الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نكمل سورة هود، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۖ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾.
بعدما قص الله سبحانه وتعالى على نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه قصة لوط عليه السلام وما جرى ووقع لقوم لوط، انتقل الآن الحديث إلى قصة شعيب عليه السلام. وقصة شعيب عليه السلام لا تأتي في القرآن الكريم إلا بعد قصة لوط. ولوط عليه السلام أنكر على قومه هذه الفاحشة، وشعيب هنا دعاهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وأنكر على قومه التطفيف في المكيال والميزان.
فدعوة لوط عليه السلام كانت متعلقة بإصلاح المجتمعات من خلال إنكار هذا المنكر العظيم الموجود عندهم، الذي يفسد المجتمعات ويفسد الإنسان. وكذلك هنا شعيب عليه السلام دعا قومه إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وكذلك إلى ترك التطفيف في المكيال والميزان؛ لما فيه من أثر في استثارة النفوس وشح النفوس. والمجتمعات لما تشح نفوس أفرادها ما تستقيم، هذه المجتمعات لا تستقيم حتى تكون نفوس سهلة سمحة؛ رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، وإذا اقتضى.
أما الشخص لما تكون نفسه شحيحة متمسكة بالمال وينصب على غيره ويسرق مال غيره ويأخذ مال غيره بالحرام، هذا المجتمع يكون مجتمعاً فاسداً وتفسد هنا نفوس الناس، والتكافل الاجتماعي في هذا المجتمع لا يكون موجوداً. لذلك الله سبحانه وتعالى بين حال الكفار: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، هناك ارتباط وثيق بين التكذيب بالدين وكذلك دفع اليتيم وأكل أموال الناس بالباطل.
فشعيب عليه السلام دعا قومه إلى توحيد الله سبحانه وتعالى كما دعا بقية الأنبياء، قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾، دعوة جميع الأنبياء. ثم قال: ﴿وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾، عندهم مشكلة كبيرة في التطفيف في المكيال والميزان. ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾.
إني أراكم بخير، أنتم في حالة جيدة، أنتم لستم بحاجة أصلاً إلى أخذ هذه الأموال، لماذا تأكلون أموال الناس بالباطل؟ لماذا من أجل هذه الأموال تعصون الله سبحانه وتعالى وأنتم لستم في حاجة؟ الشخص لما يكون في حاجة ويقع بالذنب يحاسب عليه، ولكن لما لا تكون عنده حاجة ومع ذلك يقع بالذنب، هنا تكون العقوبة أشد.
لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم»، هؤلاء الثلاثة كلهم لم تكن نفوسهم تدعوهم إلى المعصية ومع ذلك وقعوا في هذه المعصية: ملك كذاب؛ ملك ويكذب! لماذا؟ أنت ملك تخاف من ماذا حتى تكذب؟ وأشيمط زان؛ شخص شابت لحيته كبر في السن ومع ذلك يزني. وعائل مستكبر؛ فقير ويتكبر! الغني لما يتكبر مصيبة، لكن الفقير لما يتكبر هذه مصيبتان؛ مصيبة في الكبر ومصيبة كذلك في فساد هذه النفس.
أنتم هنا يا قوم شعيب، الله سبحانه وتعالى أعطاكم ومن عليكم، إذاً لماذا تعصون في هذه المعصية؟ أنتم لا تأخذون المال من أجل الحاجة، إنما اعتادت نفوسكم وفسدت هذه النفوس حتى أخذتم تأخذون هذا المال بهذه الصورة وهذه الطريقة. ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾، أنا أراكم في سعة من الرزق والمال وكثرة من النعم، وأخاف عليكم عذاب يوم محيط، أخاف ينزل عليكم عذاب محيط ما يفلت منكم أحد، ما يفلت منكم أحد.
والآن قفوا معي وتأملوا في هذه الآيات وهي تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف كان النبي عليه الصلاة والسلام مع الصحابة يتفاعلون مع هذه الآيات وهم في مكة. الدعوة إلى التوحيد، وهم يدعون كذلك إلى التوحيد، إنكار المنكر الموجود، النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة كانوا ينكرون هذه المنكرات الموجودة عندهم. التذكير بمنة الله ونعمة الله سبحانه وتعالى، كذلك كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾، إذاً عذاب محيط سينزل ولا بد، ما يفلت منه أحد ولا يخرج منه أحد، وكذلك تخويف وتهديد ووعيد لهؤلاء الكفار الذين يستمعون لهذه الآيات، وهذا كله من باب المبالغة في إقامة الحجة.
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾.
هنا الآن شعيب عليه السلام يدعو قومه بأن يوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، لا تأخذوا هذه الأموال بظلم وتأخذوا حقوق الناس وتنقصوا الناس هذه الحقوق، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، لا تسيروا في الأرض مفسدين فيها، تفسدون في الأرض بالمعاصي، في المنكرات، في أخذ أموال الناس، في الإفساد.
قضية المال قضية كبرى، وأكثر ما يمنع الناس من الاستجابة للحق هو النفس، بل النفس هي المانع الأساسي من الاستجابة للحق والنظر إلى الحق. هذه النفس لما ننظر إليها؛ قسم يمنع التعصب بالآباء والأجداد، التعصب بالآباء والأجداد يمنع هذا الشخص من انقياد الحق، لماذا؟ حضور النفس، فالنفس هنا متعلقة بشيء قديم، متعلقة برابط معين.
قسم من الناس يمنع من الاستجابة للحق أو تقطع السبيل بينه وبين الوصول إلى الحق، شهوة النفس، هذا الإنسان يشتهي هذه المعصية، فهذه المعصية تمنع. ومن أعظم الشهوات التي تمنع الناس من الاستجابة للحق، شهوة المال؛ المال فتنة، فتنة أمتي المال. فالمال فتنة، والمال سيسأل عنه العبد سؤالين يوم القيامة: من أين اكتسب هذا المال؟ وفيما أنفقه؟
قوم شعيب المشكلة الكبيرة عندهم أنهم اعتادوا أخذ أموال الناس بهذه الطريقة حتى فسدت النفوس، فأصبح الشح غالباً عليهم. شعيب يريد أن يعيد هذه النفوس إلى ما كانت عليه، يريد أن يعيد هذه النفوس إلى الفطرة السوية المستقيمة، يريد أن يهذب هذه النفوس. هنا تمكن الشح من الناس يمنع الناس من القيادة، وممكن هذا الشخص يترك حتى الرابطة النسبية إذا كان مقابل فتنة المال، فممكن يضحي بأقرب الناس إليه من أجل المال، وهذا أمر ظاهر وجلي.
لذلك القرآن الكريم يبرز لنا هذه القصص القرآنية حتى يعلمنا كيف يسقط الناس، وحتى يعلمنا كيف نقيم الدعوات. قسم الناس تكون فتنتهم شهوات مثل قصة لوط، قسم الناس فتنتهم في المال مثل قصة شعيب، قسم الناس فتنتهم كذا، قسم من الناس فتنتهم التعصب بالآباء والأجداد. حتى هنا قوم شعيب، سيأتينا في قول قوم شعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، تعصب!
فالقصد من ذلك أن هذه هي المداخل التي من خلالها تسيطر هذه الفتن على النفوس فتتشبث فيها النفوس. طيب ما الحل؟ أن نفعل كما فعل الأنبياء. طيب الأنبياء ما استجاب الناس لهم، من قال لك بأن العبرة بالاستجابة؟ لماذا هذا معيارك؟ لماذا أنت أيها العبد تريد أن تصر على أن تجعل ما ليس بمعيار هو المعيار؟ المعيار أن تقيم الحجة كما أراد الله، المعيار أن تسير بالناس بالبيان والبلاغ، هذا هو المعيار.
الله يبرز لنا هذه القصص لمعانٍ كثيرة جداً، من ضمنها كيف نجح هؤلاء الأنبياء؛ نجحوا في البيان، نجحوا في البلاغ، نجحوا في إقامة الحجة. طيب ما اتبع الناس، من قال بأن الهداية هي المقصودة بالأصل؟ هي مقصودة نعم، لكن ليست هي الأصل، هي تبع للأصل؛ معذرة إلى ربكم هذا هو الأصل، ثم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. لكن الأصل أن نجاحك عند الله سبحانه وتعالى أيها الداعية بإقامتك الحق كما يريد الله سبحانه وتعالى أن تقيمه.
إذاً هنا في قصة شعيب عليه السلام الله يبرز لنا هذا المعنى، معنى شعيب وإقامة شعيب بالحق ودعوته إلى التوحيد، وكذلك إنكار المنكر الموجود. فلم يذكر الله هنا في قصة شعيب إنكار المنكرات المتعلقة في قصة لوط، لماذا؟ لأن هنا منكراً وهنا منكراً، فأنت تنكر المنكر الذي تشبثت قلوب الناس فيه حتى لا يغيب الحق، وحتى يعرف الناس، وحتى لا يأتي الناس يوم القيامة ويقولون بأننا اعتدنا على هذا المنكر وأصبح هذا المنكر معروفاً؛ فلا بد أن تقيم وتبين للناس بأن هذا منكر.
إذاً هنا الله سبحانه وتعالى يبين لنا إقامة شعيب عليه السلام للحق بهذه الصورة وهذه الطريقة، وكذلك التخويف والتحذير، وهذا كذلك سيقع مع هؤلاء الكفار، لكن ما يقع حتى يأتي قدر الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿يَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾.
بقية الله، أي ما أبقاه الله لكم وما أعطاكم الله سبحانه وتعالى إياه من أموال خير لكم. هذا المال حلال، ومال الحلال معه بركة، مال الحلال معه راحة، معه سعادة، معه طمأنينة، بخلاف مال الحرام. المال الحرام ما يستفيد الإنسان منه ولا ينتفع به، ﴿وَأَيُّمَا جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ﴾. بخلاف المال الطيب المبارك؛ أطب مطعمك تكون مجاب الدعوة.
فهنا شعيب يذكرهم بهذه النعمة، يذكرهم بأن المال الذي يجمعونه هذا هو أصلاً حرام، وكذلك هم ليسوا محتاجين إليه؛ هذا المال الذي عندكم يكفيكم، هو حلال فتكون معه بركة، يكون معه نفع، بخلاف المال الحرام. فالشخص يستكثر منه، وهذه خدعة من خدع الشيطان الكبرى، أن الشخص يجمع المال من الحرام فيصبح عنده الملايين والمليارات، ثم ماذا؟ هي عبارة عن أرقام، هذه الشهوة ليست شهوة حقيقية، هذه شهوة وهمية.
