دخولتسجيل الدخول

المجلس 8

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أحبابي الكرام إلى هذا المجلس الجديد في تدبر سورة مريم. نسأله سبحانه وتعالى أن يفتح على عقولنا وفهومنا، وأن يرزقنا فهم رسائله وتطبيقها في حياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلنا أحبابي إلى درس جديد من دروس سورة مريم، والى معالجة جديدة من المعالجات. سورة مريم أحبابي الكرام، مع أنها سورة مكية نزلت في السنة الرابعة من البعثة، إذن من المتوقع أنها ستعالج مجموعة من الملفات العقدية، عالجت موضوعا أساسيا وهي موضوع اتخاذ الولد لله سبحانه وتعالى، وعرفنا بالتالي قيمة معالجة هذا الموضوع وحجم الانحراف الذي حدث في البشرية من ادعاء الولد لله في قضية عزير، في قضية المسيح عيسى ابن مريم، في قضية ادعاء أن الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، تعالى الله عما يقول الأفاقون علوا كبيرا.

لكن المهم أحبابي الكرام، كما قلنا بالنسبة إلى سورة مريم عالجت الموضوع العقدي الكبير، لكن الآن سورة مريم ستنتقل إلى معالجة ملف آخر من ملفات العقيدة، وهو ملف الدار الآخرة. سورة مريم ستنتقل الآن إلى معالجة ملف آخر من ملفات العقيدة، وهو ملف الإيمان باليوم الآخر. وأحبابي الكرام، قضية إنكار اليوم الآخر هذه قضية أيضا وجدت عبر التاريخ؛ قضية إنكار اليوم الآخر، يعني كما أن قضية ادعاء الولد لله قضية وجدت عبر التاريخ وادعاها كثيرون، كذلك قضية إنكار اليوم الآخر قضية انكرتها طوائف وأمم عبر التاريخ. ولذلك لما تأتي سورة مريم لتعالجها في بداية المقطع نجد الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66].

انظر التعبير القرآني لما قال: ويقول الإنسان، ما قال ويقول مثلا قوم فلان، أو يقول كفار قريش، أو تقول الطائفة الفلانية، كلا، قال ويقول الإنسان، أسند القول للإنسان، وكأن الذي انكر قضية اليوم الآخر ليس جنسا معينا من البشر، ليست طائفة محددة، بل هذا النفي أو هذا الانكار تكرر عبر تاريخ البشرية من أكثر من طائفة. فلذلك ناسب اسناد القول للإنسان، أي أن الإنسان عبر التاريخ وجدت طوائف من بين الإنسان تقول هذا القول وتدعي هذا الادعاء. فلذلك جاء التعبير القرآني الإنسان، ولم يأت بالكفار أو يأتي بطائفة معينة أو قوم معينين أو كفار قريش بالتحديد، عبر عنه بالانسان؛ لأن هذه الشبهة كما قلنا تكررت من بني الإنسان من لدن آدم إلى يومنا هذا في طوائف، في اقوام، في مظاهر وأشكال متعددة.

فإذا قضية التأكيد على وجود اليوم الآخر، وأنه يوم مهيب عظيم، وأن مشاهده مشاهد عظمى، حقيقة قضية مهمة جدا في باب العقيدة، لما لها من أثر وترتيب ووزع داخل النفس الإنسانية. فلذلك السور المكية بشكل عام أكدت هذا الموضوع وعالجته معالجات متعددة من زوايا متعددة وبأساليب متنوعة. دعونا ننظر سورة مريم كيف عالجت قضية اليوم الآخر؟ وما هو المشهد الذي رسمته لهذا اليوم؟ حقيقة سورة مريم عجيبة في قضية انتقالها من الدنيا إلى الآخرة، سنجد داخل هذا المشهد مشهد الآخرة ثم العودة إلى الدنيا مرة أخرى، مشهد الكفار وهم أمام نار جهنم الذي كانوا يكذبون بها ويستهزئون بها في الحياة الدنيا، ثم العودة إلى حالهم في الحياة الدنيا وكيف كانوا يستهزئون بأهل الإيمان. دعونا نعيش مع المشهد بجماله وأفيائه، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66].

إذا، كما قلنا أسند القول إلى الإنسان؛ لأن هذه الشبهة وهذا الاعتراض ليس من قوم معينين، بل هو صادر عبر تاريخ الإنسانِيَّة من مجموع الطوائف. ماذا يقول الإنسان الجاحد؟ يقول: إذا مت وأصبحت عظما رميما، وأصبحت فتاتا، وضاع جسمي وتاه جسمي في الأرض، هل يعقل أن هذه العظام الرميم تعود مرة أخرى إلى انسان مكتمل الأعضاء، كامل الهيئة، مبعوث إلى دار أخرى؟ فإذا ما مت لسوف أخرج حيا! هل يعقل أن تعود هذه العظام وهذا الجلد هل يمكن أن تعود مرة أخرى تنتفض فيه الحياة؟ اعتراض يدل على جهل هذا الإنسان، لأنه لو تذكر كيف كان ابتداء لم يعترض كيف يمكن أن تعود فيه الحياة مرة أخرى.

وفائدته الإجابة القرآنية الواضحة، وشوفوا دائما أحبابي إجابات القرآن، إجابات دامغة وسهلة واضحة، لذلك لماذا نقول أهمية أن يتربى الجيل والنشء على العقيدة من خلال كتاب الله، بعيدا عن عبارات المتكلمين المتقعرة؟ لأنه كتاب الله سبحانه وتعالى يأتي بالحجة الواضحة الدامغة، وبأسهل عبارة بدون تكلف. شف الإجابة عن هذه الشبهة كيف كانت: أولا يذكر هذا الإنسان؟ أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا؟ أنت أيها الإنسان الجاحد، أنت أيها الإنسان المعاند لقضية البعث، ألا تذكر أنك في يوم من الأيام لم تكن شيئا أصلا، والله سبحانه وتعالى قذف فيك الروح وأوجدك وأخرجك إلى هذا الكون؟ أليس الذي خلقك من العدم أسهل عليه أن يعيدك مرة أخرى؟ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27].

ما هو الأهون؟ أن تبدأ شيئا من العدم من الصفر؟ أم أن تعيده بعد أن صنعته مرة سابقة؟ بالتأكيد الجواب المنطقي المتبادر عند الجميع أن إعادة الشيء بعد صنعه أسهل من البدء به من العدم والصفر تماما. فإذا هذه الإجابة إجابة دامغة وواضحة وسهلة لكل إنسان عاقل. إذا جاءك شخص وقال: هل يمكن للجسد وللإنسان البشري بعد أن يموت ويتحلل ويضيع جسمه في التراب، هل يمكن أن يبعث مرة أخرى وتجتمع أعضاؤه؟ نقول: نعم يمكن ذلك، بدليل أنه أصلا كل ذلك كان عدما واجتمعت عظامه ولحمه وخرج إنسانا، فالذي يبدأ الخلق قادر على أن يعيده مرة أخرى.

ثم هنا سبحانه وتعالى بعد أن أجاب هذه الإجابة الدامغة والسهلة التي في بدائه العقول، رسم مشهدا مهيبا من مشاهد الدار الآخرة، مشهدا أراد منه سبحانه وتعالى أن يدخل الفزع والخوف والهلع على قلوب الجبابرة، وعلى قلوب المتكبرين، وعلى قلوب الذين يفتنون أهل الإيمان ويتغطرسون عليهم، على قلوب الجاحدين. مشهد هؤلاء الكفرة جميعا وهم أمام نار جهنم التي كذبوا بها في الحياة الدنيا، فبدأت الآية بقسم، وهذا القسم يدل على أنه سبحانه وتعالى غاضب من ذاك الإنسان المنكر للدار الآخرة. فوربك! انظر كيف تبدأ الآية بالقسم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68].

فوربك هذا القسم سياقه هنا سياق غضب الله سبحانه وتعالى، يغضب من هؤلاء الذين يستهزئون بالدار الآخرة، ويستهزئون بعذابه، ولا يؤمنون به ويجحدونه. تأتي إليهم في الحياة الدنيا: فلان ألا تخاف من عذاب الله؟ ألا تخشى من مقت الله يوم القيامة؟ فيستهزئ بك، ويقول لك: أنتم مساكين أيها المتدينون، تؤمنون بقضايا خرافية وهمية لا وجود لها، تؤمنون أن هناك عذاب ودار آخرة وما شابه ذلك، خلينا نشوف اين تنتهي بكم الأمور! استهزؤوا، الله سبحانه وتعالى يغضب على حرماته. قال: فوربك، جاء القسم ليدل على الغضب الإلهي، فوربك لنحشرنهم الشياطين أما لنحضرنهم حول جهنم جثيا.

يخبر سبحانه وتعالى، كما قلنا في سياق غضبه، أن هؤلاء المكذبين، أن هؤلاء المستهزئين بالدار الآخرة سنحشرهم مع الذين وسوسوا لهم. سنحشرهم، ولاحظ كلمة الحشر هنا وإضافة نون العظمة إلى الله، نحن من سنحشرهم، فوربك لنحشرنهم مع شياطينهم الذين أطاعوهم. ثم لنحضرنهم، لاحظ وكأن هناك أمر إلهي بإرسال ملائكة العذاب إلى هؤلاء الرجال مع شياطينهم، لهؤلاء الذين كانوا يكذبون بالدار الآخرة، ويستهزئون بالبعث، ويستهزئون بعذاب جهنم: أحضروهم لي يا ملائكتي العظام. ثم لنحضرنهم، كيف سيكون الإحضار؟ وانظر المشهد المخيف المفزع: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68].

تأتي ملائكة العذاب لتسحب هؤلاء الجبابرة، وهؤلاء القياصرة، وهؤلاء الأكاسرة، كل جبار، فرعون وهامان وقارون وأبو جهل وأمية بن خلف وأبو لهب، وكل جبار ساموا المسلمين سوء العذاب قديما وحديثا. وتذكروا جبابرة هذا الزمان الذين سفكوا دماء المسلمين الطاهرة في مشارق الأرض وفي مغاربها، تذكروا رؤوس الصهيونية العالمية، تذكروا رؤوس الصليبية العالمية الذين سفكوا دماء المسلمين في الشام وفي العراق وفي اليمن وفي أفغانستان وفي كشمير، وتذكروا رؤوس الشيوعية الذين سفكوا الدماء الطاهرة في الشيشان، وتذكروا رؤوس الصرب الذين سفكوا دماء المسلمين في كوسوفا وفي سراييفو وفي غيرها من المشاهد، تذكروا هؤلاء الجبابرة، هؤلاء الذين قتلوا المؤمنين والمؤمنات وفتنوهم واغتصبوا النساء، كل هؤلاء أنا الآن لابد أن استحضرهم في ذهني، يحضرون حول جهنم جثيا، الملائكة تجعلهم يركعون ركوعا ويجلسون على ركبهم، يجثون حول جهنم.

سيتعذبون على كل دم سفكوه، سيعذبون على كل امرأة طاهرة انتهكوا عرضها، سيعذبون على استهزائهم بلا إله إلا الله، وبعقيدة التوحيد، وبأهل الإيمان، الكل سيعذب، والكل سيعذب نفسيا قبل أن يعذب جسديا. الآن احنا ما زلنا نتكلم عن العذاب النفسي، كيف يركعون ويخضعون؟ كنتم متجبرين في الدنيا، كنتم أكاسرة وقياسرة وأصحاب حكومات ودول ورؤساء، اليوم لا يوجد شيء، انتهت كل الألقاب، انتهت كل الرتب العسكرية، انتهت كل الغطرسات التي كنتم تفعلونها. شيء الآن الكل سيركع حول جهنم، نعم الآية هي تريد أن تستحضر هذا المشهد المهيب: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68].

ثم لننزعن -وانظروا كلمة النزع وكلمة تخلع القلب والله أحبابي الكرام- سيأتي ملائكة العذاب تنزع رؤوس هؤلاء الجبابرة. ﴿ثُمَّ لَنَنْزَعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]، أي من كل طائفة من هذه الطوائف، ثم لننزعن من كل شيعة أيهم اشد على الرحمن، شف كلمة الرحمن التي تأتي ضمن سياق العذاب لتدل انه إله الأصل أن رحمته سبقت غضبه، لكن هناك أناس استهزأوا بالإله، هناك أناس استهزأوا بالرحمن، لم يؤمنوا بالرحمن، تعالوا على أولياء الرحمن، فهنا الرحمن سيغضب لأوليائه، هنا الرحمن سينتقم لعباده: ﴿ثُمَّ لَنَنْزَعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]، يعني الذي كان أكثر غطرسة وأكثر استهزاء وأكثر تجبرا.

فننظعه من بين هؤلاء الجثاة، يعني الآن الكل سيجثو من الكفرة ومن المنافقين من هذه الأمة، الكل يجثو حول جهنم، ثم فمن كل طائفة منهم ستنزع الملائكة ابتداء الأشد عتيا على الرحمن، من كان أشد غطرسة واستهزاء سينزع ابتداء أمام معشره، أمام جنود الذين اتبعوه، أمام أنصاره الذين كانوا يصفقون له، سينزع وتأتي ملائكة العذاب لتلقيه إلقاء في جهنم. ﴿ثُمَّ لَنَنْزَعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69].

طيب ماذا سيفعلون به بعد أن ينزع؟ مفهوم من السياق من دون أن يذكر، سينزع ثم يلقى في نار جهنم أمام أنصاره: هذا زعيمكم أليس كذلك؟ هذا الذي كنتم تتبعونه وتسبحون بحمده؟ هذا الذي كان يأمركم بسفك دماء المسلمين الزكية الطاهرة واتبعتموه ونصرتموه على ظلمه وفجوره وعدوانه؟ انظروا إلى سيدكم، ها هو الآن في قمة الذل، في قمة الخضوع، في قمة الانكسار، في قمة العذاب، ينزع من الملائكة ويلقى أمامكم في نار جهنم مشاهد مهيبة والله ليست قصص تروى ولكنها حقائق ستقع. ﴿ثُمَّ لَنَنْزَعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: 69-70].

يخبر سبحانه وتعالى عن علمه بمن هو أولى فأولى بدخول النار وأن يصلى عذابها، قال: ثم لنحن، الإله يتكلم عن نفسه، أعلم بالذين هم أولى بها صليا. نحن نعلم من أولى هؤلاء الجبابرة أن يبدأ به ويلقى في نار جهنم، الله يعلم من الرؤساء ومن دهاقنة المعارك ومن الذين كانوا يأمرون ويخططون لسفك تلك الدماء، هو يعلم سبحانه كل شيء. وهذا فيه طمأنينة لأهل الإيمان الذين فتنوا في الحياة الدنيا: دماؤكم الطاهرة الزكية التي سكبت على هذه الأرض لن تذهب سدى عند الله، يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نحن نعلم بدهاقنة كفار قريش الذين يسومونكم سوء العذاب، دماؤكم الزكية، دماء سمية ودماء ياسر وولد عمار لن تضيع، دماء كل رجل وكل صحابي قتل في مكة وعذب، دماء بلال بالرباع وهو في صحراء مكة يوضع على بطنه الحجر لن تضيع.

وقيسوا على ذلك في وقتنا المعاصر كل الدماء الطاهرة، كل النفوس الزكية التي أزهقت على أيدي الظالمين في مصر وفي العراق وفي الشام وفي اليمن، كل تلك الدماء لن تضيع عند الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: 70]. سبحانه يعلم هؤلاء واحدا واحدا فردا فردا، وسيسليهم في عذابه في جهنم، هذه آيات كما أنها تلقي الرعب في قلوب الأعداء، لكنها تبعث الراحة والطمأنينة في قلوب أولياء الله أن العدالة الإلهية ستطال الجميع، ولا يوجد إنسان سيفلت من العقاب الإلهي ما دام مصرا على أذية أهل الإيمان ومات على هذا النهج، فالله سبحانه وتعالى لن ينسى ما فعله، ولن تضيع كل دم أو كل قطرة دم نزلت بسببه.

ثم يقول سبحانه وتعالى بكلمة مهيبة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُهَا كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. أوجب الله قضاء محتما أن الجميع لابد وأن يمر على جهنم، حتى أهل الإيمان سيمرون من فوق الصراط؛ لأن الصراط المرحلة الأخيرة في عرصات يوم القيامة الصراط، وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف منصوب فوق نار جهنم، فالكل لابد وأن يمر على جهنم لابد أن يمر الكل ليشاهدوا عذاب الله سبحانه، وأما الكفرة والمنافقون فيمرون ويسقطون، وأما أهل الإيمان فيمرون ويحمدون الله أن سلمهم من هذا العذاب.

لا بد أحبابي الكرام، أنا واياكم نشوف نار جهنم، ونسأل الله أن ينجينا منها، نراها حتى نوقن أنه فعلا كان فيه نار، والحمد لله أننا استطعنا أن نقبض على الجمار في زمن الصبر. استطعنا أن نثبت على هذا الطريق حتى نجينا من هذه النار التي تلظى. فالكل لابد وأن يمر ليشاهد، لكن هناك من تهاوى ويسقط وهناك من يشاهد ويمر مرور الكرام ويسلم. ﴿وَإِن مِّنكُم إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتمًا مَّقضِيًّا﴾ [مريم: 71]، قضاء إلهي فرغ منه؛ أن كل عبد سيمر على جهنم، لكن كيف سيكون الحال؟ قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]، بعد أن يمر الجميع على جهنم لينقسم الناس إلى طائفتين؛ طائفة تمر وتنجو وهم أهل التقوى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾، وطائفة تمر وتسقط وهم الظالمون، قال: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.

وكلمة جثية تتكرر مرة أخرى معنا في السياق لتدل على حجم الانكسار والذلة. هؤلاء كانوا كما قلنا أكاسرة وقياسرة ورؤساء وزعماء ورؤساء أجناد ورتب جيش، كل هؤلاء سيركعون أمام نار جهنم. الله سبحانه وتعالى يريك حجم الإهانة وحجم المذلة وحجم الضعف وحجم الخزي وحجم العار الذي سقط فيه هؤلاء، كانوا يكذبون ويستهزئون بعذاب الله، كانوا يظنون أن الأمر مجرد خرافة وأساطير، لكنهم الآن سيكتشفون الحقيقة. لكن العجيب بعد أن يأتي ذاك المشهد، الله سبحانه وتعالى يعيدنا خطوات إلى الوراء إلى نفس هؤلاء الكفرة الذين يعني بعد أن أراك الله حال الذل والعار الذي سيكونون عليه، الله يريد أن يذكرك ماذا كانوا يفعلون في الدنيا.

فعادت الآيات خطوات إلى الخلف لننتذكر في الحياة الدنيا، هؤلاء الكفار ايش كانوا يقولون لأهل الإيمان؟ وإذا تتلى عليهم آيات، شوف هذا الانتقال البديع اللطيف، هذه حركة المشاهد في النص القرآني تجعلك تشعر بالروعة والإنبهار، كيف يجعلك تعيش الآخرة ثم تعود إلى الدنيا، ويكتمل المشهد مع المشهد وتلتئم الحالة مع الحالة لتقارن ماذا فعلوا في الدنيا وماذا كان المصير في الآخرة. المشهد يعود كما قلنا خطوات للخلف، تعالوا ننظر إلى هؤلاء الذين هم الآن في جهنم جثيا ترونهم أمامكم يا من تقرؤون القرآن، ماذا كانوا يقولون في الحياة الدنيا؟ دعونا ننظر: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾.

كانوا إذا سمعوا القرآن الكريم يتلى عليهم، إذا سمعوا آيات الله الواضحة الجلية البينات الكاشفات تتلى عليهم، ماذا كانوا يقولون؟ ماذا كانوا يقولون لأصحاب الدعوات وللمسلمين الأطهار؟ قال الذين كفروا للذين آمنوا: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]، هي الجاهلية أحبابي؛ الجاهلية التي تتبجح بكسبها المادي، الجاهلية التي تتبجح أحبابي الكرام بماذا؟ بكسبها المادي، تتبجح بثرائها، تتبجح بالتكنولوجيا، بتقدمها، بثرواتها، بصناعتها، بأبراجها، هي الجاهلية. الجاهلية تتكرر قديماً وحديثاً، ماذا كان يقول الكفار لأهل الإيمان عندما يسمعون الآيات تتلى عليهم؟ يقولون يا أهل الإيمان: أي الفريقين؛ مين منا خير مقاما؟ المقام هو المنزل.

انظروا ما هو حال أهل الكفر وأهل النفاق حتى في مجتمعاتنا عندما يقابلون أهل الإيمان، يقولون لأهل الإيمان: أنتم مجموعة من الدراويش، أنتم مساكين، نحن انظروا إلى العالم الغربي المادي كيف تقدم؟ كيف وصلوا إلى القمر؟ كيف اخترعوا؟ كيف هم يعيشون في رغد اقتصادي؟ معايير النجاح في إشكالية في معايير النجاح قديماً وحديثاً. الكفار ربنا عز وجل يخبرنا من القدم؛ معايير النجاح عندهم معايير المادة والدنيا، المعايير الزائلة التي ستفنى في يوم من الأيام، يظنون أن هذا معيار النجاح ومعيار أنك على طريق الصواب؛ إنه مين فينا خير مقاما؟ المقام هو المنزل المسكن، يعني انظروا إلى منازلنا وقصورنا وفللنا وحياتنا التي نحيا فيها، أليست خيراً من منازلكم ومن قصوركم ومن حياتكم؟ ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، الندي هو النادي الذي يجتمع فيه الناس.

ما هو الندي؟ الندي كما قالوا هو النادي الذي يجتمع فيه الأنصار ويتبادلون الحديث ويتناصرون يتحالفون. الكفار يقولون لأهل الإيمان: من أفضل مقاما منزلاً وقصوراً وبيوتاً ومن أيضاً أحسن نادياً وملتقى ومجتمعاً؟ أليست نوادينا أحسن من نواديكم؟ أليست جنودنا ولقاءاتنا أفخم من لقاءاتكم؟ أليست بيوتنا ومصانعنا وأنجازاتنا وتقدمنا الحضاري أكثر من تقدمكم؟ هل هذه معايير النجاح؟ إذاً بالنسبة للكفار ولاهل الضلال يعتبرون هذه مقاييس النجاح. الله سبحانه وتعالى هنا يخبرهم، يخبر هؤلاء الذين يتبجحون ويتغطرسون بالتقدم الحضاري المادي، يقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: 74]، مساكين كفار قريش ومساكين هؤلاء الناس اليوم الذين يتبجحون بهذه الأمور؛ كم أهلكنا قبلهم من قرن هم احسن اثاثا ورئيا، قرون كانت أعظم منكم أجساماً، قرون مضت كانت أقدر منكم على البناء والعمارة، انظر إلى عاد وانظر إلى ثمود وانظر إلى من قبلهم ومن بعدهم، أعطوا أجساماً وأعطوا قوة وأعطوا وأعطوا، لكن ماذا كانت النهاية؟ كانت النهاية أنهم هلكوا وانتهوا وجاءهم عقاب الله سبحانه وتعالى.

لا قيمة لأي تقدم حضاري، لا قيمة لكل مقام ولا لكل نادٍ إذا كان بعيداً عن الله سبحانه وتعالى وليس على منهج الاستقامة، كل هذه الحضارات الزائفة ستزول يوماً ما، سيهلكها الجبار المنتقم ما دامت تستهزئ بقيم الإيمان وثوابت العقيدة ولا تؤمن بجبار السماوات والأرض، فانه سيلحقها ما لحق من هو أشد منهم قوة. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، الأثاث والأدوات والآلات كانوا أفضل منكم، والرئي هو المنظر والهيئة والشكل، يعني هم كانوا أفضل منكم أثاثاً وأدوات وآلات، وكانوا أفضل منكم مرأى، قارئاً أي من المرأى والشكل والهيئة، لأنهم كانوا أضخم أجساماً وأقوى منا، ولكن الكل انتهى. إذا كانوا أفضل أجساماً وانتهوا، كانوا أفضل أثاثاً وأدوات وآلات وانتهوا، على ماذا تتبجحون يا أصحاب الحضارات الحديثة؟ الكل سيهلك ما دام بعيداً عن منهج الله سبحانه وتعالى.

فالمعيار عند الله ليس هو التقدم المادي، التقدم المادي هو تبع لإيمانك ولعقيدتك، إذا كنت لا تملك العقيدة ولا القيم ولا الإيمان فلا عبرة بكل شيء، فإياكم أن تستهزءوا بفقر أهل الإيمان، بضعف أهل الإيمان، فهم على فقرهم وعلى ضعفهم هم يسيرون إلى الله سبحانه وتعالى، وأنتم على كل ما عندكم من تقدم مادي أنتم تسيرون بأقدامكم نحو الهلاك والضياع. وهنا يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوجه خطاباً إلى الكفار على صورة المباهلة. تعرفون المباهلة؟ المباهلة يعني ندعو؛ أنا أدعو وأنت خصمي تدعو، الذي هو أفضل حالاً وأحسن عند الله نسأل الله له التوفيق والسداد والرشاد، ومن كان في ضلالة أو بعد عن الله فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهلكه، يعني أحياناً هذا من أساليب التخويف لخصمك، تقول لخصمك نعمل مباهلة، مباهلة يعني أنا أدعو وأنت تدعو، اللهم من كان منا على خير ورشد فزده هدى ورشداً، ومن كان منا على ضلال وتيهان فخذه أخذ عزيز مقتدر.

أنت تقول أنك على حق وأنا أقول أنا على حق، وانا قدمت حجج وتقدمت كلامك وما في إنسان منا مقتنع بالآخر، طيب إذاً دعنا ننتقل لمرحلة المباهلة، ندعو الله سبحانه؛ الذي يكون في خير أن يزيده هدى، والذي على ضلالة أن يبقى في ضلاله، ايش رأيك؟ فهذا نوع من الإلزام والتخويف لمن كان هو في قناعة نفسه يدرك أنه على باطل لكنه بلسانه يجادل عن باطله. يقول سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75]، يعني أي واحد فينا على ضلال هذا من باب الإلزام للخصم فقط، يعني من كان منا على ضلالة فنسأل الله أن يمده ويزيده في ضلاله وضياعه، كل من كانت الضلالة فليمدد ليمهل وليزد، فليمدد له أو فليمدد له الرحمن مداً.

ثم الآية تنتقل قبل أن تكتمل المباهلة، تنتقل لتخبر: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [مريم: 75]، نتيجة هذه المباهلة، ثمرة هذه المباهلة، محصلة هذه المباهلة: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾. أنت كنت توعدهم بالنار صح؟ وهم كانوا يقولون لك يا محمد أنت كاذب فيما تقول ولا يوجد نار وهذه من أساطيرك وأساطير شعرك إلى غير ذلك. طيب باهلهم وقل لهم من كان منا على فالله يمد له، يعني نسأل الله أن يزيده ضلالاً، وانتظر ماذا سيحدث بهم حتى إذا رأوا ما يوعدون؛ أما العذاب في الحياة الدنيا على أيدي أولياء الله المؤمنين عندما يسومون الكفار أشد العذاب في معارك الفرقان، أما العذاب الدنيوي واما الساعة، وقد لا يدركون العذاب الدنيوي لكن بالتأكيد سيلحقهم العذاب الأخروي إذا جاءت الساعة، قال: ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾، حتى إذا رأى هؤلاء الكفار ما يوعدون به من العذاب الدنيوي، أو إذا لم يعذبوا في الدنيا فالعذاب الأخروي الذي هو أشد وأبقى، فسيعلمون من هو شر مكاناً واضعف جنداً.

شر مكاناً هذه مقابل خير مقاما، واضعف جنداً هذه مقابل واحسن نديا. لاحظوا التقابل في النص القرآني، الكفار ماذا كانوا يقولون للمؤمنين؟ ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]، هنا يأتيهم الجواب: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾، أن العذاب في الدنيا على أيدي أولياء الله واما الساعة التي هي حق ستأتي على هؤلاء الكفرة حينئذ سيعلمون من هو شر مكاناً. كنتم تقولون أنكم خير مقاما ستكتشفون أنكم شر مكاناً، واضعف جنداً كنتم تقولون أنكم أحسن نديّاً اليوم ستعرفون أنكم الأضعف في الأنصار، الأضعف في الجنود، عندما تكونون حول جهنم جثيا وجنودكم ينظرون إليكم ولا أحد منهم يستطيع أن يقدم لكم الخدمة، ولا أحد منهم يستطيع أن يصرف عنكم عذاب جهنم، ستعرفون أن هذه الأندية التي كنتم تتبجحون بها وتتظاهرون بها وتتقوون بها أنها كانت لا شيء في مقارنة قوة الله الواحد القهار. سيعلمون حينئذ من هو شر مكاناً وأضعف جنداً.

قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]، هذه العبارة هي مقابل: ﴿مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75]، كأنها تكملة للمباهلة، من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً، ومن كان على هدى فليزده الله هدى، كأن الآية فيها يعني انتقال ثم عودة، انتقال ثم عودة: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى. إذا بدك تقابل بين هذه وهذه؛ من كان في ضلالته كيف نسأل الله أن يمده ضلالاً؟ ومن كان في هدايته فنسأل الله أن يزيده هدى.

ثم تختم الآية بكلمة تبعث الطمأنينة والراحة في قلوب أهل الإيمان: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾ [مريم: 76]. يا أهل الإيمان، إذا سمعتم التبجح المادي من الكفار، إذا سمعتم الكفار يستهزئون بكم ويقولون لكم: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديّاً؟ فاعلموا يا عبادي أن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداً، هي الأفضل، هي الأعظم، هي أفضل من كل التبجح المادي، هي أفضل من كل تقدم حضاري، هي أعلى من كل غطرستهم الباقيات الصالحات. الباقيات الصالحات فسرها كثير من المفسرين بأنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أكثر المفسرين على تفسيرها بهذا، والبعض فسرها بجميع الأعمال الصالحة وليست فقط هذه الكلمات، وهذا اختيار ابن جرير الطبري أن المراد بالباقيات الصالحات جميع الأعمال الصالحة.

عموماً الآية تقول إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تفوق كل التقدم الحضاري والمادي البعيد عن منهج الاستقامة. يا أهل الإيمان، إذا لم تملكوا إلا هذه الكلمات الأربع فوالله أنها عند الله أعظم قدراً وأعظم مرداً وأعظم حالاً ومآلاً من كل تقدم تكنولوجي، ومن كل طرف مادي، من كل أموال الدنيا وقصورها، من كل زينتها ومفاخرها، الذي يريده الله منكم هذه الكلمات الباقيات الصالحات. شوف حتى تعبيرها كم هو لطيف: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾، هذه المقارنة أي هي أفضل ثواباً.

طبعاً هذه الخيرية ليس المراد منها أفعل التفضيل، بل المراد أن الخير كله في هذه الكلمات وليس في متاع الدنيا الزائل؛ لأن طبيعة الإنسان المؤمن أحياناً قد ينكسر أمام غطرسة الكفار، كثير من الناس اليوم هو مؤمن يحب الله ورسوله لكن يشعر بالضعف المادي، الفقر، يشعر أن عدوه أكثر تقدم، فلعل يدخل شيء في قلبه من ذلك. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئنك ويببعث السعادة والطمأنينة في نفسك، يقول لك سبحانه وتعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾، هذه الأعمال، التسبيح وذكر الله سبحانه وتعالى والاقبال على المولى عز وجل وفعل الأعمال الصالحة هذا هو التقدم، هذه هي المفاهيم التي ينبغي أن يعاش من أجلها.

فإياكم يا عبادي أن تخدعوا بعبارات الكفار، إياكم أن تضعفوا أمام تقدمهم، إياكم أن يصيبكم الوهن بسبب هذا الكلام ويدخل في قلوبكم الضعف، بل اعلموا أن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذه الباقيات سماها سبحانه باقيات، كأنها يعني لماذا سماها باقية؟

هي مقابل المقام الذي كانوا يتبجحون به والنادي، المقام خير مقاما، المقام سيزول، وأحسن نديا، الأنصار سيذهبون. لكن ما هو الباقي الذي لن يذهب ولن يفنى ولن يضيع عند الله؟ الدنيا بمقاماتها وبنواديها وبجنودها الكل سيذهب.

ولكن الباقيات الصالحات هي التي ستبقى، خير عند ربك ثوابا وخير مردا. بقي علينا الصفحة الأخيرة أو صفحة والنصف من سورة مريم لابد وأن نعيش معها إن شاء الله أيضا في مجالس أخرى. أفرأيت الذي كفر بآياتنا، مشاهد أخرى من مشاهد الكفر والعناد تعالجها سورة مريم.

وسنجد جمال النص القرآني وهو يعالج هذه الصور من الكفر والزندقة والاعتراض على الله سبحانه وتعالى والتبجح على أهل الإيمان، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يصلي هؤلاء الكفرة سوء العذاب. دعونا نكمل هذه المجالس إن شاء الله من هنا إلى آخر رمضان.

نسأله سبحانه وتعالى أن يفهمنا وأن يبصرنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.