بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد في تدبر سورة مريم، نفتح فيه على قلوبنا الأقفال، ونحاول أن نلج إلى معاني كتاب الله سبحانه وتعالى، مستخلصين متدبرين متأملين، سائلين الله سبحانه وتعالى أن تثمر هذه العملية وهذا المنهج التدارسي في حياتنا سلوكاً وعملاً، لينتقل القرآن حيز القراءة والتفسير والفهم العام إلى حيز التطبيق والعمل، ليكون له بصمة على أنفسنا، على واقعنا، على تصرفاتنا وسلوكياتنا، ومن أجل هذا أنزل القرآن.
في المجلس السابق أسدلنا الستار أحبابي الكرام على قصة المسيح عيسى ابن مريم، وعرفنا الحقيقة الصادقة كيف جاء عيسى ابن مريم وإنما هو عبد لله سبحانه وتعالى كما نطق. فصار بادعائهم أن عيسى هو جزء من الإله أو أن الإله حل فيه، وبينا عقيدة التوحيد الخالص؛ هذه العقيدة التي لا تختص فقط بعيسى ابن مريم، ولا بزكريا، ولا بيحيى الذين ذكرناهم في مطلع هذه السورة، بل هي عقيدة الأنبياء السابقين وعقيدة الأنبياء اللاحقين، هي عقيدة ورثها الأنبياء كابراً عن كابر وجيلاً عن جيل.
وهنا يأتي المشهد لينقلنا إلى أبي الأنبياء، ينقلنا إلى من صدع بدعوة التوحيد، ونافح من أجلها وذب عنها ونقحها ووضحها. تذهب السورة إلى إبراهيم عليه السلام، الذي يعتبر عيسى ابن مريم ويحيى وزكريا وكل الأنبياء من بعده إنما جاءوا من نسله؛ إما من نسل إسحاق وإما من نسل إسماعيل. فسيدنا إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء، وكل الطوائف اليهودية والنصرانية تحاول أن تجذب إبراهيم إلى عقيدتها.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67]. فالقرآن كثيراً ما يؤكد على وحدانية إبراهيم لله سبحانه وتعالى، على تحقيقه لهذا المقام في أجلى وأعظم تصوراته وتجلياته. لماذا؟ لأن إبراهيم كل الفرق اليهودية والنصرانية والعربية هي كل الفرق تنسبه إليها في الديانة في الأفكار في المعتقدات، فتجليت عقيدة إبراهيم هو أساس في الخطاب القرآني.
وتجربة أن إبراهيم إنما كان موحداً لله، يدعو إلى عبادة الله وحده من دون ولد، من دون ادعاء الولد، من دون اتخاذ أصنام، من دون ما يفتريه اليهود، ومن دون ما يزعمه النصارى، وإنما هي عقيدة التوحيد الخالص. هذا مقصد قرآني يتجلى في العديد من السور، وها نحن في سورة مريم نصل إلى هذا المشهد.
يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم: 41] أي كما قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 16]، وقال في مطلع السورة: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: 2]. الآن جاء الوقت للعودة إلى الخلف قليلاً. دعونا الآن نعود إلى الخلف لننظر في أبي الأنبياء، ماذا كان يفعل؟ وماذا كان منهجه؟ هل كان يدعي الولد لله؟ هل كان يفتري على الله ما تفترون أنتم أيها النصارى واليهود أم كان موحداً خالصاً لله؟
قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41]. إذاً سيدنا إبراهيم وصف أيضاً بما توصف به مريم العذراء، وبما يوصف به الأنبياء عموماً؛ التصديق لله سبحانه وتعالى، وليس التصديق بل شدة التصديق، قمة الإيقان بالله عز وجل. إنه كان صديقاً، وهذا يدل أحبابي أن شعار الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى من أعظم السمات التي يجب أن تكون فيهم التصديق بوعد الله، الثقة بالله سبحانه وتعالى، الثقة المطلقة أن الله سبحانه وتعالى معك أيها الداعي يحيطك وهو حفي بك كما سيأتي مع سيدنا إبراهيم، ويرعاك وأنك في جنبه.
هذا الشعور بالثقة بالله سبحانه وتعالى صفة مميزة، إذاً إياك أن تضعف عنها، وإذا ضعفت حاول أن تعود إليها، فإنها من صفات كبار المؤمنين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين. ومرتبة الصديقية مرتبة عالية، ليس من السهل أن يصل إليها الإنسان، بل تحتاج إلى تعب وجهد، لكنها من صفات الأنبياء والصالحين.
في حين إذاً: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41] بلغ غاية التصديق بوعد الله والثقة بالله سبحانه، وفي نفس الوقت كان نبياً مرسلاً. سيدنا إبراهيم نبي ورسول في نفس الوقت، وهناك كلام كبير بين علماء العقيدة في التفريق بين النبي والرسول. والذي يميل إليه الإنسان في هذا الميدان أن نقول: إن الرسول هو الذي أوحي إليه بشريعة ليخاطب بها قوماً كفاراً، وأما النبي الذي ليس برسول فهو الذي أوحي إليه بشريعة تعاليم لكنه لا يرسل إلى قوم كفار، ولكن يرسل إلى قوم ضعف إيمانهم وخلطوا فيه ليجدد لهم معالم الدين.
هذا هو الفرق الذي نذهب إليه بين النبي والرسول، لأن هناك أقوالاً أخرى تقول إن الرسول هو الذي أوحي إليه بشرع وامر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ. لكنني لا أذهب إلى هذا وأرى أن فيه إشكالاً، كيف أن النبي لا يؤمر بالتبليغ وما وظيفة النبوة إلا الأنباء والأخبار؟! فلذلك الصحيح والله تعالى جل أعلم أن الرسول هو الذي يوحى إليه بشريعة ليخاطب بها الكفار المعاندين، والنبي هو الذي يوحى إليه بأخبار ليجدد بها إيمان قوم في الأصل مؤمنين لكنهم ضعفوا وقصروا كحال أكثر أنبياء بني إسرائيل.
بنو إسرائيل كثر فيهم الانبياء الذين كانت وظيفتهم تجديد ما بلي من إيمانهم، من انحرافات العقدية عندهم، التشوهات الفكرية، وأما الرسل فإنما يبعثون إلى قوم كافرين محاربين لله ورسوله ابتداء. المهم سيدنا إبراهيم عليه السلام كان نبياً وكان رسولاً، أرسله الله سبحانه وتعالى، وحياته مليئة بالمناظرات العلمية والمجادلات الفكرية. حقيقة شخصية سيدنا إبراهيم عليه السلام شخصية تستحق منك يا قارئ القرآن التدبر والتأمل.
فالله سبحانه وتعالى أخبرنا عن حوارات عديدة خاضها سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ حواره في سورة الأنعام مع قومه اجتماع الشمس والقمر والنجوم والكواكب، حوار مع قومه في عبادتهم للأصنام. وهنا تقص سورة مريم حواراً من هذه الحوارات. يعني إذا لاحظت سيدنا إبراهيم عليه السلام أكثر ما يركز القرآن في شخصيته على حواراته العلمية، حواراته الفكرية العلمية، فالله سبحانه وتعالى آتاه حجة وبياناً، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83].
فإبراهيم عليه السلام القرآن يركز عموماً على مجادلاته الفكرية ليدلل على أن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى من أهم أسس الدعوة إلى الله أن تمتلك حجة وبياناً وقدرة على الحوار طرح الأفكار، هذا شيء بارز في شخصية سيدنا إبراهيم. الداعي الذي لا يتسلح بسلاح العلم والفكر والعقل والمنطق يكون أداؤه ضعيفاً، إبراهيم عليه السلام لم يكن من هذا النوع، كان صاحب فكر، صاحب حجة، صاحب لسان، وصاحب أدب ورقي في الحوار، وهذا ما سيتجلى لنا في حواره الذي ساقته سورة مريم.
الله سبحانه وتعالى لما يقول: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 41]. ما الذي سيذكر من إبراهيم في هذه السورة؟ سيذكر مشهد من مشاهد الحوار التي خاضها إبراهيم عليه السلام في حياته. هذا الحوار الذي ورد في سورة مريم هو حوار الابن مع أبيه، حوار الابن المؤمن الطائع مع الاب المعاند العاصي لله سبحانه وتعالى. كيف خاض إبراهيم هذا الحوار؟ ما هي الأدبيات التي سلكها؟
حقيقة حوار سيدنا إبراهيم حوار راق يجب أن يتعلم منه الدعاة درساً مهماً جداً في دعوة الأقربين خصوصاً ودعوة الناس الذين لا يمكن أن تواجههم بالسلاح وأن تبدأ معهم بالمنابذة، بل يحتاجون إلى مداراة. انظروا كيف خاض إبراهيم هذا الحوار بحرفية عالية. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ [مريم: 41-42].
اذكر هذه الجزئية لهم، اتلُها على مسامع أصحابك يا محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم الآن في مكة ويعانون من اضطهاد لآبائهم واضطهاد أمهاتهم لهم. الصحابة الكرام كثير منهم آباؤهم نبذوهم، أمهاتهم طردوهم، فكان نزول هذا المشهد مهم جداً للصحابة في تلك الفترة في السنة الرابعة من البعثة، ليتعلموا كيف يحاورون المقربين. دائماً استحضار أجواء السورة أجواء نزولها يساعدك على فهم مقاصدها.
الصحابة الكرام في السنة الرابعة من البعثة كثير من الشباب دخل في هذا الدين، آباؤهم عاندوهم أمهاتهم عاندوهم، كانوا يحتاجون في هذا الوقت لتعلم الحوار الراقي والأدب في الجدال مع من لابد لك من أن تعيش معه وأن تتقبله الآن، يصعب عليك أن تتخذ قرار المفاصلة ابتداء. فإبراهيم عليه السلام انظروا إلى أدبه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾ [مريم: 42].