الشهوات تنقسم إلى قسمين، هذه فائدة والله مهمة وجليلة، الشهوات تنقسم إلى قسمين: شهوات حقيقية وشهوات وهمية. الشهوة الحقيقية التي يتمتع بها الإنسان، هذه شهوة حقيقية نعم، وتبقى حسرتها، لكن هو في فعل هذه الشهوة تمتع بها، تمتع بها، هذه شهوة حقيقية. هناك شهوة ليست حقيقية إنما شهوة وهمية، طبعاً ليس معنى الشهوة الحقيقية أنها مفيدة، لا، إنما قبل الشهوة حسرة وبعد الشهوة حسرة ومعها ضيق ومعها كدر بعد ذلك، هذا طبيعي، ولكن أقصد أن الإنسان في حال الشهوة وقع؛ يعني هذه الشهوة حقيقية، الإنسان وقع بها وتمتع بها، ولا أقول سَعِدَ بها، إنما تمتع بها، والمتعة غير السعادة.
أما الشهوة الوهمية مثل شهوة المال الكثير؛ شخص عنده 100 مليون، طيب أين الشهوة في هذا الشيء؟ ما هي المتعة في هذا الأمر؟ ما هي المتعة في هذا الأمر؟ شهوة كثرة المتابعين ليست شهوة حقيقية، هذه شهوة وهمية، هذه شهوة لا يتمتع الإنسان بها إنما وهم، يعيش وهماً مثل السراب؛ شخص هكذا ينظر إلى سراب من بعيد سراب، بخلاف الشخص الذي يشرب الماء، ولكن قبل الماء هناك مشكلة وبعد الماء مشكلة، هذه شهوة حقيقية، لكن السراب ليست شهوة حقيقية، إنما شهوة وهمية. فالشيطان يحسس الإنسان ويشعر الإنسان بأن هذه شهوة، لكن هي ليست حقيقة، هي وهم، يحسس بأن هذه متعة، هي ليست متعة، هي وهم.
القصد من ذلك أن شهوة كثرة المال هذه شهوة وهمية ليست شهوة حقيقية، شخص يكون عنده 100 مليون، 200 مليون، ثم ماذا؟ ثم لا شيء! فهو يجمع المال هذا، طيب هذه الأرصدة من الذي استفاد منها في حياته؟ لا شيء، لا في دنيا ولا في أخرى، يعني لم ينتفع منها لا في دنيا ولا في أخرى.
هنا شعيب يذكرهم بهذا المال الطيب الموجود عندهم، بقية الله، هذا المال الحلال الذي تكسبونه بالحلال هذا يكفيكم، خير لكم إن كنتم مؤمنين. من الذي ينتفع بهذه المواعظ؟ من الذي يتذكر؟ من الذي يطبق ما جاء في القرآن الكريم على لسان أنبياء الله سبحانه وتعالى؟ أهل الإيمان فقط. أهل الإيمان الذي عنده إيمان هو الذي يصدق بما يقوله الله سبحانه وتعالى ويطبق الذي يقوله الله سبحانه وتعالى، أما الذي لا يوجد عنده إيمان فهذا الدواب أفضل منه، وينساق إلى شهواته وإلى غرائزه انسياق البهيمة لغرائزها.
ثم قال: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾، أي أنا لست برقيب عليكم أحفظ أعمالكم، إنما أنا دوري فقط أن أبلغكم، أنا دوري فقط البيان والبلاغ، وليس أني أجمع أعمالكم وأحفظ هذه الأعمال وأعدها عليكم. لكم حساب يوم القيامة ستلقونه عند الله سبحانه وتعالى.
هنا شعيب عليه السلام أقام هذه الحجة على هؤلاء، انظروا كيف رد أعداء الأنبياء: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
الآن بدأ الجدال والنقاش مع هؤلاء الكفار، قال: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ﴾، بدأوا بالصلاة، لماذا؟ لأن شعيباً كان كثير الصلاة، فنسبوا كل ما يقوله شعيب إليهم إلى الصلاة، مثل الشخص الذي يقرأ كتباً معينة أو يسجل في برامج معينة، فلما ينصح الناس يقولون: هذا برنامج أو هذا الشخص أو...
هذا الكتاب هو الذي جعلك تقول هذا الكلام. هكذا؛ فشعيب كانت الصلاة عنده ظاهرة، كانت الصلاة والعبادة هذه قوية عند شعيب عليه السلام. إذاً، هذا إبراز الصلاة لبيان عظمة الصلاة، والإبراز والبيان سبب ثبات شعيب.
أي عبادة الصلاة كان لها أثر عظيم في شعيب عليه السلام. هذه رسالة للنبي عليه الصلاة والسلام وللصحابة في مكة ولكل من يسير على هذا الطريق، أن الصلاة لابد أن تكون مركزية عندكم، لابد أن تعتنوا بالصلاة إن أردتم الاستمرار في هذا الطريق. لا تستطيعون أن تقاوموا الفتن إلا مع الصلاة؛ نور. الثبات في هذه الطريق يحتاج إلى صلاة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] أي صلاتكم. إذاً هذا المعنى تم إبرازه في قصة شعيب عليه السلام حتى ينتفع أهل الخير والصحب به على مر الأجيال والعصور؛ إذا أرادوا أن يقيموا الحق في الأرض لابد أن يقيموه أولاً في أنفسهم، من خلال تطبيقه، وكذلك من خلال المحافظة على الصلاة؛ فالصلاة عبادة عظيمة تعين الشخص.
لذلك قلت لكم يا شباب كثيراً: إن الشخص لما يقول ما عندي وقت، أو لما شخص ينشغل في الأمور البعيدة عن المراد الإلهي، هذا إنسان لم يعرف القرآن، لم يعرف الإسلام. شخص ما عنده وقت؟ شخص إذا أراد أن يصلي في اليوم كم ستأخذ الصلاة منه؟ إذا أراد أن يقيم الحق، حقيقة الصلاة، كم نصيبها من وقتك؟ الصلوات الخمس، السنن الرواتب، ثم بعد ذلك قيام الليل، وهكذا بقية الصلوات، هذه لابد أن يكون لها نصيب في حياتك، لابد أن تكون الصلاة حاضرة في وقتك. الصلاة تأخذ وقتاً طويلاً في اليوم من الإنسان، المفترض أن تأخذ من هذا الوقت. إذا قسم شخص وقته بهذه الطريقة لن يسأل كثيراً من الأسئلة التي يسألها الناس اليوم؛ لأن أصلاً لا يوجد وقت لمثل هذه الأعمال التي يريدها الناس، أو يغرر الناس بأوقاتهم من أجلها.
قالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]. إذاً هنا رده على شعيب لما دعاهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده: هل هذه الصلاة هي تأمرك أن أترك ما يعبد الآباء؟ هذه فتنة عبادة الآباء والأجداد، هذه فتنة قوية عند الشعوب، وتعصب كبير عند هؤلاء على اختلاف صورة المعبود، لكن المشكلة بالنفس؛ يعني ممكن هؤلاء يعبدون أصناماً مختلفة. قوم إبراهيم كانوا يعبدون الكواكب، أصناماً على صورة الكواكب، لكن ليست المشكلة أو ليس الأصل في هذا الصنم، إنما الذي جعلهم يعبدون هذه الأصنام أن آباءهم كانوا يعبدون هذه الأصنام. كذلك قوم نوح عليه السلام كانوا يعبدون الأصنام التي صُورت بصور رجال صالحين، طيب لماذا تعبدون أصناماً؟ خلاص، وجدنا آباءنا على هذا الشيء. كذلك القوم الذين بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ أبو طالب يقول: على ملة عبد المطلب، على ملة عبد المطلب، خلاص، ملة عبد المطلب هذه هي المعتمدة. طيب إذا كان الآباء في ضلال مبين؟ إذا كان الآباء ليسوا على هدى ولا على بينة ولا بصيرة؟ أين هذه الحجة؟ هذه حجة نفسية ليست عقلية.
﴿أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، هنا من العلماء من يقول بأنها هذه قالوها على سبيل الاستهزاء، وهذا قول أكثر المفسرين، هم استهزأوا هنا في شعيب؛ إنك أنت الحليم الرشيد تامرنا بمثل هذه الأوامر؟ يستهزئون به. ومنهم من يقول بأن هنا وصفوه بأنك أنت الحليم الرشيد، كما وصفوا صالحاً عليه السلام: ﴿قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا﴾ [هود: 62]؛ أي أثنوا عليه، أنت صاحب العقل وصاحب الرشد وصاحب العلم، صاحب الصفات العظيمة تامرنا بمثل هذه الأوامر يا شعيب؟ كيف تامرنا بأن نترك ما يعبد آباؤنا؟ وكيف تامرنا بأن لا نفعل في أموالنا، ولا هذه أموال الملك لنا، نتصرف فيها كما نشاء؟ كيف تامرنا بأننا ما نتصرف فيها هذا التصرف وأنت الحليم الرشيد، صاحب العقل الكبير الوافر، وصاحب الحلم وصاحب هذه الأخلاق الحسنة؟
هذا قول آخر، فعلى كلا القولين أرادوا أن يثنوا من عزم شعيب؛ القول الأول أرادوا أن يثنوا من عزمه بالاستهزاء كما قالوا عن نوح عليه السلام، كما قالوا عن هود عليه السلام، فيكون شعيب بهذه الصورة؛ قالوا له هذا القول مثل ما قيل لنوح: وقال نوح ليس به ضلالة، شعيب ليس به سفاهة، هود ليس به سفاهة، هكذا. وعلى قول آخر يكون مثل ما قالوا لصالح عليه السلام: قد كنت فينا مرجواً قبل هذا، أي فتنة الإغراء، وهذه الثانية أصعب، الثانية أصعب من الأولى. والنبي عليه الصلاه والسلام حدث مع هذا كله؛ فاتهموه عليه الصلاة والسلام وسبوه وشتموه وقالوا بأنه كذا وكذا وكذا، وكذلك لانوا معه وأغروه وجمعوا له من أرادوا أن يجمعوا له المال، وسودوه وجعلوه الملك إلى آخره، استعملوا معه كل الفتنتين، فتنة تكذيب وفتنة إغراء، ثم جاءت فتنة التهديد والوعيد وكذلك التعذيب التي تقع مع الأنبياء. لكن الإغراء مع التكذيب هذه اجتمعت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام لأنه أعلى الأنبياء مرتبة عليه الصلاة والسلام، فجمع الله سبحانه وتعالى له ما تفرق في غيره من بلاءات، وأشد الناس بلاء الأنبياء، وأعظم الأنبياء هو سيدنا عليه الصلاة والسلام.
ثم قال الله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]. قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي؟ أريد البينة إلينا الآن؛ لماذا؟ لأن هذا هو القصد، أن تستقر البينة في نفوس النبي، في نفس النبي عليه الصلاة والسلام ونفوس كذلك الأصحاب ونفوس أهل الإيمان. أنا على بينة، أنا على يقين بأن الذي أقول حق وصواب، أنتم المخطئين، والذي يقولون هذا كله ينبغي ألا يؤثر في نفس صاحب اليقين. صاحب اليقين قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي؟ أنا على يقين بأن الله سبحانه وتعالى يريد كذا وكذا، وأنا على بينة، الله منَّ علي بالنبوة، منَّ علي بالعلم، منَّ علي بالهداية، فأنا أعلم ما لا تعلمون، فكيف أترك الذي أنا عليه من أجل ما تقولون أنتم مما لا يقوم على حجة ولا بينة ولا برهان؟ وهذا النوع من البلاء يقع عادة عند الناس، لكن ليس بهذه الصورة، إنما يقع على صورة مثلاً دراسة، على صورة العمل، على صورة هكذا فتن الدنيا، فيتم إشغال هذا الشخص عن الواجب عليه بعد ما علم الله سبحانه وتعالى هذا الواجب بأمور أخرى، فيفتن هذا الإنسان في نفسه ويخسر خسارة كبيرة ويخسر درجات كثيرة كان يستطيع أن يسرع إليها بالجنه، بسبب استجابته لما يقوله الناس.
قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً، وكان شعيب كثير المال، والله سبحانه وتعالى منَّ عليه بهذا المال، وهذه إشارة بأن هذا كله الرزق من الله سبحانه وتعالى. وما أريد.. الآن شعيب عليه السلام يبين لهم أو يغلق عليهم المنافذ التي من خلالها يطعنون بشعيب. شعيب عليه السلام يقول: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه؛ أنا لست بالذي أدعوكم إلى شيء وأنا أكون مخالفاً، إنما أنا أول المؤمنين، أنا أول المسلمين، أنا أول الممتثلين بما أقول لكم. إذاً هذه إشارة للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بأنهم ينبغي أن يطابقوا بين أقوالهم وأفعالهم غاية ما يستطيعونه، فلا يدعوا الناس بشيء ثم آخر من يطبقهم؛ إنما هم يسعون جاهدين لتنفيذ هذا الأمر. إذاً هنا إشارات وأوامر للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بأن يكونوا بهذه الصورة وبهذه الطريقة.
وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، أي هذا الذي أقول لكم والذي أفعل وما أقوم به وأبذله، هذا كل قصدي منه الإصلاح. أنا ليس همي أن أحصل الدنيا، ليس همي أن ألفت وجوهكم إلي، إنما همي أن أصلح واقعكم، همي أن أقوم بالواجب علي الذي يريد الله سبحانه وتعالى مني أن أقوم به، هذا هو همي. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله. التوفيق فقط بالله سبحانه وتعالى، فالله إذا يسّر وأعان ووفق هذا الداعية، يكون قد قام هذا الداعية بالواجب عليه. أما الداعي إذا غفل عن ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ لن يصيب المراد الإلهي ولو قرأ ما قرأ، لو فعل ما فعل؛ لماذا؟ لأنه اتكل على نفسه وعلى علمه وعلى خبرته ولم يتكل على الله سبحانه وتعالى، والله لا يريد من العبد أن يتكل على هذه الأمور، إنما يريد من عبد أن يتكل عليه هو سبحانه وتعالى.
وما توفيقي إلا بالله، هذه لا يغفل عنها الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى؛ في التوفيق وفي الإصابة والهداية، هذه كلها بالله سبحانه وتعالى. نعم، يدعو ليبذل السبب ويجتهد، ولكن الإصابة لا تكون إلا بالله. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الأنفال: 17]. وما توفيقي إلا بالله، يحتاج الداعي دائماً أن يدعو الله كثيراً، وأن يكون الدعاء حاضراً في حياته حتى يصيب بإذن الله ويوفق إلى أن يقيم الحق كما يريد الله سبحانه وتعالى منه أن يقيم. وكثير من الشباب يسأل عن المعيار في النجاح؛ أقول لك: المعيار هو علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، هذا هو الأصل. لأن المعيار الذي يصنعه الناس عبارة عن ثمرات أو عبارة عن النتيجة أو الأثر إلى آخره، هذه المعايير ليست قوية، وهذه تتشكل عند الإنسان بعد مدة من الزمن، وتغلب المعيار القرآني عند هذا الشخص. لكن المعيار القرآني: كيف أنت مع الله سبحانه وتعالى؟ هل ما زلت ذلك العبد الذي يدعو؟ أو لما عظمت عندك الخبرة وبدأت تتكل على نفسك وكثر الناس، بدأت تتكل على نفسك وتعتمد عليها، خلاص أنا عرفت الآن كيف أتكلم، عرفت كيف أقول؟ كُشف لي هذا الشيء. وما توفيقي إلا بالله، هذه إذا غابت عنك خسرت دعوتك ولو كان أتباعك بالملايين.
هذه الدعوة يحبها الله سبحانه وتعالى ولم يجعل الله المعيار بالكثرة، إنما جعل الله المعيار هو بأن يقيم العبد الدين كما أنزل الله سبحانه وتعالى، فقط هذا هو المعيار. هذا هو المعيار الذي نستطيع أن نقول هذا داعية ناجح أو غير ناجح؛ هل ما زلت تدعو الله؟ هل ما زلت محافظاً على الصلوات؟ هل ما زلت تقيم الحق كما أراد الله؟ هل متجرد من كل شيء إلا من الاستعانة بالله سبحانه وتعالى؟ هذا هو المعيار. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت سبحانه وتعالى وإليه، توكلت على الله في دعوته، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]؛ استعنت بالله وتوكلت عليه هو سبحانه وتعالى. هذا الداعي ما يلتفت لا يميناً ولا يساراً، فقط ينظر إلى السماء، ينظر إلى أرض الله سبحانه وتعالى، ويتململ لله سبحانه وتعالى، وما يلتفت في نتائج ولا يلتفت في ما يقع بالعمل، إذا كان هو سائر على الطريق، خلاص أهم شيء أن الله سبحانه وتعالى يكون حامي هذا العمل وراضياً عن هذا الداعية. عليه توكلت سبحانه وتعالى وإليه أنيب؛ إليه أرجع، إليه أعود، إليه أعتمد سبحانه وتعالى عليه، أعتمد سبحانه وتعالى في جميع الأمور، فأتوب إلى الله وأنيب إلى الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89]. ويا قوم لا يجرمنكم، انظروا كيف التلطف الآن؟ هم يسبون ويشتمون ويتهددون وهو يقول: يا قومي، ويا قومي، يدعوهم بهذه الرابطة، هو يريد ما يستطيع أن يمنع نفوسهم من أن تؤثر على عقولهم. هذا هو الداعي، لكن هذا يكون وفق معيار القرآن؛ ركزوا معي جيداً يا شباب، الآن شعيب يقيم الحق كما أراد الله، يعني هو يقول الذي يريد الله وينتقي الأسلوب الذي يقرب الناس إلى الحق. انظروا المعادلة هذه، يخسرها الدعاة أحياناً، بل كثيراً؛ أحياناً داعية يترك الحق من أجل تأليف قلوب الناس، فيقول: لا، ما أقول هذا الكلام حتى الناس ما تبتعد عن الدين، وحتى ما.. والله يريد من أن يقوله وشعيب قاله، ولوط قاله، وبقية الأنبياء كلهم قالوها بهذه الطريقة. هو يقول: لا ما أقولها حتى الناس ما تقول كذا وكذا، ثم يتأول الحكمة والمصلحة، هذه حكمة وهمية شيطانية نفسية ليست إسلامية. والله لو حدثموه يقول النبي عليه الصلاه والسلام في مكة..
القسم الآخر لا يريد أن ينتقي الأساليب، يعني هو لا يريد، هو فقط يريد أن يقول الحق من غير أن يسعى جاهداً لإيصال الحق إلى الناس بالطريقة التي يستطيع الناس أن يتقبلوها، أقصد بالأساليب. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. اجتمع الناس على النبي عليه الصلاه والسلام، فبما رحمة من الله لنت، وأحرص الناس ينبغي أن يكونوا على الأخلاق هم الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، هم الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى. ولا يخسر داعية كما يخسر بسوء خلقه، ولا يخسر داعية كما يخسر في سوء تطبيق الإسلام، ولا يخسر داعية كما يخسر بعدم امتثال الدين، خسارة كبيرة تدعو الناس إلى شيء ثم أنت لا تطبقه؟ أين هذه ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾؟ أنت أول الداخلين، والشخص أحياناً لما يدخل الدعوة يغفل عن القرآن.
لذلك يا شباب أنا دائماً أقول لكم: لازم يكون العيش مع القرآن دائماً؛ ليس هكذا مرةً بالأسبوع أو مرةً بالشهر، لا تستطيع، لازم يكون كل يوم هكذا دائماً. لما يغفل الشخص هنا، خلاص الشخص يعتاد أن ينصح غيره، لكن كأن الكلام ما ينطبق عليه، كأن هو خرج عن السؤال، خلاص لبست رداء الإسلام، فيصبح هو يذكر الناس لكن هو آخر واحد يطبق. ليس معنى هذا الكلام أن الشخص ما يدعو الناس إلا بما يفعله؛ لا، هذا كذلك مدخل شيطاني. لكن هذا الكلام: «وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه»، أنا أول واحد أدخل فيه قبل أن أتحدث مع الطلاب، قبل أن أتحدث مع أصحابي، أنا أول واحد أدخل فيه، ثم بعد ذلك الناس، لكن أنا أريد أن أنجو.
فذكرت لكم قصة ابن قدامة رحمه الله تعالى مع العالم الآخر لما قال له: كنت مسألة إجماع، يعني إيش مسألة إجماع؟ يعني تريد مني أن أسكت عن الحق ولا أقوله حتى يرضى عني الناس وحتى يجتمع الناس عليه؟ الاجتماع هذا ليس مقصوداً، إنما المقصود أن أقيم الحق وفق طريق الحق. نحتاج أن نتجرد من حظ أنفسنا، وأن ندخل إلى الدين هكذا دخولاً كاملاً حتى نقيم الحق ونبين الحق كما هو. وكذلك الأساليب لابد أن ننتقيها ونغلق الفجوات؛ لأن الناس قد يأتون يوم القيامة يقولون: هو ما بلغ الرسالة بطريقة صحيحة. ونعم، تسأل أنت يوم القيامة أنك ما بلغت، أنت اتكأت؛ يغلط شخص في دائرة هداية التوفيق على دائرة هداية الدلالة والإرشاد، هذه دائرة وهذه دائرة، هنا ابذل السبب وهنا سلم النتيجة، أما أنك ما تبذل السبب بحجة أن النتيجة لك، طيب أنت ما بلغت الرسالة. بلغ منزلة ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، وأنبياء الله كلهم كانوا يقولون: أبلغكم رسالة ربي، وبلغكم رسالة ربي، كما قال صالح وشعيب كذلك سورة الأعراف، بلغوا الرسالة. والنبي عليه الصلاة والسلام شدة حرصه كان يستنطق الناس يقول: «ألا هل بلغت؟» قالوا: اللهم نعم، قال: «اللهم اشهد». ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد». ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد». يوم القيامة سيسأل المرسلون ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]. الكل سيسأل، أنت الداعية لا تنظر إلى هداية الناس، إنما انظر إلى تبليغك، لا تنظر إلى ردة فعل الناس، هداية نعم أن نريدها لكن ردة الفعل، لكن هل بلغت؟ هل أغلقت الحجج؟
هنا شعيب يعلمنا هذا، يعلمنا كيف أنه يقول لهم: يا قوم، لا يجري منكم شقاقي، أنتم ما تحبوني وتبغضوني، طيب هذا لا يحمل لكم على معصية الله سبحانه وتعالى؛ يعني أنا الآن دعوتكم إلى شيء أنتم أبغضتموني، طيب خلاص أنا أبغضتموني، أنا أجري على الله سبحانه وتعالى ليس عليكم، لكن هذه هذا البغض لا يحملكم على مخالفة أمر الله، لا يحملكم على عدم الاستجابة لما أقول لكم، أنا أدعوكم إلى الخير. ويقول: يا قوم، يتلطف ويتودد إليهم، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ [هود: 89]، يخوفهم، يذكرهم بالذي وقع على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح، ثم قال: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89]، قريبه قرى لوط منكم وتعرفون الذي وقع على قرى لوط من البلاء والعقوبة.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90]. انظروا الآن كيف يفتح هذا الباب للرجاء الكبير، يقول: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. هذا أعظم ما يؤخذ من القرآن الكريم، القرآن كله عظيم، لكن كما قال الشافعي: القرآن شرح أسماء الله سبحانه وتعالى، والقصد من خلق البشر أن يعرفوا من هو الله. انظر الآن في قصة نوح عليه السلام كيف يبرز لنا نوح عليه السلام أحكم الحاكمين، ثم في قصة هود كيف يبرز لنا ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 56]، في قصة صالح ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: 61]، هكذا الأسماء، قصة إبراهيم عليه السلام ﴿حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: 73]، وهو هنا في قصة شعيب عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
اسم الله الودود لم يذكر في القرآن الكريم إلا مقروناً هنا في اسم الله الرحيم، وفي سورة البروج ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: 14-15]. وهنا ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. الودود أي المحب، أي الذي يحب ويُحب، أي الذي يحب عباده، رحيم، هنا قرن الله بين اسم الرحيم والودود، يفيد ماذا؟ يفيد كل هذا اللي فعلتموه أنتم معي وعصيتم الله وعبدتم غير الله سبحانه وتعالى وطففتم بالمكيال والميزان وأكلتم أموال الناس بالباطل وقلتم عني أنا أي نبي الله شعيب كذا وكذا، واتهمتموني بهذه الاتهامات وطعنتم بي، هذا كله إذا سافرتم وتبتم: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾؛ أي أن الله سبحانه وتعالى سيرحمكم ويحبكم. قد يرحم الشخص من لا يحب، لكن يرحم ويحب، هذه أسماء الله سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ هذه الآية عظيمة في فتح باب التوبة؛ يعني من تغلب الذنوب والمعاصي ويقع فيها، ثم بعد ذلك يأتي الشيطان ويؤيسه ويقنطه من رحمة الله سبحانه وتعالى، اقرأ هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾، أن يحبك الله، أنا ممكن يحبني؟ نعم يحبك الله سبحانه وتعالى، والماضي لا يذكر، ويعفو عن هذا الماضي كله ويتجاوز عنه كله سبحانه وتعالى، ورحمته وسعت كل شيء.
سبحان الله، كيف الكفار في مكة يقرؤون ويسمعون مثل هذه الآيات، لكن سبحان الله، النفس لما يغلب عليها الهوى والضلال والكبر ما تتأثر بآيات القرآن الكريم. انظروا كيف رد هؤلاء بعد ما قال لهم نبي شعيب عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾، ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91]. كل ما قال لهم شعيب، ولقب شعيب بخطيب الأنبياء لفصاحة شعيب وبلاغة شعيب وبيان شعيب عليه السلام، قالوا: ما نفهم هذا الكلام، تقوله كله ما نفقه كثيراً مما تقول. طيب لماذا ما يفهمون؟ هل المشكلة بالعقل؟ المشكلة بالنفس التي سيطرت على العقل، فلم يعد هؤلاء يستطيعوا أن يفهموا كلام الصالحين، لا ينظرون إلى المعروف على أنه معروف، إنما قلبت عندهم، فأصبحوا ينظرون إلى المعروف بأنه منكر والمنكر بأنه معروف، ولا يسمعون إلا كما تسمع الدواب، فما يسمعون سماع هداية، سماع قبول، سماع مع استجابة.
قالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ﴾، هذه الآية لا شك أنها أثر عظيم في نفس النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة؛ فالصحابة وقبلهم النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يدعون الكفار ويقيمون الحجج المتتالية عليهم، عشر سنوات يدعونهم إلى الله سبحانه وتعالى ويقيمون الحجج بعد الحجج ومع ذلك ما يستجيبون، سبحان الله سنّة الله في الذين خلوا من قبل. ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا * وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾، يعني نحن نراك ضعيف ونستطيع أن نقضي عليك، لكن الذي يمنعنا من القضاء عليك وقتلك رهطك أي جماعتك وعشيرتك والمقربون منك، هؤلاء لا نريد أن نحدث فتنة داخل القبيلة، فلذلك لولا وجود هؤلاء لقتلك. وما أنت علينا بعزيز، لست بعزيز علينا ولست صاحب مكانة ولا منزلة ولا جاه، وهكذا يعني أخذوا هكذا يريدون أن يفتنوه من عضد شعيب، يخوفونه، وكذلك يريدون أن يحقروه.
انظروا إلى رد شعيب عليه السلام العجيب، والله هذا هو القرآن، هذه معايير القرآن الذي يريد الله سبحانه وتعالى منا أن ننفذه، ما فكر لا بعشيرته ولا بتخويفهم ولا بالقبيلة، قال: ﴿يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: 92]. كم كانت عظمة الله سبحانه وتعالى في قلب شعيب عليه السلام حتى يقول هذه العبارات، شعيب يقول: أنتم تقولون كلام كبير كبير، مثل ما قال نوح عليه السلام: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 13-14]، ما لكم لا تعظمون الله؟ ما لكم لا تخافون من الله؟ ومن أنتم حتى تقولوا مثل ما من أنتم حتى تقولوا هذه العبارة؟ وما من أنتم؟ ومن هؤلاء الرهط الذين يكونون أعز عندكم؟ يعني تخافون من رهطي أو تقدرون رهطي وجماعتي وعشيرتي ولا تقدرون الله سبحانه وتعالى ولا تعظمونه؟ انظروا الرد العجيب، هذا الرد يدل هنا يكشف إيمان شعيب. قال: يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله؟ يعني مستعظم شعيب هذه الكلمات، كيف يكون هؤلاء البشر الضعفاء أعز عليكم من الله جل جلاله وتقدس في سمائه؟ ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، أي لم تبالوا ولم تعظموا الله سبحانه وتعالى، وكان هذا الأمر سهل الذي قلته، كان هذه عبارات لا قيمة لها وليست عبارات ثقيلة ومخيفة ومرعبة، ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
ثم انظروا الآن إلى وصف الله سبحانه وتعالى الذي وصف شعيب، قال: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. لم يقل إن ربي رحيم ودود، إنما الآن ذكر ما يدل على عظمة الله وعلى التخويف وعلى سعة علم الله سبحانه وتعالى وإحاطة الله سبحانه وتعالى بخلقه بعلمه وبقدرته سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، يحيط الله سبحانه وتعالى بهذه الأعمال السيئة ويعرف هذه الأعمال السيئة، وأنتم لا تعجزون الله، والله سبحانه وتعالى سيحاسبكم على هذه الأعمال وهذه الكلمات السيئة التي تقولونها.
ثم قال: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: 93]. استمروا على هذه الطريقة وأنا مستمر على ما أنا عليه، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب، وارتقبوا إني معكم رقيب. عبودية انتظار الفرج، عبودية انتظار إنزال الله سبحانه وتعالى لعقوبته على الكفار والمخالفين، هذه كذلك عبادة، ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾، هذا حسن الظن بالله سبحانه وتعالى والتوكل على الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه المعاني الله يريد أن يوصلها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أنتم أقيموا الحق وبينوه واتخذوا هذا الطريق وهذا السبيل، وسيقول لكم الكفار مثل ما قالوا الأنبياء، ثم بعد ذلك ستنزل عقوبة الله، لكن انتظروا الآن، اصبروا، الله يريد منك الصبر، يعني سورة هود تعلمنا معنى اليقين، تعلمنا أن الشخص لما يطول أمده صح يتأثر، لكن الأعظم إيماناً هو الأكثر يقيناً، وكذلك الأعظم صبراً، تعلمنا الصبر، تعلمنا اليقين.
﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾، هذا يقين تام بأنه ما هو عليه حق، وأن الله سبحانه وتعالى سينصره. كما قال الله سبحانه وتعالى لما جاء الكفار إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: اعبد آلهتنا سنة ولن نعبدك سنة، قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]. أي دينكم غير ديني، اعملوا على مكانتكم إني عامل على ما أنا عليه، إني عامل، أنا على هدى، على بينة، على بصيرة، سأعمل الذي علمني الله سبحانه وتعالى إياه. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا﴾، الفاصل بينا وبينكم الزمن، بيننا وبينكم يوم الجنائز كما يقول الإمام أحمد، ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
ثم قال الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: 94-95]. ولما جاء أمرنا، أتى أمر الله بعد ذلك، نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذين ظلموا الصيحة، نزلت الصيحة وأخذت هؤلاء الكفار، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها، كأنهم ما كانوا موجودين قبل ذلك فوق الأرض. أين الصراخ؟ أين طعنهم في شعيب؟ أين قولهم كذا وكذا؟ هذا كله ذهب، فترة زمنية، انتهت مدة الاختبار، ونجح شعيب والذين آمنوا معه، وخسر هؤلاء وسقطوا وهلكوا. ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، ألا بعداً هلاكاً ودماراً وخساراً لمدين كما بعدت ثمود.
ثم انتقل بعد ذلك الخطاب عن قصة نبي الله موسى عليه السلام، نذكر إن شاء الله تعالى ما ذكر الله سبحانه وتعالى في قصة موسى عليه السلام والفوائد منها في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري