دخولتسجيل الدخول

المجلس 10

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبابنا الكرام إلى المجلس الأخير في تدبر سورة مريم سبحانه وتعالى، ونسأله الإعانة والتوفيق دوماً، ونسأله حسن الختام.

انتهينا إلى المشهد الأخير من سورة مريم، والمشهد الأخير أحبابنا الكرام من سورة مريم هو متمم للموضوع الذي بدأت فيه هذه السورة. احنا قلنا إن سورة مريم أتت لتعالُج انحرافاً عقلياً ظهر في تاريخ البشرية، ألا وهو ادعاء الولد لله سبحانه وتعالى، وهذه فرية عظيمة وسبة كبيرة.

قلنا هذا هو المجلس الأخير أحبابي الكرام في تدبر سورة مريم، وختام سورة مريم هو تكميم للموضوع الكبير الذي جاءت هذه السورة تعالجه، ألا وهو موضوع ماذا؟ موضوع الانحراف العقدي الخطير الذي ظهر في تاريخ البشرية؛ ادعاء الولد لله عز وجل. هذا الانحراف العقدي الخطير ظهر بعدة صور؛ فالنصارى ادعوا أن المسيح عيسى ابن مريم ابن الله، اليهود ادعوا أن عُزيراً ابن الله، مشركون مكة ومن حولهم ادعوا أن الملائكة بنات الله، وهكذا. وهذا انحراف عقد ظهر في التاريخ عند عدة أقوام، وهو يعتبرسبة لله عز وجل وفرية عظيمة؛ لأن وجود الولد هو دلالة النقص. نحن كبشر لماذا نحتاج إلى أولادنا؟ يضعفنا، نحتاج إلى من يكون امتداداً لنا، إلى من نتكئ عليه، إلى من تلج إليه المهام عندما نكبر، هذه هي متطلبات وجود الولد في الحياة. فادعاء الولد لله هو إشارة إلى نقص الله وضعف الله، وهذا لا يمكن ولا يجوز. ولذلك جاء في الحديث: «يسبني ابن آدم ينسب لي الولد».

فأحبابنا الكرام سورة مريم جاءت لتعالج هذا الانحراف، وعالجت أيضاً انحرافات عقدية أخرى كما مر معنا، لكن هذا هو الأساس الذي حامت حوله السورة، ومن هنا كان ختام سورة مريم يتناسب مع مطلعها. الختام جاء ملبتاً للنظر، ختام سورة مريم يخبر فيه الرب سبحانه وتعالى أن فطرة الكون كله تأبى أن يدعى لله ولد. يقول عز وجل: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: 88]. قالوا؛ قالوا اليهود، قالوا النصارى، قال المشركون، كل الأقوام الذين دعوا للولد لله وقالوا: اتخذ الرحمن ولداً. فهنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: 89]. لاحظوا هذا الأسلوب؛ الالتفات في البلاغة؛ قالوا كلام عن غائبين: وقالوا اتخذ الله ولده. الآية الآن تلتفت وتخاطب هؤلاء الذين قالوا: لقد جئتم شيئاً إداً، أي منكراً عظيماً فضيعاً مفزعاً، لا يمكن لهذا الشيء أن يقبل عقلاً ولا فطراً. لقد جئتم شيئاً إداً، هذا معنى إداً، أي منكراً شنيعاً فظيعاً عظيماً.

ثم يخبر سبحانه وتعالى كيف أن الكون كله يتفاعل مع هذه الفرية العظيمة. لاحظ؛ الكون يتفاعل مع هذه الفرية، يقول: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: 90]، أي أن السماوات العلا لما سمعت أن هناك من البشر من يدعي الولد لله، تكاد السماوات تتفطر، تتشقق، تتمزق أيضاً على هؤلاء الناس. ﴿وَتَشَقَّقُ الْأَرْضُ﴾ [مريم: 90] تريد أيضاً أن تنشق لتبتلع هؤلاء الناس الذين ادعوا الولد لله. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: 90] الجبال لا تستطيع الاستقرار في مكانها، تريد أن تنهدم من عظمة ما سمعت. وانظروا إلى السماوات والارضين والجبال والبحار والأنهار، الكل غاضب لغضب الرب الجبار، الكل غاضب من هذه السسبة والفرية العظيمة، وهذا يدل كما قلنا أن ادعاء الولد لله من اعظم ما نسبه المشركون لله عز وجل. لذلك الله بسط هذه القضية في أكثر من صورة وبين لا يجوز أن تنسبوا لي الولد، لذلك من أعظم سور القرآن سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 1-3]. لاحظوا القرآن يعالج هذه القضية من بداية البعثة المحمدية؛ النبي صلى الله عليه وسلم منذ بداية بعثته وهو يحاول أن يطهر العقول من أدران هذه الفرية، ويعالجها في العديد من الصور، في سورة الكهف في مطلعها ماذا نقرا؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: 1-4]. إذاً سورة الكهف، سورة الإخلاص، سورة مريم، والعديد من السور أحبابنا، سورة الأنعام عالجت هذه القضية لأنها من أكبر القضايا الشركية التي ظهرت عبر التاريخ.

﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ لماذا؟ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-91]. كل هذه الأحداث كان سببها أن الدعوة للرحمن ولداً. أحد المفسرين الكبار وتلميذ ابن عباس ماذا يقول؟ لما قرأ هذه الآية يقول: قاتل الله المشركين، كادت القيامة تقوم بسببهم. لما قرأ تكاد السماوات يتفطرن وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً، متى يكون هذا؟ يعني استعداداً ليوم القيامة، فهو يقول: قاتل الله أهل الشرك، كادت القيامة تقوم بسببهم؛ لأن هذه المقولة الشنيعة كاد أن يحدث منها كل هذه الظواهر الكونية الرهيبة.

يقول سبحانه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92]. ولافظوا تكرار كلمة الرحمن؛ كلمة الرحمن هي الكلمه التي بنيت عليها سورة مريم، سورة مريم بنيت على اسم الله الرحمن في كل أماكنها، تتكلم عن الله الرحمن لترسخ صفة الرحمة. هذا الرحمن هذا الكامل هل يليق بكم أن تنسبوا إليه مثل هذا النقص؟ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً؛ لا يصلح، لا يمكن، لا ينبغي، يعني لا يصلح، لا يمكن، لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً، لماذا؟ لما قلنا له أن اتخاذ الولد يعني أنه ناقص، أنه مفتقر، أنه محتاج، أن هناك التسلسل التاريخي يريده. لكن سبحانه وتعالى هو الأول والأخر والظاهر والباطن سبحانه، ولا يحتاج إلى ولد يسند إليه مهمات، لا يفتقر إلى ذرية سبحانه وتعالى، مستقل، فرد، أحد، صمدانية. ولذلك قال: وما ينبغي لا يصلح ولا يمكن للرحمن أن يتخذ ولداً.

ثم قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]. هذه الآية ما سياقها هنا؟ الذين ادعوا الولد لله سبحانه وتعالى أشركوا هؤلاء الأولاد الذين نسبوهم إلى الله في عبادته؛ يعني الذين قالوا أن عيسى ابن الله عبدوا عيسى، أليس كذلك؟ الذين قالوا أن عُزيراً ابن الله عبدوا عُزيراً بشكل من الأشكال، الذين ادعوا أن الملائكة بنات لله عبدوا الملائكة ومتوجهون لها. فهناك إشكالية؛ الإشكالية الأولى إشكالية ادعاء الولد لله، الإشكالية الثانية التي بنيت عليها أن الذين ادعوا الولد لله عبدوا هذا الولد بحجه أنه من الله ومنتصر بالله. الله سبحانه وتعالى يخبر أن هؤلاء الذين ادعيتم أنهم أولاد لله سبحانه وتعالى هم في النهاية عبيد؛ عيسى ابن مريم عبد، وعُزير عبد، والملائكة عبد، كل ولد ادعيتموه لله هو عبد ولن يكون إلا عبداً لله عز وجل، لا يمكن أن يكون آلهة. ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]. إذاً سياق هذه الآية المراد من إقرار أن كل من دعيتم ولديته لله، وليس ولداً حاشاه سبحانه وإنما هم مجرد عبيد؛ فكل مخلوق في السماوات وفي الأرض يوم القيامة مصيره أن يأتي منقاداً ذليلاً بين يدي ربه سبحانه وتعالى، هذه هي النتيجة النهائية لهذا العالم كله أن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً، الكل سياتي بمشهد الذل خضوع؛ عيسى ابن مريم، العُزير، الملائكة، لا يوجد شيء اسمه ابن الله وإله يعبد مع الله، الكل عبيد والله هو الإله الحق.

﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: 94]. شوف التأكيد أنه لا يوجد شيء استطاع أن ينفذ خارج الحسابات الإلهية، كل شيء أحصاه الله وأكد مرة أخرى: أحصاههم وعدهم عدا؛ يعني كل ورقة تسقط من الشجر معدودة، كل نفس يخرج منك يا ابن آدم معدود، كل انسان على وجه الأرض، كل سمك البحار، كل حيوان، كل ملك في السماوات، كل جرم سماوي، كل نجم، كل شيء يخطر في ذهنك ولا يخطر، كل شيء أحصاه الله سبحانه وعده عدا، لا يمكن أن يخرج شيء عن الحسابات الإلهية.

قال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]، والكل وهذه المشاهد هي المشاهد المخيفة المرعبة، أن في النهاية انتم يا كفار قريش ستاتون فرداً فرداً، لن يأتي معكم أحد، لا أموالكم، ولا آلهتكم، ولا أصنامكم، ولا الملائكة التي ندعوتم أنها بنات الله، أنتم أيها النصارى ستاتون فرداً فرداً، لن يأتي المسيح يشفع لكم، ولا يأتي ما زعمتم بأنه ولد لله. أنتم أيها اليهود ستاتون فرداً فرداً، لن يأتي العُزير ولن يأتي أحد يشفع لكم، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً. هذه الآية فيها إدخال الخوف والرعب على كفار قريش الذين كانوا يسمعون هذه الآيات ويسمعون هذه الخطابات؛ هذه أصنامكم التي عبدتموها من دون الله، هذه ملائكة التي نسختموها إلى الله، هؤلاء الذين دعوتم شركاءهم مع الله عز وجل، لن يأتي معكم أحد. كل انسان سياتي بعمله يجره بين يدي مولاه وحينئذ يكون الحساب.

لما قال سبحانه: وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً، مع في هذه الآية من الخوف والرعب، كأنه سبحانه وتعالى أراد أن يطمئن أهل الإيمان قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]. لما ختمت الآية السابقة بمشهد فيه تخويف ورعب، الله سبحانه وتعالى كأنه يقول لأهل الإيمان: انتم اطمئنوا يا من آمن، يا من عمل الصالحات، أنا ساتولاكم في هذا اليوم، في اليوم الذي سياتي فيه كل فرد. من هو ولينا؟ من هو مولانا؟ من هو حبيبنا؟ ربنا سبحانه وتعالى. قال: ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل له من الرحمن في يوم القيامة سيجدون ربا ودوداً بهم، متلطفاً بهم، رحيماً. حتى لو أتيت وحدك لا تخف ما دمت تسير على درب الاستقامة، ما دمت على الصراط المستقيم، ما دمت تقول في كل ركعة في صلاتك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]، ما دمت حريصاً على التوحيد، توحد الله ربا وإلهاً، لا تقلق حتى لو أتيت فردا الله سبحانه وتعالى هو حبيب وليك ومولاك، فسيجعل لهم الرحمن ودا، حباً ولطفاً وعناية. نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من وده عندما نقول في أحوج لحظات إليه.

الآن انتهت سورة مريم بمواضيعها، جاء الختام يقول سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم، والكلام لغيره هو كلام مخاطب به ابتداء لكن المراد أن يسمع غيره، ختام سورة مريم: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: 97] أي هذا الكتاب العظيم، هذه الآيات التي تلوناها في سورة مريم وفي كل القرآن يا محمد صلى الله عليه وسلم يسرناها على لسانك، واجريناها على لسانك، وجعلناها سلسة، سهلة الفهم، سهلة التلاوة، سهلة الإحاطة. لماذا؟ لماذا انزل الله هذا الكتاب لمن ننتبه؟ هذا الخطاب لنا، ما الهدف من قراءة سورة مريم وغيرها من السور؟ قال: فإنما يسرناه بلسانك، الهدف: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ [مريم: 97]. فهذا الآيات إشارة لنا، علينا أن نقبل بشارة الله سبحانه وتعالى وأن نسر بها دائماً. إذا مررت بايات نعيم، آية تتكلم عن رحمة الله، عن مغفرته، عن صفحته، عليك أن تستبشر بها وتسرع؛ لأن ربنا أخبرنا أنه هذا الكتاب إنما يسرناه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ليكون بشارة لأهل الإيمان والتقوى.

لكنه في المقابل قال: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: 97] هو بشارة للمتقين، لكنه في المقابل وتنذر به قوماً لداً. القوم اللد هم القوم الذين أعطوا جدلاً، قوم يكثرون الخصومة والمجادله والخطاب. ابتداء كان كفار قريش لأنهم كانوا دائماً يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام ودائماً يطرحون الأسئلة ويحاولون من هنا وهناك. فالكلام وإن كان ابتداء المخاطب فيه كفار قريش، لكنه عام في كل من يناسب، يحاولون طرح الشبه على الإسلام، يحاولون زعزعة ثوابت الأمة، يحاولون فتنة الناس عن دينهم بشتى الوسائل والطرق. يقول الله عز وجل: هذا القرآن أيضاً هو إنذار لكم إذا بقيتم واستمرتم على هذا المنهج من اللد؛ أي المجادلة والخصومة والنزاع والصد عن سبيل الله وطرح الشبهات، فقد أنذرتكم إنذاراً كبيراً في كتاب الله سبحانه وتعالى.

فإذاً هذا القرآن من مقاصد أنزاله أن يكون محل السعادة، محل الطمأنينة لأهل الإيمان، يسرون بتلاوته لأنهم يلقون بشارات الله سبحانه وتعالى في كل موضع وفي كل صفحة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَفَازٍ * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: 31-32]، وأصحاب اليمين وأصحاب اليمين، تقرا بشارات، والبشارات يطمئننا الله سبحانه وتعالى بها لمصير الختام. وأهل الكفر لما يسمعون كتاب الله سبحانه وتعالى يجدون الوعيد أو القوارع الزاجر.

ثم سبحانه وتعالى لما أتى إلى ذكر القوم اللي قال وتنذر به قوماً لداً، أراد أن يرعب كفار مكة والمشركين فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم: 98]؛ هؤلاء القوم الذين يكثرون الأدد والمجادلة والخصوم ويفتنون أهل الإيمان ويشتغلون ويمكرون الليل والنهار لمحاربة الإسلام والفكر الإسلامي، هؤلاء القوم ألم يتعظوا بمن قبلهم؟ قال: وكم أهلكنا قبلهم من قرن، انظروا إلى من سبقكم، انظروا إلى عاد ماذا فعلنا بها، انظروا إلى ثمود ماذا كان حالهم، انظروا إلى فرعون في جبروته إلى أين انتهى، انظروا إلى جبابرة الأرض الذين قسهم الله أينهم في النهاية. مهما جادلتم، مهما دعوتم الولد لله، مهما قلتم إن مالاً وولداً، مهما اتخذتم الآلهة لتكون لكم عزة، كل حواراتكم، كل مجادلاتكم، كل مكركم، سعيكم ليلاً ونهاراً ليطفئوا نور لا إله إلا الله، لتطفئوا نور التوحيد، سيبوء بالفشل. هذا ما تريد الآية الختامية أن تقوله: وكم أهلكنا قبلهم من قرن ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98] يعني هل في أحد سامع لهم صوت؟ الركز هو الصوت الخفيف.

كل القرون التي عتت وتجبرت وخاصمت، كل الأقوام الذين فجروا وخاصموا هل تسمعون لهم ركازاً؟ هل هناك صوت تسمعونه لأحدهم؟ أو هل تحسون بأحد منهم؟ هل ترونهم؟ لا يوجد شيء. انظروا مشهد الصمت الرهيب الذي تختم به سورة مريم، كلهم انتهوا.

هل تحس منهم من أحد؟ خبرنا يا محمد، هل سامعين صوت لواحد منهم الآن؟ الكل سكت صوته، أسكتهم الله وهم الآن في القبور ينتظرون الحساب الشديد، وهذه آية والله مخيفة. هذا الكتاب كان فيه من الجلال والهيبة؛ الإله يتكلم، الإله يتكلم يظهر قدرته.

الغرب أمريكا وجنوده واليهود وجنودهم، مهما أعطيتهم ومهما استكبرتم، مهما سبقتم، مهما ذكرتم لأهل الإسلام، مهما صدقتم، مهما عملتم من مؤسسات لمحاربة الإسلام، لن تكونوا أعتى من فرعون وجنوده، ما راح تكون أصعب من عاد وثمود وقوم نوح الذين عاشوا وكانوا طوالاً وشاهدوا الأرض، ما راح تكون أعظم من هؤلاء.

لكم فيهم عبرة، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركازاً؟ أصبحوا في الماضي، انتهى كل شيء، نعم عاشوا عشرين، ثلاثين، سبعين، مئة، ألف سنة، لكن في النهاية كل شيء انتهى عندما جاء أمر الله سبحانه. فالإنسان العاقل أيها الأحباب الكرام عندما ينظر إلى هذه المشاهد الختامية يعي أن الدنيا في النهاية قصيرة، لا تستحق أن تكون في صف أولياء الشيطان، وإنما تستحق أن تكون دائماً واقفاً في صف أولياء الرحمن، تدافع عن هذا الدين تذب عنه، مجاهداً في سبيل الله، حاملاً لظهور هذه الأمة، تحميها بالعلم والفكر واللسان والسنان والقلم، أينما استعملك الله تكون مدافعاً؛ لأنك إذا كنت في صف أولياء الشيطان، إذا كنت مع الفريق الآخر، أنت من سيخسر في النهاية.

الكل انتهى، هل تحس منهم من أحد، أو تسمع لهم ولو ركازاً ولو صوتاً خفياً، ولو رجلاً، ولو حركة يد؟ ما في، إنه مشهد الصمت الرهيب الذي يخيم على نهاية سورة مريم بعد كل المحاورات والمجادلات العقدية. إذاً أحبابنا الكرام، هذه سورة مريم بمدارسة رمضانية مقتضبة مختصرة وقفنا على معالمها، سورة من سبع صفحات، أحباب الكرام سبعة ليس كذلك، حيث سبع غنيها تمام، لكنها مفعمه بمعاني الإيمان، معاني العقيدة، معاني الآداب، الأخلاق، القيم. يعني صاحب السورة الإله كان هدف عام وهو صيانة التوحيد، لكن ضمن هذه الأهداف وجدنا العديد من الأهداف الجزئيه الجميلة: قصة زكريا وآداب الدعاء التي تعلمنا من زكريا، صفات يحيى وكيف كان يحيى مطابقاً لدعاء والده، قصة البتول مريم وأخلاقها وعفتها وطهارتها وثقتها بالله سبحانه وتعالى، قصص الأنبياء الرائعة؛ إبراهيم وموسى وإسماعيل والقيم والأخلاق التي حدثنا الله عنها وعرضنا أن هذا هو منهج الصراط المستقيم.

ثم عرفنا بعد ذلك كيف خالف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وما هو نتيجة إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، بينما سبحانه وتعالى بعد ذلك يفتح باب التوبة لمن يريد الإصلاح والعودة إليه. راينا مشاهد يوم القيامة التي كان يكذب بها الكفار وستهزئون: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]، ثم الله يرسم مشهد الدار الآخرة، عقد مقارنات بين الدنيا والآخرة بالنسبة للكفار، المقارنة الأولى قال الذين كفروا للذين آمنوا: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73] وعرفنا هذا الخطاب الدائم من الكفرة للمؤمنين وما هي المعادلة في الشريعة الإلهية، خطاب آخر ذاك الكافر الذي يقول: أتيانما ولد أطلع على الغيب؟ وكيف الله سبحانه وتعالى قرعه.

إذاً الصورة مفعمة بالمعاني والرقائق والعقائد التي يجب أن تؤسس عليها قلوب المسلمين، الصورة نزلت في السنة الرابعة من البعثة وتلقاها قلوب الصحابة، هذه الصورة هي التي حركت النجاشي لما جاء جعفر بن أبى طالب وصحبه لما هاجروا إلى الحبشه، والنجاشي سالهم عن المسيح عيسى ابن مريم، ماذا قرأ عليه جعفر بن أبى طالب؟ قرأ عليه سورة مريم، فبكى النجاشي لما سمع سورة مريم وعرف أنها الحق، تفيض أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق.

لذلك الكفار أحبابي المضطربون الحائرون في حقائق التوحيد، أنت كما قلت لك في بداية السورة أنت لأنك ولدت على الاسلام تشعر بالطمانينة لحقائق التوحيد، أنت قصة المسيح عيسى ابن مريم واضحة عندك ما عندك مشكلة فيها، قصة التوحيد الألوهية والربوبية واضحة، لكن صدقوني أن أكثر العالم اليوم يعيش في حيرة، اضطراب، قلق؛ لأنه لا يملك عقيدة واضحة، يملك اضطرابات، تناقضات، انحرافات، هم لا يدركون ما هي حقيقة المسيح ما علاقته بالله؟ هذه الحيرة تجعل الإنسان دائماً في خوف، عدم طمانينة، عدم ثقة، لما يقرا القرآن ويسير إلى الحقيقه تطمئن القلوب وتستريح النفوس، فالحمد لله الذي هدانا له، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وأشكركم إخواني وأخواتي جميعاً على الاستماع والمحاضرة خلال هذا الشهر الفضيل، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تدبر كتابه. هذا نموذج مختصر من نماذج التدبر القراني وكيفية إسقاط الآيات على واقعك وعلى نفسك، كيف تستفيد منها عقيدة، توحيداً، إيماناً، أخلاقاً، آداباً، والقرآن كله يجب أن يعالج في حياتنا بهذه المنهجية من بدايته إلى نهايته.

حاولوا أن تجعلوا كل أيامكم رمضان بالنسبة للتدبر، حاول أن تعيش كتاب الله سبحانه وتعالى ولا يكون القرآن مجرد قراءة للبركة أو مجرد قراءة هكذا عابرة لنقول أننا نقرا. لابد أحباب الكرام أن تنعكس الآيات القرآنية على واقعنا وعلى نفوسنا، كما فعلنا في آداب الدعاء تعلمناها نحن أصبحنا نطبقها، كما فعلنا في كثير من الآداب والأخلاق أصبحنا نطبق ونتعلم ونستفيد من قصص الأنبياء ومما حكاه الله عنهم ومن الأفكار التي مثل هذا الكتاب العظيم.

من أوله إلى آخره أحباب الكرام، هذه رسائل من الله إلينا، هذا الكتاب ليس مجرد كتاب تبرك، هذا عبارة عن رسائل من الإله، وهذه نعمة عظيمة وكرم إلهي أن الله على قصورنا وعلى ضعفنا يمن علي وعليك أن ينزل إلينا كلاماً من فوق سبع سماوات. هذا ليس كلام بشر، هذا ليس آراء لفيلسوف ولا اجتهاد من شيخ أو من أستاذ جامعي، هذا كلام خالق السماوات والأرض، كما قال عثمان: والله لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا. هذه حقيقة، لأن قلوبنا طاهرة تمام الطهارة لما شبعنا من هذا الكلام.

أنتم يجب عليكم دائماً أن تتذكروا قيمة هذه الكلمات، هذه الكلمات أول من تكلم بها الله جل في علاه، أول من تكلم بها من ليس مخلوق، تكلم بها إله نحن نعبده ليلا ونهاراً ونقصده، سبحانه مفتقرون إليه وحوائجنا بين يديه، الذي خلقنا ويعلم ضعفنا ويعلم تشكينا بنفسنا ومن الذي تحتاجه هذه النفوس لتصلح وترتقي، فعندما نقرا القرآن عليكم أن تعلموا أن تحت كل كلمة سرا وتحت كل آية فكرة وفي كل شيء مضمون ورسالة الله يريد أن يوصلها إليك. لا يوجد في كتاب الله حشو زائد، لا يوجد كلمة ليس لها غاية، لا يوجد كلام مجرد تصفية، يعني حتى يتم السورة، كل الكلمات تحتها سر، وكل آية تحتها فكرة، كل شيء هناك رسالة يريد الله أن تعلمها وأن تاخذها، سواء في ميدان العقيدة، في ميدان الفقه، في ميدان السلوك، في ميدان التزكية، كله مفعم بالانفعالات والمعاني والرسائل.

فنسأله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من تدبر كتابه والعيش معه والموت على منهاجه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.