بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد من مجالس التدبر، نتدبر فيه آيات الله سبحانه وتعالى لنتفهم المعاني ونأخذها من حيز التنظير إلى حيز التطبيق والعمل لتكون منهج حياة. ما زلنا نعيش مع أفياء قصة إبراهيم عليه السلام مع والده والحوار الذي دار بينهما، ثم إلى الخطوات الأخيرة أو المراحل الأخيرة التي آل إليها هذا الحوار. إبراهيم عليه السلام يقول لوالده في كلمة الوداع: قال سلام عليك، أمان وطمأنينة، سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً. وقلنا: هذه تحتاج إلى وقفة منك أيها القارئ. إنه كان بي حفياً. انظروا الثقة بالله سبحانه وتعالى في أعظم تجلياتها في منهج الأنبياء والدعاة والمصلحين؛ إنه كان بي حفياً. ثقة بالله سبحانه وتعالى مطلقة، لجوء إلى الله عز وجل ركون إليه، الشعور أنك دائماً في كنف الله سبحانه وتعالى وفي رعايته، وأنه عز وجل لا يهجرك ولا يتركك ما دمت تسير على منهاجه وتتبع مراده.
ويضيف إبراهيم عليه السلام: واعتزلكم وما تدعون من دون الله. نعم، هنا بعد الدعوة وبعد المواجهة وبعد الحوار وبعد الصبر، أمره الله سبحانه وتعالى بالمفاصلة، أمره الله سبحانه وتعالى بالمفاصلة وأن يخرج من بين أظهر القوم الظالمين. كما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخرج من أظهر كفار قريش والانتقال إلى طيبي الطيبة لتأسيس معقل الإسلام، كذلك أمر الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم بالاعتزال والخروج من بين أظهر الكفر، وهذا يدل على أن من أبرز سمات أهل الإيمان المفاصلة بينهم والتمايز بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فالمؤمن يقيم بين أظهر المؤمنين ويمايز في صفه، ولا يظهر التمييع والتعايش غير المقبول مع الذين يحاربون الله ورسوله. كثير من الناس اليوم عندما تخاطبهم بأهمية المفاصلة، مفارقة البدنية والفكرية، البدنية والفكرية عن ديار الكفر وأهل الكفر، يستغرب هذا الخطاب ويستهجن هذا الخطاب، بل بعضهم يصر على أن يقيمنا في معاقلهم وبينهم، وخطابه الدائم أهمية التعايش وأهمية البقاء وأهمية الآن. إذا كانت لك رسالة دعوية وخطاب دعوي مهم أنت تؤديه ولا به غيرك جيد، جزاك الله خيراً، لكن عليك ألا تنسى أن الهجرة إلى الله ورسوله، وأن المفاصلة البدنية والفكرية عن ديار الكفر هذا هو منهج الأنبياء الذي أمرهم الله سبحانه وتعالى به بعد أن تبلغ الدعوة، بعد أن توصلها إلى الناس، بعد أن تحاورهم وتقيم عليهم حجة الله سبحانه وتعالى، لابد أن يكون انتماؤك وهويتك وفكرك وحياتك وصبغتك تنتمي كلها إلى ديار الإسلام ومنهج الإسلام العظيم.
فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، فهو اعتزال للكفر وأهله؛ ماذا أكرمه الله سبحانه وتعالى؟ هو قال: واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً. انظروا الآن الثمرة التي نتجت عن هذا الاعتزال وعن هذا التخلي وعن هذا التجرد لله سبحانه وتعالى. إنسان الآن سيترك قومه، سيترك والده، سيترك عشيرته ويخرج مهاجراً إلى الله ورسوله؛ من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، هذا هو الشعار عوضه الله خيراً منه. هذا هو الشعار الذي حدث مع إبراهيم عليه السلام؛ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب. الآية تريد أن تبين هذا الارتباط، يعني كان بإمكان الآية أن تكون: وعسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً، ثم وهبنا له إسحاق ويعقوب وكذا وكذا، يأتي السياق هكذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريد منك أيها القارئ أن نفهم هذا الارتباط: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. إبراهيم ترك قومه وأقرب الناس إليه، معشره وأحباؤه الذين عاش معهم حياة الطفولة، الوالد، كل الناس الذين كانوا قريبين منه هجرهم واعتزلهم في ذات الله سبحانه وتعالى. لما ترك كل هذه الحياة التي عاشها، الله عز وجل واختار منهج الله والسير على أوامره واتباع أحكامه، لما مشى على هذا الله سبحانه وتعالى ما تركه، عوضه سعادة في الدنيا قبل الآخرة؛ فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، كانت الثمرة الطيبة: وهبنا له إسحاق ويعقوب وهبنا له إسحاق ويعقوب.
طبعاً يعقوب هو ليس ولداً مباشراً لإبراهيم وإنما هو حفيده، والحفيد في مرتبة الولد، فلذلك نسب إلى إبراهيم: ووهبنا له إسحاق ويعقوب. فهبة الولد وهبة ولد الولد هي أيضاً من الأمور الجميلة التي يستأنس بها الإنسان ويفرح بها، ولكن لعل سائلاً يسأل: لماذا لم يقل وهبنا له إسحاق ويعقوب ولم يذكر إسماعيل؟ هذا سؤال أوجّهه لكم يا من تسمعونني: لماذا ركز على إسحاق ويعقوب هنا لما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب؟ هل خطر في ذهنكم لماذا لم يذكر المنّة بإسماعيل قبل إسحاق ويعقوب؟ هل أحد يعني هكذا يمكن يعطي إجابة أو يفكر بصوت مرتفع؟ نحن نفكر ونتدبر ليس أكثر، لكن ألا حاول أن أقوم بالعصف الذهني لعل السامع ينتبه أو يعطي ونشحذ الذهن لعملية التدبر. هل أحد ممكن يعطيني إجابة لماذا لم يذكر إسماعيل وإنما ذكر المنّة بإسحاق ويعقوب؟ أنتظركم ثلاثين ثانية. السلام عليكم. السلام ورحمة الله. هل يمكن تكون كتابة أخي حتى لا نشوش بذات الإمكان أكرمكم الله، يعني أنا فقط حتى يعني يكون التسجيل نقي لإخواننا. لا أعلم، لكن أعتقد أن إسحاق جاء لأن إسحاق سيأتي من ذريته أنبياء أيضاً إسماعيل جاء من ذريته النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه.
لماذا ذكر إسحاق ويعقوب هنا في سياق المنّة والتفضل على إبراهيم، لم يذكر إسماعيل مع أنه سيذكره بعد قليل في سياق منفصل؟ لكن هنا في سياق المنّة ذكر من ذكر إسحاق ويعقوب لأنه من بني إسرائيل. طيب، إيش المشكلة لأنه من بني إسرائيل؟ يعني ما الميزة يعني؟ هل هي قضية كونه من بني إسرائيل؟ أصلاً إسرائيل هو يعقوب يعني قولك إنه من بني إسرائيل ليس دقيقاً أصلاً كتعبير؛ لأن إسحاق أتى بيعقوب، يعقوب هو إسرائيل وإسرائيل وهو يعقوب أتى ببني إسرائيل. طيب، حتى أقتصر قليلاً مما ذكره بعض أهل العلم في هذا الميدان: أن إبراهيم لما هجر قريته، هجر قريته مع سارة زوجته وخرج، قيل خرج إلى مصر وإلى هذه وإلى الأراضي التي حولها. إبراهيم عليه السلام بالنسبة له إسماعيل، إسماعيل نشأ بعيداً عنه كما تعلمون قصة هاجر وإسماعيل؛ إسماعيل لم ينشأ بالقرب من إبراهيم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضع إسماعيل في مكة وأن يغادره، فلم يكن وإن كان فيه شيء من الأنس لكنه كان فيه كثير من لحظات البلاء. إسماعيل عاش بعيداً عن والده في مكة، إسماعيل الذي أمر إبراهيم بذبحه، بخلاف إسحاق ويعقوب، إسحاق ويعقوب كانا ملازمين لإبراهيم في حياته وكانا مؤنسين لإبراهيم ولسارة في نفس الوقت الزوجة الأولى؛ فذكر المنّة بإسحاق ويعقوب كان أظهر في هذا السياق من ذكر المنّة بإسماعيل مع أنه لم يكن في جوار والده، وإسماعيل كان فيه بلاء شديد، وأما إسحاق ويعقوب فكانا يعيشان في جوار والدهما فكانت منة الأنس والرفقة معهم أكثر وأجمل.
الآن سيدنا إبراهيم اعتزل قومه؛ لما اعتزل قومه استوحش، الآن أصبح وحيداً في هذه الحياة، يحتاج إلى من يؤنسه ومن يذهب عنه وحشة التفرد، فكان إسحاق وحفيده يعقوب هو الذي يؤنس إبراهيم ويذهب عنه وحشة التفرد بعد أن هجر قومه ومعشره. أما إسماعيل وإن كان يعني جاء بعد انقطاع، لكن إسماعيل لم يكن بالقرب من إبراهيم، لم يعش مع إبراهيم؛ إسماعيل عاش وحده في مكة بعد أن أمر الله أن يضع هاجر وإبراهيم - إسماعيل - في مكة، غادرهم إبراهيم وعاد إلى زوجته سارة في فلسطين، وهناك جاء إسحاق ويعقوب وكانا يعيشان في كنف إبراهيم وفي أنسه؛ فقضية الأنس بعد الاعتزال تظهر في إسحاق ويعقوب أكثر من إسماعيل، لأن إسماعيل لم يعش في كنف والده. هذا ما ذكره بعض أهل العلم وحقيقة له وجه من النظر يستحق منك أن يعني تفهم وتتدبر وتعيد النظر في هذه الفكرة أكثر وأكثر، لأنه فعلاً إسماعيل قبل إسحاق فلماذا يذكر إسحاق ويعقوب ولا يذكر إسماعيل؟ لأن إبراهيم لما اعتزل كما قلنا استوحش، ومن استوحش يطلب الأنيس، والأنس إنما ظهر في إسحاق ويعقوب ولم يظهر في إسماعيل، وإن كان أكيد في بداية ولادة إسماعيل إبراهيم فرح وسر، لكن في النهاية كان فيه بلاء شديد: أن أمر إبراهيم بوضعهم في مكة وتركهم، وأن أمر إبراهيم بعد ذلك بذبح إسماعيل وابتلي بذلك؛ فالمنّة تظهر في إسحاق ويعقوب أكثر، والله تعالى أجل أعلم.
إذا هذه هي القاعدة العامة، هذه هي القاعدة العامة التي ينبغي على المؤمن أن يعقلها: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. اعتزل إبراهيم قومه لله سبحانه وتعالى فجاءته العطايا. كثير من الناس تقول له: اترك هذا الشيء لله، التزمي اختي الكريمة بالحجاب الشرعي لله، اترك الحرام ابتغاء مرضاة الله؛ سيعوضك الله سبحانه وتعالى الكثير من السعادة والأنس. انظر ماذا عوض الله عز وجل زكريا، انظر ماذا عوض الله مريم، انظر ماذا عوض الله إبراهيم، هذه كلها عوض الله سبحانه وتعالى وعطاؤه الجزيل الكبير. علينا إذاً أن ننظر لهذه القاعدة وأن نحسن الظن بالله سبحانه، فعلاً إنه كان بي حفياً، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً؛ هذه الثقة المطلقة بالله سبحانه وتعالى انظر كيف أثمرت: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وقال وكلا جعلنا نبياً. يعني إسحاق ويعقوب كانا مؤنسين وزادهما الله سبحانه وتعالى تشريفاً وتكرمة لوالدهم أن جعلهم أنبياء أيضاً وهم مؤنسون لوالدهم، ومن زيادة التشريف لإبراهيم أن جعل من ذريته الأنبياء، فإبراهيم هو أبو الأنبياء على الإطلاق بجناحيه: جناح إسحاق وجناح إسماعيل؛ جناح إسحاق جاء منه أنبياء بني إسرائيل، وجناح إسماعيل جاء منه النبي الأعظم لهذه الأمة النبي الأعظم عبر التاريخ صلوات ربي وسلامه عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذاً هذا كله من التكرمة لهذا الرجل الذي صبر واحتسب عند الله سبحانه وتعالى الهجرة والعزلة، فكانت هذه الثمار الطيبة وكلا جعلنا نبياً. انظروا أيضاً ليس كذلك: ووهبنا لهم من رحمتنا. يخبر الله أنه أيضاً أكرم إسحاق ويعقوب فوهب لهم من رحمته، ماذا وهب لهم من رحمتنا؟ ولاحظوا كلمة الرحمة التي تتكرر في السورة: تتكرر في زكريا: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا، ومريم: إنّي أعوذ بالرحمن منك، وهنا: ووهبنا لهم من رحمتنا. كلمة الرحمة تتألق في أفياء هذه السورة لتخبر وكأنها تريد أن تقول لك أيها القارئ: إنه الرحمن، إنه صاحب الرحمة المطلقة؛ فإياك أن تيأس، إياك أن تحبط، إياك أن تنقطع، إياك أن تبتعد، إنه الرحمن صاحب الرحمات ووهبنا لهم من رحمتنا. ماذا وهب لهم؟ يعني الآن وهب فعل يأخذ مفعولاً به ووهبنا لهم من رحمتنا كذا وكذا، مثلاً سيأتي معنا في موسى بعد قليل إن شاء الله: ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً. طب هنا في إسحاق ويعقوب قال: ووهبنا لهم من رحمتنا، لكن لم يبين ما هو الشيء الموهوب؛ وهبنا لهم مثلاً ذرية؟ وهبنا لهم أموالاً؟ وهبنا لهم صحة؟ ما ذكر؛ لماذا ما ذكر؟ حذف الموهوب. قالوا: للدلالة على العموم؛ أي ووهبنا لهم أشياء كثيرة لا يمكن حصرها في هذا السياق، فحذف المفعول به، حذف الموهوب للدلالة على التكثير ووهبنا لهم من رحمتنا أشياء كثيرة.
كأن هذه الكلمة المحدودة من السياق: ووهبنا لهم من رحمتنا أشياء كثيرة، من المال، من الصحة، من النبوة، من العلم، من الفهم، من من كثير من الأمور لا يمكن حصرها في هذا السياق، فحذفها دلالة على كثرتها وعمومها، ودلالة على سعة تفضل الله سبحانه وتعالى على إبراهيم وذريته. إذاً: ووهبنا لهم من رحمتنا أشياء كثيرة وجعلنا لهم. طبعا الضمير في ووهبنا لهم يعود والله أعلم على إبراهيم ويسحاق ويعقوب، ليس فقط على إسحاق ويعقوب، لأنه لو كانت على إسحاق ويعقوب لقال وهبنا لهما، لكن قال وهبنا لهم أي لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهبنا لهم أشياء كثيرة وجعلنا لهم -لإبراهيم وإسحاق ويعقوب- لسان صدق علياً. لسان الصدق هو الثناء الجميل الصادق، والله سبحانه وتعالى منح إبراهيم وأل إبراهيم أن الناس تثني عليه إلى يوم القيامة، الله سبحانه وتعالى ميز إبراهيم وآل إبراهيم بأن الناس تثني عليهم ثناء صادقاً. لسان الصدق هو الثناء الصادق، الناس تثني عليهم إلى يوم القيامة ثناء عالياً فخماً. هل أحد منكم يستطيع أن يخبرني كيف نحن نثني على سيدنا إبراهيم وآله ثناء عالياً إلى يوم القيامة لا ينقطع مصداقا لهذه الآية، شيء تفعلونه يومياً أن يخبرني سريعا هكذا من باب العصف الذهني أيضاً؟
أحسنتِ قسمتي اختي الكريمة: الصلاة الإبراهيمية، نحن في كل صلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. انظروا فعلاً مصداق الآية، أن الله سبحانه طلب منا أن نثني على إبراهيم وعلى آله آله ثناء صدق عالياً إلى يوم القيامة، وهذا وهذه أصلاً هي دعوة سيدنا إبراهيم في سورة الشعراء: واجعل لي لسان صدق في الآخرين. لما قال سيدنا إبراهيم في سورة الشعراء: واجعل لي لسان صدق في الآخرين، هو سأل الله سبحانه وتعالى أن الناس
فالله استجاب دعوة سيدنا إبراهيم، فجعل له ولذريته لسان صدق وثناءً عالياً. كل هذه الهبات العطايا متى جاءت؟ لما مشى على منهج الله. هذا ما تريد الآية أن تركزه. كل هذا هو نتيجة.
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: 49]. لما ترك هذه الأشياء، وإن كانت ثقيلة؛ أن تترك معشرك وأهلك وأحباءك، تتركهم لله وتهجرهم في ذات الله، جاءت كل هذه العطايا والجوائز؛ إسحاق ويعقوب والنبوة لهما، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمَا جَمِيعًا مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50].
الآيات تدفعك إلى أن ترسخ في مقام المحبة لله، والاحتفاء بالله، والاحتفاء بمنهج الله، وأن يكون الله هو أولاً دائماً في حياتك قبل نفسك وقبل كل شيء. إذا جعلت الله أولاً في حياتك، ستجد الله سبحانه وتعالى دائماً تجاهك. احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك. تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة.
كل هذه المعاني تتجلى من بين أفياء هذه الآيات الجميلة. ثم ما زالت الآية تذكر لنا أيضاً من جاء من نسل إسحاق ويعقوب، فهذا موسى الذي هو من ذرية إسحاق ويعقوب، وهي من الرحمات التي أتت من ذرية إبراهيم.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ [مريم: 51]. يا محمد صلى الله عليه وسلم، اذكر أيضاً موسى. موسى عليه السلام من الأنبياء، بل من أولو العزم من الرسل، حياته وقصته عجيبة، بل هي أطول قصة نبي تذكر في القرآن في مواطن متعددة ومعالجات شديدة.
لأن موسى عليه السلام كان مخلصاً، وفي قراءة الجمهور كان مخلِصاً. هذه الآية فيها قراءتان؛ القراءة الأولى أنه كان مُخلَصاً، أي الله خلصه واصطفاه واجتباه. وفي قراءة الجمهور أنه كان مُخلِصاً، أي كان هو شخصية تتميز بكمية كبيرة من الإخلاص لله سبحانه وتعالى، شخص اكتفى بالإخلاص، يحتفي بالتوجه إلى الله عز وجل. الأنبياء كلهم مخلصون، لكن هنا في مزية، في اعتناء، في احتفاء، أن موسى كان يهتم ويحتفي ويعتني بهذه الخصلة جداً، فاستحق أن يذكر بها وإن كانت هي مشتركة بين جميع الأنبياء.
كان مُخلِصاً ومُخلَصاً؛ مُخلِصاً لله متجهاً بقلبه إلى الله وحده، فأخلصه الله واصطفاه واجتباه. ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 51]. فهو رسول وهو نبي.
وذكرنا في المجلس السابق التفرقة بين الرسول والنبي، أن الرسول هو من يؤتى بشرع ليبلغه إلى قوم كفار معاندين، والنبي هو من يوحى إليه بشرع لكنه بالإصلاح والتجديد في قوم مسلمين ضعف إسلامهم أو كثرت عندهم الانحرافات. وموسى كان مبعوثاً إلى قوم كفرة؛ إلى فرعون وجنوده، وفي نفس الوقت أيضاً كان مصلحاً في بني إسرائيل يعالج أخطاءهم وانحرافاتهم، ولذلك كان رسولاً وكان نبياص في الوقت نفسه.
ومن هنا الآيات بدأت تختصر مشاهد الأنبياء؛ لأنها تريد أن تعطيك المنهج العام، منهج أهل الصراط المستقيم، منهج الذين أنعم الله عليهم. بدأت تذكر أبرز صفة في كل نبي ويأتي الإيقاع سريعاً كما يقولون؛ ميزة موسى الأساسية أنه كليم الرحمن، فلذلك ذكرت واقتصر عليها. وطبعا ذكر بعدها ميزة أخرى له، لكن هي الصفة الأساسية في موسى أنه كليم الله عز وجل.
فقال سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52]. وهذا يدل على أنه فعلاً كان مخلصاً، مما أخلصه الله واصطفاه واجتباه خصصه بهذه الميزة؛ أنه كان كليم الرحمن.
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾. الله سبحانه جل في علاه بذاته بدون واسطة أي ملك، الله ناداه من منطقة الطور، والطور هو الجبل؛ جبل سيناء الذي يقع في سيناء. الله يخبر أننا ناديناه من جانب الطور الأيمن؛ من المنطقة اليمنى من الطور، ناداه ربه: ﴿أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. سيأتي تفاصيل هذا النداء في سورة طه.
﴿نَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، أي قربناه إلينا. شف ما أجمل هذه العبارة! الله جل في علاه يقول: قربناه. الله يقرب عبده؛ قربناه حالة كونه مناجياً من قبلنا. المناجاة هي المحادثة السرية؛ المناجاة يا أحبابي هي المحادثة التي فيها سرية وخفاء.
فالله سبحانه فعلاً يرينا كم حجم الإخلاص والاصطفاء لسيدنا موسى، تختص أن الله بذاته جل في علاه يناديه ويقربه ويحدثه محادثة سرية لم يطلع عليها أي أحد. ما أجمل هذا الاصطفاء! وما أجمل هذا الاجتباء! وما أجمل هذا الاختيار أن الله سبحانه يخاطب عبده بنفسه من دون واسطة! هل هناك اصطفاء بعد هذا الاصطفاء؟ وهل هناك اختيار بعد هذا الاختيار؟
ويخبر سبحانه أيضاً بأمر آخر؛ قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53]. آه، في موسى الله سبحانه وتعالى أُخبر ما الذي وهبه؛ قوله: لأنه أمر عظيم كان هنا يستحق الذكر. وهب له من رحمته، ولاحظ كلمة الرحمة كيف تتألق في هذه السياقات كل حين. سورة مريم سورة الرحمات، سورة مريم هي سورة الرحمات تريد أن تجلي وترسخ في قلبك مفهوم الرحمة الإلهية، فأنت تحتاج دائماً إلى أن يرحمك الله في استيقاظك، وفي حياتك، وفي عملك، وفي نومك، وفي كل تقلباتك.
فانظروا إلى رحمات الله لمن يسير على منهج الاستقامة. هذه الرحمات متى أتت؟ لما كان هؤلاء الأنبياء وأتباع الأنبياء يسيرون على منهج الاستقامة، استحقوا هذه الرحمات. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: 53]. هذه من أعظم الهبات التي وهبها الله لموسى؛ أن عضد ظهره وشد أزره بهارون، ذلك النبي الصالح الفصيح، وهي استجابة أيضاً لدعوة نبي.
وانظروا كيف هنا نتكلم نحن عن دعوات واستجابات؛ هذه حقيقة شيء يلفتني في سورة مريم. زكريا يدعو تأتيه الإجابة، إبراهيم يدعو ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48] تأتيه الإجابة جعل ربه الثناء الحسن، أعطاه الله الثناء الحسن، سأل الله الذرية أعطاه الله الذرية. موسى يدعو: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: 25-30] تأتيه الإجابة.
لاحظوا من سار على منهج الله ورفع يده إلى الله، الله سبحانه وتعالى يجيب دعاءه ولو بعد حين. هذه عقيدة، هذه معاني وسمات وقيم سورة مريم تغرسها في نفوسنا؛ دعوات وإجابات ورحمات من الله تترا.
إذاً، ووهبنا له من رحمتنا بعد أن دعا، بعد أن دعا موسى ربه: اشدد ظهري يا ربي وهارون. الله استجاب الدعاء، فشد أزره وظهره بهارون، النبي الصالح. يعني ليس فقط الله ساعده بهارون، بل جعل هارون نبياً. انظروا هذه الرحمات، كما أن الله سبحانه أعطى إبراهيم الذرية وجعلهم أيضاً أنبياء، الله عز وجل أعطى موسى هارون وجعله أيضاً نبياً، وهذا تكريم بعد تكريم، وتشريف بعد تشريف.
ثم بعد ذلك تأتي الآية إلى الجناح الآخر من ذرية إبراهيم، وهو إسماعيل؛ فموسى هو من جناح إسحاق ويعقوب، الآن نذهب إلى الجناح الآخر من ذرية إبراهيم وهو أيضاً كان منة من الله سبحانه وتعالى على إبراهيم بشكل من الأشكال؛ إسماعيل عليه السلام.
وانظروا القيم التي ذكرها الله في إسماعيل؛ قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إسْمَاعِيلَ﴾ [مريم: 54]. قص على أصحابك؛ إيش الصفة البارزة في إسماعيل قبل أن يكون رسولاً نبياً؟ ما هي الصفة البارزة؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: 54]. التركيز في القرآن على القيم والأخلاق، مش فقط هو داعية أو رسول يخبر عن التوحيد، هو أيضاً إنسان صاحب قيم، صاحب أخلاق، صاحب صفات عالية، حتى استحق أن يكون داعية.
مش كل إنسان أحبابي الكرام يصلح أن يكون داعية؛ لابد أولاً قبل أن تمارس الدعوة إلى الله أن تتمثل بها منهجا و أخلاقاً في حياتك، ثم بعد ذلك تستحق الاجتباء والاصطفاء. الأنبياء لما جعلهم الله رسلاً وأنبياء، كانوا قبل ذلك يمتازون بالقيم والأخلاق العالية. إسماعيل قبل أن يخبر الله أنه كان رسولاً نبياً، أخبر بأنه كان صادق الوعد؛ إنسان إذا وعد يفي.
طبعا كما قلنا هذه الصفة تكون في كل الأنبياء، لكن يكون هذا النبي عنده احتفاء واهتمام بهذه القضية بشكل عالي، عنده احتفاء واهتمام بهذه القضية بمستوى عالي جداً. فواضح أن إسماعيل قضية الوعد والوفاء به كانت تشكل هماً وهاجساً في حياته حتى وصفه الله عز وجل بهذا الوصف الفخم: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 54]. كل شيء يعده يصدق به، وهذا من صفات أهل الإيمان، ومن صفات المنافق: إذا وعد أخلف.
فإذن ننتبه أحبابي الكرام، لا أصلح أن أكون أنا داعية أو مدرس شرعي وأنا من صفاتي أنني والله أخلف الوعد؛ إذا وعدتك بجائزة، إذا وعدتك بموعد، بحضور، بمجلس، بزيارة، أخلف ولا آتي في الموعد المحدد. هذه إشكالية؛ صفات الدعاة القيم والأخلاق أولاً. ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾؛ فهو رسول إذا واضح أنه خاطب الكفرة، ونبي إذا هو أيضاً اصطفى في قوم من أهل الإيمان.
وكان، شوف الميزة العالية فيه: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]. وهذه أيضاً صفة أنا ألاحظها في سورة مريم الآيات تركز عليها؛ العلاقة بالدائرة الضيقة، علاقة الداعية بأسرته، بالناس المقربين منه، ينبغي أن تكون في أعلى درجات الإتقان والإحكام. ربنا عز وجل وصف يحيى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: 14]، وعيسى بن مريم على لسانه ينطق: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: 32]، وإسماعيل: ﴿وَكَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾.
إذاً الدعاة إلى الله يهتمون بآبائهم، يهتمون بأمهاتهم، يهتمون بإخوانهم، بأخواتهم، بأبنائهم. لا يصلح أنك تكون داعية تنسى أهلك وأقاربك ومعشرك والدائرة القريبة منك؛ أحق الناس تبدأ بهم وتصلح شأنهم وتهتم بأمورهم وعبادتهم هم أبناؤك، هم زوجتك، هم والدك ووالدتك. إياك يا أيها الداعية أن تغفل عن هذه الصفات التي يذكرها الله ويقصد ذكرها لنا؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾.
شف الختام: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55]. ما أجمل هذا الوصف والله أحبابي الكرام! وما أعظم هذا الاصطفاء والاجتباء؟ يعني ربنا راضي عنا، هل هناك بالله أعلى من هذه الشهادة الإلهية؟ الله جل في علاه يقول: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. الله يقول إنه كان راضياً عنه، الله يخبر أنه كان راضياً عنه؛ ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.
نحن نبحث عن رضا الناس في أقوالنا بأفعالنا، لكن هل نحن سألنا: يا رب هل أنت راض عنا؟ يا رب هل نحن في كنفك وفي رعايتك؟ يا رب هل تحبنا؟ هل أنت راض عن أفعالنا، عن تصرفاتنا؟ الله جل في علاه يقول عن إسماعيل: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾، أنا راضٍ عنه.
ما أجمل هذا الكلام والله أحبابي! شيء تتقطع له النفوس وتشتاق له القلوب؛ ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾، الله يشهد له أنه رضي عنه، انتهى كل شيء، خلص. ماذا يريد إسماعيل أكثر من هذا؟ ماذا تريد أعظم من هذه الشهادة ومن هذا الاجتباء ومن هذا الاصطفاء؟ يا إسماعيل الله من فوق سبع سماوات يقول: أنا راضي عنك. كلام في غاية الجمال وفي غاية التأثير وفي غاية البهاء؛ أن الإنسان يكون يفكر بمثل هذه القضايا ويهتم ويحتفي بها نصف وربع ما نهتم بقضايا الحياة الدنيا التافهة التي تدور حولنا.
ننتقل إلى إدريس: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: 56]. انظروا هذا الاستعراض السريع للأنبياء. طبعا إدريس قال هنا: عدنا خطوات إلى الوراء إلى ما قبل إبراهيم؛ لأن إدريس على ما عليه الجمهور كان قبل إبراهيم، ليس هو من بني إسرائيل ولا شيء، ولم يأت إلا قبل إبراهيم، بين نوح وإبراهيم، كما ذهب إلى ذلك أكثر أهل التفسير.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 56]. صديقاً؛ كثير التصديق، مبالغة، شديد التصديق بوعد الله والثقة بالله. ولاحظوا السورة، سورة مريم تركز على موضوع الثقة بالله أحبابي الكرام، تركز على: إبراهيم صديق، زكريا صديق، مريم صديقة. السورة تتكلم عن الصديقين، لأن مريم وصفت بأنها صديقة، وإبراهيم وصف بأنه صديق، وإدريس يوصف بأنه صديق.
الصديقون الذين يثقون بالله ويثقون بوعد الله سبحانه وتعالى، ويلتجئون إلى الله، ويفزعون بقلوبهم إليه. هذه هي الصديقية التي وصلت حتى إلى أبي بكر الصديق، صاحب النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 56-57]. الآن الله يخبر أن إدريس رفع مكانًا علياً. اختلف المفسرون هل إدريس رفع إلى السماء حياً كما رفع عيسى؟ هذا قول، وكثير من أهل التفسير يقول: بل رفعة المكان العليا المراد بها الرفعة المعنوية، أن الله سبحانه جعل له مكاناً علياً بين أهل زمانه وخلقه، بل جعل له مكاناً علياً إلى يوم القيامة، أن ذكره لنا ونحن نترضى عنه ونصلي عليه ونحبه.
إدريس من الأنبياء الذين نحبهم ونترضى عليهم؛ بأن الله أخبرنا بنبوته واخبرنا بصديقيته، فلا نحبه؟ فهو من الأنبياء الكرام رفعهم الله مكاناً علياً.
ثم تأتي الآية تخبر؛ يعني الآن الله عز وجل اعطانا نبذة سريعة عن بعض الأنبياء وقائمة الصديقين تطول. هنا الآية ليس هدفها أو السورة ليس هدفها استقراء لجميع الصديقين ولجميع الأنبياء، فهناك كثير من الأنبياء لم يذكروا أيضاً مثل نوح وما شابه ذلك لم يشار إلى قصصهم، لكن هنا تأتيك الخلاصة، الفكرة الخلاصة النهائية.
هؤلاء الذين أنعم الله عليهم، كل من يبحث عن منهج الصراط المستقيم؛ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] يا محمد صلى الله عليه وسلم، ويا أصحاب محمد، ويا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو النهج: أولئك ومن سار على درب أولئك.
إشارة إلى كل من تقدم ذكره؛ زكريا ويحيى، عيسى ومريم، إبراهيم واسحاق ويعقوب، موسى وهارون، إسماعيل وإدريس، وكل من سار على دربهم. أولئك؛ شف هذه الإشارة تدل على رفعة المكان، إشارة إلى بعيد إلى رفعة أولئك الذين أنعم الله عليهم، يا من تدعون: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]، يا من تبحثون عن منهج...
الذين أنعم الله عليهم، هذا هو المنهج؛ قصصته لكم فيما سبق: منهج الثقة بالله، منهج الدعاء، منهج الحوار المؤدب الراقي، منهج الأخلاق والقيم. هذا ما مر معنا في قصص الأنبياء السابقين، هذا هو المنهج، هذا هو الطريق.
خذوه كاملاً؛ خذوا التوحيد، خذوا الأدب، خذوا القيم، خذوا الثقة بالله، خذوا الوعد الدعاء، خذوا الالتجاء إلى الله. انظروا في قصصهم واقتفوا آثارهم، فهذا هو صراط الذين أنعمت عليهم. إذاً، أولئك الذين أنعم الله عليهم من مين؟ هل هم فقط الأنبياء؟ لا، قال أولاً من النبيين؛ نعم، أو أعلى الناس في الصراط المستقيم هم الأنبياء. قال أولاً من النبيين وذكر الحلقات الأساسية في التاريخ؛ الحلقات الأساسية في التاريخ للنبوة: آدم، نوح، إبراهيم. قال: من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح في السفينة، ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل؛ إسرائيل هو يعقوب، لأن يعقوب هو تفرع بنو إسرائيل، إسرائيل هو نفسه يعقوب، ومنه تفرع كل الأنبياء الذين يقال أنبياء بنو أو أنبياء بني إسرائيل.
فذكر هذه الآية أقطاب النبوة عبر التاريخ، تمام؟ ذكرت آدم، نوح، إبراهيم، إسرائيل، ثم قالت: وممن هدينا واجتبينا. إذاً أولئك الذين أنعم الله عليهم ليسوا فقط أنبيأ، بل أيضاً كل من هداه الله واجتباه واختاره ويدخل تحت الذين أنعم الله عليهم. لذلك قال: من النبيين وممن هدينا واجتبينا. وهنا يأتي الختام بصفة بارزة يجب أن تكون في الأنبياء، ويجب أن تكون في كل من هداه الله لمنهج الأنبياء. وهذه الصفة البارزة تستحق منا النظر.
قال: إذا تتلى عليهم آيات الرحمن. شف أيضاً كلمة الرحمن كيف تتألق مرة أخرى في السياق. إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً. إذاً الله عز وجل هذا الختام يجب أن يتأمل فيه، والله أحبابي الكرام، الله لما يخبر عن أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين وممن هدينا واجتبينا؛ الصفة العامة الشاملة لكل هذا المنهج أنهم قوم شديدو التأثر، قوم شديدو الحساسية الداخلية إذا تليت عليهم آيات الله.
قوم إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم كيف يكون حالهم؟ وهذه الآية والله تبكينا على أنفسنا أحبابي الكرام، فلتجعلنا نتأسف على حالنا. الإنسان ينظر في حال أهل الصراط المستقيم ثم ينظر في حاله، فوالله يبكي. أهل الصراط المستقيم؛ هناك ميزة أساسية عامة شاملة لهم جميعاً، كانت صفات هؤلاء القوم، وهذه أول مرة تذكر في السياق في سورة مريم، أنهم إذا سمعوا آيات الله كيف يكون حالهم؟ كيف يكون تفاعلهم مع النص القرآني؟ هل حالهم أنهم يتلقونه بقلوب قاسية لا تدمع العين ولا يرق الفؤاد؟ ليس هذا حال أهل الصراط المستقيم، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا. شف عبارة خروا؛ كأنه نزول قوي عنيف، خروا سجداً وبكياً.
آه إذاً حالهم أنهم يخضعون لله ويبكون؛ نفوس حساسة، نفوس جياشة، نفوس محبة، نفوس متعلقة، نفوس مدركة من هو الله سبحانه وتعالى. فبمجرد أن آيات الله تتلى عليهم خروا سجداً وخروا بكياً، تفيض أعينهم بالدمع شوقاً إلى الله وخوفاً من الله ورجاءً لله. إذاً هذه صفة بارزة يا إخواني، واضح أن القرآن لما ختم به المشهد، هو يختم بصفة مهمة جداً؛ القوم كانوا شديدي التأثر.
نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم. هذه صفة من يتلقى القرآن: الأقشعرار، أن يشعر أن القرآن ينفضه نفضاً ويؤزه أزاً؛ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم. بعد الأقشعرار تأتي اللين والهدوء والسكينة والطمأنينة، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. إذاً القرآن يرسم لنا المشهد الذي يجب أن يحصل معنا عندما نسمع القرآن، القرآن يخبرنا عن نفسه، القرآن يخبرنا أنكم إذا سمعتموني فعليكم أن تكونوا هكذا.
إذاً تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً. هذه صفة أهل الصراط المستقيم، أين نحن من هؤلاء؟ هذا ما يجب علينا أن ننظر فيه أحبابي الكرام. لذلك يشرع هنا السجود، هذه من مواطن السجدات في القرآن، وكأنه امتثال سريع منا، وكأنه امتثال سريع منا لهذا النص أننا نقرأ هذه الصفة لأهل الصراط المستقيم ونمتثلها مباشرة. فشرع السجود لأهل الإيمان عند هذا المقطع في الآية ثمن وخمسين من سورة مريم، سجدة تلاوة امتثال مباشر، ومحاولة استشعار أننا من أهل الصراط المستقيم. كان الآية تريدك أن تتفاعل مع أهل الصراط، وأول شكل من أشكال التفاعل أن تسجد سجدة التلاوة، كأنك تلحق بالركب وكأنك تحاول أن تقتفي آثارهم.
إذاً هذا الختام يجب أن تنتبه له: أن الصفة البارزة لأهل الصراط المستقيم؛ التأثر، الشوق، الحنين، الخوف، الحب لله سبحانه وتعالى، ويتجلى هذا في: إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً. يخر على وجهه ساجداً باكياً، تنزل دموع حارة خوفاً وحبا وإجلالاً وتعظيماً لهذا الإله العظيم، إله يعبد، إله الرحمات الرحمن، يأتي معنا في كل مشاهد السورة: إذا تتلى عليهم آيات ربهم الرحمن خروا سجداً وبكياً.
سأقف عند هذا المشهد اليوم بإذن الله، وننظر في الخلف الذين أتوا بعد سلسلة الأنبياء وبعد سلسلة هدينا واجتبينا. من الذي خالفهم ممن عاندوا وخرجوا عن أمر الله؟ وهل فتح لهم باب التوبة؟ وعن نعيم الجنة كيف ختم المشهد والدرس؟ لأن المشهد لسه لم يختم بعد: فخلف من بعدهم خلف. هذا ما زال تكملة لهذا الدرس، سنتكلم بإذن الله عن هذه التكملة والتتمة في مجلس آخر من مجالس التدبر.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. أحبابي الكرام، دائماً تلقوا القرآن بهدوء وعيشوا مع النص بأجمل صوره وتجلياته، وتذكروا أنكم لا تقرؤون كلام بشر؛ تذكروا أن كل كلمة بين أيدينا نقرأها ونتلوها هي كلمة تكلم بها ربنا سبحانه وتعالى. هذا أعظم شيء يجعل القرآن يؤثر في قلبك: أنك تكون وأنت تقرأ كل كلمة تتذكر دائماً أن كل كلمة تكلم بها ربنا نزلت من سبع سماوات إلى الأرض وهي الآن بين أيدينا.
نحن نمتلك كنزاً عظيماً، نحن نمتلك ثروة هائلة، نحن نمتلك شيئاً والله كما قال عثمان: لو صفت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا. اللهم إنا نعوذ بك أن نكون من المحرومين، نعوذ بك أن نكون من المخذولين، أنت ولينا فانصرنا على القوم الكافرين. جزاكم الله خيراً على الحضور والاستماع.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل