحكت فرحاً وسروراً لهلاك الله سبحانه وتعالى لقوم الظالمين. وهذا هو الهدي، فإذا أهلك الله أهل الظلم والجور ومن عاثوا في الأرض فساداً، فهنا يشرع للناس بأن يفرحوا. ولما مات بعض الظلمة مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، فتح بعض التابعين بيته وأخذ يوزع الحلوى فرحاً وسروراً لهلاك هذا الظالم؛ فالمقصود أن هلاك الظالمين يشفي الله به صدور المؤمنين ويفرح أهل الإيمان بذلك.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71]. لما ضحكت فرحاً وسروراً بما يدل على إيمانها رضي الله عنها ورحمها، بشرها الله سبحانه وتعالى بإسحاق عليه السلام، وكذلك بيعقوب الذي سيأتي بعد إسحاق. ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: 72]. كان رد هذه المرأة رد المتعجب، كما قال الله في آية أخرى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. هنا قالت وأنا عجوز أي كبيرة في السن، وهناك أنا عجوز وكذلك عقيم أي لا ألد، وهذا بعلي شيخاً كبير في السن، كيف يأتي الولد ويرزق بالولد الرجل الكبير في السن والمرأة العجوز العقيم؟ إن هذا لشيء عجيب.

فرد الله سبحانه وتعالى قائلاً: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73]. ردت الملائكة وقالت: أتعجبين من أمر الله؟ من حكم الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. إنه حميد مجيد. هنا الله سبحانه وتعالى يبشر هذه المرأة الصالحة من خلال الملائكة بأن هذه رحمة من رحمات الله عليكم. الله سبحانه وتعالى يرحم من عباده الرحماء، وأنتم قوم رحماء وبيت صالح ومبارك وموفق. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]. هذه بيوت طيبة مباركة، السنة التي تقع معها تختلف عن السنة العامة؛ لأن هؤلاء يأتي الله بهم ويحفظهم ويقيد لهم ما يصلحهم. فالله سبحانه وتعالى يمن على من شاء بما شاء، وقدرة الله نافذة.

نعم، بالعادة ما تلد المرأة العقيم، وبالعادة الشيخ الكبير ما تكون به قوة وطاقة لأن يرزق، ولكن هذا البيت مختلف ومصطفى ومختار. إذاً هنا فيه بيان قدرة الله سبحانه وتعالى في ثنايا هذه القصص، أن الله يمن على من شاء بما شاء سبحانه وتعالى. وانظروا إلى إبراهيم عليه السلام؛ هو الآن بعيد عن قومه الذين كان يدعوهم، وأنجى الله إبراهيم عليه السلام؛ فانطلق إبراهيم وانتقل من بلاد إلى بلاد مهاجر في سبيل الله. ثم لما حقق العبادة لله كما يحب الله، منّ الله عليه بهذه المنة الكبيرة وبهذه العطيات العظيمة. هذا الذي سيكون معكم كذلك، إن قصدتم الله وبذلتم كما بذل، وهاجرتم كما هاجر، وستبذلون كما بذل إبراهيم عليه السلام، ثم ستعطون كما أعطي إبراهيم عليه السلام. هذه سنة الله سبحانه وتعالى فيمن يحب من أوليائه.

فالقصد من ذلك هنا في قصة إبراهيم عليه السلام إبراز هذا المعنى العظيم، أي كرامة الله لهذا البيت المبارك العظيم. انظروا معي وتأملوا ونحن نقرأ في هذه القصة كيف أن هذه القصة تخرج من يقرأها من نفس الواقع الذي يعيش فيه. فالشخص الذي يعيش في واقع به ضغط كبير، والإنسان كائن إذا تعرض لضغط يحصر فيه، فلما ينتقل من هذا الضغط ويقرأ القرآن الكريم يخرج من هذا الواقع وتسكن النفس وتطمئن، ويقوى عنده الإيمان، فيقاوم هذا الإيمان الواقع الذي يعيش فيه. لذلك كانت تنزل آيات القرآن الكريم بهذا الشكل متتابعة متتالية منجمة؛ ليست دفعة واحدة، إنما مع كل حادث، مع كل يوم أو يومين أو ثلاثة، مدة زمنية معينة تنزل معها آيات؛ هذه الآيات لها نور تدفع هذا الشخص وتعينه على الاستمرار والمضي.

فالقصد أن الله هنا أبرز قصة إبراهيم عليه السلام، وأبرز فيها كرامة إبراهيم عليه السلام على الله سبحانه وتعالى، ومنة الله وعطيته لإبراهيم عليه السلام. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73]. هذه "حميد مجيد" لم تأت في القرآن الكريم إلا في هذا الموطن فقط، اسم الله الحميد قرن بغير المجيد في القرآن الكريم، ولكنه لم يقرن بالمجيد إلا في هذا الموطن فقط. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى محمود على ما أعطاكم، وأنتم حمدتم الله، والله مستحق الحمد على هذه النعمة العظيمة؛ فأنتم أهل حمد، أنتم أهل شكر، أنتم أهل بلاء وتضحية، فمنّ الله عليكم لأنكم حمدتموه واستعملتم نعم الله فيما يحبه سبحانه وتعالى.

كذلك جزاء هذه النعمة أن تشكروا الله عليها وأن تحمدوه كذلك عليها، فالله سبحانه هو المحمود في كل حال، محمود في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله. ثم قال: مجيد، أي عظيم شريف سبحانه وتعالى، والمجد اسم يجمع جميع أوصاف الشرف؛ فالله سبحانه وتعالى مجيد، وأنتم مجدتم الله، وكذلك الله يستحق المجد ويستحق أن يمجد من قبل عباده. هنا الله يقول: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73]. أنتم أهل حمد ومجدتم الله، فمنّ الله عليكم بهذه العطيات، فهذه عادة الله في كل من يتعامل معه بهذه الصورة والطريقة، يعطيه الله سبحانه وتعالى ما لا يعطي غيره.

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه: 39]. إذا أحب الله سبحانه وتعالى عبداً حماه وهداه ووفقه ويسر له الأمور، وعاش حياة تختلف عن حياة البقية. وهذا البيت المبارك اختاره الله سبحانه وتعالى، وأمرنا كذلك الله سبحانه وتعالى بأن نصلي على نبينا عليه الصلاة والسلام وعلى آله في الصلاة الإبراهيمية في كل تشهد. ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74]. إذاً إبراهيم عليه السلام هو أشجع الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام، هو أكمل الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام، هو الخليل الثاني بعد الخليل الأول عليه الصلاة والسلام.

ووقع في قلبه الروع، نعم وقع الروع أي الخوف؛ لأنه إنسان، يبقى إنسان. إذاً هنا المجاهدة يعطى عليها الإنسان ويكرم عليها، والله هنا يبرز لنا هذه المعاني في الرسل حتى يعلم الناس بأن الرسل بشر، وحتى نقتدي بالرسل فيما كانوا يفعلون. وليس معنى اقتدائنا أننا لا نخاف أو لا يعترينا الخوف لما يأتي موطن الخوف، لكن ليس معنى هذا أن الخوف يتمكن منا. الخوف هنا الخوف الطبيعي، والإسلام بيّن بأن الخوف الطبيعي لا حرج منه، ولكن لا تسمح للخوف بأن يستقر. فالله سبحانه وتعالى لما خاف موسى عليه السلام في عدد من المواطن قال له: ﴿لَا تَخَفْ﴾. لا تجعل هذا الخوف يستقر عندك؛ هكذا يربي الله سبحانه وتعالى أنبياءه وأولياءه.

الإنسان طبيعي يصيبه الخوف لما يكون في موطن للخوف، ولكن لا يسمح لهذا الخوف بأن يستقر عنده. ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74]. وأنتم الآن في هذا الموطن تسلط الكفار وقوة الكفار عليكم، تخافون والله يعلم؛ هذا ليس فقط ما وقع معكم، بل وقع كذلك مع أنبياء الله سبحانه وتعالى، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ولقد خفت وما يخاف في الله أحد». هذا الخوف يقع، ولكن ماذا تفعلون لما يقع الخوف؟ هل تقاومون؟ هل تستمرون؟ وهذا حتى كذلك ما يكون عند الشخص هكذا جلد للذات؛ بعض الناس يجلد نفسه بقوة.

الجلد يحرف الإنسان عن تطبيق المراد، كأنه يريد ألا يكون إنسانًا. نعم هو دافع الخوف، لكن هذا الخوف طبيعي يقع على الإنسان لما يكون الأمر يستدعي الخوف. فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط، إن إبراهيم عليه السلام كان حليمًا أواهًا منيبًا. إبراهيم عليه السلام لما ذهب عنه الروع أخذ يجادل في قوم لوط؛ لماذا؟ رحمة، فإبراهيم عليه السلام تغلب عليه الرحمة فهو رجل رحيم. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36].

انظروا كيف دعا إبراهيم عليه السلام، لذلك لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر وكذلك عمر في أسرى بدر، الصديق مال إلى الفداء والمن، بخلاف الفاروق الذي مال إلى القتل والشدة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما مثلك أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام إذ قال... وإنما مثلك أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام إذ قال... وإنما مثلك عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال... وإنما مثلك عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال...». فمال النبي عليه الصلاة والسلام مع رأي أبي بكر، وكان الحكم مع عمر.

فهنا الله سبحانه وتعالى يبرز لنا صفة إبراهيم عليه السلام، بأن إبراهيم من طبعه الحلم، وحليم لا يغضب بسرعة إلا لما تنتهك حرمات الله سبحانه وتعالى. ولكنه حريص أن يدعو قومه، وحريص أن لا يهلك الناس حتى يعذروا إلى ربهم وحتى يهتدوا، يعني إبراهيم عليه السلام كان يغلبه هذا الوصف. قال: حليم أواه منيب، أواه أي كثير التأوه لما يتذكر الذنوب، لما يتذكر بعض الأخطاء يتأوه. طيب هل إبراهيم عليه السلام عنده ذنوب؟

جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام البخاري ومسلم، حديث طويل في الشفاعة وفيه بأن الناس يأتون آدم عليه السلام، ثم بعد ذلك يقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، ثم يذهبون إلى نوح عليه السلام فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم عليه السلام. فيأتون إبراهيم عليه السلام، فلما يأتون إبراهيم عليه السلام ما هو الذنب الذي يذكره إبراهيم عليه السلام؟ يقول: وإنه قد كانت لي ثلاث كذبات. هذه الأقوال الثلاث التي هو عبر عنها بأنها من الكذب كانت ثقيلة في نفس إبراهيم عليه السلام.

طيب ما هي هذه الكذبات الثلاث؟ لما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]، ولما قال إنك تعلمين أنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وقال: هذه أختي. إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اثنتان في الله». مقولة إبراهيم عليه السلام لما قالوا له أنت خليل الله، قالوا إنما كنت خليلاً من وراء وراء؛ أي من وراء موسى الذي هو وراء محمد عليهم الصلاة والسلام. يعني إبراهيم عليه السلام كان هذا الأمر يهمه. ولما قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]. فقصد بذلك أن إبراهيم عليه السلام أواه؛ أي كثير التأوه لما يتذكر المواقف. طيب ما هي المواقف؟ إبراهيم هو الذي وفى، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37]. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124].

لكن هؤلاء هم أنبياء الله سبحانه وتعالى، لذلك لما جاء أبو بكر الصديق وطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه دعاء، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم». أبو بكر يقول ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا. نعم، هكذا يتعامل الأنبياء، هكذا يتعامل الصفوة من خلق الله سبحانه وتعالى مع الله. لذلك قال الصحابة: إنكم لتفعلون أفعالًا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها من الموبقات. فالذنب صغير لكن هو بالنسبة لهؤلاء الأخيار الصفوة كبير. لماذا؟ لأنهم ما ينظرون إلى نفس المعصية، لكن ينظرون إلى من عصوا؛ فالله كان عظيمًا في قلوبهم. ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]. كانوا يوقرون الله سبحانه وتعالى، كانوا يعظمون الله سبحانه وتعالى.

إن إبراهيم لحليم أواه؛ أي أواه كذلك متضرع في الدعاء، لما يتضرع يتضرع وهو منكسر وخائف ووجل من الله سبحانه وتعالى. قال منيب؛ أي رجاع إلى الله سبحانه وتعالى، كثير العودة والرجوع إلى الله. يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود. أعرض يا إبراهيم، قضي الأمر. جاء أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا فيه أن النبي ما يستطيع أن يفعل أكثر من القول أو الدعاء والمجادلة فيما يريد أن يقرره، ولكن الذي سينفذ هو فقط حكم الله سبحانه وتعالى، لا أحد يدخل في قدر الله سبحانه وتعالى، هو فقط الحكم النافذ متى ما أراد سبحانه وتعالى وكيفما أراد الله. ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110]. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. هذا عند الله سبحانه وتعالى، ما يدخل فيه أحد.

ولما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب. إذا أبرز في قصة إبراهيم عليه السلام هذه المعاني، صفة إبراهيم، وصف إبراهيم عليه السلام، عطاء الله وكرم الله سبحانه وتعالى، إبراهيم عليه السلام، سلام إبراهيم عليه السلام. وهذا كله بعد ما أدى إبراهيم عليه السلام وبعد ما قضى الله سبحانه وتعالى أو بعد ما أنجى الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام من قومه. وانظروا هنا كيف أنبياء الله لا يموتون، يعني لا يمكن لأقوامهم قتلهم. لم يقتلوا نوحًا، ولا هودًا، ولا صالحًا، ولا إبراهيم، ولا الآن ستأتينا قصة لوط عليه السلام، ولا شعيبًا، ولا موسى عليه السلام. انظروا كيف لا يكون إلا قدر الله سبحانه وتعالى. تظنون بأن الموت قريب والقتل، لكن هذا كله ما يكون. لماذا؟ لأن حكم الله هو النافذ.

لما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب. جاءت الملائكة بعد ما بشرت إبراهيم عليه السلام، وكذلك سارة، وانتقلت بعد ذلك إلى لوط. فجاءوا على صورة غلمان شبان صباح الوجوه، وذهبوا إلى بيت لوط عليه السلام، فأضافهم لوط عليه السلام وهو خائف وجل. فذهبت وانطلقت امرأة لوط، وكانت امرأة سيئة كافرة على دين قومها، ولكنها لم تكن زانية. لما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب. لما جاءت هذه الرسل للوط عليه السلام وهو لا يعرف بأن هؤلاء رسل مبعوثون من قبل الله سبحانه وتعالى، قال: هذا يوم عصيب؛ هذا يوم صعب، هذا يوم ثقيل، هذا يوم شديد.

وجاءه قومه يهرعون إليه. ذهبت هذه المرأة السيئة الفاسدة إلى قومها وقالت لهم بأن لوطًا أتاه شبان أو صفاتهم كذا وكذا، وكانوا هؤلاء يعملون السيئات. فجاء هؤلاء يهرعون، أي جاءوا مسرعين من غير عقول، هنا الإهراع أي السرعة معها رعدة. هؤلاء أتوا والشهوة هي التي تقودهم من غير قدرة على التحكم في العقول، إنما هؤلاء هكذا الشهوة غالبة عليهم. فأصبحت الشهوة تقود هؤلاء وتسوقهم سوقًا إلى بيت لوط. وهذا فيه دلالة على أن الشهوة إذا تمكنت من الإنسان سيطرت عليه. الشخص يقع في الشهوة في البداية عبارة عن نزوة، لكن إذا أكثر منها تصبح إدمانًا. فلما يدمن الشخص الشهوة يحتاج إلى مجاهدة كبيرة وعظيمة حتى يخرج منها، لماذا؟ لأن الشهوة تمكنت منه.

هؤلاء أتوا بهذه الصورة يراودونه عن ضيفه. وجاءه قومه يراودونه عن ضيفه ومن قبل كانوا يعملون السيئات، أي فعل المنكر. قال: ﴿يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: 78]. انظروا الآن إلى البلاء العظيم الذي يقع على هذا الرجل الصالح. هذا الرجل الصالح لم يؤمن من قومه إلا ابنتاه فقط، حتى زوجته لم تؤمن. وهو الآن يريد أن يدفع ويدافع عن أضيافه، ولا يريد أن يفتضح في بيته. فيدفع هؤلاء، وهؤلاء أتوا يراودون وهو يدفع الباب وهم يدفعون كذلك الباب وبعضهم يتسلق السور والجدار حتى يدخلوا. وهؤلاء أي الملائكة جالسين عند لوط عليه السلام ولم يخبروه.

وانظروا كيف القدر، أو كيف الملائكة ما تنطق حتى يصل الرجل الصالح إلى أقصى طاقة عنده. لما أتوا إبراهيم عليه السلام ما أخبروه حتى خاف إبراهيم عليه السلام، ثم بعد ذلك أخبروه. وهنا كذلك ما يخبرونه حتى يصل الحال بلوط عليه السلام إلى أن يقول ما قاله. قال: يا قوم، هؤلاء بناتي. يعني لوط وصل به الحال أن يقول تزوجوا بناتي، والمقصود هنا بالبنات منهم من يقول من العلماء أي بنات العشيرة، ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: 78]؛ أي عودوا إلى فطرتكم، والنبي أب لهم كما جاء في القراءة التفسيرية الشاذة في سورة الأحزاب، والنبي هو بمثابة الأب للمؤمنين.

فاتقوا الله أي اتقوا عقوبة الله، انتبهوا ستنزل العقوبة أو اتقوا معصية الله سبحانه وتعالى التي تترتب عليها العقوبة. ولا تخزوني في ضيفي، لا تفضحوني في ضيفي. استحى لوط عليه السلام من أن يفعل بأضيافه هذه الفعلة. انظروا إلى عظمة البلاء الذي كان يقع على الأنبياء. هذا كله حصل للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في مكة. هل وصل معكم البلاء إلى هذه الصورة؟ هل وصل معكم بلاء إلى أن يؤتى على أضيافكم بهذه الطريقة؟ وأنك أنت تكون لوحدك هكذا تخاف على ابنتيك ولا يوجد من يتزوج ابنتيك؟ في حالة صعبة والقوم كلهم بهذه الطريقة وأنت لوحدك تدافع عن الله سبحانه وتعالى وتقيم الحجة على أناس انحرفت عندهم الفطرة.

أليس منكم رجل رشيد؟ أليس منكم رجل؟ لا يوجد منكم كلكم رجل رشيد عاقل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ الفطرة انتكست عند الجميع، نعم انتكست عند الجميع. وهكذا بعض البيئات لما ينتشر فيها الفساد ولا يوجد من ينكر تنتشر الانتكاسة بينهم، فتصبح هذه المجموعة وهذه العشيرة وهذا المكان كله منتكس الفطرة. نسأل الله السلامة والعافية. والأنبياء يبعثون في هذه اللحظات لما تنتكس عقول الناس وتصل إلى أصعب اللحظات هنا يأتي النبي، لماذا؟ لأن لا يقوى على القيام بالواجب إلا الأنبياء فقط في مثل هذه الحالات.

قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد. وقاحة وجرأة، يخاطبون نبيًا من أنبياء الله سبحانه وتعالى بهذه الصورة وهذه الطريقة. هل وصل معكم يا أهل مكة؟ أن يقول لكم الناس بهذه الطريقة؟ نعم وصل معكم أن اتهموكم وسبوكم وشتموكم، لكن ما وصل الحال عندكم إلى ما وصل الحال مع لوط عليه السلام. هذا كله تثبيت وتسديد. قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد. قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد. هل هذه الكلمات قالها لقومه أو لأضيافه؟ قيل هذا وقيل هذا، بأنه قال لأضيافه: لو أن لي بكم قوة، لو أنكم أقوياء تستطيعون أن تقاوموا معي هؤلاء المجرمين، أو قالها لقومه: لو أن لي بكم قوة أستطيع أن أدفعكم عن أضيافي، أو آوي إلى ركن شديد، أو عندي عشيرة أو قبيلة تمنعني وتحميني وتحفظني وتعيني عليكم.

هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يرحم الله أخي لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد»؛ أي الله سبحانه وتعالى.

حتى في هذه اللحظة ينبغي أن القلب لا يلتفت، نعم حتى في هذه اللحظة ينبغي أن القلب لا يلتفت. الله يريد منك حتى في هذه اللحظات أن يتعلق قلبك به سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]. لما ضاق الأمر وكاد القوم يدخلون على الملائكة، هنا جبريل عليه السلام قال لهم وبينوا له بأنهم رسل مبعوثون من قبل الله سبحانه وتعالى. إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً، لن يصلوا لا إلينا ولا إليك، هم تهددوه بالقتل وأوعدوه، ولكن هذا كله لن يكون.

فضربهم جبريل عليه السلام، واستأذن جبريل الله سبحانه وتعالى بأن يطمس وجوههم، فأذن الله سبحانه وتعالى له، فطمست وجوه هؤلاء، ثم رجعوا بعد ذلك وتهددوا لوطاً عليه السلام، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: فأسرِ بأهلك بقطع من الليل. والله أنجى لوطاً وابنتيه في وقت السحر بقطع من الليل، أي في وقت من الليل. ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، إنه مصيبها ما أصابهم، هذه المرأة لن تنجو.

هذه المرأة لن تنجو لماذا؟ لأنها لم تكن على دينك. فخرج لوط عليه السلام بابنتيه، وقيل بأن المرأة ذهبت معه ولكنها التفتت لما رأت العذاب ودعت قومها، فلما التفتت أصابتها الحجارة التي نزلت على قومها وقتلت. وقيل بأنها لم تخرج أصلاً معهم لأنها ليست من أهل لوط عليه السلام. هنا ولا يلتفت منكم أحد، قيل يتخلف على القول، ومنهم من يقول الالتفات المعروف. والقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى أنجى لوطاً عليه السلام وأنجى ابنتيه الصالحتين.

قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسرِ بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح، أي ستنزل العقوبة على هؤلاء في وقت الصباح. لوط ماذا قال؟ قال الآن، لماذا ما تنزل الآن عليهم العقوبة؟ فردت الملائكة وقالت: أليس الصبح بقريب؟ الحكم حكم الله، والقدر قدر الله سبحانه وتعالى. متى يقضى على هؤلاء الكفار في مكة؟ ليس هذا الأمر لكم، هذا لله سبحانه وتعالى. متى يتم القضاء على هذا الطاغي المجرم الذي عاث في الأرض فساداً؟ ليس هذا الأمر لكم، هذا لله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى هو الحكيم، هو الذي يعلم متى يصلح أن يؤخذ الطاغية. لماذا؟ لأن وجود هذا الطاغية فيه رفعة لأناس يريد الله سبحانه وتعالى أن يرفعهم. صلب أحد المجرمين أحد العلماء الصالحين، فمر أحد الصالحين على هذا العالم وهو مصلوب، ثم قال: يا ربي إن حلمك على الظالمين أضر بالمظلومين. ثم نام فرأى في المنام هذا الرجل الصالح المعلق يطير في الجنة، وسمع منادياً ينادي ويقول: حلمي على الظالمين أورث المظلومين هذا المقام.

فالله سبحانه وتعالى رفع من شأن أنبيائه لوجود هذه البلاءات، هذه البلاءات وجدت فقام الأنبياء وصارع الأنبياء وثبت الأنبياء فارتفع الأنبياء عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك أتباع الأنبياء. وهذا كله فيه تخاذل كذلك للشيطان، الشيطان أخرج آدم من الجنة واحد، ولكن بعد ذلك سيعود إلى الجنة في أمم كبيرة من الناس. انظروا كيف الشيطان أخرج آدم، ولكن الله سبحانه سيقيد من ذرية آدم أعداداً كبيرة لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى كلها تدخل الجنة. إذن هنا إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب؟ لن يأتي إلا قدر الله وفق هذا القدر وفق حكمة الله سبحانه وتعالى، هذا كله يرجع إلى الله سبحانه وتعالى الحكيم. اصبروا، الواجب عليكم الآن أن تصبروا، الواجب عليكم الآن أن تفعلوا الذي يريده الله سبحانه وتعالى منكم.

﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 81-83]. رفع جبريل عليه السلام هذه القرى قرى سدوم إلى السماء، ثم قلب هذه القرى وجعل عاليها سافلها، وأنزل الله سبحانه وتعالى عليهم هذه الحجارة التي هي من سجيل منضود، من طين متحجر، وأصابت هؤلاء وقتلتهم مسومة معلمة عند الله سبحانه وتعالى. هذه الحجارة معلمة على أسماء هؤلاء فكل واحد تصيبه الحجارة المكتوبة. وما هي من الظالمين ببعيد، وما هي من الظالمين، قيل القرية ما هي بعيدة عن قومك عن كفار قريش، قريش يمرون عليها وينظرون إليها ويعرفونها. والقول الآخر وما هي من الظالمين ببعيد أي هذه العقوبة، فالله سبحانه وتعالى ينزل هذه العقوبات وأمثال هذه العقوبات على من يعادي أنبياءه ورسله.

هذه إشارة إلى قرب إنزال العقوبة على هؤلاء الظالمين الذين هم في مكة، وأنتم وصل بكم الحال بعد طول الأمد مثل ما وصل مع لوط عليه السلام لما قال: لو أن لي بكم قوة، ولما قال الآن يا ربي، أنتم وصل فيكم الحال لكن لن يأتي إلا قدر الله وفق حكمة الله سبحانه وتعالى فاصبروا. وبعد هذه المدة اليسيرة قضى الله سبحانه وتعالى وقدر هجرة أهل الإيمان والإسلام والأنصار، ثم جاءت معركة بدر الكبرى التي قضي بها على صناديد مكة. إذاً هذا ما يتعلق بقصة إبراهيم عليه السلام وقصة لوط عليه السلام، ونكمل إن شاء الله تعالى قصة شعيب ونبدأ بها في الدرس القادم بإذن الله، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.