دخولتسجيل الدخول

المجلس 4

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

نعود أحبائي الكرام إلى تدبر سورة مريم، ووصلنا عند ذلك المشهد المهيب: مريم رضي الله عنها في خلوتها يقتحم عليها رجل غريب لا تعرفه وتذكره وتخوفه بتقوى الله سبحانه وتعالى. هذاك الرجل يفاجئها ويقول لها: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً. وهذا شيء زاد الريبة وأعاد القلق إلى مريم رضي الله عنها: كيف سياتيني الغلام؟ فتقول: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20].

لم يمسسني بشر؛ أي: أنا لست ذات زوج، ما عندي زوج حتى أحمل منه، وفي نفس الوقت أنا لا أمارس البغاء، أنا فتاة طاهرة عفيفة فإياك أن تقترب مني. إذاً هي إجابة مليئة بالخوف، مليئة بالقلق، مليئة بالاضطراب، مليئة بالحيرة؛ أيضاً لأن هذا الرجل تكلم بكلام غريب نوعاً ما يقول لها يعني هذا ليس كلام إنسان يريد الحرام، هو رجل يقول لها: إنما أنا رسول ربك، فهذا حيرها، لكن لما قال: أريد أن أهب لك غلاماً أيضاً أعاد القلق والخوف إلى قلبها، فقالت: كيف سيكون لي غلام وأنا فتاة ليست متزوجة ولم أمارس البغاء؟

هنا تأتيها الإجابة كما جاءت الإجابة لزكريا عليه السلام؛ إجابة في غاية الفخامة، في غاية الروعة، وفي غاية الجلال؛ إجابة تزرع عقيدة في قلب المؤمن، قال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9]. هذه الإجابة إخواني الكرام إجابة عظيمة جداً، إذا استقرت في قلب المؤمن نعم، هي إرادة الله سبحانه وتعالى التي لا يقف شيء دون نفوذها، إرادة الله سبحانه وتعالى التي هي فوق ولا تقف عند نواميس الحياة، إرادة الله عز وجل إذا قال للشئ كن فيكون.

أنا عندما أتخيل هذه الصورة وأتصورها وهي تنزل على الصحابة الكرام في السنة الرابعة من البعثة، دائماً أحبابي الكرام عليكم أن تتصوروا الأجواء التي تنزل فيها السور. هذه السورة نزلت في السنة الرابعة من البعثة، والصحابة الكرام يتعرضون لأشد أنواع الأذى والعذاب على يد كفار قريش، والطرد والتهجير والقتل، يذيقونهم سوء العذاب. تخيل هذه الآية وأجواء نزولها على قلب الصحابة، وهم يرون تكالب كفار قريش عليهم، تأتيهم هذه الآية تبعث الطمأنينة في نفوسهم أن هذا الأذى سينتهي يوماً ما.

الله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً سينفذه، لا تقلقوا أيها الصحابة الكرام، قال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾. كل شيء على الله سبحانه وتعالى هين، وأنت أيها المؤمن وأنت أيتها المؤمنة كلما واجهك شيء صعب في هذه الحياة، شيء ترين الأسباب متعطلة، شيء تعتقدين أنه لا يمكن أن يحل، تذكري هذه الإجابة: هو علي هين. هذا شعار للمؤمن في الحياة عندما يححسن الظن بمولاه. ما هو شعارك منذ اليوم؟ الله سبحانه يقول: هو علي هين.

إذاً نفس الإجابة التي جاءت لزكريا تأتي لمريم رضي الله عنها، قال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾؛ أي كذلك شاء. قلنا: قال هنا بمعنى شاء، أي يقول ربنا سبحانه على لسان الملك: كذلك شاء ربك. نعم هكذا شاء الله، هكذا شاء الله الأمر أن يكون، أن لا تكوني متزوجة وأنك عفيفة طاهرة وسيأتيك الولد ليكون آية للناس ورحمة للناس وليكون آية في ماذا؟

طبعاً هو آية ودليل على قدرة الله سبحانه وتعالى التي لا يحول شيء دون نفوذها، ودليل على أن الرب سبحانه وتعالى فوق الاسباب وارادته فوق النواميس الكونية، وأنه إذا أراد شيئاً فامره نافذ ولا أحد يستطيع أن يمنع. أمة الاسلام تشعر بالاحباط عندما يرى الأمم متقدمة في الأسلحة والترسانة العسكرية والمجالات الصناعية، ويرى أمة الإسلام اليوم ذيل الأمم، يقول: من أين سيأتي النصر؟ لكن الإجابة: هو علي هين.

الله سبحانه وتعالى يعلمنا ويعلم الصحابة الكرام الذين نزلت عليهم هذه السورة، وهم في أجواء الضعف وفي أجواء العذاب وفي أجواء القهر: لا تقلقوا، انتم في رعايتي، انتم في كنفي، ما دمتم تسيرون على منهج الاستقامة فالله سبحانه وتعالى قادر على ان يبدل الحال رغم تعطل الاسباب، فابعثوا في نفوسكم الامل اخواني الكرام ان الحال يتبدل، وأن الأمة ستتقدم، وأن الله سبحانه وتعالى سيجعل بعد عسر يسراً، لكن علينا أن نؤمن بهذه العقيدة، وهي عقيدة: هو علي هين.

جميلة هذه الإجابة: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾؛ أي هذه مشيئة الله، هو علي هين. ثم يخبرها هذا الرسول الملائكي، يخبرها أن الله سبحانه شاء، شاء أن يكون هذا الحمل آية للناس، فقال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: 21] أي علامة على قدرة الله الباهرة، ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ فهو أيضاً رحمة من رحمات الله، وسورة مريم هي سورة الرحمات كما ذكرنا في المجلس السابق، فذكر الرحمة فيها متعدد بأوجه أماكن وسياقات مختلفة، فعيسى ابن مريم هو رحمة ورحمة لقومه.

رحمة لمعشره لأمة الإسلام؛ فإن عيسى ابن مريم سينزل في آخر الزمان فيقضي على المسيح الدجال ويكسر الصليب ويحكم بشريعة الإسلام، فهو رحمة لقومه، وليس فقط لقومه بل رحمة لكل الأمم التي ستأتي في آخر الزمان، فصدق عليه أنه رحمة للناس. إذاً: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ هذه الخصوصية ورحمة من الله سبحانه وتعالى أنزلها على الأرض من خلال نفخ الروح في مريم ورحمة خاصة.

هذه كلمة منا تدل على الاختصاص والتفضل والامتنان والكرم الإلهي، رحمة لدنية من عنده سبحانه وتعالى، ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾. يعني هذا شيء فرغ منه في القدر. يعني هذه كما ذكر بعض المفسرين جملة معترضة؛ أنه انتهى كلام الرسول هنا: ورحمة منا. انتهى، ثم نقول: وكان أمراً مقضياً، تخبرنا الآية إخباراً أن هذا الامر شيء فرغ منه في القدر وقضاء أراد الله نفوذه أن تحمل مريم بدون زوج.

وتغلق الستارة هنا، مريم حملت، تتم مدة حملها، الله أعلم؛ هل حملت كما تحمل النساء تسعة أشهر عشرة أشهر؟ هل كان الحمل أسرع من ذلك؟ أطول من ذلك؟ هذا شيء لا فائدة منه في السياق لذلك لم تتطرق له الآيات. وتفتح ستارة أخرى على مريم وهي الآن قد قاربت الإنجاب، وتعيش لحظات المخاض الصعبة. حملت سهلة، مريم الآن حملت بعيسى ابن مريم، حملت به وقد قاربت الإنجاب، وهي تشعر بالقلق، تشعر بالخوف.

نعم هي الآن ضمن الأمر الواقع، لكنها تخشى: كيف ستواجه أباها؟ كيف ستواجه أمها؟ كيف ستواجه معشرها وقومها؟ حقيقة الأمر ليس بالسهل، يعني كل إنسان يضع نفسه خاصة الأخوات مكان مريم في ضمن هذه الموقف، فعلاً موقف صعب جداً على النفس الإنسانية، لكنك إذا كنت مع الله بأن الله يتولاك، والله من كان على الصراط المستقيم والله لا ينساه الله أبدا أحبابي الكرام.

فحملته فانتبذت؛ أي انعزلت وذهبت، ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: 22] انعزلت وذهبت إلى مكان بعيد. أنا أحاول أن أتخيل مريم وهي تهرب تحاول أن تبحث عن مكان بعيد عن أعين الناس، مكاناً قصياً بعيداً، لا تريد أن يشاهدها الناس وهي تلد ولداً وليس لها زوج؛ لأنها تدرك أنها سترمى وسيفترى عليها. إذاً مريم في لحظة الحزن والخوف والقلق، ها هي تنعزل وتذهب بعيداً بحثاً عن مكان لا يشاهدها فيه الناس.

فأجاءها المخاض؛ فأجاءها؛ أجاءها يعني ألجأها. هي الآن في حيرة، اضطراب في قلق، تهرب، تحاول أن تبحث عن مكان بعيد بمعزل عن الناس، فجاءها المخاض. إذاً هي الآن في اللحظات النهائية، سيخرج عيسى إلى الدنيا، ألجأها المخاض، دفعها واضطرها إلى جذع نخلة من النخلات. ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 23] فها هي أسندت ظهرها إلى تلك النخلة اليابسة الجافة كما قال المفسرون.

وجلست تحتها وهي تبكي وهي حزينة وهي قلقة وتعبر عن هذا القلق وعن هذا الحزن بقولها: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتني مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ يا ليت كل هذه التفاصيل لم تحدث، يا حزينة، وحقها أن تحزن، هي خائفة ومن حقها أن تخاف، تلك الفتاة المصونة العفيفة العذراء: ﴿يَا لَيْتني مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ قبل أن يأتي هذا الحمل. انتهى الآن، لاحظوا أنها ما قالت: يا ليتني مت الآن، لا، هي قالت: يا ليتني مت قبل هذا. لماذا لم تتمنى الموت في هذه اللحظة؟ لأنها تدرك أنها تحمل جنيناً، فهي لا تريد أن يموت هذا الجنين.

خلاص انتهى، وكان أمراً مقضياً، هي الآن مسلمة لأمر الله لكنها كانت تتمنى لو أن كل هذه التفاصيل لم تحدث معها؛ لأنها تعلم طبيعة قومها بني إسرائيل، تعلم حجم الافتراء الذي سيفترى عليها، لكنها الآن ضمن الأمر الواقع: ﴿يَا لَيْتني مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾. النسي أحبابي الكرام هو الشيء الحقير الذي لا يعبأ به، الشيء الحقير الذي لا يعبأ به يسمى نسياً عند العرب.

فهي تقول: يا ليتني كنت شيئاً تافهاً، وليس كذلك، ﴿نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ أي ليتني كنت شيئاً تافهاً وينساه الناس ولا يلتفتون إليه ولا يعبأون به، ليت الناس لا يعرفونني، ليتني كنت شيئاً مجهولاً لا أحد ينظر إليه ولا أحد يلتفت إليه. هي تريد هكذا حتى تخرج من هذا الإشكال. إذاً هذا الآية أو هذا المقطع يمثل قمة الحزن التي وصلت لها مريم، والآية تريدك أن تشعر معها بالحزن. الآية تريدك أن تشعر معها بالحزن لتنظر كيف أن الله سبحانه وتعالى لا يدع الإنسان حزيناً وهو في ألمه يصارع ألمه وحده إذا كان على منهج الاستقامة.

مريم كانت مستقيمة، مريم هي خضعت لإرادة الله سبحانه وتعالى ولحكمه، عندما وصلت إلى قمة الحزن جاءتها قمة السعادة والمدد الإلهي. إذاً الآيات يريدك أن تشعر بالانفعالات، القرآن يرسم المشهد بحذافيره، يرسم مشهد ذلك الحزن العميق الذي دخل على مريم رضي الله عنها حتى قالت هذه المقولة. فلما قالت هذه المقولة والله لم يتأخر المدد، فناداها من تحتها: الفاء هذه الفاء فيها سر عجيب، فناداها، الفاء تفيد سرعة حصول المدد.

لم يتركها الله تصارع حزنها وألمها، كلا، مباشرة خرج عيسى من تحتها وناداها. من الذي كان من تحتها؟ الصواب أنه عيسى نفسه، أول ما نزل منها ناداها، وهنا انصدمت، هذا شيء طبيعي أنها تشعر بالدهشة والعجب أن هذا الطفل الذي خرج مني الآن يخاطبني يكلمني، هذا طمأنينة وهدوء مع انفعال وتعجب، فناداها من تحتها، الطفل الذي خرج من تحتها ناداها وخاطبها: ألا تحزني! إذاً أولاً هو يطلب منها أن تهدأ: اهدئي يا أماه، لا تحزني، لا تقلقي، انظري إلى هذا المدد الإلهي الذي جاء ليبدد هذه الأحزان.

أولاً: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم: 24] السري هو جدول الماء الصغير، جدول من الماء صغير كأنه نهر صغير، قالوا: نبع من اللحظة من تحت مريم عليها السلام: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾. إذاً ها هو الإله يتودد ويتعطف عليك ويرعاك ولم ينساك وأنت في قمة حزنك وقلقك. إذاً أنت في رعاية الله، أنت في كنف الله، لا تحزني يا أماه، إذن أول شيء لا تحزن، رسالة الأمان وعناصر الأمان.

أولاً: الشراب أصبح متوفراً لديك الآن جدول عذب زلال يسير من تحتك. والطعام أيضاً تم توفيره: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] هزّي إليك، هي بمعنى هنا مضمنة المعنى، ضمي إليك الهز ما عظم. هذه النخلة التي أسندت ظهرها إليها كانت يابسة جافة، الله سبحانه يريد أن يري مريم كم هو متكفل بها ورؤوف بها ورحيم بها، سورة الرحمات سورة مريم، بزي وضمي إليك جذع النخلة ماذا سيحدث؟

قال: تساقط، يساقط فعل مضارع من ساقط، ساقط يساقط، تساقط، وإذا كانت تساقط الفعل المضارع من ساقط، ساقط هنا على وزن فاعلة في هذا المقام يفيد التكثير والمبالغة، ما قال تسقط، لا، تساقط، هذه قراءتنا، وعلى قراءة إخواننا ربما في الجزائر والجمهور تتساقط للشد، فهناك قراءتان: تتساقط وقراءة تساقط، وكلاهما تفيد التكثير أن هناك رطباً كثيرة ستتساقط من هذه النخلة عليك.

وللاحظوا أن الله أتاها بالرطب، والرطب هو التمر قبل أن يجف وفيه ماؤه وهذا أحلى شيء ومن أنفع ما يكون للمرأة النفساء كما قال أهل الطب أيضاً، يتساقط عليها الآن الرطب الجني. قال: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ والمراد جنياً؛ أي أنها مجنية الآن، ليست رطباً قديماً، رطباً مضى عليها وقت، لا، هي رطب طازجة، الآن خرجت، الآن أثمرت هالشجرة، وهذه كلها آيات تبعث الطمأنينة مريم.

عليك أن تتخيل مريم وهي في لحظة الصدمة طفلها جنينها الذي خرج الآن إلى الدنيا يخاطبها، يطلب منها ألا تحزن، يطلب يريها أن هناك جدول من الماء يمشي تحتها، يقول لها: ضمي إليك جذع النخلة ستجدين الثمار تتساقط عليك بكثرة، هذا بالتأكيد زرع طمأنينة. نعم هنا مريم الصديقة أيقنت أنها في رعاية الإله، أن الله سبحانه وتعالى لن ينساها.

وهكذا حال المؤمن؛ يعني مريم لم تكن نبية، ليست من الأنبياء، وإنما هي امرأة صديقة صالحة، فهذا منهج عام لكل امرأة مؤمنة صالحة، ولكل رجل مؤمن صالح، إذا كنت تسير على منهج الاستقامة حتى لو كنت في غياهب السجون، حتى لو كنت تحت سطوة الظالمين، حتى لو ابتليت بما ابتليت، ما دمت على منهج الاستقامة والله ثم والله لتجدن رحمات من الله ذكراً.

