دخولتسجيل الدخول

سورة هود 09 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني جميعاً وإياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة هود، وكنا قد توقفنا عند خاتمة هذه السورة بعدما قص الله سبحانه وتعالى علينا هذه القصص، ورأينا مواقف الأنبياء وأتباع الأنبياء، وكذلك ما قاله أعداء الأنبياء للأنبياء. الآن الله سبحانه وتعالى ينزل هذه التعقيبات على هذه القصص، وفيها إرشادات للنبي عليه الصلاة والسلام وللصحابة رضي الله عنهم، ولكل من كانت حالته مثل هذه الحال، أي كل من كان في زمان الاستضعاف والضعف وعدم القوة ولا القدرة.

فالله سبحانه وتعالى يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام وينهى نبيه كذلك ويقول: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: 109]. الآن يراد بعدما تم ذكر هذه القصص أنك ما تكون في أي شك من أن هؤلاء على ضلال وعلى فساد، وليسوا أصحاب هدى. والإنسان مثل ما ذكرنا في هذه المواقف ممكن يتأثر، لكن بعدما تأتي هذه القصص ويستشعر الإنسان بأنه الآن يسير على الطريق الذي سار عليه أنبياء الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الأمر متكرر عبر التاريخ، فإياك أن تشك بأن هؤلاء ما زالوا ضالين في ما يقولون وما يفعلونه. وهذه الاعتقادات وهذه الأوثان التي يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى لن تغني عنهم شيئاً.

فالله يريد من النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الصحابة رضي الله عنهم، وكل من كان في مثل هذا المقام أن يكون على يقين تام بأنه على الحق، وأن هؤلاء على الباطل. دع هؤلاء وحساب هؤلاء على الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وكل ما يفعله هؤلاء ويقولونه وكذلك هذه الاعتقادات التي كانوا يعتقدونها، هذه كلها سيحاسبون عليها يوم القيامة وسيجازون عليها يوم القيامة. إذن الله يريد منا اليقين، يريد منا أن نكون على يقين أن هذا الدين هو الحق، وأن ما يعبد هؤلاء الضلال الكفار الفسقة الفجرة هو الباطل. ولو كانوا أقوى منا الآن مادياً، ولو كانوا أعلم منا، ولو كان عندهم ما عندهم، انتبه أن يقع في قلبك أو يدور في خاطرك بأننا لو كنا على الحق لما أصبح الواقع ليس هذا الواقع، ولو كانوا هم على باطل لما كانوا واقعين بهذه الطريقة، هذا كله من الشيطان.

ثم قال الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: 110-111]. الله سبحانه وتعالى يكرر هذه المعاني في هذه السورة وفي غيرها من السور حتى تستقر في نفس الإنسان، الكل سيحاسب يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى خبير. هنا أتي باسم الله الخبير، أي الله سبحانه وتعالى مطلع على دقائق الأمور التي أنتم ما تعرفونها، نفس تخطيط هؤلاء وتدبير هؤلاء ومكر هؤلاء وما يقول هؤلاء بينهم وبين من كان معهم ولا يظهرونه لكم، الله سبحانه وتعالى مطلع عليه. الله سيحاسبهم على ما يقولونه وما يفعلونه، فانتبهوا يا معشر المؤمنين أن يميل قلبي يمنة أو يسرة، أو أن تظنوا بأن الله سبحانه وتعالى لا يعلم، الله يعلم ومطلع بل خبير، ولكن له حكمة وسيجازيهم لكن متى؟ عنده هو سبحانه وتعالى.

الله يريد أن يقرر هذا المعنى حتى يتمكن من قلب المسلم بأنه ما يتجاوز الحد ولا يدخل في هذه الدائرة. المطلوب منا أن نكون أصحاب يقين، المطلوب منا الآن أن نكون أصحاب صبر. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]. انظروا إلى موطن وموقع هذه الآية من هذه السورة، يعني كل الذي قال الله سبحانه وتعالى قبل ذلك، النتيجة التي يريد الله سبحانه وتعالى من العبد أن يسير عليها هي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. هذه الآية يقول ابن عباس: أشد آية نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأن ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ تعني قف هنا، لا تتقدم، فقط لا تتراجع في هذا الموطن بالضبط، وانتبه أن تتقدم عنه أو أن تتراجع عنه. هل الاستقامة على أمر الله سبحانه وتعالى كما أراد الله سهلة؟ لو كانت سهلة لما شيبت هذه السورة النبي عليه الصلاة والسلام، «شيبتني هود وأخواتها». وقيل ما شيب في هود هذه الآية ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، يعني قل الآن كذا، ثم قل كذا، الآن قل: ﴿إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38]، الآن قل: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: 61]، الآن افعل كذا، هذه الآن الآن الآن النفس تتدخل طبيعي. طيب كيف يستقيم الشخص على أمر الله سبحانه وتعالى في كل لحظة من غير أن تغلب نفسه ولا تدخل نفسها؟ هذا هو الذي يريده الله سبحانه وتعالى، لذلك قال بعد ذلك كلمة عظيمة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112]. والله هذه الآية أنا أفكر فيها، أنا أصعب موقف في السيرة النبوية عندي بالتحليل هو موقف ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1]. يعني إلى الآن ما وصلت إلى موازنته، موازنته النظرية ممكن تفهمها، لكن موازنته العملية كيف؟ يعني كيف الآن عندي واحد من أتباعي، وأنا أعلم بأن هذا الشخص هو معي، فمن السهل جداً أن أقول له شيء، ثم ألتفت إلى أناس هؤلاء مقصودين، هؤلاء الآن لو يهتدوا لهديت مكة كلها، والنبي عليه الصلاة والسلام في هذه اللحظة آنس منهم استجابة. مصورين معي الموقف؟ لذلك هنا هذه الآية ثقيلة، هذه الآية عظيمة. وعمر الخطاب يقول: أي والله استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب.

هنا ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، أمرت أن تجلد 80 جلدة ما تجلد 81 ولا 79، مفهوم؟ مطلوب منك أنك تفعل كذا بالضبط، مطلوب منك تقطع اليد اليمنى ما تقطع اليمنى واليسرى وما تزيد. أنت عبد، هذه سهلة؟ صعبة. الله يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، ممكن تبغضه فتظلمه وتقول هذا كافر، لا. الله جعل هناك قسماً من الكفار اسمه ذمي، مستأمن، معاهد، ليش كلهم محاربين؟ المحارب له طريقة، والذمي له صورة بالتعامل، إذا التعامل مع هذا غير التعامل مع هذا. إذاً هذا دخول نفسك بغطاء الإيمان ليس هو الذي يريده الله. تقول لي طيب هذا كلام خطير، أقول لك نعم هو خطير، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عثر في هذه الآية. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، يعني سر وفق الطريق والمنهج الذي يريد الله بنفس الخطوات، ولا تتقدم خطوة ولا تتراجع خطوة، ولا تفعل أي شيء الله ما يريده، أنت عبد لله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾، هنا ﴿وَمَن تَابَ﴾، تاب أي آمن، لكن لماذا قال تاب ولم يقل آمن؟ لأنه قال بعدها: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. يعني أنتم كنتم ترى في السابق مثل هؤلاء الكفار، فلا تطغوا. كيف لا تطغوا وهم مستضعفون أصلاً؟ يا جماعة معلش يعني قفوا معي بهذه الآية، يعني نريد أن نصل إلى هذا المعنى. والله هذا الوصول له صعب، يعني الوصول التطبيقي والله يحتاج إلى مجاهدة. كيف شخص مستضعف ولا تطغى على غيرك؟ طيب الذي يكون في موطن القوة هذا هو الذي يطغى، لكن نحن مستضعفون، هم الآن يعذبوننا ويبتلون، كيف لا نطغى عليهم؟ كيف ونحن معنا الحق؟ يعني كيف يكون عندنا الولاء التام للإسلام من غير أن نطغى بالإسلام؟ نعلو بالإسلام صح، لكن نطغى بالإسلام لا. واضح كلامي؟ يعني هل ممكن الذي مع الحق يطغى؟ ممكن لما يكون هو صاحب القوة، ممكن يتعامل معه بظلم، ليش؟ لأني أنا أقوى منك وأنت كافر في النهاية. هي بس على الأقل ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾.

طيب، هذا إذا لما نكون أقوياء، لما نكون ضعفاء كيف نطغى؟ يعني ما صورة الطغيان الذي سيقع عند الإنسان لما يكون في موطن ضعف؟ يعني ما هو الأمر الذي ممكن يقع عنده؟ صورة الطغيان ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، أي لا تتعامل معهم تعامل يجعلك تنظر إليهم بأنك أنت صاحب الفضل وهم لا. فرق بين صورة أن الله هو الذي مَنّ عليك وأعطاك، وبين صورة أنك تتعامل معهم وتنسى فضل الله عليك. وضحت؟ يعني هنا ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ أنك تتعامل مع أن هذا كافر، هي صح كافر، تقر أنه كافر، عادي أنه كافر صح، بس أنت استشعرت بأنك عبد لله، أن الله هو الذي أعطاك المنة، ولا أنك استشعرت بأنه كافر وأنت مؤمن؟ أنت بنفسك اللي كنت مؤمن.

تذكرون قصة صاحب المسطرة؟ أتذكر قصة لأحد علماء العراق، كان عالم يقرئ الناس ويعلم الناس الأحاديث، فانطلق مرة مع بعض أصحابه إلى قرية من قرى النصارى، فنظر إلى الصلبان الموجودة، ثم بعد ذلك هذا الرجل تغير عليهم، هو الشيخ، هذا الشيخ المعلم تغير عليهم حتى والعياذ بالله ترك الإسلام. أراد أن يخطب امرأة وتزوجها، فذهب إلى أبيها وقال: لا أزوجك إلا بشرط أن ترعى عندي الخنازير وأن تترك الإسلام تتنصر. فترك الإسلام والعياذ بالله تنصر ورعى الخنازير سنة كاملة. أصحابه طلابه الذين كانوا معه: أنت الآن الشيخ المعلم كيف تفعل هذا الشيء؟ فحاولوا به ولم يلتفت إليهم حتى تركوه ورجعوا. فلما رجعوا الناس سألوا: أين فلان؟ أين الشيخ الذي كان يعلمنا القرآن والأحاديث؟ فقالوا: تركناه في بلاد كذا وكذا ووقع معه كذا وكذا. ثم بعد سنة ذهبوا إليه، ووجدوه واقفاً في مزرعة الخنازير، حظيرة الخنازير، ويحرث ويعمل. فأتوه قالوا: يا فلان، وبدأوا يذكرونه. قال: والله نسيت القرآن كله، إلا آية واحدة: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2]. ثم لم يزالوا به حتى تأثر، وبكى ودعا الله سبحانه وتعالى بود القديم، دعا الله بعمل القديم، توسل إلى الله، فهداه الله سبحانه وتعالى وترك هذا ورجع معهم.

لما رجع معهم سألوه، قالوا: كيف أنت الشيخ العالم كيف وقعت؟ قال: أنا لما دخلت القرية، والآن رجع، قال: لما نظرت إلى الصلبان، احتقرت هؤلاء ونسبت ما أنا فيه من الهداية لنفسي، نسبت ما أنا فيه هداية لنفسي، قلت: أنا الذي عندي، ما ألم تكن أنت مثله مثلهم قبل ذلك؟ ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 94]. أين هذه الآية؟ كذلك كنتم أنتم طرف سابق مثلهم، لكن الله سبحانه مَنّ عليكم. فلماذا تنسى هؤلاء؟ لماذا نسيت النعمة والمنة والعطية الإلهية؟ ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، يعني أنت الفارق ترى بينك وبين هذا الإنسان الذي ما يدخل المسجد ترى فارق بس رحمة الله. يعني بعض الناس كانت مرت عليه أيام ما كان يدخل المسجد، ثم الله هداه، طيب الفارق لماذا ما دخلت؟ والآن لما تدخل تتعامل بهذه الطريقة؟ لست أنت الذي دخلت. أنت لماذا لا تريد أن تفهم؟ يعني أنت الآن جالس تسمع هذه المحاضرة أو تقرأ القرآن الكريم، تظن أنت بقوتك؟ والله لو أراد الله لما جعلك تجلس هذا المجلس، ولا تسمع مثل هذه الكلمات، ولا أنك تعيش مع القرآن الكريم، هذه عطايا، هذه عطايا إلهية عظيمة.

هنا ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، يعني لا تنسب ما أنت فيه من الخير، يعني انظروا الآن، انظروا كيف انتقل الإنسان من كوننا الآن نحن في وقفة، عيشوا معي يا إخوان، أو دعوني أعيش مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. الآن شخص في موطن مستضعف، والكفار يضربونه ويعذبونه ويشتمونه وتقع عنده هذه البلاءات، فلما تقع عنده هذه البلاءات يبدأ يشك، صح؟ طبيعي، لا يعني لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا. صح؟ فأنت الآن الشخص لما يكون في موطن مستضعف وليس موطن قوة، موطن استضعاف ممكن الشخص يشك. أتستعرفون قصة النصرانية التي ماتت في فلسطين؟ قتلها اليهود، بعض المسلمين صلوا عليها. انظر هذه كمية الإيمان كمية حب الله عندهم حتى يصلون لامرأة كافرة، ويخالفون أمر الله! هذا استقام وهذا ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، واضح؟ يعني هؤلاء عظموا أنفسهم، وعظموا نصرة المظلوم على حق الله العظيم سبحانه وتعالى. لا يمكن مسلم يفعل هذا الشيء، ما يستعظم أن يفعل هذا الشيء، لكن فعلوه، قاموا وصلوا هذه الصلاة، خطيرة جداً. يعني كيف تدخل شخص الجنة لأنها نصرت مظلوماً؟ من قال لك نصر مظلوم؟ هذا نصر مظلوم هذه ثمرة، لكن هذا ليس الأصل، الأصل لا إله إلا الله، هذه الذين لا يؤمن بلا إله إلا الله محمد رسول الله هذا ليس مؤمناً، هذا كافر ولو كان أفضل الناس خلقاً، ولو كان يتعامل مع الناس تعامل خلقي عالي لكن هو لا قيمة له عند الله لأنه لم يقل يوماً: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين. لما سألت أمي عائشة رضي الله عنها عن النبي عليه الصلاة والسلام...

عن عبد الله بن جدعان، كان رجلًا كريمًا، كان رجلًا منفقًا. فقالت يا رسول الله: إن عبد الله بن جدعان كان كذا وكذا وكذا؛ هم بني تيم، يعني مثل الصديق من فخذ الصديق. فقال: يا عائشة، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. يعني لم يتشهد، لم يقل الشهادة. هذا كله لا قيمة له، هذا في الدنيا يؤجر عليه أو في الدنيا الله سبحانه وتعالى يكافئه، لكن في الآخرة لا شيء له.

لما جاءت بنت حاتم الطائي وقالت يا رسول الله: إن أبي كان كذا وكذا، وذكرت مناقب أبيها من كرم وجود، قال لها: إن أباك كان يطلب شيئًا فناله، كان يريد السمعة وأخذ السمعة. إلى اليوم حاتم الطائي يذكر بالكرم والجود، لكن هذا ما له قيمة؛ لأنه ما قال لا إله إلا الله، هذا لم يعبد الله سبحانه وتعالى.

القصد من ذلك أن هنا: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، الآن عندنا الشعور أنا نعيش شعور الإنسان؛ شخص يظلم يضطهد، هنا تأتي نصرانية تنصره، يصلي، يقول له: أنت تدخل الجنة، كيف تدخل؟ كيف تقولها أصلًا؟ لذلك عظمت نفسك أنت، عظمت حقك أنت على حق الله العظيم سبحانه وتعالى. الإنسان يشك، هذا بعيد عن ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، هذا أصلًا ما عنده قوة دينية، هذا ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾.

الثانية: الرجل يكون ضعيفًا ويتسلط عليه الكافر، ممكن هذا البلاء يستمر معه، يقول: معقول أن هؤلاء يكونوا مخطئين ونحن على صواب؟ ونحن هذا وضعنا وهذا واقعنا؟ فيبدأ يتعرض إلى مثل ما وقع لنا نحن لما تسوق القرب علينا في هذا الزمان، انظروا للاجتهادات الماضية، كيف الناس بدأوا يبحثون عن طريق؟ لا يوجد طريق، الطريق هو الإيمان. الطريق الذي يخرج النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة من هذا البلاء وهذا الواقع هو الذي سيخرجنا، أما غير هذا لا يمكن. لا ننشغل بأمور الدنيا على حساب تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، يريدها منا النصر بالله، النصر من عند الله سبحانه وتعالى، والله دائمًا ينسب النصر له هو سبحانه وتعالى.

القصد أن الشخص لما يكون في مقام الاستضعاف هذا يشك، هذا بالأصل أنه يشك. طيب، الصحابة بعد ما نزلت عليهم هذه الآيات، ما الذي صنعته معهم؟ الآن تنزل قصة نوح، قصة هود، قصة صالح، قصة إبراهيم، قصة لوط، قصة شعيب، قصة موسى، هذه كلها تؤثر في النفس حتى إذا الإنسان لا يرى شيئًا للناس؛ لأنه مؤمن. ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾، انتبه هنا يقع عندك شك، الآن أصبح عندي يقين عظيم بصحة الإسلام، هذا ممكن يحملني على أن أطغى.

طيب كيف تطغوا؟ تطغوا أني أرى هؤلاء لا شيء، صح هم لا شيء، ولكن أنت الذي تقوم به هو من عند الله، والواجب عليك أنك تستمر على أمر الله. إذاً ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ هذه الكلمة نستطيع أن نقول بأن معناها القريب: أن لا تطغوا، أي لا تنسب النعمة إلى فضلك، إلى نفسك، لا تنسب الفضل لك، لا تنسب النعمة إلى نفسك أنت، أو أنت بفضلك بقوتك بجهدك عملت؛ لا، ليس بفضلك ولا بجهدك ولا بقوتك، إنما هو بإعطاء الله سبحانه وتعالى. والله لا يوجد فارق بينك وبين الذي يعبد الخنزير والذي يعبد البقر والذي يسجد للصنم إلا أن الله سبحانه وتعالى أكرمك فقط، الفارق فقط كلمة واحدة اسمها نعمة الله، بس اسمها رحمة الله، بس هذا هو الفارق.

شخص يكون يعيش أمام المسجد ولا يدخل المسجد، وشخص يأتي من مكان بعيد، شخص يكون شابًا وعنده قوة ولا يتقدم، شخص يملك أموالًا كثيرة ولا ينفق، والثاني يكون فقيرًا وينفق، انتبه أن تقول أنا فقير أنفقت، أنا لست أنت. لماذا لا تريد أن تفهم؟ الله هو الذي فتح عليك، إذا ما نسبت النعمة له ستخسر خسارة كبيرة، هو الذي سبحانه وتعالى أعطاك، هو الذي أكرمك سبحانه وتعالى. إذن هنا ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ داخلها واحد: النسبة للمنة والنعمة للنفس، فشخص يعيش بين مسلمين ولا كفار وهكذا ويعلو عليهم بأنه نسب النعمة والمنة والإسلام له هو، هذا رقم واحد. اثنان: أنه لا يفعل الذي يريده الله سبحانه وتعالى فيطغى، يعني هو الآن الله يريد منك أن تبلغ، يقول لا، هؤلاء ما أبلغهم ولا يدخلون الجنة، دعهم يدخلون النار أفضل من أن يدخلوا الجنة، هؤلاء فعلوا كذا؛ فلا يستقيم على أمر الله فيطغى بهذه الطريقة، فيكون الطغيان له حالان: إما أن ينسب الشيء لنفسه، أو أن لا يقوم بالذي يريده الله سبحانه وتعالى.

انظروا كيف أصحاب الأخدود يحرقون المؤمنين، تخيلوا الآن أشخاص يحرقون، ثم بعد ذلك آمن هؤلاء؛ يعني أصحاب الأخدود آمنوا، ما هي منزلتهم عند الله؟ يفرح ولا ما يفرح؟ نحن هل نفرح ولا لا؟ إذا آمنوا. طيب، حرقوا المؤمنين، هذا مشهد غير هذا، واضح؟ ليس معنى هذا أنك ما تقيم، ليس معنى هذا أنك ما تفصل، هذا في طريقة التعامل له مسار آخر وله شرح آخر، لكن أنا فقط الآن أريد أن أقيم الأصل. أما نفس التفصيل، يعني لما يموت الظالم ويهلك الظالم ما نفرح؟ طيب، الظالم هذا إذا أسلم قبل أن يموت مثلًا، أو إذا تاب إلى الله سبحانه، نفرح ولا ما نفرح؟ واضح هذا الأمر؟

فهنا يكون عندك شعور أنك تبغضه في الله سبحانه، لكن كذلك تقيم الحق كما يريد الله، باللين، بالشدة، على حسب السياق الذي جاء بالقرآن الكريم. نحن لا نتدخل لا بهذا ولا بهذا. طيب، نفرح إذا هلك هذا الظالم، نفرح إذا هلك الظالم، لماذا؟ لأن الفساد يقل في الأرض، فنفرح من أجل هذا. طيب هذا الظالم، المفاتك، المجرم، الخبيث أسلم، وأصبح من العباد، نفرح ولا ما نفرح؟ واضح؟ فهنا هذه ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ والمطلوب مني أني أبلغ الرسالة بشدة، باللين، إلى آخره، لكني ما أخالف أمر الله ولا أتجاوز الحد، لا أطغى، الطغيان تجاوز الحد. ما أتجاوز الحد إذا الآن في موطن الضعف، ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، نعم لا تطغوا بهذه الطريقة، وضح المعنى؟

ثم قال: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. الله ينظر إلى أعمالكم، الله سبحانه وتعالى ينظر إلى أعمالكم؛ أنتم الآن ماذا تفعلون؟ هل طغيتم؟ وصل بكم الطغيان إلى درجة أنكم لم تعودوا تدعون الكفار، لماذا؟ خلاص، يدخلون جهنم أفضل، طبعًا هذا كلام سهل بالتنظير، لكن لما تكون أنت وهذا الكافر يظلم ويفتك ويفعل ويفعل، هنا الشعور نفسه يكون صعبًا جدًا، ومع ذلك الله يريد أن تكون نفسك موافقة لما يريده سبحانه وتعالى، للحق. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ و﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾. أنت بين حدين، بين لاءين، بين أنك تزيد بطغيان، تعلو العلو المذموم، وليس العلو بالإيمان اللي هو طبيعي، المؤمن أعلى من الكافر، طبيعي المؤمن هو المصيب، والمؤمن أخو المؤمن.

وانظروا، هنا ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ ولا بد أن نبغض الكفار، طيب كيف نجمع بين بغض الكفار مع ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾؟ لأننا نبغض الكفار، ونكره الكفار، والذي لا يكره الكفار هذا في إيمانه خلل. طيب نكره الكفار، وهذا هو الولاء والبراء، كيف نجمع بين أصل الولاء والبراء، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الكفر وأهله، وكذلك ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾؟ وضحت؟ يعني نعم نبغضهم، هذا ما فيه حرج، لكن ما ننسب النعمة لنا، وكذلك نقيم الحق كما أمر الله سبحانه وتعالى. نأخذ الجزية عن يد وهم صاغرون، هذا سياق، ما ترفق بهم، هذا سياق، نخاطبهم بـ﴿وَهَدَيْنَاكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾، هذا سياق. هذا كله يدخل في لا تركن ولا تطغوا.

طيب هذا كله كيف أعرفه؟ أقولك اقرأ القرآن الكريم، وادع الله سبحانه وتعالى، وجرد نفسك من حظها وهواها حتى تستقيم، حتى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. هذه تحتاج إلى مجاهدة، انظر اليوم شخص ممكن يريد أن يدافع عن الدين، وشخص يقع في بدعة يتعامل مع أهلها أنهم كفار، هو في حظ ديني، لكن في حظ نفسي كبر هذا وطغى، هذا طغى في السنة. تقول: كيف طغى في السنة؟ أقولك هذا لما رد ما رد الرد الموافق للدين، إنما زاد، عنده بدعة يجعلها بدعتين، ويتمنى أن يكون عنده خطأ ثاني بعد، ويقول: حتى أظننه بالرد، وعنده كلام محتمل يضعه مع.. طيب هذا كله لا يدخل في ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، هذا كله ليس دخولًا نفسيًّا. هذا هو الطغيان بالسنة، وهذه ظاهرة الغلو الموجودة اليوم التي نعيشها. طبعًا هذا كله ضبطه الإسلام، ليس معنى هذا الكلام للشخص إن بعض الناس يتعامل تعاملًا نفسيًّا صرفًا؛ يا إخوان، بعض الناس من طبعه يحب اللين، يميل، وبعض الناس من طبعه يميل إلى الشدة. لا علاقة لنا لا بلينك ولا بشدتك، نحن علاقتنا في ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، أشد في موطن الشدة، وألين في موطن اللين.

تقول: طيب هذا كيف أصل إليه؟ أقول: جرد نفسك من هواها وتعلم الإسلام، وعش معه، هنا تصيب بإذن الله الاستقامة. الاستقامة ليست سهلة، تحتاج إلى مجاهدة. ثم قال الله: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. الله ينظر. انتبهوا، وجاء في بعض الآثار عن حذيفة بن اليمان بأنه يؤتى برجل يوم القيامة، ويكون قد جلد شخصًا فوق الحد، أو جلد الشخص بشدة، فيؤتى به فيقول: لماذا فعلت هذا؟ لماذا زدت؟ هذه الزيادة يقول: يا ربي من أجلك أنا جلدته، هذا لكن هذه الزيادة لم آمر بها. وشخص آخر يجد أقيل من الحد، أو لا يجد الجلد المتوسط، إنما جلد خفيف، هذا كذلك يسأل: لماذا فعلت كذا؟ لماذا أخذتك رحمة به وأنا الذي فرضت عليك أن تفعل هذا الشيء؟ والثاني ماذا أخذتك الشدة هذه به وأنا الذي فرضت عليك أن تفعل هذا الشيء؟ أمر خطير، ميزان دقيق جدًا. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

يحذر الله أهل الإيمان، التحذير الآن لمن؟ ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ على الكفار، الآن أنتم يا معشر المؤمنين ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. الله ينظر ويرقب وينظر أعمالكم. طيب، لماذا هنا أتي باسم الله البصير وليس الخبير؟ يعني لماذا في الآية التي قبلها ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أما هذه ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؟ لماذا أتي بالبصير وليس بالخبير هنا؟ يعني ما هو المعنى الذي يراد إبرازه؟ الذي ظهر لي والله أعلم أن الشخص في باطنه الخير، لكن لما يأتي في التطبيق يطغى. هذا التطبيق الله سبحانه وتعالى ينظر له، يعني هذه الكلمة هنا الزيادة في هذا الشيء، يعني هذه الأفعال والأقوال انتبه، فقبل أن تفعلها راجع نفسك، الله بصير، واسم الله البصير والخبير يشمل معرفة الدقائق وكذلك الأمور جميعًا، لكن الخبير يأتي بالأمور الخفية، والبصير يأتي بالأمور الواضحة الجلية، فهذا الفعل وهذا القول أمر ظاهرة، هذا الله يبصره، فانتبه قبل أن لما تجلد هذا الجلد كيف جلدت؟ لما تتكلم كيف تكلمت؟ هذا كله قبل أن تفعله انظر هل هذا موافق للأمر ولا لا؟ حتى ما تقع في زيادة فتطغى.

ثم قال ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، الاستقامة بين ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ و﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾، هذه استقامة. لا تزد ولا تركن، تركن يعني لا تتكئ على الكفار، ولا تميل إلى الكفار، ولا تعتمد على الكفار، ولا تظن بأن النصر يأتي من الكفار، انتبه، هذا أمر خطير. لا تقولوا للمنافق سيد، فيكون سيدًا فقد أسخطتم ربكم عز وجل، كم اليوم من أناس محسوبين على الخير يسهل عليهم الثناء على الظلمة، يسهل عليهم الثناء على الفجرة، يسهل عليهم الثناء على من الله سبحانه لا يحبهم وليسوا مكرهين! يعني هو ما هو مضطر ولا مجبور، إنما يقولها هكذا إنما كلام عادي، أسخطتم ربكم عز وجل، أنت الآن أثنيت على شخص الله يبغضه، هذا مجرم. الناس كلها تثني، أنت تكون مع الناس؟ ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾، هذه ولا تركنوا.

هذا ركون إلى الظلمة، هذه الكلمات التي قلتها كيف قلتها؟ هذا لما ترفع يدك، والله لما أسمع مرات بعض الناس يكتبون أو يدعون بهذه الطريقة أقول: هذا كيف تساهل؟ كيف قالها؟ يعني هذا ما راعى نفسه، لكن هو تساهل، يقولك الناس كلها يقولونها. الناس كلها واعتادوه، يعني خلاص يكون هذا أمر في اعتياد، فالناس كلهم يفعلون هذا الشيء ويثنون على الظلمة، إذاً هو مع الظلمة. ثم يأتي بالنصوص العامة وينزلها على الظلمة ويقولك أن هذا واقعنا، طيب أنت الآن ما فعلت هذا من باب نصر الدين، أنت ما فعلت هذا من باب أن مثل ما فعل عبد الله بن حذافة السهمي لما قبل رأس ملك الروم من أجل أن يعتق، أنت ما فعلت هذا من أجل شيء، ولا أنت مكره، إنما فعلته فقط من أجل الفعل. طيب لماذا؟ يعني لماذا أنت تقتحم أبواب ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، أبواب جهنم؟ لماذا تتعمد أنك توصل نفسك إلى هذه بحجة الناس كلهم يفعلون؟ والناس ركنوا إذاً نركن معهم!

الظلمة، ثم بعد ذلك بعض الناس يتوسع كثيراً في مصلحة الدعوة. من قال لك أن هذه مصلحة الدعوة؟ لو كان النبي عليه السلام يستطيع أن يقدم بعض التنازلات، ولم يقدم ولا تنازل، وليس مطلوباً منك أصلاً أن تقدم تنازلات. هذا الدين دين الله، أنت لا تتدخل فيه. أنت عبد؛ فلا تجعل نفسك هكذا، تجعل عقلك مكان الإسلام ومكان الدين. أنا أريد أن أنصر الدين إذاً لا بد أفعل كذا من أجل كذا، هذه «أفعل كذا من أجل كذا» هل أخذتها من الدين أم هواك وعقلك القاصر؟

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113]، انتبهوا أن تركنوا لهؤلاء الظلمة. لا تركن، لا تمل إلى هؤلاء، لا تعتمد عليهم. مرة كان يحدثني أحد المشايخ الكبار في السن، يقول: أنا كبير في السن، فكنت أتحدث معه عن تاريخه وعن هو شيخ من الجيل الماضي، فقلت له: كيف؟ قال: أنا مرة من المرات حدث معي بلاء، استدعيت في البلد الذي أنا فيها، وبلدي كان بلد ظلم، حقيقة، بلد ظلم كبير. ويقول: إخواني الاثنان كلهم أصحاب مناصب عالية. يقول: فلما ذهبت لهم، وهؤلاء يعرفون بأنهم إخواني، يقول: أنا ما سألت إخواني ولا ذكرتهم. يقول: فكان يقول هذا الجهاز: الشيخ الوحيد هو فلان.

إي، ولا تركنوا. يعني هو ما ركن، أنا أركن إلى الله، أنا متوكل على الله، معتمد عليه. فالقصد من ذلك طبعاً هذه مراتب لا شك، وهذه مراتب دقيقة، لكن الناس يتفاوتون في تحقيق التوكل والإيمان في مثل هذه الصور. قال هنا: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]. يعني هذا الركون إذا تنازلتم عن الحق لأنكم مستضعفون، لأنكم لستم أقوياء، فتذهبون يمنة أو يسرة، تميلون، تبحثون عن منفذ، هذا المنفذ لا يريده الله، هذا المنفذ قد يكون خطيراً، قال: فتمسكم النار. هذا الركون خطير.

الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما جلد وسجن، السجان دعاه، وقال: يا أبا عبد الله، حديث أعوان الظلمة صحيح؟ وهل أنا منهم؟ وهذا السجان فيه دين، كان في دولة إسلامية، في خلافة إسلامية، والعراق كانت موطن العلم، والناس فيها دين في ذلك الوقت. وهذا في القرون الأولى. فالإمام أحمد لما سأل هذا السؤال، سرد له الحديث بإسناده، وبين له بأنه حديث صحيح، ثم قال له: هل أنا منهم؟ هذا السجان خائف، يعني أنت الآن عندي، وأنا لست الذي سجنتك، أنا أمرت بأن أسجنك فسجنتك، يعني في النهاية أنا كما يقولون هم عبد مأمور. فقال: هل أنا منهم؟ هل أنا من أعوان الظلمة؟ قال: أعوان الظلمة هم الذين يصلحون لهم ملابسهم، يخيطون لهم الملابس، ويأتونهم بالطعام، يعني هؤلاء هم أعوان الظلمة. أما أنت، فمن الظلمة أنفسهم، أنت لست من أعوان الظلمة، أنت أصلاً ظالم. يعني أعوان الظلمة هم معك، ليس أنت، أنت أصلاً من الظالمين أنفسهم. انظر كيف يبين له هذا المعنى.

لما تأتي في الواقع نجد للأسف كثير من الناس يتقربون إلى من ابتلى المسلمين وإلى من عذب المسلمين وإلى من بطش في المسلمين وإلى من سجن المسلمين، ثم يقول لك: إن هذا من باب المصلحة في الدعوة، أي مصلحة في الدعوة؟ هذا ركون واضح وبين، ليس حتى ركوناً خفياً، ليس هذا من الصور التي أحياناً يقع فيها الاشتباه أو الاحتمال، إنما هذا أمر ظاهر وبين. لكن سبحان الله إذا غلب شيء على الإنسان، الإنسان لا بد أن يستقيم على أمر الله، لا يزيد ولا ينقص، إنما يستقيم على أمر الله، ويجرد نفسه لله، ويجاهد في سبيل الله حتى يصل إلى تحقيق مراد الله، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. هذه جاهدوا فينا حتى ما يركن ولا يطغى.

قال: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: 113]. تخويف، تخويف. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113]. انتبهوا، هذا الركون سيسلب الحماية الإلهية، ولن تحموا من الله سبحانه وتعالى، يعني هو سيسلب منكم الحماية الآن الموجودة عندكم، ثم بعد ذلك من يستطيع أن يحميكم من الله سبحانه وتعالى؟ سينقلب الحال، بدل أن ينظر الله إليكم نظر حماية وحفظ، ينظر النظر الذي ينظر الآن إلى الكفار، يعني حساب وجزاء وعقوبة التي حلت بأقوام من الأنبياء. فانتبهوا، ولا يوجد أحد يستطيع أن يحميكم من عذاب الله سبحانه وتعالى إذا نزل، ثم لا تنصرون، لا أحد يستطيع أن ينصركم.

الآن نحن ما بين عدم طغيان وما بين عدم ركون، كيف؟ ما هو الطريق الذي من خلاله أستطيع أن أحقق هذه العبادة؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. الله أكبر، انظر إلى موطن إقامة الصلاة، تريد أن تصيب الحق؟ تريد أنك ما تميل يمنة ولا يسرة ولا تطغى نفسك عليك؟ أقم الصلاة. طرفي النهار وزلفاً من الليل، الصلوات الخمس. أقم الصلاة، فجر، طرفي النهار، وكذلك الظهر والعصر وزلفاً من الليل. أقم الصلاة، إقامة الصلاة يعني القيام بشروطها وواجباتها وأركانها. لم يقل وصل إنما قال: وأقم، إن الحسنات يذهبن السيئات.

شخص وقع في ذنب، نحن الآن تنزل هذه الآيات، نحن وقعنا في ذنوب سابقة، قد نكون أخطأنا في التقدير في أشياء، ما الحل؟ أقم الصلاة، هذه الحسنات ستمحو السيئات. جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إني فعلت كذا وكذا، لقيت امرأة في الطريق فصنعت معها كذا وكذا. قال: أصليت معنا؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد غفر الله لك. قال: يا رسول الله، لي خاصة أم للناس كافة؟ قال: بل لأمتي كافة. وهنا أقم الصلاة، وأكثر منها، هذه الحسنة، حسنة الصلاة وبقية الحسنات، تنفي السيئات وتكفر السيئات، والسيئات هي صغائر. يعني مثل هذه المواقف، شخص مثلاً نظر إلى موقف أو نظر إلى منظر، صل، والصلاة تقضي عليه، وكذلك تعينك على نفسك في المستقبل. لا يأتي شخص ويقول لك: خلاص أنا كلما نظرت صليت، هي صح بس في سياق، هل قلتها أنا كلما نظرت صليت؟ كلما سأصلي بسياق أنك تجاهد نفسك فإذا وقعت كفرت عنها بالصلاة، أو بسياق لا لن تجاهد خلاص، دام أن في صلاة لن أجاهد نفسي، سأجعل عقلك هذه فتنة، هذه ليست صلاة.

امرأة كانت تصلي كثيراً لكنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار. طيب كيف الصلاة ما نهتها؟ لأنها ما جاهدت. الصلاة تنهى الذي يجاهد نفسه، يعني شخص يجاهد نفسه وعنده صلاة، الصلاة ستعينه، الصلاة ستمنعك من الوقوع مع مجاهدتك مع إرادتك، شخص آخر لا ما عنده هذا الشيء، نقول الصلاة هنا لن تنهاك لن تمنعك، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. هذا الرجل جاء نادم إلى مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، هو يريد توبة. صليت معنا؟ إذاً الصلاة تكفر هذه المعصية. طيب هل معنى هذا أنك تعود مرة ثانية؟ لا، لكن معنى هذا أنك إذا أخطأت صل، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. واتبع السيئة الحسنة تمحوها، شخص أذنب تب إلى الله، قم صل، اعمل عملاً صالحاً، هذا ينفي، لا تجلس هكذا تقول أنا أذنبت ثم تجلس ولا تفعل شيئاً. طيب ثم ماذا؟ نريد الآن أن نصحح الطريق، نريد أن نسير، نريد أن نقوم، نريد أن نستمر، نريد أن نصفي هذه النفس التي طرأت عليها هذه المعصية، التي وقعت في وحل المعصية، قم وصل، اعمل هذه الأعمال الصالحة، قال: ﴿ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. هذه الذكرى تنفع العبد الذي يتذكر، تنفع العبد الذي ينتفع أو يريد الوصول إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَاصْبِرْ﴾ [هود: 115]. انظر الآن تكرر الصبر في هذه السورة، لماذا الله يريد أن يقرر عندك أيها العبد لتركنا إلى الذين ظلموا؟ الصبر. الآن المطلوب منك الصبر، ليس الركون، الصبر. الآن المطلوب فقط أن نصبر، مثل ما وقع ليوسف عليه السلام، جلس في السجن، صبر، ما في حل آخر. اذكرني عند ربك، يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً؟ لأطيلن حبسك. فقال: يا ربي أرق قلبي كثرة البلوى. ثم أراه يريد أن يعلمه، اصبر، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، لا اصبر، لا تطلب منهم شيئاً، اصبر. قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115]. أي الآن الفرض عليك هو الصبر، وهذا الصبر أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى، يبلغك الإحسان، هذا الذي يصبر في مثل هذه المواطن هذه مرتبة الإحسان، يصيب هذه المرتبة العالية للمحسنين، قال: فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. يعني الصبر هنا أعظم من العمل هناك، الآن واجب الثبات.

بذلت، نصرت الدين، ثم ابتليت، منع من التعليم والتدريس، قد يكون سجن، قد يكون إقامة جبرية، وقع عليك بلاء بسبب ماذا؟ فعلك. الآن هل ستغير؟ تتراجع؟ تكتب هكذا تراجع؟ حتى تقول أني حتى أعلم الناس، ما قال لك لا تعلم الناس، اجلس مثل الإمام أحمد في بيته. الإمام أحمد رحمه الله تعالى بلغ، اعترض عليه البلاء، منعوه، جلس في بيته حتى مات. طيب غيره من أصحابه يعلمون، الإمام أحمد ما عنده قدرة إلا أن يعلم المسند أبناءه، مع ابن أخيه أو ابن عمه، حنبل بن إسحاق: يا بني احفظ هذا فستكون إماماً للناس. حفظ الله له علمه، حفظ الله له علمه. يعني ليست حسب العقلية ترى، هذه إيمانية ليست عقلية، أنت مستقيم على أمر الله، فزت عند الله سبحانه وتعالى لو ما عرفك أحد. خلاص، لا يعني شوفوا يا إخوان، المقصود هنا استقم كما أمرت، لا تدخل عقلك في التقدير فيما جاءت الشريعة الإسلامية في بيانه، لا تجد هكذا تريد تغيير الواقع فتأتي باجتهادات من عندك، لماذا؟ استقم كما أمرت، وتعلم هذا الطريق.

ثم قال الله: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116]. هلا كان من القرون الماضية أناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ لم يكن هذا إلا القليل ممن أنجاهم الله سبحانه وتعالى، وهم الأنبياء وأتباع الأنبياء، وهذه في كل زمان وفي كل مكان، الصالح قليل، ليس كثيراً، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. هنا قليل ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وفضلت هذه الأمة بهذه الشعيرة، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]. هنا الله سبحانه وتعالى يبين بأن الأمم السالفة والماضية لم يكن فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا قليل، هم الأنبياء والقلة من أتباع الأنبياء، أما البقية كانوا هم أصلاً أصحاب المنكر. لذلك لما قال لهم لوط: أليس فيكم رجل رشيد؟ ما عندكم واحد رشيد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ كلكم هكذا.

هكذا كانت الأمم السابقة، لكن في أمتنا عدد الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أكثر من غيره، وبهذا فضلت هذه الأمة بهذه الشعيرة العظيمة. وهذه الشعيرة تحتاج منا كذلك إلى وقفة خاصة في هذا الزمن الذي قل فيه الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهؤلاء إذا قدر الله نزول البلاءات والعقوبات، هم الذين سينجون، كما قدر الله نجاة هؤلاء الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث، لكن المصلحون ينجيهم الله سبحانه وتعالى، قال: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: 116]، والبقية حلت عليهم العقوبة وأخذتهم، لكن هؤلاء أنجاهم الله سبحانه وتعالى، مثل ما أنجى الذين كانوا ينكرون منكر أصحاب السبت، ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164]. لما نزل بأس الله سبحانه وتعالى أنجى الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، أخذهم.

ثم قال الله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. لم يكن الله سبحانه وتعالى لينزل هذه العقوبات العامة وهو ظالم لهم، حاشاه سبحانه وتعالى، وأهلها مصلحون. لو كان أهلها مصلحون عابدون لله سبحانه وتعالى لما نزلت هذه العقوبات عليهم، وهذا فيه بيان أن عقوبات الله العامة تنزل لما ينتشر الظلم ويفشو ولا يوجد من يقوم بالإصلاح. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: 33] لوجود المصلح الكبير عليه الصلاة والسلام، لا تنزل العقوبة عليهم ما دام محمد عليه السلام موجود، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33] يتوبون إلى الله ويعودون إليه. ما يجعلون المنكرات ظاهرة فاشية، إنما ممكن شخص يقع في المنكر لكن يكون بينه وبين نفسه، أما من يشيع الفاحشة بين الناس، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: أنا أمن لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمن لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون. فوجود الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أمان لهذه الأمة، أما إذا قل هؤلاء أو لم يوجد هؤلاء وانتشر الخبث وفشى.

هنا تكون هذه الأمة، وهذه الجماعة، وهذا المكان استحقوا عقوبة الله سبحانه وتعالى؛ خلاص تنزل العقوبة. ثم هؤلاء يبحثون عن أسبابها الدنيوية، وليست هي أسبابًا دنيوية، إنما السبب الرئيسي هو مجاهرة الله بالذنوب والمعاصي؛ هنا تحل عليهم هذه العقوبات لما يكثر الخبث ويغشو وينتشر، ولا يوجد من يقول لا يجوز، لا يوجد من يقول أن هذا حرام، لا يوجد من يصارح هؤلاء. إذا وجد هذا لا تنزل العقوبة العامة، لكن إذا ما وجد هذا تنزل العقوبة العامة وتصيب الجميع، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]، تصيب حتى الصالح، لكن ثم بعد ذلك يبعثون على نياتهم، لكن تصيب الجميع. أما إذا وجد من ينكر ومن يتكلم ويبين بأن هذا منكر والناس تسمع أن هذا منكر، هنا ما تنزل العقوبة العامة ما تحل، حتى لا يوجد هذا الصنف الحامي.

قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. ثم قال الله مبينًا للنبي عليه الصلاة والسلام وللصحابة ولكل من يسير على هذا الطريق: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: 118]؛ يعني لم يهتدِ الجميع، وهذه الآيات تكررت في القرآن الكريم كثيرًا، ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]. الله سبحانه أراد أن نشاء ننزل عليهم آية من السماء فظلت أعناقهم لها خاضعين، لكن الله سبحانه وتعالى له حكمة؛ لم يهتدِ الجميع، إنما سيهتدي من يعلم الله سبحانه وتعالى أنه يستحق الهداية. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: 35]، إنما يستجيب الذين يسمعون، لو شاء ربك لهدى الناس كلهم جميعًا، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]؟ لا تستطيع، حكمة بالغة، فما تغني النذر. ما الذي تستطيع أن تفعله النذر؟ ما الذي تستطيعون أن تفعلوه إذا أراد الله سبحانه وتعالى عدم هداية هؤلاء؟ ﴿أَلْزَمُوكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]؛ ما نستطيع، أنا ما أستطيع أن أهديكم إذا كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم.

لكن هل معنى هذا أني ما أبلغ؟ لا، أبلغ، لكن لا تجعل المعيار عندك في البلاغ هو هداية هؤلاء، إنما المعيار هو نفس البلاغ. يعني نتيجة الدعوة هذه ليست معلقة بهدايتهم، إنما النتيجة هي عند الله سبحانه وتعالى، ونجاحك في هذا الاختبار هو نفس تبليغك الرسالة واستقامتك على أمر الله سبحانه وتعالى. تمر على شخص تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لا يرد عليك السلام؛ فزت. بعد ذلك ما تسلم؟ تقول: ما يرد علي، يمكن هذا ما يرد كذلك، لك: خسرت؛ لأن ليس الآن العبرة أنه يرد عليك، ليس هذا هو المعيار في الدين، إنما المعيار في الدين أنك تفعل ما يريد الله سبحانه وتعالى. عندك أرحام يقطعونك؛ أنت تذهب وتصلهم، تقول: هم لا يريدوني، إذاً هم يريدون أن أنا لا أذهب إليهم؛ أقول لك: هؤلاء أرحام لهم حق عليك، ذهابك إليهم الله يحبه. طيب هم حتى لو ما يريدون لابد أنك تصل هؤلاء، تصل والدك، تصل والدتك، تصل أرحامك، أقاربك، لابد، لكن يكون بقدر؛ يعني الصلة هذه لكن لكم أرحام ابلوها ببلالها، فيصل الشخص أرحامه ولا يقطعها. طيب هم كذا؟ أقول لك: هذه هم كذا، هذه منك أنت، لكن بالدين الله يريدك أن تصل أرحامك، الفوز بصلة الرحم، واضح هذا الأمر؟

قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: 118]، لو شاء الله سبحانه وتعالى لجعل الجميع كلهم من أهل الخير والهداية، لهدى الله سبحانه وتعالى كل هؤلاء الكفار وأصبحنا كلنا من أهل الإيمان والإسلام، لكن ليست هذه مقصودة، وسبقت حكمة الله سبحانه وتعالى ومشيئة الله سبحانه وتعالى المبنية على حكمته سبحانه وتعالى البالغة أن هذا لا يكون. إذاً لابد أنك أيها المؤمن تيأس من هداية جميع الناس، لازم تيأس؛ ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]؛ لازم تصل إلى اليأس من هداية الجميع. طيب هذا اليأس في سياق؟ في سياق أنك ما تجعل المعيار في النجاح هو هداية الناس، إنما المعيار معذرة إلى ربكم؛ إني يوم القيامة إذا سألني الله سبحانه وتعالى أكون قد أعذرت، بلغت، بذلت، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]، هذا هو المعيار، ثم لعلهم يتقون. نحن نريد هدايتهم، الحمد لله إذا قدروا بي من النار، نريد هداية الناس حقيقة، لكن ممكن ما يهتدون.

الناس هنا بين قسمين: قسم من الناس يقول دام الناس ليس هذا هو المعيار هداية الناس إذا ما أبلغ؛ يقصر في البلاغ، أكون قصرت في الأمر. طيب قسم ثاني يريد بالقوة أن يهديهم؛ أقول كذلك قصرت في استيعاب منهج الإسلام، الإسلام لا هذا ولا هذا، إنما الإسلام أن تبذل في دائرة السبب كل الذي تستطيعه، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، ثم تقف عند دائرة النتيجة؛ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]، قف. تريد بالقوة تهدي ابنك ما تستطيع، نوح عليه السلام في هذه السورة قصة نوح عليه السلام ما استطاع؛ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45]، يا بني اركب معنا، ما استطاع، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]، ما تستطيع؛ إذا الله لم يرد لن تستطيع، النبي عليه الصلاة والسلام كان يريد هداية عمه أبو طالب، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]، ليس لك، هذا عند الله سبحانه وتعالى، هذه النتيجة ليست للإنسان، ولا تدخل بها، ولا تجعلها من معاييرك، لكن الإنسان لما يتحمس لشيء ويريد هداية الناس طبيعي أنه يكون عنده هذا الشعور، الله يريد أن يضبط هذا الشعور عندك حتى يكون عملك موافق لأمره؛ ما تقصر في العمل ولا تدخل في دائرة ليست دائرتك، إنما هي دائرة الله سبحانه وتعالى أو خاصة بالله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]، ولذلك خلق، منهم من يقول من العلماء أنه خلقهم للاختلاف؛ يعني سبقت حكمة الله الكونية وليست الشرعية، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، لكن الكونية القدرية التي لن تتخلف أن يوجد قسم شقي وقسم سعيد، فهم مخلوقون كونًا وقدرًا حتى يكون منهم قسم في النار وقسم في الجنة. ومنهم من يقول: ولذلك خلقهم أي خلقهم من الرحمة إلا ما رحم ربك، ولذلك خلقهم، يعني الله خلقهم ويريد منهم ويريد أن يرحمهم وليس يريد أن يعذبهم، لكن هم ما استجابوا وهم من قالوا؛ فقسم من هؤلاء ما استجابوا ولا انقادوا فسيكون مصيره إلى جهنم، لكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يرحم العبيد. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً * وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]، أي خلقهم من أجل الرحمة على القول الثاني.

ثم قال الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119]، سبقت هذه الكلمة أن الله سبحانه وتعالى سيملأ جهنم من الجن وكذلك الناس أجمعين، قسم كبير سيدخل النار، وهذا أمر قضي وانتهى خلاص، خلقت هؤلاء ولأهل الجنة يعملون وهؤلاء للنار وبطريق أهل النار وعمل أهل النار يعملون، فهؤلاء سبقت عليهم رحمة الله سبحانه وتعالى وهؤلاء سبق عليهم قدر الله سبحانه وتعالى. تقول: طيب لماذا؟ أقول: هذا الأمر يرجع إلى الله لأن هذا متعلق بالحكمة، حكمة بالغة، والله يعلم بأن هؤلاء لا يصلحون وهؤلاء يصلحون. طيب هل ظلمهم الله؟ حاشاه، أنزل لهم الكتب، وبعث لهم الرسل، وأقام عليهم الحجة، وأعطاهم العقول، لكن هم ما استجابوا ولا انقادوا. تقول: طيب هذا مكتوب عليهم؟ أقول: هذه كلمة مكتوب عليهم ترجع إلى علم الله، فهو أحد أمرين، إما أن يكون هذا مكتوب أو لا يكون مكتوب، إذا كان هذا الأمر ليس مكتوباً إذاً الله سبحانه وتعالى ما يعلم، إذاً أنت تريد أن تنفي عن الله صفة العلم، وكيف يكون إله ولا يعلم؟ لكن هو سبحانه يعلم من يستحق ومن لا يستحق، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53]؟ الله أعلم حيث يجعل رسالته، إذاً الأمر متعلق بعلم الله، أما كل واحد منا هو ميسر لما خلق له؛ فاعملوا فكل امرئ ميسر لما خلق له، فإن كان من أهل الجنة سيسر لعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل النار سيسر إلى عمل أهل النار، ونسأل الله أن نكون وإياكم ممن يعمل بعمل أهل الجنة.

قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119]، فتملأ جهنم حتى يضع الله سبحانه وتعالى بها قدمه، وجهنم تقول هل من مزيد؟ يوم يقول لجهنم هل امتلأت؟ وترد جهنم تقول هل من مزيد؟ فيضع الله سبحانه وتعالى بها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، فتنزوي جهنم وتملأ جهنم من الجن والإنس. ثم قال الله: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120]؛ لماذا الآن كل هذه القصص؟ لماذا الله يكرر ويذكر هذه القصص ويقصها على النبي عليه الصلاة والسلام؟ ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، الإنسان يفتقر إلى الصورة، إلى المشهد؛ يعني شخص إذا ما في أحد سبقه بالثبات يصعب عليه أن يثبت، لكن لما تنظر إلى شخص ثبت، انظروا إلى قصة الغلام، غلام الأخدود؛ أول ما أخذه، تعرفون قصة الغلام اللي رواها الإمام مسلم، وفيها بأن هناك رجل كان يختلف إلى راهب، ويعلم هذا الراهب ولا ساحر، وكان هناك ملك ظالم، والحديث المشهور، وفيه بأن هذا الغلام عرف الملك بأنه يشفي الناس، وكان عند الملك جليس، وذهب إلى الغلام، الغلام كان يدعو الله سبحانه وتعالى فيشفى هذا الشخص بإذن الله، فرجع هذا الشخص وعذب حتى علم بالغلام، فدعي الغلام، فلما دعي الغلام فقال له الملك: أي بنية، بلغ من سحرك أنك تفعل كذا وكذا؟ فقال: إني لست أشفي أحداً، إنما الذي يشفي الله سبحانه وتعالى. فلم يزل به يعذبه حتى دل على الراهب، والراهب كان قال له قبل ذلك: أي بني أنك ستبتلى وإن ابتليت فلا تدل علي، لكن هو ما تحمل فدل عليه، فأتي بالراهب وقتل، ارجع عن دينك، ما ناقش الملك، أبى، فتم شقه نصفين وقتله.

ثم قتل جليس الملك، الغلام، الملك بعث معه جند إلى جبل، انظروا إن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فدعا الله فرجف بهم الجبل ورجع يمشي إلى الملك، ماذا فعل؟ أصعد، قال: كفانيهم الله بما شاء. ثم بعد ذلك ذهب في قارب في البحر فدعا الله سبحانه وتعالى فانكفأ وانقلب وغرقوا ورجع إلى الملك، حتى قال له: لست قاتلي حتى تأتي بسهم من كنانتي ثم تقول: بسم الله رب الغلام. طيب الآن الغلام، لماذا في الموقف الأول دل؟ والآن هو نفسه يعلمك كيف يقتله؟ لأنه رأى كيف ثبت الراهب، نظر إلى الصورة أمامه، فالله هنا يقص على النبي عليه الصلاة والسلام هذه القصة ليثبت به قلب النبي عليه الصلاة والسلام وقلوب أتباع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. فلما تنظر إلى إبراهيم عليه السلام، انظر إلى لوط عليه السلام، انظر إلى شعيب، انظر إلى هود، انظر إلى نوح، انظر إلى هؤلاء الأنبياء، ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120]، وجاءك في هذه القصص وفي هذه الآيات وفي هذه المواعظ الحق من الله الذي لا مرية فيه ولا شك فيه، هو الحق الثابت الواضح البين الذي وقع، وموعظة وذكرى للمؤمنين؛ موعظة يوعظ الناس بها، وذكرى يتذكر الناس بها، لكن من الذي ينتفع بالمواعظ؟ من الذي ينتفع بهذه الذكرى؟ أهل الإيمان، وكلما قوي الإيمان عند الإنسان كان انتفاعه من هذه المواعظ أكثر من غيره؛ لماذا؟ الإيمان حي وهذه الموعظة مباشرة تخاطب قلب الإنسان، فيعان هذا الإنسان ويهدى ويوفق ويسدد، وتعمل به هذه المواعظ.

ثم قال: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [هود: 121-122]. قل لهؤلاء الذين لا يؤمنون اعملوا، خلاص اتركوهن، دعوهم وانتظروا إنا منتظرون، يعني الآن الفرق أو النتيجة التي ستقع الفاصل بيننا وبين الوصول إليها شيء واحد فقط هو الصبر، انتظار عبودية انتظار الفرج، مع أن نعمل بالواجب علينا الذي نستطيعه لكن وصلنا إلى طريق مغلق مع الكفار، الله يريد منا أن نصبر وأن نعمل، نصلي، نذكر الله، ندعو إلى الله سبحانه وتعالى بالقدر الذي نستطيعه، ولكن عبودية انتظار الفرج هذه عبودية عظيمة، سيتغير الواقع، سيتغير، لكن انتظروا، هذا اختبار، هنا يظهر إيمانك بسم الله الحكيم، هل تؤمن بأن الله حكيم وأنه يعرف ما لا تعرف ولا تريد الآن؟ لا، الله سبحانه عنده تقدير معين، متى؟ لا ندري، لكن هذه لا تكون إلا لمن يعمل للإسلام ويدعو إلى الله ويبذل كل ما يستطيع ثم ينتظر فرج الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [هود: 122-123]؛ لله غيب السماوات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، تمام العلم وتمام القدرة والإحاطة. تمام العلم، العلم كله لله سبحانه وتعالى، ويعلم الله سبحانه كل ما يقع وما سيقع وما لم يقع لو وقع كيف يقع، ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: 123]، لا يجري في كون الله إلا ما أراد الله، تمام الإحاطة، تمام القدرة، تمام العلم، طيب، هذا لله.

نحن نؤمن بأن الله سبحانه له غيب السماوات والأرض، وأن كل شيء يرجع إليه هو سبحانه وتعالى، وأن هذا الكون لا يقع فيه إلا ما قدره الله سبحانه وتعالى، والجميع سيرجع إليه، وسيجازيه الله ويحاسبه. ما المطلوب منا؟ فاعبده. فاعبده، كن عبدًا له.

وسلم لقضائه وقدره. وقم بالواجب عليك أن تقوم به، ثم خص من العبودية عبودية التوكل. قال: فاعبده وتوكل عليه. الله يريد هذا، لا يلتفت، أنت من أصحاب الصح، لا تذهب لا يمينًا ولا يسارًا. توكل عليه، اصبر، استعن بالله، فوض أمرك إليه. ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]. هو سبحانه على كل شيء وكيل، وكل الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: 123]. الله ينظر للعبودية وينظر للتوكل. هذا الآن الموقف اختبار، لما وقع كيف تعاملت معه؟ هل فعلت؟ ولا ما فعلت؟ هذه الطريقة في تنويع القرآن الكريم في إيصال هذه المعاني مبنية على طبيعة الإنسان. تقول لي كيف؟ أقول لك لما تصل لدرجة معينة بالتأثير ستتغير طريقتك في الخطاب، في السابق تريد أن تبلغ أو تريد أن تتكلم في كل شيء وتظن بأن هذه الطريقة توصل؛ لا توصل، تصدم بأن الطريقة التي كنت تسلكها المبنية على علمك القاصر بالإنسان لا تحقق النتيجة.

ما الذي يحقق النتيجة؟ طريقة القرآن الكريم. القرآن يخاطب الإنسان بناءً على خلق الله له، يكرر المعنى ويغير العبارات. لماذا؟ لأن النفس ما تستقر فيها المعاني إلا بهذه الطريقة. المعاني ما تستقر بالنفس إلا لما يتم التنويع والتكرار، ويكون الخطاب مباشرًا. تنويع مع تكرار، وخطاب مباشر يستقر المعنى؛ غير ذلك ما يستقر المعنى، يعني المعنى ما يتمكن من الإنسان مع التطبيق حتى يبدأ يرثو هذا المعنى ويستقر في نفس الإنسان، أما غير ذلك فإنه شخص يعيش في وهم كبير.

لذلك أختم التعليق على هذه السورة بأن كثيرًا من الناس يريد أن يغير خطابه لأن الناس ملت من خطاب معين. هذه الكلمة فتنة أصلًا؛ لأن قد يكون هو هذا الخطاب الذي يريده الله. طيب أكثر الناس لن يستجيبوا؟ من قال لك أن المطلوب منك أن تخاطب الأكثر؟ المطلوب منك أن تبلغ، ثم الذي يريد الله في علمه السابق الذي يعلم الله بأنه يصلح هو الذي سينتفع. ليس المطلوب منك أنك تغير الخطاب وتقول الناس خلاص اعتادت على هذا، لا، هي ليست كذلك، في قسم اعتاد بس قسم لم يعتد، وحتى هذا الذي اعتاد لا بد أن يتجدد مع هذا الخطاب.

لذلك تتكرر مثل هذه المعاني في القرآن الكريم كله. كم مرة كرر الصبر؟ كم مرة كرر اليقين؟ كم مرة كرر التوكل؟ لماذا؟ لأن هذا هو الإيمان، هذه هي العبادة، حتى تستقر هذه المعاني في نفس الإنسان وتتمكن منه تمكن القوي الذي يثمر هذا التمكن العبودية لله سبحانه وتعالى التي يحبها الله سبحانه وتعالى من الإنسان؛ فيستقيم هذا الإنسان على أمر الله كما أراد الله سبحانه وتعالى.

هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة. والله أسأل أن يتقبل منا ومنكم، وأن يعيننا وإياكم على امتثال أمر الله سبحانه وتعالى كما أراد الله سبحانه وتعالى. إنه ولي ذلك والقادر عليه، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.