الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل مدارسات سورة هود، وكنا قد توقفنا عند القصة الأخيرة من هذه السورة وهي قصة موسى عليه السلام. إن الله سبحانه وتعالى بعد ما قص علينا هذه القصص انتقل إلى الحديث عن قصة موسى عليه السلام، وبين الله بأنه بعث موسى عليه السلام بالآيات كما بعث بقية الأنبياء؛ فما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر.
فموسى عليه السلام بعث بالآيات وبالسلطان، أي بالحجج البينة الظاهرة؛ فالله سبحانه وتعالى أنزل على موسى التوراة، وكذلك أعطاه الله سبحانه وتعالى هذه الآيات العظيمة: اليد والعصا وبقية الآيات التسع، فقام الحجة على فرعون. وبعث موسى عليه السلام إلى الأقباط وكذلك إلى بني إسرائيل، أما بنو إسرائيل فانقادوا لموسى، ولكن الأقباط لم ينقادوا لموسى؛ لماذا؟ لأنهم اتبعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد.
ففرعون لم يؤمن، وكذلك الملأ الكبار العلية لم يؤمنوا، وهذه هي السنة المتكررة عبر العصور؛ أصحاب الهوى والسلطان والجاه ما ينقادون للدعوات، أما أتباع الأنبياء عادة هم الضعفاء والفقراء والمساكين. هنا فرعون لم يؤمن، وكذلك الملأ العلية من قوم فرعون لم يؤمنوا، فاتبعوا أمر فرعون، وانقاد القبط إلى فرعون وسمعوا واستجابوا لقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: 51]، فانقادوا له وتخلوا عن عقولهم وسلموا فرعون عقولهم.
قال الله: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97]، فرعون لم يكن على هدى ولا على بينة ولا بصيرة، إنما هو جهل وضلال وعناد وكفر وبعد عن الحق. يقدم قومه يوم القيامة، انظروا الآن إلى المشهد؛ موسى بعث ثم بعد ذلك انتقل المشهد مباشرة إلى النتيجة؛ لأن القصد هنا بيان هذا المعنى، بيان بأن موسى دعا فرعون وقومه، وفرعون انقاد الناس له، لم ينقد القبط إلى موسى، إنما انقادوا لفرعون.
لماذا سلمتم هذه العقول؟ لماذا سلمتم هذه الحرية بالاختيار والفهم والمعرفة إلى فرعون؟ لا توجد إجابة إلا لأنه فرعون فقط، هم ينقادون مع الجمهور، وهذا ليس بعذر أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. فالشخص لما يكون في زمان أو في مكان الناس تخالف في الحق، ليس من الصواب أن الشخص ينقاد معهم في هذه المخالفة، وهذا ليس عذراً؛ إذا الحجة أقيمت عليك وعرفت بأن هذا حق، ولكن انقادت لهؤلاء فقط لأنهم العدد لأنهم الجمهور لأنهم الكثرة، هذه لا قيمة لها في الميزان يوم القيامة.
هؤلاء سلموا فرعون هذه العقول ويعرفون بأن فرعون ليس إلهاً، ويعلمون بأن فرعون لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره شيئاً، هم ينظرون إليه كيف يؤمنون به؟ كيف ينقادون له بهذه الصورة؟ إذاً هؤلاء يستحقون النار: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]. فرعون موجود في مكة، أبو جهل فرعون هذه الأمة، والناس أو أهل مكة عامة قادت إلى أبي جهل، إذاً النتيجة هي النتيجة.
انتقل الآن للحديث من الدنيا وهذا المشهد إلى المشهد الآخر، فرعون يمشي وقومه خلفه، إلى أين يا فرعون تقود هؤلاء الجماهير؟ هؤلاء أصحاب الأعداد الكبيرة إلى النار مباشرة. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، فرعون يمشي وهؤلاء كلهم خلفه، هذه إشارة وعلامة وبينة ودلالة أن هؤلاء الأشرار عيشهم في الدنيا سيكون ضيقاً قليلاً يسيراً، لكن في النهاية ستكون جهنم.
اختاروا من الآن؛ أحياناً لا تستطيع أن تجمع بين الذي تريده في الدنيا وبين الآخرة، فما الذي ستختاره؟ هنا الله سبحانه وتعالى يقيم هذه الآيات وهذه البيانات وهذه الحجج على الكفار في مكة، هؤلاء الذين ينقادون إلى الوليد بن المغيرة، إلى أبي جهل بن هشام، إلى فلان وفلان، هؤلاء لم ينفعوكم يوم القيامة، انتبهوا هؤلاء يوردونكم النار كما أورد فرعون أتباعه إلى جهنم، لا تسمحوا لهذا الضغط النفسي أن يسيطر عليكم.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، بئس هذا المدخل، بئس هذا المكان الذي يدخلهم إياه فرعون، بئس هذه النتيجة التي تسبب بها فرعون. ثم قال الله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99]، أي في الدنيا ويوم القيامة لعنة أخرى.
فرعون كان يعظ وينصح وكذلك يطمع أتباعه بالعطاء الجزيل، فكان يطمع السحرة لما قالوا له: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: 113-114]. طيب النتيجة؟ حول السحرة من قادوا إلى فرعون وأسلموا بعد ما رأوا آية موسى عليه السلام، لكن بقية الجمهور الذين ضحك عليهم فرعون واستخدم خطابه الإعلامي وغر هؤلاء البقية.
النتيجة ما هي في الدنيا؟ أغرقوا مع فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8]، حتى الجنود فالكل تم إغراقه من أتباع فرعون. ثم في النهاية هؤلاء يصبحون على جهنم وبئس المصير، يصبحون وهم أمام النار وفرعون يقدم هؤلاء، وهذا هو عطاء فرعون، هذه النتيجة لمن يستجيب لفرعون؛ عطاءات فرعون وهدايا فرعون كانت جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.
قال: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، انتهت هذه القصة السابعة ببيان النتيجة، فرعون هلك ولعنه الله سبحانه وتعالى، ومن استجاب له في الدنيا فأغرق الله سبحانه وتعالى، وفي الآخرة فأدخل جهنم. هذه نتيجة من يستجيب لهؤلاء؛ انتبهوا أن تنقادوا إلى هؤلاء، لا تتأثروا بالضغط الكبير الموجود، فاصبروا والغرق قريب والنتيجة قريبة والنجاة قريبة، لكن الواجب عليكم فقط الصبر واليقين.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: 100]، هذا الذي نقص عليك ونخبرك به من أنباء القرى نقصُّه عليك، هذه القصص التي قصها الله سبحانه وتعالى على نبيه عليه الصلاه والسلام من أجل العظة والعبرة، ومعرفة سنة دعوة الأنبياء إلى التوحيد، دعوة الأنبياء إلى المعروف. الأنبياء ينظرون إلى المنكرات الموجودة فيدعون قومهم، وطريقة دعوة الأنبياء كيف كانوا يدعون وكيف تقبل الناس دعوة الأنبياء، والمشكلة في من ومع من؟ مع الملأ، وماذا قالوا للأنبياء؟ وماذا رد عليهم الأنبياء؟ وكيف كانت النتيجة بعد ذلك؟ ومتى كانت النتيجة؟ وما هو دور النبي؟ هذه كلها هي الحكمة؛ هذه بعض الحكمة من قص هذه القصص.
﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100]، بعض هذه القرى موجودة مثل قرى عاد ومكان ثمود، موجودة وآثار هذه القرى ما زالت موجودة، وقسم آخر ذهبت كأن لم تكن موجودة مثل ما جرى لقوم نوح أُغرقوا بالطوفان أين هم لا ندري، كذلك ما جرى لقرى لوط لم يبق لهم معلم من المعالم ولا أثر من الآثار؛ خلاص انتهت هذه المعالم، فبعض القرى بقيت معالمها وبعضها لم يبق منها شيء.
ثم قال الله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ [هود: 101]، أي بهذه العقوبات التي أنزلناها عليهم، ﴿وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [هود: 101]، ظلموا أنفسهم بالكفر، ظلموا أنفسهم بهذه المعاصي، برد دعوة الرسل، بعدم الاستجابة والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى. ولا عبيد ضعفاء مخلوقين كيف يعارضون الملك سبحانه وتعالى؟ العظيم سبحانه وتعالى، هذه هي نتيجة كل من يعارض الله سبحانه وتعالى، وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101]، هذه الآلهة لم تنفعهم، هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى؛ الأصنام، الأوثان، الأشخاص الذين كانوا يعظمونهم مثل فرعون، لم تغن عنهم شيئاً، لم تستطع أن تفعل شيئاً، لم تستطع هذه الآلهة أن تفعل لهم شيئاً وأن تمنع منهم العقوبة لما نزلت عليهم؛ فلم تنفعهم هذه الآلهة.
الذي ينفعه الله سبحانه وتعالى، والضعيف مع الله قوي، فكل من كان مع الله سبحانه وتعالى فهو قوي، ومن لم يكن الله معه سبحانه وتعالى فهو ضعيف ولو كان ما كان، لو كان هو الملك والسلطان ومعه الجند والحرس، هؤلاء ضعفاء. ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾، لما جاء أمر الله سبحانه وتعالى ما استطاعت هذه الآلهة أن تفعل شيئاً ولا يمكن أن تفعل شيئاً، وما استطاع أحد أن يفعل شيئاً.
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾، أي غير خسران وضياع ودمار؛ زادتهم باعتبار أنهم اتبعوا أهواءهم، باعتبار أنهم انقادوا لها وسلموا لها، باعتبار أنهم عبدوها من دون الله سبحانه وتعالى، فهذه عبادة من دون الله سبحانه وتعالى من سوى الله سبحانه وتعالى لن تزيد صاحبها إلا تتبيباً، إلا خسارة وضياعاً وضلالاً في الدنيا والآخرة، وما زادوهم غير تتبيب.
وكذلك ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]، الله سبحانه وتعالى هنا أتي باسم الله الرب الذي يدل على العظمة، يدل على السيطرة، يدل على القوة، يدل على الملك وسعة السلطان وسعة هذه القوة. وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، الله سبحانه وتعالى يأخذ هذه القرى وهي ظالمة، لا يأخذها وهي محسنة، إنما يأخذها وهي ظالمة، هي مسيئة هي كافرة رادة للدعوة بعد ما تأتيها. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، إذا جاء أمر الله سبحانه وتعالى فيكون الأخذ أليماً، ما يكون الأخذ رفيقاً إنما يكون الأخذ أليماً شديداً.
هنا الله سبحانه وتعالى يعرف العباد إذا هم عصوه كيف يكون أخذ الله سبحانه وتعالى. ذاك نوح عليه السلام كان يقول: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]، من أنتم حتى تعارضوا الله جل جلاله بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ وكذلك رد شعيب عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ أَعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ [هود: 93]، كيف تقدمون مكانتكم على الله سبحانه وتعالى واتخذتموه وراءكم ظهرياً؟
أمر غريب عجيب الذي يقول هؤلاء الناس؛ بصق النبي عليه الصلاه والسلام مرة في يده ثم وضع إصبعه عليه الصلاه والسلام على هذا البصاق ثم قال: يقول الله عز وجل: «يا ابن آدم، أتعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ أصلك ماء مهين»، تريد أن تعجز الله؟ تريد أن تفوت من الله سبحانه وتعالى؟ لكن الإنسان يطغى متى لما يرى بأنه استغنى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7].
مسكين هذا الإنسان لما يرى بأنه استغنى يطغى، مع أن الله كل يوم يكرر عليه الإشارات والعلامات التي تدل على ضعفه؛ ينام ما يستطيع يقاوم، يحتاج إلى الطعام ما يستطيع يقاوم لا بد أن يأكل لا بد أن يشرب ثم لا بد أن يخرج هذا الطعام والشراب، ثم ينسى هذا الإنسان. يكرر الله عليه هذه المواقف والحالات التي تدل على ضعفه ولأنه إنسان ضعيف، لكن مع ذلك طغى، مع ذلك طغى، عجيب هذا الإنسان.
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه سبحانه وتعالى أليم شديد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: 103]، هذه القصص آية وعلامة، هذه المواقف هذه السنة، هذا الذي وقع بالتاريخ ويقع وسيقع حتى يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، الذي ينتفع منها قسم واحد من الناس. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾، الذي يؤمن بيوم القيامة، يخاف من العذاب يوم القيامة هو الذي ينتفع بهذه القصص، هو الذي ينتفع بهذه الآيات، هو الذي يكون عنده الميزان منضبطاً، ويعرف بأن هناك آخرة وأن الدنيا لا قيمة لها مقابل الآخرة، فما يحزن فقط بالدنيا أبداً، إنما ينظر إلى الميزان كما نصبه الله سبحانه وتعالى وكما وضعه.
﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: 103]، تعظيم وتفخيم لهذا اليوم العظيم. ذلك يوم مجموع له الناس، الكل سيجتمع، كل هذه الأمم التي ساق الله سبحانه وتعالى قصتها وغيرها كذلك، الجميع من آدم عليه السلام إلى آخر شخص ستقوم الساعة عليه، كل هؤلاء سيجمعون يوم القيامة ويؤتى بهم يوم القيامة من أجل الحساب والجزاء.