أحياناً نحن عندما نسمع عن انسان سجن ظلماً لأنه صاحب دعوة أو صاحب جهاد وحكم عليه بالمؤبد وبالستة وثلاثين مؤبد كما نسمع في سجون الاحتلال، كثير من المجاهدين حكم عليهم بالمؤبدات الكثيرة، فالانسان منا يتعجب كيف يصبر هؤلاء؟ كيف يتحملون سنوات عجاف في سجون الظالمين؟ فتذكر سورة مريم، هم يتولاهم الله برحمته ما دمت خرجت مجاهداً في سبيل الله تحمل لواء التوحيد وترفع راية لا إله إلا الله.

إلا الله، وتذب عن حياض المسلمين حتى لو ابتليت بما ابتليت، ولو تسلط عليك الظالمون حتى لو كنت في غياهب السجون المؤبدة، لا يوجد شيء على الله سبحانه وتعالى صعب. ستجد الرعاية الإلهية والمدد الإلهي.

وهذا شيء وقفنا عليه إخواننا والله من أحوال أهل السجون، رأينا أناساً حكم عليهم بالسنوات المديدة ظلماً وعدواناً وما سجنوا إلا لأنهم يخشون ربهم سبحانه وتعالى، ومع ذلك تجد الطمأنينة في قلوبهم. من الذي يزرع تلك السكينة ويببعث الطمأنينة والرحمة؟ من الذي يبعث مدداً في لحظات الضيق؟ هو الله جل في علاه سبحانه وتعالى. هذا الذي حدث مع مريم؛ إذاً مريم في قمة خوفها وحزنها فجأة يأتيها المدد الإلهي، الله يرعاها بكنفه ورعايته فتجد نهراً وتجد طعاما وتجد طفلاً يحدثها. فإذا كل هذا إخبار من الله للصحابة الكرام: لا تقلقوا، لا تظنوا أني بعيد عنكم. انظروا ما حدث مع مريم، انظروا ما حدث مع زكريا. عذاب كفار قريش سينتهي يوماً ما، يتبدل الحال، ولكن قوماً تستعجلون، وإنما النصر صبر ساعة. هي قضية صبر قليل، لكن سيأتي المدد بعد ذلك.

فكلي واشربي -ما زال عيسى يخاطب والدته- فكلي يا أمي واشربي وقري عينا، اطمئني، كوني مسرورة، كوني سعيدة، لا تحزني انتهى الأمر أنت في رعاية الله والله لن يضيعك الله أبداً. فكلي واشربي وقري عينا، فإما ترين -ما زال عيسى يخاطبها- فإما ترين من البشر أحداً. الآن يا أمي عودي إلى القوم، لا تقلقي لا تخشي شيئاً. عودي بي إلى قومي، فإما فإذا جاءك أحد من البشر يسألك من أين أتيت بهذا الجنين، فإما ترين من البشر أحداً إذا جاء أحد يسألك فقولي إنّي نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا.

الصيام في الشرائع السابقة إخواني الكرام وأخواتي الكريمات كان هناك صيام عن الطعام وكان هناك صيام عن الكلام، والصيام عن الكلام نُسخ في شريعتنا فلا يجوز في شريعة الإسلام أن يصوم إنسان أن يمتنع عن الكلام. وأما في الشرائع السابقة فكان موجوداً تبوعاً لهم، فهنا عيسى -طبعا بإلهام الله له ووحي الله اليه- يخبر أمه ماذا تفعل، كيف تتصرف وهذا يزيدها دهشة وفي نفس الوقت يزيدها طمأنينة. الطفل يعلمها ما الخطوات والإجراءات التي ستقومين بها يا أمي، يقول لها إذا جاءك إنسان يجادلك ويناقشك فقولي له ماذا؟ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]. طبعا هنا قولي ليس المراد القول باللسان وإنما الإشارة لأنها خلاص ستنذر للرحمن صوماً، فأي إنسان سيخاطبها من البشر ستشير له إشارة أنني لا أتكلم، بالإشارة هكذا أنني لا أتكلم وافهم أنني نذرت للرحمن صوماً. وهم يعلمون أنه يجوز في شرائعهم أن يتعهد أو ينذر الإنسان الصيام لله عن الكلام. هذا مشروع بس عندنا غير مشروع كما قلنا.

المهم إذا وصلت إلى قومي فقولي إنّي نذرت للرحمن صوماً عن الكلام فبالتالي لن أكلم اليوم إنسياً. ما عاد يخاطبي مريم، خلاص عرفت واضح أنه في رسائل إلهية بذلك، هي صديقة لأنها صدقت. لماذا وصفت في القرآن الكريم وأمها الصديقة في سورة المائدة؟ لأنها صدقت جنينها وهذا دأب من مصدقة لأمر الله سبحانه وتعالى فقامت بالمهمة، حملت جنينها الذي أصبح الآن طفلاً -يعني ما عاد جنيناً- حملت طفلها -نقول في المهد- وذهبت به إلى القوم.

الآن هل كان يساورها خوف؟ هل كان هناك شيء من الرهبة؟ يصعب أن ننزع ذلك عنها، لكنها على العموم كانت صديقة صدقت وأيقنت أن كل هذه الرعاية لا يمكن أن تكون عبثاً. فاتت به قومها تحمله، انظروا الآن المشهد، مريم معها طفل في المهد أتت به قومها وهي تحمله، فهنا اندهش القوم وهذا متوقع ابتداءً سواء أقاربها معشرها العزيزون عليها كلهم اندهشوا. لكن ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27]. ما توقعوا هذا، لقد جئت شيئاً فرياً، أي مستبشعا سيئاً كريهاً، كيف تحملين ولداً؟ من أين أتى هذا الولد؟ إذا الكل الآن بدأ يتهم مريم، وتخيل قساوة المشهد على تلك الفتاة العذراء العفيفة المصونة الطاهرة. الآن الكل يتهمها: لقد جئت شيئاً فرياً، تبشعا مستكرهاً.

وما زال اللوم يتتابع: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28]. هارون هنا على الأصح هو رجل صالح كان أخاً لمريم عليها السلام هذا على قول أو كان في زمنها، فمعنى يا أخت هارون أي يا شبيهة هارون في الصلاح أو يا أخته يا شقيقته فعلاً. فهارون هذا ليس هو النبي، إنه هارون النبي الذي كان مع موسى عليه السلام هذا كان قبل مريم بقرون، فلا يصلح أن نقول هارون هنا هو النبي عليه السلام أنها كانت أخته على هذا التفسير لا، هي ليست شقيقة هارون النبي. لماذا؟ لأن هارون هنا النبي الذي كان مع موسى عليه السلام كان قبلها بقرون، لكن هنا هارون هو رجل صالح كان في بني إسرائيل في زمن مريم، أما هو شقيق وأما هو رجل صالح شبهت به فخيرة يا أخت هارون الصالح أي شبيهته في الصلاح يعني كنا نعدك مثل هارون صلاحاً وخيراً.

طبعا البعض قال لا المراد بهارون هنا -هذا قول لآخر لبعض المفسرين- أن المراد بهارون هنا هارون النبي، وأن المراد بقولهم بقوله تعالى يا أخت هارون أيّما أنت من ذريتي ونسل هارون النبي وهذا محتمل حقيقة، يقال يا أخ العرب ويا أخت العرب ألا يقولون هكذا؟ فالمراد يا أخت هارون على قول بعضهم يا من أنت من نسل هارون النبي الصالح كيف يمكن أن يصدر منك هذا؟

فإذا هناك أقوال متعددة للمفسرين، وما أذهب إليه أن المراد بهارون هنا هو رجل صالح كان في زمن مريم هذا ما يعني ما أذهب إليه وأميل إليه، أنه رجل صالح كان في زمن مريم رضي الله عنها أما هو شقيقها فعلاً وأما هو رجل صالح في زمنها تشبه مريم به من حيث الصلاح والطهارة والصوم. المهم فهم يقولون لها باختصار أنت أخت أو شبيهة لرجل صالح هكذا نعدك كيف يصدر منك هذا الفعل.

كان هناك تأنيب ومريم صامتة لا تتكلم ولم تبلل شفاهها بشيء: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28]. ما عهدنا على أبيك أنه يفعل الحرام، وما عهدنا على أمك أنها تفعيل البغاء. إذاً واضح أنه بدأ الاتهام المباشر لمريم، أن هذا الطفل إنما أتى بطريقة غير مشروعة. الآن مريم المؤمنة الصديقة لم تزد على أن أشارت إلى الطفل الذي في المهد. فاشارت إليه كما طلب منها نفذت المهمة، فاشارت إليه. الآن لك أن تتخيل بني إسرائيل وهم يتهكمون، ماذا تفعل هذه المرأة؟ تشير إلى الصبي! ماذا سيفعل هذا الصبي؟ كيف سيفك سيحميك؟

فتأتي المفاجأة التي أذهلت الجميع، هذه المفاجأة التي أذهلت الجميع هذا المقطع إخواني الكرام ليس موجوداً في كتب الإنجيل، هذا المقطع الإنجيل انتهى في ذكر قصة عيسى إلى قصة جذع النخلة، وأما قصة كلام عيسى أمام بني إسرائيل في المشهد المهيب وإعلانه أنه عبد الله هذا المقطع ليس موجوداً في الأناجيل، ولذلك هذا المقطع حجة اليوم على النصارى، نخبرهم أنكم لم تكملوا قصة المسيح عيسى ابن مريم، وقفتم عند نزوله من أمه ثم بعد ذلك لم تكملوا المشهد. القرآن يعطينا الحقيقة الآن كاملة ويكمل المشهد لنا جميعاً لنعرف من هو المسيح عيسى ابن مريم.

﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29]. كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟ ومن إن يستنكرون؟ يقولون لها كيف نكلمه؟ تريدين أن نكلم هذا الصبي؟ كيف نكلم من كان في المهد؟ المهد هو الفراش الذي يوضع عليه الصبي، هاي الشنطة الحقيبة أو اللحاف الصغير الذي يحمل عليه. كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟ كمات صبيا هنا يعني تأكيد على أنه ما زال لا يستطيع الكلام ولا يعبر. من كان في المهد صبياً حال، حال من الاسم الموصول من؟ كيف نكلم من كان في المهد صبيا نكلمه تعبثين بنا يا مريم؟ تهزئين بنا؟

فكما قلت بدأ المشهد المهيب الذي أذهل الجميع، طفل لم يتجاوز أياماً يتكلم كلاماً فصيحاً بليغاً أبهر القوم. ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. قال إني عبد الله هي الحقيقة المطلقة التي حار فيها اليهود والنصارى، جاء القرآن باختصار ليبينها: إني عبد لله لست ابناً للإله لست جزءاً من الإله لست إلا عبداً من عبيد الله سبحانه وتعالى. ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]. أي أعطاني الكتاب، والكتاب هنا المراد به التوراة أم المراد به الإنجيل الذي سينزل عليه؟ أيضاً هناك خلاف بين المفسرين. المهم أنه يحمل ميراث النبوة آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت. حيثما حل عيسى حلت معه البركات، حل معه السرور، ياتي بالسعادة دوماً. ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَكُنتُ﴾ [مريم: 31]. وأوصاني بماذا؟ أَوْصَاهُ الله بالصلاة -انتبهوا يا أيها المقصرون- ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. الإنفاق في سبيل الله. الآن ما هي طبيعة الصلاة التي كلف بها؟ ما هي طبيعة الزكاة؟ شيئ أي لا نعرف تفاصيله وإنما نتكلم عنه عموماً، هناك صلاة وزكاة كلف بها، ما تفاصيلها؟ لا تهمنا، المهم أن الله أوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته.

لاحظوا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: 32]. وهذه قضية بر الوالدين، لاحظوا كيف تتكرر في سير الأنبياء، يحيى ربنا وصفه ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم: 14]، وعيسى وصفه الله بأنه من أهل البر. فيا أيها الدعاة إياكم أن تقصروا في حقوق المقربين منكم، إياكم أن تقصروا في حقوق أمهاتكم وآبائكم بحجة أنكم دعاة، هؤلاء هم أنبياء الله وخير الدعاة، الله سبحانه وتعالى يوصيهم ببر والديهم. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]. أنا لست جباراً متغطرساً متكبراً، لم آتِ لأملأ الدنيا جبروتاً وكبرياءً، أنا عبد لله، لست جباراً ولست إنساناً محروماً، بل أنا في عز عبوديتي لله، في عز البركات، في عز الصلاح. هكذا كان عيسى ابن مريم.

﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33].لاحظ هو يتكلم: والسلام عليّ، أي أنا في أمان وسلام من الله. والسلام عليّ يوم ولدت، يوم ولادتي أنا في أمان ورعاية من الله وإلى يوم موتي، ويوم أموت في آخر الزمان، ويوم أبعث حيا، إذا هو في كنف الله ورعايته. لكنه قال بالتعريف والسلام عليه في يحيى كانت وسلام نكرة، هنا والسلام معرفة، والمعرفة أبلغ من النكرة، ومن هنا قال العلماء أن عيسى ابن مريم أفضل من يحيى ابن زكريا لأن عيسى قد والسلام والسلام هنا يعني جنس السلام، كل السلام وهذا أبلغ من وسلام بمجرد تنكير، فعيسى أفضل من يحيى بدلالة والسلام كما ذكر كثير من المفسرين أنها جاءت معرفة.

والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا كلمات فخمة عالية رائعة عيسى ابن مريم وهو في المهد صبي يتحدث بها أمام مشهد بني إسرائيل. الكل مصدوم، الكل الآن يقول أن هناك شيئاً مهولاً حدث في هذا العالم، طفل لم يتجاوز الأيام يتكلم كلام الرجال، يتكلم بقمة التوحيد العقيدة والرعاية، طفل يتكلم أنه نبي وأنه أتى ليكمل رسائل بني إسرائيل، أوصاه الله بالكتاب وبالصلاة والزكاة. إذا هنا آية عظيمة يشهدها الجميع.

لكن هل بنو إسرائيل جميعاً آمنوا بهذه الآية أم كعادتهم افترقوا حولها ونسجوا الأساطير والخرافات والأكاذيب؟ بالتأكيد للأسف بعضهم ذهب إلى أن هذا الولد ما دام يتكلم في المهد وما دامت هذه قصته إذا هو بالتأكيد ابن للإله أو هو جزء من الإله أو هو إله بذاته. والبعض من اليهود بقي مصراً والعياذ بالله على أن مريم ارتكبت الفاحشة، ما عندها الآية واضحة في تفاصيلها من يريد أن يبحث عن الحقيقة. فلذلك الله عز وجل يخبر ويقول بعد أن يعني هنا انتهى كلام عيسى وسيأتي له تكملة لسا ما انتهى كاملاً، لكن هنا تأتي الجملة المعترضة التي هي أساس من أساسات سورة مريم بيان أن الله سبحانه جل عن اتخاذ الولد.

ذلك عيسى ابن مريم هذه هي الحقيقة المطلقة أيها البشر. لعيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. قولاً هي مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: هذا عيسى ابن مريم يقول قول الحق بلسانه قوله أي يقول قول الحق ها هو بشحمة لسانه في قمة صغره يقول قول الحق يخبر عن الحقيقة بنفسه أنه عبد وقال إني عبد الله. إذا هو نفسه عيسى يقول إنه عبد لله، فمن أين تفترون عليه سوى ذلك؟ إذاً ذلك عيسى ابن مريم يقول قول الحق الذي تمتاره وتجادلون فيه أيها اليهود والنصارى، فتزعمون أن مريم بغت أو تزعمون أنه ولد أو تزعمون أنه إله، كلها هرطقات وأمور لا صحة لها. قول الحق الذي فيه يمترون أي يشكون.

ما كان لله أن يتخذ من ولد الله سبحانه لا يجوز أن يكون له ولد، لأن الولد علامة الضعف، كما زكريا يقول زكريا لما بلغ من الكبر عتياً وضعف أصبح يحن إلى ولد يركن إليه، فالإنسان يحتاج إلى ولد لضعفه، يحتاج إلى ولد حتى يبقى له امتداد وذكر عند آخرين يبقى ذكرك على لسان ابنك ولسان أحفادك، لأن من أجل ذلك يحتاج إلى الولد. وأما الله الغني، الله الذي صاحب القوة، الله سبحانه الذي لا يدخله الضعف ولا السنا ولا النوم لا يحتاج إلى ولد، الولد علامة الضعف فنسبة الولد إلى الله كأنك تنشر الضعف له وحاشاه وتقدس جل شأنه. ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه أي تنزه الله عن ذلك النقص وعن ذلك العيب الذي وصمه به اليهود والنصارى، ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه.

إذا قضى أمراً، وإنما هي تقضيته سبحانه. قضى أن يأتي يحيى وقضى أن يأتي عيسى بدون أم بدون أب، هي أقضية الله التي لا يقف شيء دون نفوذها. إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. هي مجرد أقضية إلهية.

هي تدل على قدرة عالية ولكن ليس لها علاقة بقضية أن يكون هذا ابن لله أو جزء من الإله كما تدعون أيها المفترون. ثم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم: 36]. كثير من المفسرين قالوا هذا تكملة من عيسى ابن مريم، أن عيسى ابن مريم لسا ما انتهى كلامه.

يعود بعد ذلك المقطع المعترض وهو ذلك رئيس عريان قول الحق إلى آخره في آية ستة وعشرين يكمل أو ستة وثلاثين عفواً، يكمل عيسى ابن مريم الكلام مع بني إسرائيل وهو في المهد، يقول لهم العقيدة التي ينبغي أن يعيشوا عليها، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: 36].

إذاً هنا سورة مريم تعود لترتبط بسورة فاتحة الكتاب؛ اهدنا الصراط المستقيم. من جزئيات الصراط المستقيم ومن مفرداته ومن الأمور التي تندرج تحته أن نؤمن حقاً أن الله ليس له ولد سبحانه لم يلد ولم يولد، هو واحد أحد فرد صمد هو رب للجميع. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: 36]. هذا هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله عز وجل أن يهدينا إليه صباحاً ومساءً في كل صلاة وفي كل ركعة؛ اهدنا الصراط المستقيم. هنا عيسى يبين ما هو الصراط المستقيم، العبودية لله وحده الذي هو رب للعالمين جل في علاه، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: 36].

فماذا كانت النتيجة؟ ماذا حدث؟ ماذا فعل بنو إسرائيل بعد هذه الآية؟ ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: 37]. اختلفوا. وكما قلنا فرق النصارى أصبحت كثيرة، وإلى يومنا هذا أيضاً الكاثوليك والبروتستانت وغيرهم من الأسطورية واليعقوبي، اختلفوا وكل واحد يقدم في عيسى رؤية معينة من هوائه ومن أذواقه، ولكنهم قل منهم من هدي إلى الحق الذي نحن أهل الإسلام الحمد لله هدانا الله إليه بكل هذا المشهد المهيب.

الآية يعني شف جمالية القرآن أنه ما بعطيك فقط المشهد الأخير أن عيسى ابن الله وانتهى، بعطيك الانفعالات دقائق واللحظات والخطرات والأفكار التي كانت قبل عيسى وعند ولادة عيسى وبعد ما جاء عيسى. القرآن يعطيك المشهد كامل بأدق تفاصيله وباروع انفعاته حتى تعيش المشهد أيها المؤمن، وأنت اليوم في القرن الثاني والعشرين في عام ألفين وعشرين عم عيش المشهد كأنك تراه ماثلاً أمامك من خلال هذه المشاهد المهيبة التي ترسمها الآيات القرآنية.

﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مريم: 37]. كل إنسان يكذب في قصة المسيح عيسى ابن مريم فيها الأساطير، فويل للذين كفروا. كل من يكفر بهذا الكلام ولا يؤمن به الله يتوعد وعيد شديد والله، فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم. ويل لكم يا من تفترون على الله الولد، ويل لكم أيها النصارى اليوم وسابقاً ولاحقاً، ويل لكم من يوم عظيم ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق وتقف الملائكة ويأتي رب العالمين سبحانه جل في علاه بذاته ليفصل بين العباد. فويل هلاك ووعيد وتنديد لهؤلاء الذين يزعمون في الله ما لا ينبغي. ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: 37].

اسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا. اسمع بهم وأبصر هذا أسلوب من أساليب التعجب. الآن هناك صيغتان أساسيتان للتعجب؛ صيغة ما أفعله ما أحسنه ما أجمل السماء ما أروع، وصيغة أفعل به بمحمد أكرم بسعد هذه صيغة تعجب وهنا فيها تعجب مع تهديد ووعيد. هنا التعجب المراد منه ليس مطلق التعجب، بل هو تعجب مشوب بتهديد ووعيد. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: 38] أي وأبصر أبصر بهم أيضاً، أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا لفصل الحساب. هو تهديد وتعجب وتهكم لأن الله عز وجل يريد أن يخبر أنهم في الحياة الدنيا لم ينتفعوا بأسماعهم ولا بأبصارهم، لم يستفيدوا منها لم يثمروها في الوصول إلى الحق، كانت معطلة، كانوا فقط يلبون بها الشهوات والملذات.

انظروا إليهم في قارة أوروبا كيف لا يبحثون عن الحقيقة، أسماعهم وأبصارهم معطلة عن البحث عما يرضي الله، وإنما يوظفونها في الحرام والبغاء والخمور والشهوات والملذات. عطلوا أبصارهم عن الحق، لكنهم والله لما يأتوا يوم القيامة سيشاهدون الحق ويسمعون الحق بأم أعينهم وبأصل إسماعهم، ما أسمعهم يومئذ بما كانوا يغلقون أسماعهم عنه في الدنيا، ما أبصرهم يومئذ للحق التي كانوا يغفلون عنها في الدنيا ويصرون على إنكارها. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: 38] ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا عندما يرون كل الأمور التي كذبوا بها يرون الحقائق فيها، ستكون اندهاشات عجيبة يوم يأتوننا ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [مريم: 38]. يعني هم اليوم هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والكفر بالله هم في تيهان وفي حيرة، ولكن يوم القيامة ستنتهي هذه الحيرة ولكن انتهائها سيكون مؤسفاً، لأنها ستنتهي في وقت ولات ساعة مندم. لن ينفعهم الندم، لن ينفعهم تصويب الحقائق، لأنه سيكون يوم القيامة يوم جزاء وحساب لا يوم عمل واستعداد.

إذاً ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: 38] سيعرفون كل شيء عندما يقفون بين يدي الله، سيعرفون تلك الحقيقة ما أسمعهم يومئذ ما أبصرهم، لكنهم مساكين في الدنيا لم يستفيدوا من أسماعهم وأبصارهم، لكن الظالمون اليوم في ضلال في في ملذاتهم في شهواتهم في أهوائهم يستهزئون بأهل الإيمان. دعهم سيأتيهم الحساب ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: 39]. نختم بهذه الآية وأنذرهم على الآية التي تليها، ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 39-40].

هنا ينتهي المشهد؛ مشهد قصة المسيح عيسى ابن مريم بنهاية حقيقة مخيفة ومرعبة تهز القلوب تهز كيانك أيها المؤمن. وأنذرهم يوم الحسرة. لاحظوا هذه الإضافة، الله عز وجل يسمي يوم القيامة يوم الحسرة كأنه يوم متمحض للحسرات، لكنه لمن؟ لمن قصر في الدنيا. استعد عبد الله للقاء الله ليكون يوم القيامة لك يوم فرحة، لأن هناك كثيراً حتى من أهل الإسلام ممن عصوا الله وبارزوه بالعناد سيكون يوم القيامة لهم يوم حسرة، وأنذرهم يوم الحسرة يوم الحسرات والندم وعض أصابع اليد على التفريط في حق الله سبحانه وتعالى. ما كان مصلياً، ما كان يسير على منهج الاستقامة، كان في ديالها خلف شهواته، ستأتي الحسرات في ذاك اليوم المهيب. وأنذرهم يوم الحسرة، إذ قضي الأمر، انتهى كل شيء، انتهى العمل وجاء وقت تسديد الفواتير، ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: 39] الحياة الدنيا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39] لا يصدقون بيوم القيامة، سيأتيهم يوم القيامة تسديد كل شيء قصروا فيه في الحياة الدنيا.

ثم يختم المشهد ببيان من هو الوارث الوحيد لهذا الكون، الوارث الوحيد لهذا الكون هو الله جل في كبريائه وعلاه، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40]. شف فخامة الألفاظ؛ إن الله يتكلم الله يتكلم الكل يصمت، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40]. إذاً الوارث الحقيقي بهذا الكون هو الملك القدوس جل في علاه، سيرثنا ويرث أرضنا وأموالنا وأبناءنا وكل شيء على في هذا العالم، سيعود إلى المالك الحقيقي له ملك الملوك جل في علاه سبحانه تقدس شأنه، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40].

نهاية أحبابي يجب أن تكون حاضرة في أذهاننا ونحن نسير في هذه الحياة الدنيا، إنما نحن عبيد مستعملون، نحن في هذه الحياة الدنيا مجرد أناس نعيش للحظات نعيش لفترات قصيرة، فلا تظن أنك ستخلد عبد الله في هذه الحياة، لا تعربد كثيراً ولا تخض كثيراً ولا تعش من أجل دينار ودرهم وملذات وشهوات، فكل شيء سيعود إلى الوارث الحقيقي الوحيد لهذا الكون الله جل في علاه. كلنا سنعود إليه في لحظة ستكون حسرة عند البعض وستكون فرحة لكثيرين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون يوم القيامة لنا يوم فرحة يوم اخذ الجائزة يوم اخذ الهدية الكبرى، وألا يكون يوم حسرة تتقطع تعطيه القلوب على تقصيرها في حق المولى جل في علاه.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم نسألك أن نحيا على الصراط المستقيم، أن نحيا حقائق التوحيد، أن نحيا مع كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم. نعوذ بك أن نكون من الغافلين، نعوذ بك أن تأخذنا الدنيا بعيداً عنك أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. أشكركم على الاستماع والحضور والانتباه.