شوف أول أدب من آداب الحوار، عندما تخاطب أبًا أو قريباً معاندا أو إنسان كبير في السن في مقام والدك، أنت الآن في مقام حوار وجدال، وهدفك النهائي هو أن تأخذ بيد هذا الإنسان إلى الحق. أنا ليس هدفي في أي حوار أخوضه أن أذل الإنسان الذي هو أمامي، ليس هدفي أن أكسره، أنا هدفي أن آخذ بيده إلى الحق الذي هداني الله سبحانه وتعالى له في استعمال عبارات الود واللفة حقيقة مهم جداً. فبدأ الحوار: ﴿يَا أَبَتِ﴾ كلمة مليئة باللطف والاحترام والادب، حتى ولو كان كافراً، لكن الآن أنت تريد الاحترام والأدب.
﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42]. شف سيدنا إبراهيم عليه السلام كيف يستفز التفكير في والده؟ وهذه مهم جداً للداعية، إذا خاطبت إنساناً عليك أن تستفز قواه العقلية. الآن الحوار عقلي بين إبراهيم وبين والده. والده يعبد الأصنام بل هو فيما يروى في كتب التفسير كان سيداً في قومه، وكان يصنع لهم الأصنام، فأنت لا تتكلم عن أب مغفل فقط لا، هو أب صح لسيدنا إبراهيم وفي نفس الوقت هو من سدنة القوم ومن المفكرين في القوم الذين يصنعون الأصنام ويروجون لها، فكان لابد من استفزاز الطاقة العقلية كما يقولون عنده.
هل يعقل يا أبت أن تعبد إلهاً لا يسمع ولا يبصر وفي نفس الوقت لا يغني عنك شيئاً؟! إذا أصبت بمرض، إذا وقعت في فاقة أو كرب لا يساعدك، لا تجده بقربك. وهذا فيه إشارة إلى أن من أعظم صفات الإله هي أنه موصوف بالسمع وبالبصر. وهنا نستغرب من بعض الفرق التي تنسب نفسها إلى الإسلام وتنكر أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالسمع وموصوف بالبصر.
إبراهيم لما ينكر على أبيه عبادة هذه الأصنام هذه الآلهة الموهومة المزعومة، ويقول له: هل يعقل يا أبت أن يكون الإله ليس له قدرة على السمع ليسمع دعاءك وشكواك، وليس له قدرة على البصر ليرى مكانك؟ أنت يا أبت تعبد أحجاراً أنت تعلم كما أنا أه تعلم أنها لا تسمع لا تبصر، فهذا أول دليل على أنها لا تصلح للعبودية، لا تصلح لأن يفزع إليها الإنسان، هي ليس لها قدرة على السمع والبصر.
وأهم صفة من صفات الإله الإدراك. لماذا ركز على السمع والبصر؟ لأنه هذه عناصر الإدراك في الإنسان؛ الإدراك الخارجي، لأن البصر يدرك الأشياء المرئية ويوصلها إلى العقل، والسمع يدرك الأشياء المسموعة ويوصلها للعقل، والعقل بعد ذلك يقوم بترجمة ما يوصله البصر والسمع. فعناصر الإدراك المحسوس في الإنسان وفي كل كائن حي وفي كل حياء حي في هذا العالم هو السمع والبصر.
فإذا كان ما تعبده لا يسمع ولا يبصر إذاً هو يفقد الإدراك، فهل يعقل أن يكون الإله الذي أتوجه إليه لا يدرك، ما عنده عناصر إدراكية؟ فهذا استفزاز الحقيقة للتفكير، فعلاً حجارة لا تسمع لا تبصر لا يمكن أن تكون مؤهلة للألوهية. ثم أضاف قال: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] يعني هل جربت أن دعوتها فأغنت عنك؟ هل وجدتها دافعت عنك في لحظة من اللحظات؟
والإله من أهم صفاته أنه يدافع عن متبوعه، يتلطف به، يحميه، كما سيخبر إبراهيم عن علاقته بالله العظيم أنه كان به حفياً. إلهك يا أبت هل نفعتك في لحظة معينة؟ هل فزعت إليها فوقفت بجانبك؟ لا تغني عنك شيئاً، هي لا تفيدك في مقام من مقامات الحياة. وهذا كما قلنا استفزاز للتفكير العقلي الآن.
والد إبراهيم في الحقيقة سنكتشف أنه كان قاسياً نوعاً ما على إبراهيم، لم يستجب لكل هذه الاستفزازات العقلية، لكن إبراهيم يبذل جهده ويحاول، ويبذل قصارى ما يستطيع من أجل أن يستفز هذا الإنسان فكر وليتأمل. وهذا مهم جداً في الداعية أن تنظر في الحجج العقلية المنطقية التي تجعل الشخص الذي أمامك يفكر ويعيد النظر فيما هو من الباطل تماماً.
ثم قال له: ﴿يَا أبت﴾ [مريم: 43] الآن في العادة ما الذي يمكن أن يجعل والد إبراهيم لا يسمع من ابنه؟ الشعور بأنني أنا الأب وهذا الابن، وهل الأب يتبع ابنه؟ هو هذا الشعور السائد عند يعني أكثر الناس، أن الأب معقول أنا الوالد أتبع الولد؟ إبراهيم يدرك أن هذه الأنا فقد تكون دخلت على والده، فانظروا إلى الأدب الثاني والرقي في الكلام: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءني مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 43].
ما هو الأدب الذي سلكه إبراهيم عليه السلام هنا؟ أنه لم يصف أباه بالجهل. بعض الشباب المتحمسين هداهم الله إذا خاطبوا إنساناً وكان حتى الانسان أمامهم ذا وجاهة وله مكانة، خلاص تجده يقول: أنت انسان جاهل، أنت انسان لا تفهم. وهذا لا يصلح حتى لو هو لم يستجب لخطابك ولا للحجج التي طرحتها، وصفك إياه هكذا بأنك جاهل ولا تفهم ولا تحسن القراءة.
تعنتا وسيزيد إصراراً على باطله. شف الأدب من سيدنا إبراهيم الذي أراد الله أن نتعلمه منه، إن إبراهيم لم يصف أباه بالجامع، قالوا يا أبت أنت إنسان جاهل، مش معلم إنسان تعبد الأصنام بهذه الطريقة إذا لا يمكن أن يكون لك عقل.
هذه الكلمات ستزيد المشكلة أكثر وأكثر، لا سيدنا إبراهيم تلطف قال يا أبت هو الموضوع أنني عندي جاءني من العلم يعني عندي جزء من العلم قد لا يكون وصل إليك.
هذا الحوار وصل إلي جزء من العلم قد لا يكون يا أبت وصل إليك من هنا أنا أقول لك اتبعني ليس أكثر من ذلك، أنا لا أدعي أنني أعظم منك مكاناً في الدنيا ووجاهة ولا ولا شيء.
لكنني أقول أن هناك جزء من العلم قد يكون فاتك ووصلني يا أب، فلا حرج أن تتبعني لأهديك إلى الصراط المستقيم، فاتبعني أهدك صراطاً سويا. انظروا ماذا يقول الزمخشري في الكشاف في تفسير هذه الآية.
وهذا الكلام لإبراهيم عليه السلام، قال الزمخشري في الكشاف ثم ثنى بدعوته إلى الحق، ثم أي الآية الثانية ثنى بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً، فلم يسم أباه بالجهل، ما قال لأبيه أنت جاهل.
فلم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق، ما قال أنا يا أب إنسان عالم كبير، وأنت إنسان جاهل يعني ما عندك معرفة تتابعني، لا لا أسلوب صياغة الفكرة كان في غاية الرقي، ولكنه قال أن معي طائفة من العلم.
ليست معك، ما هي هذه الطائفة؟ قال وذلك هو علم الدلالة على الطريق السوي الصراط المستقيم، فلا تستنكف يا أب لا تستكبر من اتباع فانما أنا وإياك تالكون في هذا الطريق ووصلني شيء من العلم فأريد أن أهديك حتى لا تأخذ بك الأهواء في متاهات ومحارات العقول والأفكار.
جميل هذا الكلام، جميل أنك إذا تخاطب إنسان إياك أن تغضبه بكلمة ليست في سياقها، أنا إنسان لا أصف نفسي أنني عالم ولا أقول أنك جاهل، وإنما أقول هناك معلومات وأفكار.
أظن أنها وصلتني وهي لم تصلك، فبالتالي لابد أن تتبعني. وهنا في قضية فاتبعني يقول الطاهر ابن عاشور: وهذا يدل على أمر وهي يعني فيه إشارة إلى أن إلى أنه يجب اتباع العلماء.
ويجب اتباع الإنسان العالم من قبل الجاهل، الجاهل وظيفتك أن تتبع العالم حتى ولو كان هذا العالم أصغر منك سناً، لذلك كان الإمام البخاري يقول: لا ينبل الإنسان حتى يتعلم ممن هو دونه ومثله وفوقه.
تتعلم من الجميع، لا تستنكف أن تتعلم علماً وصل إلى شخص أصغر منك، هذا ليس من صفات الدعاة ولا الناجحين، أنت تريد الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، أي إنسان عنده حق يوصلك إلى الله تقبله، وتتبع عليه حتى ولو كان أصغر منك سناً.
لأن كثيراً من الناس إنما منعهم من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أصغر منهم سناً، نقول نحن كبار ودهاقنة قريش، اتبعوا شاباً! ما كانوا يتبعونه من هذا وهذا مأخذ يرد علينا نحن أهل الإسلام وكثير من طلبة العلم والناس عندما يرون إنسان أصغر منهم سناً يدلهم على حق وعلى خير.
يستنكفون أنه كيف أنا أتبع شخص أصغر مني؟ لا سيدنا إبراهيم هنا يضع القاعدة: جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني، هكذا هي القاعدة في الحياة، من كان عنده علم يتبع في علمه، سواء كان أكبر أو أصغر أو مساوي لك في العمر، وهذه قاعدة أتبعها بإذن الله تجني منها خيراً كثيراً.
طيب يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، ولاحظ تكراره يا أبت ويتلطف تلطفاً بعد تلطف: فاتبعني أهدك صراطاً سوياً. شف هذا الأسلوب في العرض إذا أنت اتبعتني اتبعني أهدك، إذا أنت اتبعتني النتيجة أنني سأهدك وأخذ بيدك إلى صراط مستقيم.
صراط سوي لا اعوجاج فيه، الصراط الذي يوصل إلى الله سبحانه وتعالى، وما أجمل هذا الصراط يكمل إبراهيم الحوار: يا أبت لا تعبد الشيطان. شوف الآن الشيطان هو شيء مكروه عند جميع الطوائف حتى عند الكفار عند البوذيين عند عباد الأصنام، الشيطان كلمة شيطان هي كلمة منبوذة مكروهة من جميع الطوائف.
طب الآن هو والد إبراهيم كان يعبد الشيطان؟ هو ما كان يعبد الشيطان مباشرة، لا هو إبراهيم عليه السلام يريد أن يكره عبادة الأصنام في وجه والده ويعطيه الحقيقة، يعني هو كأنه يريد أن يقول له يا أبت.
أنت عندما تعبد هذه الأصنام عبادتك لها إنما هو في الحقيقة والواقع عبادة للشيطان، وهذا برضه أسلوب دعوي جيد أن تتقنه أيها الداعية، وهي أن تبين لمن أمامك باطله بأبشع صوره.
دائماً إذا كان هناك شيء باطل حاول أن تصوره بأبشع صورة في نفس المدعو، ليه؟ لأنه الشيطان يزين الباطل له بأجمل الصور، فأنا كداعية بدي مكافحة جهد الشيطان، فأصور الباطل بأبشع الصور.
هذه القاعدة الدعوية الشيطان كيف يضحك على عقول الناس؟ يصور لهم الباطل بأجمل الصور، بصور لك يصور لهم آه مثلاً آه الخمر على أنها سعادة وراحة وكذا، صابون الخمر يصور لك النظر إلى النساء على أنه لذة وكذا فيطلق فتطلق البصر.
الشيطان يزخرف المعصية ويزينها تمام؟ هذا وظيفته، فأنت أيها الداعي حتى تكافح ما يفعله الشيطان عليك أن تصور الباطل بأبشع صورة في نفس المدعو حتى تكره هذا الباطل إليه، وهذا الذي فعله إبراهيم عليه السلام، صور الباطل بأبشع صوره.
الباطل وهو عبادة الأصنام، قال له يا أبت هذه العبادة للأصنام هي فعلياً عبادة للشيطان، الذي يغرك ويضحك عليك ويزين لك أن هذه الأصنام تنفع تجلب لك الخير والسعادة وهي لا تجلب لك أي شيء في الحياة، فإذاً لما قال يا أبت لا تعبد الشيطان هو تنفير وتبشيع للباطل.
هو ليس هو التبشيع لا يعني موهوب هو تبشيع حقيقي أنه أنت إذا عبدت الأصنام أنت في الحقيقة تتبع الشيطان، فهو شكل من أشكال التعبد للشيطان، فأنت تبشعه على ما هو في الحقيقة والواقع وليس.
مجرد تبشيع وهمي لا حقيقة له، جميل، إذاً لذلك يقول ابن عاشور والمراد بعبادة الشيطان عبادة الأصنام عبر عنها بأنها عبادة للشيطان إفصاحاً عن فسادها وضلالها. طب قال: فإن نسبة الضلال والفساد إلى الشيطان مقررة في نفوس البشر.
يعني جميع الناس حتى الكفار حتى اليهود حتى النصارى حتى مشركي العرب، إذا نسبت شيء إلى الشيطان فانه مقزز يصبح شيء غير مرغوب، كلمة الشيطان استقر في نفوس البشر أنها تدل على الشر، فهذا جيد أن تستعمله وتوظفه في حوارك، تمام يا أبت لا تعبد الشيطان، ليه.
أن الشيطان كان للرحمن، وشف توظيف كلمة الرحمن هنا أن الشيطان كان للرحمن للإله الذي يريد أن يرحمك بالإله الذي يريد لك الخير، ما قال له مثلاً أن الشيطان كان للجبار المنتقم، لا لأن الآن أريد أن أصور الإله.
لهذا الشخص بأجمل وأعظم وأحلى الصور التي تحببه فيه، وتقربه في الإله الحق، فشيطان ورحمان هناك تقابل، في هناك شيطان يريد لك الشقاوة والتعاسة وهناك رحمان يريد أن يرحمك ويقربك ويريد لك السعادة في الدنيا والآخرة.
في هذا الأسلوب: أن الشيطان كان للرحمن عصياً، كثير العصيان والخروج عن الله سبحانه، وهذا قد يدل على أن حال آذر والد إبراهيم وحال قومه أنهم كانوا كحال كفار قريش، يعرفون الرحمن.
ويعرفون الله الذي فوق سبع سماوات لكنهم يشركون معه عبادة الأصنام، أقول قد نستفيد من هذا، لأنه ما فائدة أن يقول إبراهيم لأبيه أن الشيطان كان للرحمن عصياً إذا كان والده لا يعرف من هو الرحمن.
الذي يظهر إذاً أن والد إبراهيم حاله كحال كفار قريش، يعرفون الإله الذي في السماء وانه الرحمن، لكنهم يشركون معه وسائط في الأرض من الأصنام والأنداد، وهذا هو شرك أصلاً كفار قريش.
حتى نعرف لماذا القرآن أحضر سورة إبراهيم هنا أو قصة إبراهيم، أنه الكفار قريش كانوا مثل آذر يعبدون أصنام ويلتجئون إليها مع إقرارهم بالإله الأوحد الرحمن الذي في فوق سبع سماوات.
فإذاً الظاهر أن آذر كان يعرف ما معنى الرحمن، فمن هنا حسن أن يقول له إبراهيم أن الشيطان كان للرحمن عصياً، فهو الآن يبشع له ما يفعله، ثم يقول له.
يا أبت ولاحظ هذا تكرار يا أبت، الله سبحانه إخواني لا يذكر لفظة القرآن عبثاً، كل لفظة مقصودة لها سرها لها هدفها لها معانيها التي تضفيها على أجواء الآية أجواء الحنان.
والعطف والحرص: يا أبت يا أبت يا أبت أربع مرات يا أبت تدل على أن إبراهيم إنسان راقي إنسان يحسن خطاب الكبار حتى ولو كانوا على باطل، يعرف كيف يأخذ بقلوبهم، يا أبت.
إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن، شف أيضاً الأسلوب الآخر في عرض الفكرة أنه يا أبت أنا خايف أنا خايف عليك شف أسلوب إني أخاف يعني يشعرك بالابن عنده شفقة وخوف وحرص على والده.
يا أبت أنا خايف عليك، مش قضية يابت روح عجهنم أنت دبر حالك! كما يفعل بعض الشباب، خلص إذا وجد يأساً ممن أمامه يقول جهنم الحمراء تنتظرك أنت مخلد.
في نار جهنم! لا لا ما زال إبراهيم يستوعب والده: يا أبت أنا أخشى عليك أنا أخاف عليك أني أخاف أن يمسك عذاب، شف ايش الاسم اللي استحضره، ما قال عذابنا الجبار أيضاً، قال عذاب من الرحمن.
هو ما زال يرجي والده وما زال يأمله أن هذا الإله رحمن، فلا تجعل الرحمن يعذبك لأن الرحمن رحمته سبقت غضبه، فإذا عذب فإنما يعذب على جرم كبير والا فهو رحمن هو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، الله عز.
وجل لا تجعل هذا الإله الرحمن الرحيم الرؤوف لا تجعله يعذبك، هذا الكلام إذاً: إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن، إذا الله رحمن هو لا يريد أن يعذبكم، هو لم يخلقك.
يدخلك في نار جهنم، لكن أنت بأفعالك الإجرامية وتصرفاتك غير اللائقة هنا تضطر أن يذهب بك إلى نار جهنم، فالله عز وجل رحمته سبقت غضبه، الله سبحانه وتعالى رحيم رؤوف كريم ودود، لكننا نحن الذين نجني على أنفسنا والله.
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، رجع ذكر له موضوع الشيطان مرة أخرى ليقززه من الموضوع، أنه إذا مسك عذاب من الرحمن ستكون أنت والشيطان أصحاب في نار جهنم في هذا العذاب، فتكون للشيطان ولي ستكون تابع ومصاحب لهذا الشيء.
في قعر جهنم وهذا شيء أنت لا تريده يا أبت فيما أعلم، رائع هذا الخطاب بكل معانيه بكل انفعالاته بكل الشفقة والود الذي عند إبراهيم عليه السلام كان رائعاً، لكن للاسف.
النتيجة ماذا كانت؟ الأب المتعنت الابن الذي يرفض سماع الحق، قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لا تريد أن تعبد آلهتي؟ ولاحظ العنجهية في الكلام أراغب أنت عن آلهتي.
وكأنه يعني ينسب هذه الآلهة إليه يتشرف بها لاحظوا هذه آلهتي هذه الإضافة هو يريد أن يتشرف، هذه أصنامي وهذه معبوداتي، راغب أنت عنها كاره لها يا إبراهيم؟ طيب لئن لم تنتهي.
لأرجمنك! الآن بدي أتخيل مشاعر إبراهيم الذي بذل كل الأدب والود والاحترام في هذا النقاش الراقي، لكن للأسف الأب لم يكن راقياً، كان هناك تهديد ووعيد بالقتل قال: لئن لم تنتهي.
من هذا الكلام ومنابذة أصنامي لأرجمنك، قتل، والآن عليك أن تهجرني، واهجرني ملياً ملياً، أي زماناً طويلاً، فهو الآن عاقبه عقوبة عاجلة، أن الآن اهجرني لا تقربني ولا تقرب مجالسي خلص لا أريد أن أراك.
وإذا رأيتك في الأحياء وفي القرية تحذر من أصنامي ومن معبوداتي لأرجمنك، فإذاً هناك عقوبة عاجلة وهناك عقوبة آجلة، العقوبة العاجلة التي فرضها على ابنه ما قالوا يا بني يا إبراهيم كما.
اهجرني ملياً، لا تقربني زماناً طويلاً، وإذا سمعت أنك تسفه آلهتي ومعبوداتي لأرجمنك، إذاً إبراهيم عليه السلام أكيد هو في مشاعر الحزن لكنه ضبط انفعالاته الشخصية، ما جعله ذلك يستشيط غضباً.
وآآ يسيء إلى والده في العبارة، بل ما زال راقياً، وهذا هو الداعية والله يا أحبابي الكرام شوفوا الرقي الذي نتعلمه، بعض الشباب إذا ووجع بمثل هذا الغضب يغلب عليه فيبدأ يشتم وينزل في ساحة أبيه أو أمه أو أقاربه وأنتم أناس تستحقون كذا والله.
فيكم عقابه؟ لا لا سيدنا إبراهيم منضبط منضبط المشاعر منضبط الانفعالات راقي حتى في الرد على تلك السفاهة التي صدرت من والده.
فماذا قال لأبيه؟ قال سلام عليك، وشوفوا الكلام سلام عليك، يعني أسأل الله أن تبقى في سلام وأمان وألا يصيبك مكروه، كيف تلقى تلك الإجابة العنيفة بصدر رحب واسع سلام علي ولم يقتصر بل زاد سأستغفر لك ربي.
سأستغفر لن أنساك يا أبت من الاستغفار، أسأل الله أن يغفر لك خطيئتك وضلالك وشركك الذي أنت فيه، لكننا علمنا فيما بعد أن الله سبحانه نهى إبراهيم عن الاستغفار لأبيه لأنه كان مشركاً.
وهذه الكلمة وهي الاستغفار للاب المشرك هي التي أمرنا الله سبحانه وتعالى ألا نقتدي بإبراهيم بها في سورة الممتحنة لما قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: 4]. هذه ربنا استثناها، قال هذه لا تقولوها لا تتبعوا إبراهيم، يا إبراهيم عليه السلام قالها وقد هو لا يعلم أنها غير مشروعة فالله علمه بعد ذلك أن هذا مشرك ولا يجوز الاستغفار للمشركين.
ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إراهيم إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. إذا إراهيم كان وعد هنا عبد الوعد، قال: سأستغفر.
هذه السين تفيد الاستقبال، إنني يا أبتي سأستغفر لك ربي، سأسأل الله لك المغفرة أن يتجاوز عن خطأك الكبير الذي أنت فيه، لكن لما نهاه الله عن الاستغفار للمشركين سمع وأطاع، فهو صديق نبي عليه الصلاة والسلام.
لكن أنا الذي يهمني هنا موضوع المشاعر وطريقة الخطاب: سلام عليك، سلام وأمان من الله، ماشي، أنت قلت لي لأرجمنك وتطلب مني الهجران، أنا لن أقابل الشدة بالشدة، فسأقابل الشدة باللين.
سلام عليك سأستغفر لك ربي. وانظروا هنا جمال الثقة بالله سبحانه وتعالى وروعة وبهاء هذه الثقة، وما أجمل أن لما قال إراهيم، يعني يا أبتي أنت الآن تعتز بآلهتك، راغب أنت عن آلهتي.
لاحظوا إراهيم كيف يعتز بالإله الأوحد سبحانه وتعالى؟ قال: سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا. حفيا يعني ودودا لطيفا، بما عهدت ربي بي إلا لطيفا ودودا. إنه كان بي حفيا. شف العبارة ما فيها من الشعور بالأنس بالله والود.
لطفي الكبير الذي يعيشه إراهيم في كنف الله، وكيف أنت عندما تشعر الشخص اللي أمامك بحجم ثقتك العالية الكبيرة بإلهك أنه لن يدعني. نعم، أنس سيتخذ إراهيم قرار الهجرة وقرار الاعتزال ويغادر، لكنه هو على ثقة بالله.
ثقة أن الله لن يدعه، ويدرك أن ربه كان به حفيا. وهذه قصة زكريا لما سأل ربه، لاحظ هذه هذا الموضوع كرر في سورة مريم بشكل كبير، زكريا: ولم أكن بدعائك رب شقيا. مريم البتول التي خضعت لإرادة الله.
سبحانه وتعالى بحملها بعيسى ابن مريم وعادت بها به إلى القوم مؤمنة مصدقة بالله سبحانه أن الله سيرعاها. إراهيم الذي هو مليء بالثقة بالله سبحانه: أنه كان بي حفيا. ما أجمل هذه القصص وما تطفيه على نفس المؤمن في هذا الصباح الطيب المبارك.
أنك كن واثقا بربك، أنه كان بي حفيا. أجعل هذا شعارا لهذا اليوم، خلونا نتعاهد أن يكون هذا شعارنا لهذا اليوم، ولهذا الاسبوع: إنه كان لي حفي، الله لطيف بعباده.
ثم قال: واعتزلكم وما تدعون من دون الله. واعتزلكم وما تدعون من دون الله. لاحظ هنا بدأ يخاطب جمعا وهذا انتقال، كان يخاطب أباه، الآن ما عاد يخاطب فقط الأب، الآن هو يخاطب الأب والقوم جميعا.
قال: واعتزلكم أي ساعتزلك يا أبي واعتزلكم جميعا يا قومي، وهنا تأتي المفاصلة العقدية في حياة المسلم، أنني إذا أقمست في قوم لا يوحدون الله دعوتهم إلى التوحيد ولكنهم رفضوا وأصروا على البقاء على الشرك، هنا لابد من المفاصلة.
لابد من التمايز ولابد أن يكون معسكر الإيمان في جهة ومعسكر الكفر في جهة، لم يذب فيهم لم يقبل التعايش معهم على ما هم فيه من الشرك والعياذ بالله، بل لابد من الامتياز والمفاصلة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. فقال.
واعتزلكم وما تدعون من دون الله. وإذا إراهيم شيء طبيعي أن يكون من نسله زكريا ومريم وغيرهم من الصالحين التقاة الذين منهجهم الدعاء، لاحظوا منهجية الدعاء المتكررة في سورة مريم.
زكريا يدعو ومريم تدعو وإبراهيم يدعو، هذا هو الدعاء، الدعاء مخ العبادة أحبابي الكرام. إذا ساعتزلكم واعتزلوا آلهتكم ومناهجكم وكل أفكاركم المسمومة، اعتزل الجاهلية بكل ما فيها من السوءات والانحرافات.
والضلالات والمتات. واعتزلكم، شوفوا الكلمة هذه ما قال واعتزلكم فقط لا، أنا اعتزلكم واعتزل انحرافكم وضلالكم وشرككم: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله، وأذهب إلى ربي. وأدعوا ربي هي التوحيد والالتجاء إلى الإله.
اعتزل ودعا وذهب إلى الله: وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا. وإبراهيم هو الذي قال في سورة أخرى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. إبراهيم إنسان مليء بالثقة بالله، يعلمك الثقة بالله بأجمل صورها وتجلياتها. شف: إنِّي ذاهب إلى ربي سيهدين إنه كان بي حفيا.
وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا. إيش هذه الثقة العظيمة بالله؟ ما هذه المشاعر الجياشة والقلوب الصادقة النقية؟ فعلا استحق إبراهيم مرتبة الصديقية، إنسان مصدق بوعد الله مليء ثقة بالله، محب لله على كل ما صار معه لكن.
إنه ما زال واثقا أن الله سبحانه وتعالى معه يسدده ويلهمه: وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا. يعني أرجو أنني لن أشق أبدا بدعائي لله سبحانه. إذا الدعاء أحبابي يصرف عنك الشقاء، وهذه كلمة استفدناها من زكريا.
لما قال: ولم أكن بدعائك رب شقيا. ونستفيدها من إبراهيم وهو أبو الانبياء: عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا. من دعا الله لا يشقى أحبابي الكرام، هذا درس مهم نتعلمه اليوم، من دعا الله.
لا يشقى أبدا أبدا. ماذا حدث مع إبراهيم عندما اعتزل قومه؟ في الحقيقة كنت أود أن أكمل المشهد لكن وعدتكم ألا أزيد عن أربعين دقيقة في كل مجلس من المجالس.
نترك إبراهيم عليه السلام هنا، غدا نكمل بإذن الله ما حدث مع إبراهيم وكيف أتته الذرية، وأن الذرية نتيجة الموقف الشريف الذي اتخذه إبراهيم من المفاصلة. ونتكلم أيضا عن باقي الأنبياء الذين ذكرتهم السورة. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل