دخولتسجيل الدخول

المجلس 7

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وعلى قرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد في تدبر سورة مريم، سائلين الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم السديد عنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. انتهى بنا الحديث أحبابي الكرام إلى الصفة العامة لأهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم، الصفة العامة التي تجمعهم جميعاً أنهم أصحاب مشاعر مرهفة، أصحاب علاقة وطيدة بالله سبحانه وتعالى، ويجمعهم أنهم إذا سمعوا آيات الله، إذا سمعوا القرآن يتلى عليهم، خروا سجداً وبكيا.

وهذه الصفة أو هذا الانفعال وهذا التفاعل مع كلام الله سبحانه وتعالى يشير إليه القرآن الكريم في أكثر من موضع؛ كذلك في سورة الإسراء في ختامها: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِم يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 107-108]. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً. هذا يدل أحبابي الكرام أن القرآن فيه سر، القرآن فيه سر تحتاج أيها المسلم إلى أن تكشفه يوماً بعد يوم. هذا الكتاب وهذه الآيات كلام ربي جل وعلا إذا لامست القلوب الطاهرة النقية لابد وأن تحدث لها هذا الانفعال.

يعني عندما أقرأ القرآن الكريم فأجد هذا النص: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]، متى؟ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن. وفي سورة الإسراء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: 107-109]، نفس الانفعال ورد في سورة الإسراء وورد في سورة مريم. وانفعال آخر من انفعالات القرآن في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23] اقشعرار الجلود، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم.

إذاً القرآن الكريم بطبيعته إذا لامس القلوب النقية الطاهرة لابد وأن يحدث هذه الانفعالات؛ أن يخر الإنسان باكياً متضرعاً خاشعاً مخبتاً لله سبحانه وتعالى. ما دمنا لم نصل إلى هذه المرحلة من الانفعال، من التواصل مع النص القرآني، من الحساسية له، بالتالي هذا يدل على أننا ما زلنا نحتاج، ما زلنا نحتاج إخواني الكرام إلى أكثر وأكثر من القراءة القرآنية، من التدبر القرآني، من الحياة مع القرآن حتى نصل إلى هذا المستوى. نحن نعترف بقصورنا أننا لم نصل بعد إلى هذا المستوى المذكور في كتاب الله سبحانه وتعالى، فماذا نستفيد من ذلك؟ لابد وأن تصبح علاقتنا بالقرآن أقوى وأشد، ولابد بأن تكون علاقة وطيدة أكثر وأكثر حتى نصل إلى هذا المستوى الرفيع العالي من العلاقة بالنص القرآني، نصل لمرحلة تخر سجدا وبكيا.

بعد ذلك النص القرآني يأخذنا إلى مشهد آخر مرتبط بالمشهد السابق، وهم الاقوام الذين أتو بعد الأنبياء، قال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. يقول ربي: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ. ودائماً لما تقرأ القرآن تذكر من القائل، يقول ربي جل في علاه، هذا ليس كلام بشر، هذه ليست يعني آراء لمنهج معين فلسفي ولا لأفکار شخصية لإنسان على وجه الأرض، هذا كلام ربي جل في علاه. ولو صفت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا سبحانه وتعالى. ماذا يقول ربي جل في علاه يخبر عن أقوام خلف الأنبياء؟ فقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: 59].

والخلف بإسكان اللام أكثر ما يذكر على الخلف السيئ، بخلاف كلمة خلف بفتح اللام؛ فإن الخلف بفتح اللام يققال على الذرية الصالحة النافعة، الخلف بإسكان اللام يختلف عن الخلف بفتح اللام. فالخلف بإسكان اللام أكثر ما يققال على ماذا؟ على الذرية الطالحة السيئة. سبحانه وتعالى يخبرنا عن أقوام وذريات نشأوا بعيداً عن الصراط المستقيم بعد أن أخبر عن الصراط المستقيم وممن هدينا واجتبينا. الآن تذهب الآية لبيان أن هناك طائفة انحرفت عن هذا الصراط ولم تسر عليه، على ماذا سار؟ ماذا كانت تفعل في الحياة هذه الطائفة الاخرى؟ قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]. وهذا ترتيب مقصود؛ بأن من أضاع صلاته اتبع الشهوات، ومن حافظ على صلاته حافظ أو تحرز من اتباع الشهوات.

فهذا الارتباط بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات وتقديم موضوع إضاعة الصلاة على موضوع اتباع الشهوات هذا كله مقصود في النص القرآني. من ضيع صلاته أحبابي تبع الشهوات، ومن حافظ على الصلاة وأقامها حماه ذلك من أن يغرق في بحار شهوات النفس وملذاتها المحرمة. وإضاعة الصلاة لاحظ التعبير القرآني لما قال إضاعة الصلاة، كأن الصلاة شيء قد ضاع وتاب ولم تستطع أو ما عدت تستطيع الوصول إليه. التعبير بالضياع تعبير له معنى عميق في النفس الإنسانية؛ الصلاة كنز عظيم وأنت أضَعته، شيء ثمين كان بيدك وأنت من أضَعته والآن ما عدت تستطيع الوصول إليه.

وكيف يكون إضاعة الصلاة؟ إضاعة الصلاة يكون بتركها، إضاعة الصلاة يكون بتأخيرها عن مواقيتها، إضاعة الصلاة يكون بعدم الخשوع فيها. الإضاعة ليست فقط ألا تصلي؛ البعض يظن الإضاعة أنهم قوم تركوا الصلاة لم يصلوا، هذا شكل من أشكال الإضاعة، لكن أيضاً من الإضاعة ألا تخشع في صلاتك، وألا يكون لها انعكاس في حياتك، وألا تحتفي بها، وألا تقيم رکوعها وسجودها كما يريد الرب سبحانه وتعالى، فهذا شكل من أشكال الضياع. وبالتالي ننظر في أنفسنا لعلنا تنطبق علينا هذه الآية أحبابي الكرام من حيث لا نشعر، هل نحن حافظنا على هذا الكنز الثمين الذي وهبنا الله إياه وهي الصلاة التي تصلنا بخالق الأكوان سبحانه، أم أننا ممن إذا صلى لا يخشى ولا يتدبر ولا يطمئن راكعاً ولا يطمئن ساجداً ولا ينتبه على نفسه إلا إذا سلم الإمام سلم معه؟

أحبابي الكرام الصلاة إذا حافظت عليها في مواقيتها واديتها كما يريد ربنا فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. لا يمكن إنسان محافظ على الصلاة تمام المحافظة، أقاموا الصلاة، لأنه إقامة الصلاة ليس بمعنى أداء الصلاة؛ إقامة الصلاة معنى أبلغ من أداء الصلاة، أقام الصلاة يعني أن تحافظ عليها وتأتي بها بشروطها وأركانها وآدابها وهيئاتها التي كان يصلي عليها النبي صلى الله عليه وسلم. من أقام الصلاة حقاً صرفه ذلك عن الشهوات المحرمة، ومن فرط في الصلاة وقتاً وهيئة وخشوعاً وإنابة فهذا سيتبع الشهوات ولن يكون لصلاته انعكاس في حياته. إذاً من أضاع صلاته لابد وأن تحكمه الشبهات والشهوات.

ولاحظ كيف عبر: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]، كأن الشهوات أصبحت هي القائد وأنت تتبعها وتلهث وراءها وهي تقودك إلى موارد الهلاك. إذاً هذا الترتيب مقصود، الله يخبر أن اتباع الشهوات إنما يكون تبعاً لإضاعة الصلاة. وانظروا إلى حال شباب الأمة اليوم وحال فتيات الأمة اليوم، كيف أن إضاعتهم وعدم اهتمامهم بها وعدم احتفائهم بها جعل الشهوات هي القائدة للمسير لهم، نسأل الله العفو والعافية.

إذاً فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، هؤلاء الذين يتبعون الشهوات يظنون أنهم يصلون إلى السعادة، هم يبحثون عن سعادة النفس، يبحثون عن لذات وعن سرور وعن راحة، لكن المساكين لا يعرفون ماذا سيلقون، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. الان هم عماد، ماذا كان مقصودهم من اتباع الشهوات؟ الوصول إلى السعادة، لذات النفس، سرور، لكن للاسف لن يصلوا إلى هذا والله! لو اتبعت كل الشهوات وقضيت كل وطرك، الله عز وجل يخبر: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، والغي هو الضياع والضلال والتيهان. إذا أنت اتبعت الشهوات وأضعت صلاتك تبحث عن سعادة وتبحث عن لذة وتبحث عن سرور، لكنك أيها المسكين أضعت الطريق، لن تلقى السعادة، ستلقى شيئاً آخر: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، ستلقى الضياع، ستلقى البعد، ستلقى الحياة الضنك، لا يمكن أن تجد سعادة ولا طمأنينة ولا راحة بهذا النمط من أنماط الحياة. الله هو الذي يخبر وهو الذي يعلم ما في النفوس، فلذلك أحبابي إذا رأيتم الذين يتبعون الشهوات أقول: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا.

إذا رأيتم الذين يتبعون الشهوات فهم مساكين والله، يبحثون عن سعادة موهومة، والله سبحانه وتعالى يخبر: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124]. ما أنت لابد تربط الآيات القرآنية في مختلف سياقاتها لأنها كلها تكمل المشهد. إذاً هنا سبحانه وتعالى يعد وعداً بل هو وعيد أقرب من أن يكون إلى الوعد، هنا سبحانه يخبر أن هؤلاء الذين أضاعوا الصلاة لم يخشعوا فيها لم يقيموها لم يحتفوا بها واتبعوا شهواتهم لن يجدوا السعادة بل سوف يلقون ضياعاً وتشتتاً وحيرة وبعداً، سيجدون وحشة في قلوبهم، مساكين والله أهل المعاصي والذنوب يبحثون عن سعادة موهومة، يحاولون أن يصنعوا لذة فإذا بهم يصنعون بؤساً.

لكنه سبحانه وتعالى يفتح باب الأمل لمن سلك طريق الشهوات ولمن فرط في صلاته أياماً وسنوات، يفتح سبحانه وتعالى طريق الأمل للعودة والرجوع، لأن سورة مريم هي سورة الرحمات، سورة مريم سورة الرحمن، سورة الرحمات التي تقرأ وهو سبحانه وتعالى يحب أن يرحم وأن يعرض رحمته للعبيد حتى ولو شردوا وابعدوا وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، سنفتح لكم باب الرجوع. قال: ﴿إِلَّا﴾، هذه الآية والله كلنا نحتاجها، ﴿إِلَّا﴾ هنا كلنا نحتاجها لأننا كلنا ندرك أننا فرطنا في شيء من صلاتنا واتبعنا كثيراً من شهواتنا، فنحتاج ﴿إِلَّا﴾ كثيراً، ﴿إِلَّا﴾ ايش؟ الآن لما تسمع ﴿إِلَّا﴾ هنا تنتبه وترعيها سمعك وانتباهك.

﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ عاد إلى الله سبحانه وتعالى، ومر معنا في درس التزكية والسلوك أن من أوائل منازل السالكين إلى الله ومن أوائل منازل المسير التوبة؛ لابد من يقظة ثم توبة، تستيقظ وتتوب إلى الله سبحانه وتعالى من ذاك الماضي الكئيب. ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: 60]، هذه عوامل النجاح لمن يريد أن يفتح صفحة جديدة مع الله. يا من كنت شارداً عن الله، يا من أضعت الصلوات تلو الصلوات خشوعاً وقياماً وركوعاً وسجوداً، يا من لم تكن تستأنس بصلاتك وكنت متبعا لشهواتك، اسمع هذا الباب الذي يفتحه الله لك، هذا الإله الرحمن ما زال يفتح لك أبواب الرحمة لتقبل إليه من جديد.

قلت: إلا من تاب، تب إلى الله، عد إلى الصلاة كما يريد الله سبحانه، عد إلى رشدك واستيقظ وانتبه قبل فوات الأوان، ﴿وَآمَنَ﴾، آمن بالله إيماناً كلياً شاملاً جامعا لكل خصال الخير والإيمان، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، فلابد إذاً توبة يتبعها الإيمان والعمل الصالح، لأن العمل الصالح يبدل الله بالحسنات السيئة فتذهب السيئات وتحل محلها الحسنات. لابد من عمل، لابد من شغل واجتهاد في هذه الحياة الدنيا حتى نعوض ما فاتنا في أيام تقصيرنا وتفريطنا في حق مولانا.

فيقول سبحانه: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: 60]، لن يكون في درب الضياع والهلاك، أولئك سيجتبيهم الرب، سيأخذ بأيديهم إلى درب السعادة، إلى دار السعادة والسرور. وهذا هو الرحمن نعم، رأى تقصيرنا، رأى إضاعتنا للصلاة واتباعنا للشهوات، لكنه من رحمته وواسع فضله وكرمه الرحمن قال لنا توبوا وامنوا واعملوا الصالحات وانا سادخلكم إلى الجنة مع تفريطكم السابق، لكنني رحمن رحيم.

وانظروا اسم الرحمن الذي سيرد هنا: ﴿فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: 60]. هذا وعد من الله سبحانه لمن عاد إلى درب الاستقامة أنه يجد السعادة. المسكين كان يبحث عن السعادة في اتباع الشهوات لم يجدها ولد الضياع وجد الهلاك وجد المتاهات، فعاد إلى ربه سبحانه وتعالى فتاب وامن وعمل صالحاً فوجد السعادة حقاً. هذه هي المعادلة التي تربطك بها الآية؛ كنت أبحث عن السعادة في المكان الخطأ أيها الإنسان، هنا السعادة، السعادة في هذه الأحرف الثلاث: تاب وآمن وعمل صالحاً، عوامل النجاح عوامل السعادة في الحياة، فسعادة في الدنيا وسعادة في الآخرة، ولأن السعادة في الآخرة أتم وأكمل نصت عليها الآية: ﴿فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: 60].

كل حسنة، كل فعل فعلته لن يضيع، ستجد الله سبحانه وتعالى يكافئك عليه ويعطيك عليه ويمحو بكل تقصيرك السابق، شف ولا يظلمون شيئاً، ما في شيء من أعمالك الصالحة، ومن توباتك، من بكاء الليل، من استغفار السحر، ما في التسبيحة لن تسجل، ما في شيء أو أمور فعلتها لله ستجدها مفقودة، أنه يا رب والله أنا في اليوم الفلاني فعلت كذا وكذا من الصالحات مش شايفها في كتابي، لا يوجد هذا في قاموس الإله سبحانه وتعالى. كل شيء من الصالحات، كل حسنة، كل تسبيحة، كل ركعة، كل سجدة، كل مجلس علم، كل درس تدبر، كل اجتماع على طاعة رب العالمين لن يضيعه الله سبحانه وتعالى. ﴿فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾، اطمئن لن أظلمك شيئاً واحداً مما فعلته من أجله أيها الإنسان، هذا خطاب الرب سبحانه وتعالى لك.

ما هذه الجنة؟ قال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [مريم: 61]، جنات عدن بدل من الجنة السابقة طبعا هي بدل منصوب ولكنه منصوب بالكسرة لأن جمع المؤنث السالم ينصب بالكسرة كما لا يخفى على شريف علمكم، فهذا إعادة شرح وتفصيل للجنة. ما هذه الجنة التي يعدنا الله بها؟ جنات عدن، والعدن هو الإقامة، أي جنات إقامة دائمة لا تنقطع ولا تتبدل ولا تتحور. أكثر ما ينغص السعادة يعني في الحياة الدنيا، أكثر ما ينغص علينا لحظات أننا نعلم أنها ستتبدل بعد حين وتنقلب إلى لحظات أخرى تعب وضنك، هكذا الحياة؛ لحظات من السعادة ولحظات من البؤس وهكذا.

فحزن يدوم ولا سرور، ولا بؤس عليك ولا رخاء، لكن الجنة لا يختلف الموضوع فيها. السعادة فيها قائمة دائمة لا تنقطع، لذلك وصفها جنات عدن؛ إنه أجمل شيء أن توصف به الجنة أن السعادة فيها دائماً، أجمل شيء. فلذلك ربنا سبحانه وصف الجنة هكذا.

فقال جنات عدن، أي جنات الإقامة التي لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير. هذا معنى وصف الجنات بأنها جنات عدن، خلود لا ينتهي؛ هذه الجنة هي التي وعد الرحمن. إذاً نحن نحتاج إلى الرحمن هنا؛ الرحمن الذي سيتجاوز عن إضاعتنا للصلوات وغفلتنا، إنه ضعف خشوعنا، وسيتجاوز عن شهواتنا التي اتبعناها فترات من أعمارنا. نحتاج إلى الرحمن الذي فتح لنا باب: ﴿وَمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. إذاً هذه الجنة هي فعلاً رحمة من الله؛ لأنه سبحانه وتعالى أعطانا إياها مع أننا أتينا ببضاعة.

فهي التي وعد الرحمن عباده بالغيب، هم لم يشاهدوها وإنما آمنوا بها إيماناً وأيقنوا بوجودها إيقاناً. هذه هي جنات عدن، هي الجنات التي وعد الرحمن بها عباده، التي وعد الرحمن عباده بالغيب، وهل الرحمن يخلف وعده؟ أكثر ما يخيف الإنسان قضية إخلاف الوعد؛ الإنسان يعدك بشيء وبعد ذلك يخلفك ولا يفي بوعده، لكن الله سبحانه وتعالى يزيدك ثقة: ﴿إِنَّ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾.

جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب، وهذا الوعد لا يمكن أن يتخلف، إنه كان وعده مأتياً. والله عليك أن تثق بالله سبحانه وتعالى أن توبتك وإيمانك والعمل الصالح في الدنيا وصبرك على الجمار، تعبك على المحافظة على الصلاة بتمامها وعدم اتباع الشهوات، هذا التعب والله لن يضيع. كأن الآية تشدد على هذه الفكرة: ﴿وَعْدَ الرَّحْمَنِ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾. يعني إياك أن تيأس أو يأتيك الشيطان ويشككك بقضية معقول في يوم آخر؟ معقول في جنة؟ والله خايف يا شيخ أني أتعب، أتعب في هاي الحياة أو أصفر عالشهوات وأغض بصري عن الحرام وأحافظ عالصلوات، وأخشى أن كل هذه الأمور التي تخبروننا بها لا نجدها، إنه كان وعده مأتياً. لكن صبر قليل، إنما النصر صبر ساعة.

وما زال الحديث يتكلم عن الجنة. هذه الجنة لا يسمعون فيها لغواً، يعني مجرد اللغو وهو أي كلام باطل لا فائدة منه لن يكون في الجنة. لا يسمعون فيها لغواً؛ الحياة الدنيا نحن كثيراً ما نجلس في مجالس اللغو، هذا اللغو أصلاً هو الذي يضيع علينا الكثير من فرص الإقبال على الله سبحانه وتعالى. في الجنة لا يوجد لغو، في الجنة لا يوجد كلام فارغ، الجنة كلها مليئة بالأشياء النافعة الجميلة. الجنة مليئة حتى بالتوحيد؛ أنفاسهم تسبيح، حياتهم ذكر، إقبال، سعادة، أنس بالله. لا يوجد لغو، لا يوجد باطل، لا يوجد شيء تافه في جنات النعيم. كل شيء في الجنة له قيمة.

لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً؛ إلا يعني، لكن إلا هنا لأن هذا إسناد منقطع أو استثناء منقطع، إلا سلاماً. لن يكون هناك إلا السلام، إلا السعادة، إلا الأمان، إلا الطمأنينة. وقل للهو والعبث الذي كان في الحياة الدنيا سيبقى في الدنيا، لن ينتقل معك إلى الدار الآخرة. لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها؛ أي سترزقون في الجنة مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا؛ فيا أهل الجنة هل فيها بكرة وعشية؟ البكرة هو الصباح، والعشي هو قبيل الغروب. هل الجنة فيها هذه الأوقات؟ مجاهد بن جبر، تلميذ ابن عباس النجيب، يقول: إنما قال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، ليقول وليدلل على أن الرزق فيها دائم لا ينفد. وأما الجنة فليس فيها وقت بكرة ولا وقت عشي. هكذا قال مجاهد، وهكذا قال أكثر المفسرين. إن ذكر البكرة والعشي هنا أسلوب عربي يقصد به الدلالة على دوام الشيء؛ عندما تقول: فلان يأتيني بكرة وعشية، إيش يعني؟ يعني فلان مداوم على زيارتي، ولا تقصد أنت البكرة والعشي بالتحديد. وإنما العرب في عادتها إذا أرادت أن تخبر أن هناك شيئاً متكرراً دائماً لا ينقطع، تعبر بقضية البكرة والعشاء: فلان يأتيني بكرة وعشية، سابقى أتيك بكرة وعشيا، وصالي يصل إليك بكرة وعشيا.

فهنا الأوقات غير مقصودة لذاتها حقيقة، وإنما ذكرت للدلالة على الديمومة وعدم الانقطاع. وبالتالي كلام مجاهد بن جبر كلام معقول وقريب من الصواب والله أعلم. أن البكرة والعشي ليس هو وقت محدد يأتيك الرزق فيه؛ الجنة كما هو معلوم لديكم، الرزق فيها في أي لحظة شاء الإنسان يأكل، يأكل في أي لحظة يشرب، يشرب. هل الرزق فيها مخصوص بوقت الصباح والمساء؟ كلا.

طيب لماذا خص الله هذين الوقتين؟ نقول: هذا من أسلوب العرب في بيانها، أنهم إذا أرادوا الدلالة على ديمومة الشيء ربطوه بالبكرة والعشي. فمعنى قوله إذاً: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، أي لهم فيها رزق دائم لا ينقطع ولا ينفد. ثم أخبر سبحانه وتعالى، يعني هنا سورة مريم لم تسهم في وصف الجنة ونعيمها؛ هناك سور أخرى كان من مقصدها أن توصف الجنة بتفاصيلها كما في سورة الواقعة وغيرها، لكن سورة مريم هو فقط إشارة لدرب السعادة أنك ستتحصله إذا عدت إلى الله سبحانه وتعالى ومشيت على درب الذين هدينا واجتبينا. ستحصل هذه الجنة، وإشارة سريعة مختصرة لأنه ليس موقع ذكر تفاصيل الجنة؛ إشارة سريعة إلى الجنة في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.

ثم أشار سبحانه: تلك الجنة، ما زال يذكر جنَّتك. تلك، ولاحظوا هذه تلك إشارة للبعيد، ما قال هذه الجنة، قال: تلك الجنة، إشارة إلى ارتفاع، أي الإشارة للبعد ليس المراد منها البعد الحقيقي وإنما المراد أنها جنة رفيعة جليلة يستحق أن يُشار إليها بالبعيد لدلالة على ارتفاع شأنها عند الله سبحانه وتعالى. من هنا قال تلك ولم يقل هذه؛ تلك بأنها مرتفعة عالية مكانها رفيع عند مولانا سبحانه وتعالى، فيشار إليها.

تلك الجنة التي نورث، ولاحظوا التعبير بنورث وكأنه نوع استحقاق. طبعا الجنة إنما ندخلها برحمة ربنا سبحانه وتعالى، يعني ليس هي معاوضة عن العمل؛ لا، احنا قلنا سابقاً أن أعمالنا سبب في نيل رحمة ربنا، ورحمة ربنا هي التي تدخلنا الجنة. لكنه سبحانه وتعالى ربي عز وجل هو الذي عبر بنا أو ذكر ذلك فقال: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾، وكأن الوراثة هنا الوراثة تدل على نوع من الاستحقاق، فكأن الآية تريد أن تقول استحقاقكم لهذه المرتبة نتيجة التوبة والإيمان والعمل الصالح جعلكم تستحقون دخول الجنة، وإن كان هو محض تفضل الله، لكن التعبير هنا من ربي جل في علاه المراد منه الإشارة إلى أن دخول الجنة واستحقاق هذه المنازل إنما يكون عن عمل. سلعة الله غالية أحبابي، سلعة الله الجنة لا ينالها نائم عن الصلوات متبع للشهوات، وإنما ينالها أصحاب الكلمات الثلاث: من تاب وآمن وعمل صالحاً.

تلك الجنة التي نورث من عبادنا، ولاحظ هذه الإضافة إلى الله. الله يضيفنا إلى نفسه، إضافة وتكريم وإجلال، ما أجملها أن نكون داخلين تحت عبادنا، أن نكون ممن أضافهم الله إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم وتبجيل: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، من كان تقياً، من كان على منهج التقى، من جعل بينه وبين عذاب الله وقاية فعمل الصالحات وتاب وآمن. إذاً هذه الإشارة رائعة جداً، هذه الإشارة لبيان أن الجنة من الذي يستحقها؟ هي درب من؟ هي درب الأتقياء الأنقياء الصالحين.

ثم هنا انتهى الدرس، وبين نهاية هذا الدرس وبين بداية الدرس القادم جاء استطراد مهم في القرآن. طبعا حتى استطرادات القرآن هي مهمة ولها فائدة، لكن هنا انتهى درس وسيبدأ بعد قليل درس آخر، لكن بين الدرسين أحبابي الكرام هناك استطراد، وهذا جيد أن تفهم أن هنا ضربت السورة قليلاً فجبريل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 64-65].

هاتان الآيتان كما قال المفسرون يعني هما ليستا مرتبطتان بما قبلهما، واضح أنهما سياق جديد أو موضوع مختلف. إيش القصة؟ لماذا جبريل فجأة يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب؟ كما قلت لكم الدرس انتهى عند: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾، انتهى فصل من فصول سورة مريم. الآن استطراد سريع في آيتين ثم سيبدأ درس آخر، لكن ما طبيعة هذا الاستطراد؟

الآن تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مسائل؛ سئل من قبل المشركين واليهود عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، وأنه أخبرهم أنه سيأتيهم بالإجابة غداً، فلم يقل إن شاء الله كما ورد في سورة الكهف، فتأخرت الإجابة عنه خمسة عشر يوماً أو أقل أو أكثر على خلاف ثم نزلت الإجابة متأخرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم كأنه سأل جبريل أو عاتب جبريل عن سبب تأخر الإجابة، عن سبب تأخر الإجابة. فجبريل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أننا يا محمد عليك الصلاة والسلام أمر التنزل ليس بأيدينا، فنحن مثلك عباد مأمورون يا محمد صلى الله عليه وسلم، تأخر نزول الإجابة هذا ليس مني أنا، أنا مثلك عبد مأمور من إله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.

فهنا هذه الآية سبب نزولها مختلف عن سورة مريم، الآن وشاء الله أن توضع في سورة مريم لحكمة ورغاية الله تعالى أعلم بها، لكن أنا فقط أريد أن تفهم أن هنا انتهى المشهد والآن في مشهد فقط جواب جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم: لماذا تأخرت يا جبريل؟ فكانت الإجابة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾. لا، أنا مثلك عبد مأمور لا أستطيع أن آتي بالقرآن وقت ما شئت، وإنما أتي به إذا شاء ربي وأمرني أن أنزل فأنزل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من الزمان والمكان ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي ما مضى من الزمان والمكان ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾، يعني كأن جبريل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم صاحب الزمان والمكان المستقبلي اللي هو ما بين أيدينا، وصاحب الزمان والمكان الماضي، وصاحب الزمان والمكان الحالي هو إله واحد.

قال له ما بين أيدينا أي ما سيأتي من الزمان والمكان، وما خلفنا أي ما مضى من الزمان والمكان، وما بين ذلك وهو الحال؛ لأنه إذا شيء مستقبلي وشيء ماضي ماذا بقي؟ بقي الحال. فجبريل هنا يعلن إعلاناً واضحاً بيناً للنبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، يقول له يا محمد: الزمان والمكان والامر كله بيد الإله، فله المستقبل وله الماضي وله الحال ولا نستطيع أن نفعله شيئاً إلا بإذنه، قالوا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.

هل تظن أن الله سبحانه وتعالى نسي إجابتك؟ هل تظن أن الله سبحانه وتعالى هناك موضوع شغله عن أن يجيبك ويقدم لك الإجابات عن تلك الأسئلة التي سألوها لك؟ وما كان ربك نسياً؛ الله لم ينسَ يا محمد صلى الله عليه وسلم، لكنها حكمة الإله أراد أن يؤدب ويعلم ويوجه ويبين أنه صاحب الأمر من قبل ومن بعد، حتى الأنبياء لا يستطيعون أن يخوضوا مع الله سبحانه وتعالى. هذا درس عظيم جداً أدب به ربنا سبحانه وتعالى نبيه، ونحن أحق بالتأديب وأن ننظر وأن ننتبه. وما كان ربك نسياً، لا يوجد شيء يشغل الإله سبحانه وتعالى عن حاجتي وعن حاجتك، لكن لكل شيء أجل معلوم، وكل شيء في كتاب.

ثم يكمل جبريل الدرس بعبارة رائقة فائقة: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، إجلال وإعظام لهذا الإله. وما كان ربك نسي من هذا الرب؟ هو رب السماوات والأرض وما بينهما، لا يعجزه شيء، لا يمكن أن ينسى من خلق هذه السماوات بإتقان، ومن خلق الأرض بإتقان، وخلق ما بينهما من مخلوقات وجن وإنس بإتقان، لا يمكن أن يكون نسياً. هو الإله المستحق للعبادة، فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾.

شف الجمال والفخامة في عبارة واصطبر لعبادته. أي نعم أحبابي الكرام، العبادة تحتاج إلى صبر وإلى جهد وإلى مشقة وإلى تعب، والله سبحانه وتعالى سن سنة أن التلذذ بالعبادة والوصول إلى الأنس به وإلى مناجاته والشعور بالراحة والطمأنينة لا يأتي إلا على جسر المشقة والاصطبار. كثير من الناس يشكو أنه لا يشعر بالأنس في مناجاة الله، لا يشعر بالأنس في صلاته، لا يشعر بالأنس في قراءة القرآن، عليك أن ليس تصبر بل تصطبر، الاصطبار أعلى من الصبر.

اصطبر على وزن افتعل، ووزن افتعل يدل في العربية على جد ومشقة، وكأن هناك عقبة كؤود تتجاوزها. هذا جبريل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم، النبي الأعظم يقول: اصطبر يا محمد صلى الله عليه وسلم على عبادته، عليك الصبر والاصطبار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾. فموضوع عبادة الله عز وجل والإقبال عليه يجب أن يعلم الناس أن طبيعته لابد من اصطبار وتعب وجهد ومجاهدة لخطرات النفس ولافاتها.

الخشوع في الصلاة لا يأتي بالراحة، التدبر للقرآن واستخراج ينابيع القرآن وحكم القرآن لا يكون بالراحة، العلم الشرعي لا يكون بالراحة، هكذا طبيعة الحياة. عليك أن تصطبر أنت عبد تصطبر على عبادة مولاك وتتعب من أجله، وهذا الإله يستحق. هل تعلم له سمياً؟ هل هناك سمي مواصفاته وأفعاله وأسمائه وقدرته وعلمه مسامتة لصفات وعلم الله سبحانه وتعالى؟ هل هناك إله يستحق العبادة غير الله عز وجل؟ هل هناك شيء في الحياة الدنيا يستحق أن تصطبر من أجله سوى الله سبحانه وتعالى؟

الشيء الذي يستحق أن تصبر من أجله وتصطبر من أجله هو الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل نعم هو يعني قد يقول البعض هل يجوز أن يقال إن الله شيء؟ ذكر أهل السنة والجماعة أن ذلك جائز بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]. طبعا هي ليست من الأسماء الحسنى لكنه من باب الإخبار لأن الله سبحانه وتعالى وجود، وبالتالي نقول الذي يستحق أن تصطبر من أجله وتتعب من أجله ليست هي الحياة الدنيا التي تلهث وراءها.

ليست هو المنصب أو الشهادة الجامعية أو ما شابه ذلك. كل شيء في الحياة الدنيا بالنهاية هي الدنيا، لكن الذي يستحق أن تصطبر من أجله وتتعب من أجله وتجاهد من أجله وتذهب الحياة من أجله دفن الأنفاس من أجله هو ربك سبحانه وتعالى. هل تعلم له سميا؟ هذا صحيح استفهام، هو استفهام المراد منه التعليل، لماذا نحن نصطبر لعبادته؟ لأننا لا نعلم شيئا صفاته وأسماؤه وأفعاله وققدرته وعلمه كصفات وأسماء وجلال ربنا جل في علاه، فهو الذي يستحق أن يقصد وأن يتعب من أجله، ومن تعب من أجل مولاه وصبر واصطبر على عبادته هو الذي يصدق عليه: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 63].

إذا كان هذا الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم فهو أيضا من باب أولى خطاب لنا. أحبائي الكرام نحن في آخر رمضان، في العشر الأواخر، قد أقبلنا عليها، اليوم الثامن عشر، ليلة التاسع عشر، ما بقي إلا أنفاس أخيرة من هذا الشهر، إذا فاعبده واصطبر لعبادته. هذا شعارنا في باقي الأيام، أو في الليالي المتبقيات من هذا الشهر الفضيل، الاصطبار والتعب الجهد من أجل المولى سبحانه. هل تعلم إلها يعبد سواه؟ هل تعلم شيئا يستحق التعب سواه؟ هو سبحانه وتعالى الذي يستحق أن نتعب أنفسنا وارواحنا وأنفاسنا ولحظاتنا وخطراتنا من أجله.

وهو وعدنا أننا إذا تعبنا من أجله أنه سيرزقنا الأنس به واللذة بمناجاته في الحياة الدنيا، وسيرزقنا الجنة من الدار الآخرة. اللهم إنا نسألك ألا تحرمنا من الاصطبار لعبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم إنا نسألك منازل المقربين، ونعوذ بك أن نكون من المطرودين، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.

هنا انتهى هذا الاستطراد، وبعد ذلك سيبدأ موضوع جديد ومعالجة عقدية أخرى في سورة مريم، معالجة قضية اليوم الآخر الذي ينكره الإنسان عبر التاريخ؛ أقوام وأصناف وأجيال كانت تنكر قضية الدار الآخرة وتعترض عليها. كيف رسم القرآن هذا المشهد بطريقة رائعة جميلة فائقة مشهد الدار الآن وكيف ينتقل من مشهد الدنيا إلى مشهد الآخرة؟ انتقالات حقيقة ملفتة للنظر في طريقة عرض الأسلوب القرآني لموضوع الدار الآخرة وحوار المنكرين مع المقرين. نجعله إن شاء الله في مجلس الغد إن كان في العمر بقية. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.