وذلك يوم مشهود، يشهد هذا اليوم الجميع، حتى الملائكة تشهد يوم القيامة، يحشر الناس تحشرهم الملائكة، فيحشر الناس حتى يكونوا في أرض نقية، ثم بعد ذلك تحوطهم الملائكة، ملائكة السماء الأولى ثم ملائكة السماء الثانية وهكذا حتى السابعة، الكل يحشر الكل يجمع، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: 5]، هكذا يحشرون ويجمعون في مكان غير هذا المكان، وأرض المحشر والمنشر، فيحشرون هناك وتبدل الأرض غير الأرض ويؤتى بأرض ليس فيها معلم لأحد، أرض جديدة بيضاء.
ثم بعد ذلك ينزل الله سبحانه وتعالى نزولاً يليق بجلاله، ويأتي الله سبحانه وتعالى محمولاً بعرشه سبحانه وتعالى بقوته، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 23]، يؤتى بجهنم والكل مجموع في هذا اليوم، الملائكة تشهد هذا اليوم والجميع يشهد هذا اليوم، كل المخلوقات الموجودة، الجن وكذلك البهائم والحيوانات والإنس، الكل يجمع في هذا اليوم ويكون يوماً مشهوداً، أعظم يوم على الإطلاق اليوم الآخر.
قال الله: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ [هود: 104]، هذا اليوم يأتي بالوقت الذي قدره الله سبحانه وتعالى، متى هذا اليوم؟ لا ندري؛ الله سبحانه وتعالى أخر هذا اليوم إلى زمن معين محدد يرجع إلى حكمة الله سبحانه وتعالى وتقدير الله سبحانه وتعالى وعلم الله سبحانه وتعالى، وما نؤخره إلا لأجل معدود. ﴿يَوْمَ يَأْتِي لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105]، الكل صامت، هذا أحد المشاهد في يوم القيامة، الكل خائف لا يتكلم أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، إلا من أذن له.
الرحمن، وقال صوابا. ذلك اليوم الحق، فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا. الذي يريد أن يرجع الآن، الطريق مفتوح، لكن بعد ما تغرغر الروح وتغرغر النفس، انتهى؛ بعد ما تطلع الشمس من مغربها، يغلق باب التوبة.
﴿يَوْمَ يَأْتِي لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: 105]. حتى يظهر سلطان الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، يقولون ويردون على الأنبياء ويتكلمون معكم بهذه الطريقة أعداء الأنبياء، لكن في ذلك اليوم لن يتكلم أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، بل حتى الرسل تخاف في ذلك اليوم، حتى الرسل في ذلك اليوم تقول: اللهم سلم سلم، ولا يتكلم إلا الرسل. هذا باعتبار اختلاف المشاهد؛ وفي مشاهد لا يتكلم فيها أحد، وفي مشاهد يتكلمون همسا، في بعض المواقف في يوم القيامة يكون الكلام عبارة عن همس، ﴿لَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 108]. وفي مواقف ما يتكلم إلا الرسل، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.
﴿يَوْمَ يَأْتِي لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 105-107]. الناس يوم القيامة قسم إلى قسمين، إما من السعداء أو من الأشقياء. أما القسم الأول فهم الأشقياء، ففي النار، هؤلاء جزاهم جهنم وبئس المصير، وهم في جهنم لهم زفير وشهيق من شدة الجزع والخوف والرعب.
خالدين فيها، يخلدون في جهنم ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107]، أي خالدين فيها أبدا، على عادة العرب في قولهم إن هذا يدوم لك ما دامت السماوات والأرض، فما دامت السماوات والأرض باعتبار طول الأمد وأنه باقٍ عبر الدهر، هذا هو المقصود هنا. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107]، أبرز مشيئة الله سبحانه وتعالى، فمشيئة الله سبحانه وتعالى نافذة وغالبة، ولا يستطيع أحد أن يعارض الله سبحانه وتعالى، فالذي يقدر الله ويشاءه لا بد أن يقع. لماذا تبرز بهذه الطريقة؟ حتى يعظم الله سبحانه وتعالى في قلب العبد، وحتى يعرف العبد بأن كل ما يقع وكل ما وقع وسيقع هو خاضع بمشيئة الرب سبحانه وتعالى، ولا يخرج أحد عن هذه المشيئة. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107].
ثم قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: 108]، هذا القسم الآخر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم يا رب العالمين منهم. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]. أما أهل السعادة ففي الجنة، خالدين فيها أبدا، إلا ما شاء ربك، وشاء الله أن يخلد هؤلاء في الجنة وأن يخلد أولئك في النار. لكن هنا إبراز المشيئة حتى يعرف العبد من هو الله سبحانه وتعالى، فلا أحد ملزم لله سبحانه وتعالى، إنما الله سبحانه وتعالى هو الذي قدر هذا الأمر بهذه الصورة وبهذه الطريقة.
«إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما»؛ هو حرم الظلم على نفسه، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، هو الذي كتب سبحانه وتعالى على نفسه، فكذلك هنا فالله سبحانه وتعالى هو الذي قدر بأن يكون أهل الجنة في الجنة، سعداء في الجنة، أهل الإيمان في الجنة، وأن يبقوا فيها خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض، حتى ما يأتي أحد ويقول بأنه بعملي؛ لا، ليس بعملك إنما بمشيئة الله سبحانه وتعالى ورحمة الله سبحانه وتعالى التي رحمك بها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]. وفي سورة النبأ قال: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: 36]، يعطي ويعطي ويعطي، عطاء كبير غير محسوب، غير ممنون، غير مقطوع؛ كذلك هنا غير مجذوذ، أي غير مقطوع عنهم هذا العطاء، هذا النعيم.
انظر الآن إلى حال من يستمع لهذه الآيات ويقرأ هذه الآيات ويعيش الآن في واقع صعب مر وبلاء كبير، نعم؛ كم سيستمر هذا البلاء؟ ثم في النهاية ماذا؟ في النهاية الموت. كم تساوي هذه الدنيا مقارنة في الآخرة؟ يعني الآن هذا الشخص الذي يعيش في هذه الدنيا كم سيعيش؟ ثم ماذا؟ وكذلك هذا البلاء له حد معين، ثم بعد ذلك لا بد أن ينقلب الواقع كما وقع لجميع الأنبياء. فسواء هذا الأمر حدث في حياتك أو الأمر الآخر سيقع قطعا؛ إن عشت وعمرت ستنظر إلى انقلاب هذا الواقع ولن يستمر الشر ولن تستمر سيطرة الكفار وقوة الكفار، لا بد أن يتغير الواقع وينقلب، وأن يهلك الله سبحانه وتعالى هؤلاء المجرمين. ولكن لو مات شخص قبل ذلك في النهاية ماذا؟ في النهاية إما الجنة أو النار.
وكم تساوي الدنيا مقارنة بالآخرة؟ الدنيا لا شيء، سميت الدنيا دنيا لزوالها، لدنو زوالها، لدناءتها، لأنها حقيرة، وكذلك سريعة الانقضاء والزوال. والقبر سمي بالبرزخ، يعني الحياة بين الدنيا والآخرة، هذه الحياة سميت بالبرزخ، والله عبر عنها بالزيارة: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 2]. الزيارة غير الضيافة، الضيافة يوم أو ثلاثة أيام، أما الزيارة ساعات، هكذا هي الزيارة. إذاً البرزخ هذا الذي سيبقى الإنسان فيه ربما عشرة آلاف سنة، ربما خمسة آلاف سنة، هذه السنوات كلها، خمسة آلاف سنة، يبقى فيه برزخ، هذه كلها عبارة عن زيارة. إذاً الدنيا ماذا تساوي بالآخرة؟ لا شيء. إذاً في النهاية هذه كلها لا شيء، لكن هذا الكلام ما يفهم إلا من يطمع بالآخرة، إلا من يريد الآخرة، إلا من يؤمن حقيقة بيوم القيامة، إلا من يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. لذلك الله اختبر أهل الأرض، اختبر أهل الإيمان: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، في هذه السورة نبلوهم أيهم أحسن عملا، بحسن العمل، من أحسن من الآخر، من أعلى، من أخلص، من أصدق، من صاحب إيمان أقوى.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]، أي عطاء مستمر دائم غير منقطع عنه. هنيئا لهؤلاء الذين سيعيشون بهذه الصورة، بهذه الطريقة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من هذا القسم الثاني يا رب العالمين. ثم انتقل بعد ذلك الخطاب في توجيه النبي عليه الصلاه والسلام، وكذلك أصحابه معه، وكل من يكون حاله في مثل في هذا الحال، يكون في واقع ضعف، هو مستمر بدعوته وعمله ونصرته للدين، ولكنه يكون في واقع ضعف شديد، والكفار هم المسيطرون، هم الذين هكذا يستهزئون ويبتلون أهل الإيمان؛ كيف ينبغي أو ما الذي ينبغي على أهل الإيمان أن يفعلوا؟ سننظر في التعقيبات الأخيرة في هذه السورة وتوجيهات الله سبحانه وتعالى للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام وللصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري