بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. موعدنا اليوم مع الصفحة الأخيرة كما اتفقنا بسورة مريم، طبعا سأقسمها اليوم وغداً بإذن الله.
انتهينا إلى موضوع آخر أو إلى حلقة جديدة من حلقات عناد الكفرة تجاه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. سورة مريم، وإن كانت معالجتها الأساسية لقضية ادعاء الولد لله، وأتت بقصة عيد المسيح عيسى ابن مريم مبينة حقيقة المسيح، وستأتي وتختم هذه السورة أيضاً ببيان عظم هذه الفرية وعظم هذه المسبة؛ أن ينسب الولد إلى الله سبحانه وتعالى.
لكنها في النهاية شأنها شأن السور المكية التي جاءت لتعالج طبيعة مواجهة الكفر لخطاب الإسلام، وطبيعة خطاب الكفر وأسلوب الكفار وطريقة تعاطيهم مع الدعوة الإسلامية. حقيقة تتشابه قديماً وحديثاً، يعني هذه الخطابات القرآنية مثل ما مر معنا في المجلس السابق: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]. قضية العنجهية والاغترار في التقدم المادي والحضاري ووجود الثراء، واعتبار أن هذا دلالة على صحة المنهج؛ هذا أسلوب يستعمله الكفار قديماً ويستعملونه حديثاً.
انظر اليوم إلى الغرب كيف يعتبرون تقدمهم المادي والحضاري دلالة على صحة مسارهم في هذه الحياة، فلذلك نقول علينا أن نركز في الخطابات القرآنية عندما يعرض لنا القرآن خطاب الكفر تجاه دعوة الإسلام، عليك أن تقتنع أن هذا الخطاب موجود قديماً وموجود حديثاً ويتكرر في وقتنا المعاصر، لكن بلهجات أخرى وأساليب أخرى. فقط قد تتغير الكلمات لكن مضمون المواجهة واحد، فمثلاً هنا نبدأ بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77].
دعونا أولاً نستعرض سبب نزول هذه الآية حتى نفهمها أكثر وأكثر، تروي لنا كتب أسباب النزول أن الصحابي الجليل خباب بن الأرت كان حداداً في مكة المكرمة. فكأنه صنع شيئاً للعاصي بن وائل أحد صناديد قريش، صنع شيئاً من المتاع، وذهب بعد أن سلم القطعة ذهب خباب بن الأرت ليأخذ منه المقابل. العاصي بن وائل كان يعلم أن خباب بن الأرت من المسلمين، وكان من مستضعفي المسلمين، فالعاصي بن وائل رفض أن يعطي خباب بن الأرت اجرته، رفض أن يعطيه الأجرة استضعافاً له، قال لك: صُناعي مسكين ليس له عزوة، قال له: لن أعطيك الأجرة إلا بشرط واحد، قال: أن تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
فهنا خباب بن الأرت قال -بمفهوم الكلام-: إذا لم تعطني أجري في هذه الحياة الدنيا، سآخذه منك يوم القيامة، خوفه بالدار الآخرة. العاصي بن وائل كافر فقال: وهل هناك يوم قيامة؟ لكن بعنجهية الكفار وأسلوب الاستهزاء والتهكم -انظروا العنجهية التي تتكرر قديماً وحديثاً لكن فقط تختلف العبارات- قال له: إذا كان هناك يوم قيامة وبعثت إلى الدار الآخرة، فأنَا سيكون لي مال وأولاد، وحينئذ أسددك ما طلبته! يعني هو يستهزئ ويتهكم، يعني هو لا يؤمن باليوم الآخر، لكن إذا كان هناك يوم آخر: لأوتين مالا وولدا، وعندئذ في الدار الآخرة التي تخوفني فيها سأسدك المبلغ.
وهذا كما قلنا في الوقت المعاصر نجد كلما طرحت قضية إسلامية، وكلما طرح مبدأ من مبادئ الدين، تجد من يتهكم به ويستهزأ به؛ عندما يطرح موضوع الحجاب هناك من يتهكم، عندما يطرح موضوع عدم أكل الربا والأكل الحلال هناك من يتهكم، عندما يطرح موضوع الجهاد هناك من يتهكم، عندما تطرح أي قضية عقدية تجد لابد من منافقي هذه الأمة ولابد من الكفار ولابد من أبواقهم وألسنتهم أن يتحدثوا ويواجهوا باختلاف العبارة. يعرض لنا حال العاصي بن وائل، وما أكثرهم جماعة العاصي بن وائل اليوم! ما أكثرهم في مجتمعاتنا، وأحياناً بعضهم قد يكون اسمه مسلماً لكن هو في قلبه قلب العاصي بن وائل.
العاصي بن وائل إذاً يستهزئ ويتهكم بالدار الآخرة، فيقول ربنا سبحانه وتعالى في قصته: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: 77]. إذاً هو كفر بايات الله، لم يؤمن بالقرآن، لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، لم يؤمن بالدار الآخرة، ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77] أي في الدار الآخرة، فإذا بعثت يا خباب سأعطى المال والولد، وعندئذ أقضيك أجرك.
فالله سبحانه وتعالى هنا يقول: أطلع الغيب؟ يعني يا ترى هل العاصي بن وائل لما تكلم بهذه الكلمة هل كان يحسب عواقبها؟ هل هو اطلع الغيب وعرف أنه إذا بعث إلى الدار الآخرة فعلا سيكون له مال وولد؟ أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً؟ أم ليكون -يعني العاصي بن وائل- بينك وبين الله عهود ومواثيق واتفاقيات أنك يوم القيامة إذا بعثت كل كمال وولد؟ الله يتهكم بالعاصي بن وائل، العاصي يتهكم بالدار الآخرة، فهنا الآية ترد له الصاع بالصاعين: أنت تتهكم سنقابلك بنفس الأسلوب.
من أين لك أنك إذا بعثت سيكون لك مال وولد؟ أطلع الغيب؟ يعني هل هناك عندك علم ومصدر تعود إليه في هذه المعرفة؟ أم ليكون عندك عهود ومواثيق بينك وبين رب العالمين عقدت ووقعتها أنك إذا بعثت إلى الدار الآخرة ستحصل على المال والولد؟ إذاً الله عز وجل يظهر هذه الصورة الدنيئة لهذا الكافر؛ تتهكم، الله يتهكم بك ويستهزئون والله يستهزئ بهم، يخادعون الله وهو خادعهم، ويمكرون ويمكر الله، هذه هي المقابلة التي يستحقها هذا النوع من الخطاب. وهذا يعطيك أنه من يستهزئ بدين الله سبحانه وتعالى وبمقومات الدين وأركان الدين يستحق أن يستهزأ به، نعم تستهزئ يقابل الصاع بالصاعين.
ثم الله سبحانه وتعالى يخاطب بخطاب رادع: كلا، شوف هذه كلمة كلا هنا أي ردع وزجر، كلا أي لن يكون كما ظننت يا عاصي بن وائل، الأمر ليس كما ظننت -طبعاً الكلام للعاصي بن وائل وأشباهه من المعاصرين- كلا، يعني الكلمة اللي قلتها استهزاء بثوابت الملة، الكلمة التي خرجت من فمك وظننت أنها مجرد كلمة أنت تستهزئ بها بالدين لا تظن أنها ستذهب عبثاً.
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 79]، كل كلمة يقولها هؤلاء العابثون المتهكمون بالشريعة السماوية، كل كلمة يقولونها ستكتب وستسجل في الديوان، سنكتب ما يقول. هناك ملائكة جاهزة للكتابة، ويوم القيامة عندما تأتي هذه الصحف منشورة ويرون الكلمات التي استهزأوا بها يظنون أن هذه الكلمات مجانية، يظنون أنهم لن يحاسبوا عليها مجرد كلمة عابرة! لا، ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: 79]. سنفرش له في نار جهنم المد، يعني ليس مجرد عذاب وينتهي بل هناك عذاب ممدود لا نهاية له، حتى تدفع ضريبة هذه الكلمة وتدفع ضريبة التهكم بشريعة الإله رب العالمين، ستجد عذابا ممدوداً مرة بعد أخرى وكلما انتهى عذاب سيأتيك عذاب، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]. انظروا عبارة عيد الآن هنا يغضب الرب سبحانه وتعالى، وحق للرب أن يغضب لحرماته: سنكتب وسنعذب.
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 79-80]. اختلف المفسرون فيها، لكن من أجمل ما قيل في تفسيرها أن ما سيلقاه العاصي بن وائل من خيبة الأمل يوم القيامة -هو ظن واستهزاء طبعا ظن أنه إذا بعث يوم القيامة سيكون له مال وولد- قال الله سبحانه وتعالى عن خيبة أمله في الدار الآخرة: قال ما قلته من المال والولد، ما يقول المراد ما قاله من المال والولد، نرثه ما يقول، وماذا قال؟ لأوتين مالاً وولداً، هذا المال والولد الذي زعمت انك ستحصله في الدار الآخرة اعتبرنا نحن من سنرثه، وسيكون بمعزل، وأنت ستأتي يوم القيامة وحيداً فرداً، ونرث أي سنرث ما زعمه، وأنت زعمت أنك ستأخذ مالاً وولداً نحن من سنرث المال والولد وأنت ستكون بمعزل عنه.
فكأن الآية تعبر عن انعزاله وعدم تحصيله لما أمله، عبرت عن عدم تحصيله لما أمله وعزله عن ذلك بأننا نحن الإله يعبر عن نفسه نحن سنرث كل ما زعمت، نحن سنأخذ المال والولد وأنت ستأتي وحيداً. نحن سنأخذ المال والولد، نرثه ما يقول، سنرث ما قلته وستأتينا وحيداً فرداً ذليلاً. طبعاً هذه الآيات لما كانت تلقى على مسامع كفار مكة كانت تزلزل القلوب، لأنهم يدركون صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يوحى إليه من رب السماء، فمثل هذه الآيات مثل هذا الوعيد يحرك القلوب، لكن الإصرار على الكفر وعنجهية الكفار تمنعهم من التوبة.
ثم يخبرنا سبحانه أيضاً عن معالجة عقدية أخرى -وكما قلنا سورة مريم نزلت في السنة الرابعة من البيت- فهي تعالج الخطابات الكفرية التي وجهت تجاه الدعوة الإسلامية والعقائد الكفرية التي كانت سائدة في ذاك الوقت. يقول سبحانه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81]. الكفار عبر التاريخ وإلى يومنا لماذا يتخذون أصناماً وآلهة وأوثاناً وكل ما يعبد من دون الله؟ لماذا يتخذونها؟ الله عز وجل يخبر عن مقصدهم: واتخذوا من دون الله آلهة -ما قال أصنام- لأنه الآلهة عبر التاريخ متعددة، هناك من عبد الحجر، هناك من عبد الشمس، هناك من عبد الشجر، هناك من عبد البقر، وهناك من يعبد البشر أيضاً، بشر يعبدون بشراً، هناك من عبد الجن، المهم أنت لماذا تتخذ الإله؟ فكرة اتخاذ الإله أنت تتخذ الإله ليكون لك سنداً وعزوة تلجأ إليها وتسند ظهرك إليها في ملمات الحياة.
فيقول سبحانه: هؤلاء الكفرة اتخذوا من دون الله آلهة، وكان مقصدهم من اتخاذ الآلهة من دون الله أن تنصرهم هذه الآلهة، وأن يتقووا بها، وأن يكونوا لهم عزا وفخرا في الدنيا. إذاً: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81] هذا مشهد الدنيا، لكن الله يخبرهم ماذا سيكون مشهدكم في الآخرة؟ كلا، شف كلمة كلا هنا ردع وزجر، كلا والله لن يكونوا لكم عزة، أنتم اتخذتم الأصنام والبشر والحجر كلها عبدتوها من دون الله لتعتزوا بها لتستقووا بها؟ كلا والله لن يكون لكم مراد، طب ماذا سيكون؟ ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 82].
الآن في قول في تفسير هذه الآية: القول الأول: سيكفرون بعبادتهم، أي أن هؤلاء الكفار الذين عبدوا هذه الأصنام والأشجار والاحجار والآلهة في الدنيا، هؤلاء الكفار أنفسهم يوم القيامة عندما يقفون بين يدي الله ومعاينون الحقيقة أن الإله الحق هو الله الفرد الصمد، عندما يعاين الحقيقة المطلقة سيكفرون بالاصنام والآلهة التي عبدوها في الدنيا. هم كانوا في الدنيا يعبدونها لتكون لهم عزاً، يوم القيامة سيكفرون بهذه الأصنام، سيكفرون بهذه الأبقار، بهذه الأشجار، بهذه الأحجار، بهؤلاء البشر الذين عبدوهم، سيكفرون بعبادتهم.
وهذا كما ذكر ربنا في سورة الأنعام: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا يوم القيامة -فماذا سيقولون؟- ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين. خلاص ما هو شافوا الحقيقة الآن، عرفوا أنه هو إله واحد سبحانه وشافه النار، فيوم القيامة الكفار سيتبرأون من هذه الأصنام وهذا العجب العجاب؛ في الدنيا عبدت هذه الأصنام لتكون لكم عزا وفي الآخرة ستتبرأون منها وتكونون عليهم ضداً، يعني ستكونون ضد هذه الأصنام، تتبرأون منها وتذمونها، انقلبت الحكاية.
كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا، الضد في الدنيا أرادوهم عزا، في الآخرة سيتبرأون سينحازون عنها سيهجرونها. إذاً هذا هو الواقع أيها الكفرة استيقظوا قبل فوات الأوان، كل ما عبدتموه من دون الله لتعتزوا به كله وهم لن يكون ذلك يوم القيامة، أنتم بأنفسكم أنتم بأنفسكم ستتبرأون من عبادتكم لهذه الآلهة وستكونون أعداء لهم بعد أن كنتم تريدون الاعتزاز بهم بالدنيا. عجيب؛ حاجة الكفار طلبوا العزة في شيء فإذا بهم يوم القيامة ينفرون منه. والحمد لله وهنا المؤمن يفرح يفرح: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَليَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، نفرح أننا هدينا للإله الحق فهو عزنا ونصرنا في الدنيا، وهو الإله الحق الذي سيكون عزنا وسيكون عزنا ونصرنا في الآخرة، هذا الذي يسر المؤمن أحبابي.
كل الكفرة عبر التاريخ عبدوا أشياء في الدنيا سيتبرأون منها في الآخرة، إلا أنت أيها المؤمن عبدت الله في الدنيا وستجد الحقيقة أن هذا هو الإله الحق في الدار الآخرة، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
بعد أن أيضاً أشارت الصورة إلى هذه الفكرة، هنا يتوجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سياق تعجبه وحزنه -في سياق تعجبه وحزنه من كل هذه المقولات الكفرية التي سردت عبر سورة مريم- النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب من الذين يدعون لله الولد، يتعجب من هذا الكافر الذي يستهزئ ويقول لأوتين مالاً وولداً، يتعجب من إصرار الكفرة على عبادة الآلهة والأصنام، فالله عز وجل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد -والكلام لغيره- ألم تر أنا أرسلناها الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا؟ كأن الآية تقول: لا تتعجب يا محمد من كل هذه المقولات الكفرية. وانظروا إلى واقعكم المعاصر، نحن نتعجب فعلاً من الكفرة كيف يأتون بهذه الأفكار وبهذه الترهات وبهذا الإلحاد وبهذه العنجهية وبهذا الاعتراض وبهذه الشبهات؟ تتعجب من ألوان الكفر وأشكال الكفر وطرقه ونحله، لا تتعجب لماذا؟ الله يخبرنا الحقيقة يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]. أي تؤزهم أي تدفعهم إلى قول الكفر دفعاً.
يخبر سبحانه: ألم تر أن أرسلنا -أرسلنا بمعنى سلطنا- ألم تر يا محمد أن سلطنا الشياطين على هؤلاء الكافرين لتؤزهم أي لتدفعهم دفعاً من أجل أن يقولوا.
هذا الكلام من الكفر، فهذا العاصي بن وائل لما قال لؤوتين مالا وولدا؛ من الذي دفعه لأن يقول ذلك؟ تلك الشياطين التي استراح لها واستروح، فهي التي دفعته إلى ذلك. الذين قالوا اتخذ الرحمن ولدا؛ من أين قالوا ذلك؟ الشياطين أزتهم أزا لهذه المقولات. فكل مقولات الكفر التي نواجهها قديماً وحديثاً، هذه المقولات إنما ينشأها الكفار نتيجة أز الشياطين لهم. الشيطان يدفعهم وهم يستروحون للشيطان ويقبلون منه الوساوس فيتماشون معه فيقولون الكلام الكفر.
فالله سبحانه وتعالى يخبر عن سنته أنه سيسلط الشياطين على الكافرين ليؤزوا هذا الكلام وليدفعوا هذا الكلام وليخرج من أفواههم. وبالتالي معركتنا أهل الإيمان مع هؤلاء الكفار وشياطينهم؛ كلما سمعت كلمة كفر باح بها علماني أو ليبرالي أو تنويري أو كثرت الأسماء والمسمى واحد، كل هذه الكلمات الكفرية اعلموا يا أهل الإيمان أن الشياطين ينقلونها على ألسنة أوليائهم من هؤلاء الكفرة. اعلموا أن الشياطين يلقون هذه الكلمات على ألسنة أوليائهم ليواجهوا نور الحق.
فوظيفتنا أهل الإيمان أن نثبت ولا نتزلزل أمام ما يلقيه الشياطين على ألسنة الكفار ويؤزونهم ويدفعونهم. إذا كان الشيطان يؤز الكفار فنحن يؤزنا الرحمن. إذا كان الشيطان يلقي كلامه على ألسنة أوليائه فنحن عندنا كتاب ربنا سبحانه وسنة نبينا؛ بها نصول وبها نجول وبها ندافع. فهذا إخبار بالواقع وتثبيت لقلب النبي صلى الله عليه وسلم ولقلب الدعاة إلى يوم القيامة.
إذا كان هؤلاء يؤزهم الشياطين فالحقيقة أن معكم الرحمن الواحد الأحد الفرد الصمد، فلا تملوا ولا تكلوا؛ فإن كيد الشيطان كان ضعيفاً. مهما دافعوا ففي النهاية سيأتي يوم القيامة ويتبرأ من أوليائه، أما أنتم دافعتم عن عقيدة الرحمن، كنتم مع القرآن، صرتم وجلتم بكتاب الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى معكم. فهذا يثبت أهل الإيمان، لذلك الله عز وجل سيخبر الآن عن انقسام الناس يوم القيامة: من الشيطان ودفعهم ماذا سيكون مشهدهم في الآخرة؟ ومن كانوا من أولياء الرحمن وأعزهم الرحمن ماذا سيكون مصيرهم؟ انظروا:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]. فلا تعجل عليهم؛ يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم دع الكفار في غيهم ولهوهم، بده يستهزئوا بالدين خليه يستهزئ بالدين. قال لي هو الآن مسرور يظن أن العاقبة له، يظن أن استهزاءه بالدين سيمر هكذا مرور الكرام. فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا. يقول ابن عباس في تفسير الآية: نعد أنفاسهم، كل نفس يتنفسونه في الحياة والله معدود. يا محمد صلى الله عليه وسلم، وشف لهجة الوعيد والغضب الإلهي: خلي الكفار يستهزئوا بثوابت الملة، وخليهم يعني يستسخرون بأهل الإيمان؛ والله يا محمد أعد لهم عدا، عم بنعد الأنفاس، عم بنعد الدقائق، كل نفس تنفسوه في هذه الحياة الدنيا استهزاء وعبثاً بالدين سيدفعون ثمنه يوم القيامة. كل دقيقة من دقائق الكفر والتي فعلوها في الدنيا سيدفعون ثمنها يوم القيامة. لا تعجل عليهم، خليهم.
لذلك يجب علينا أن نصبر إخواني، هذا خطاب لأهل الإيمان. بعض الناس اليوم يشتكي بسبب تمالؤ الكفار على أهل الإيمان وتأخر النصر علينا، وانظر التقدم الحضاري في أوروبا وأمريكا، ليش احنا وضعنا المسلمين؟ لأ لا تعجل؛ هذا الخطاب لنا وللنبي صلى الله عليه وسلم. انتظروا، يعني تظنون أن هذا التقدم المادي والله سيدفعون ثمنه يوم القيامة؟ كل لحظة متعة بالحياة الدنيا كانت بالكفر، تمتعوا بتكنولوجياتهم وأسلحتهم وضربوا العالم الإسلامي وفعلوا ما فعلوا؛ لا تعجل عليهم، خل رب العالمين يمهل لكنه لا يهمل، فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا. شف هاي الكلمة ما أعظمها! كم هي رهيبة! الأنفاس تعد، الدقائق تعد على هؤلاء الكفار، كل دقيقة، ما في ساعات والله لن يحاسبوا عنها، ما في سنوات من فعلهم ستمر مرور الكرام، كل شيء معدود ومحسوب عند الإله. وهذه لهجة الوعيد واضحة في الصفحة الأخيرة من سورة مريم.
طيب، ماذا سيكون يوم القيامة؟ بعد أن نعد لهم عدا؟ قال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 85-86]. أهل الإيمان الذين كانوا مع الرحمن، الذين كانوا متمسكين بالقرآن، أهل الإيمان كيف ستكون نهايتهم يوم القيامة؟ قال عز وجل: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾. كلمة الوفد في الحياة الدنيا إيش معنى؟ والله قدم إلى الأردن وفد كذا وكذا. كلمة الوفد تدل على حفاوة صح؟ وإكرام. فلذلك الآية أرادت أن تبين هذا المشهد؛ الذين ثبتوا على القرآن وثبتوا على الإيمان ودافعوا عنه، سيساقون أو سيحشرون -حتى كلمة السوق لا تليق- سيحشرون بكل كرم وجود على هيئة الوفود، وكما قال المفسرون: ليس على أقدامهم، سيدخلون الجنة وهم راكبون بالحلل وعلى النوق وعلى الجمال المكرمة؛ في سيحشرهم الرحمن سبحانه وتعالى على صورة وفود مكرمة تدخل الجنة، تكرمة لهم لثباتهم على الإيمان. يوم القيامة سيكون على هيئة الوفود المعززة المكرمة.
وأما الكفار الذين استهزأوا بالدين واستهزأوا بأهل الإيمان وحاربوا الدعوة؛ ماذا سيكون حالهم؟ قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ كلمة نسوق كأنك تتكلم بهائم وحيوانات عم بتمشيها، نسوق نسوق المجرمين كما تساق البهائم والحيوانات. آه نعم، أمريكا بغطرستها ستساق سوق البهائم، رؤوس أوروبا الكفار، رؤوس الصهيونية العالمية والماسونية العالمية، ورؤوس المنافقين من هذه الأمة كلها الآن استأضرها وأنا أقرأ هذه الآية: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ كل من أجرم وسفك الدماء البريئة، كل من اعتدى على مقدرات المسلمين وانتهك أعراضهم: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، والورد هي الإبل العطاش التي تورد إلى المياه حتى تشرب. الله يخبر أننا نسوق المجرمين إلى جهنم وهم عطشى، يبحثون عن نقطة ماء ليشربونها في عرصات القيامة لكنهم لا يجدون إلا ناراً تلظى.
هذا مشهد ختامي، يعني وهذا أسلوب سورة مريم؛ أنها بتعطيك الدنيا والآخرة. في الدنيا هكذا كانوا وفي الآخرة هكذا حالهم. في الدنيا قالوا: ﴿نَحْنُ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]، في الآخرة: ﴿أَمَّا الْعَذَابُ وَأَمَّا السَّاعَةُ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم: 75]. في الدنيا كانوا يقولون ويستهزئون: لأوتين مالاً وولداً، في الآخرة: ونسوق المجرمين. ما هو لازم هاي العقيدة ترسخ في قلوبنا احنا أهل الإيمان نعم، إنه ما يزلزلنا أو ما يزلزل ويضعف إيمان كثير من الشباب المعاصر، ما هو أن يشعر غلبة الكفر وضعف المؤمنين يزلزل قلبه، بقول لك: يا عمي والله الكفار غالبين، انظروا لتقدمهم الحضاري والمادي، احنا في أضعف أحوالنا. هذا يزلزل قلب الضعيف، لكن الذي يقرأ القرآن ويعيش القرآن هو يؤمن أن الدنيا في النهاية تذهب وتأتي، العبرة بالمشهد الأخير. المشهد الأخير ماذا سيكون؟ لذلك يقولون: ليست العبرة بالبدايات، وإنما العبرة بالنهايات. أنت تمتعت عشرين، خمسين، ستين، سبعين سنة، لكن في النهاية ماذا سيكون مشهدك الأخير؟ تساق سوق البهائم عطشان تلقى في نار جهنم.
لكن أنا كمؤمن، اعتبرني اعتبرني عشت ضعيف، فقير، معدم، لكن إيش مشهدي الأخير؟ ﴿وَنَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾، أنني مكرم معزز بين يدي الله، أساق سوق الوفود وأحشر الحشر الكريم المبجل المعظم بين يدي الله سبحانه وتعالى لأدخل الجنة معززاً مكرماً. فالعبرة يا كفار قريش ويا كفرة عبر التاريخ، العبرة ليست بالحياة الدنيا الفانية، العبرة بالمشاهد الأخيرة الختامية التي يركز عليها القرآن. قال: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 86-87].
آه، هؤلاء الكفار لما يساقون إلى جهنم وردا وهم عطشى يذهب يفتش عن يشفع لهم، مفكرين الأمر مثل الدنيا. في الدنيا إذا انزلق أو ابتليت ما بتضلك واسطة هون وهناك بتشفع لك عند فلان أو عند فلان وبنحل القضية، لكن في الدار الآخرة لن يشفع لك أحد، لا يملكون الشفاعة، يبحثون عن شفعاء، واسطات، أناس وجهاء يروحوا لرب العالمين يشفعوا لهم، ما في؛ لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً. العهد هنا كما ذكر كثير من المفسرين هو التوحيد؛ يعني من الذي يشفع له يوم القيامة؟ آه من مات على التوحيد والإيمان وعنده أخطاء ومعاصي هذا الذي ربنا بشفع فيه أو يشفع فيه الأنبياء والصالحين والأولياء. إذا مت على التوحيد لا تقلق، ربنا سبحانه وتعالى يسخر لك من يشفع لك، لكن مت على العهد.
وشوف كيف ربنا سمى التوحيد عهد؛ عهد بينك وبين رب العالمين: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، عاهد الله على التوحيد وعش على الإيمان والتوحيد الله ييسر لك يوم القيامة من يشفع لك، حتى لو أخطأت وضعفت وسقطت في أوحال الذنوب والمعاصي بإذن الله تجد شفيعاً، لكن من مات على الكفر ومعانداً ومحارباً لدين رب العالمين لا يملكون الشفاعة، ليه؟ لأنهم لم يتخذوا ذلك العهد بينهم وبين مولاهم سبحانه وتعالى. العقيدة العقيدة أحبائي؛ التوحيد أغلى شيء تملكه في حياتك وتخرج به من هذه الحياة أن تخرج موحداً، لأنه كل ما بعد ذلك له حل وكما يقولون، لكن إذا خرجت بدون توحيد لا يوجد حل، الحل سيكون نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، أعوذ بالله من نيرانه.
بقي علينا المشهد الآخر من سورة مريم أفضل أن نختم به غدا بإذن الله، يعني والمشهد الآخر هو موافق لما بدأت به هذه السورة قضية أن ادعاء الولد لله مخالف لفطرة الكون، كيف رسمت سورة مريم هذا المشهد وبماذا ختمت هذه السورة المباركة المليئة المفعمة بالمشاهد، أتركه إن شاء الله لمجلس الغد، ونسأله سبحانه وتعالى التيسير والتوفيق والعلم النافع والعمل الصالح.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل