دخولتسجيل الدخول

المجلس 3

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في تدبر سورة مريم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل التدبر ومن أهل التعقل ومن أهل التفهم لرسالاته ومراده، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زلنا مع زكريا عليه السلام وهو في أفياء الصدمة. نعم، زكريا عبد موقن بأن الله سبحانه وتعالى سريع الإجابة، موقن أن الله سبحانه وتعالى لا يخذل عبداً دعاه، لكنه في النهاية بشر ووقع في لحظة الصدمة والاندهاش؛ لأنه يعلم أن الأسباب الآن متعطلة، الزوجة عاقر وهو بلغ من الكبر عتيا. ففي لحظة الاندهاش، في لحظة الصدمة، زكريا عليه السلام يقول: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 8]. يعني يا الله من أين يأتي هذا الغلام؟ أو كيف سيأتي هذا الغلام وقد الزوج عاقر يا الله والعبد الفقير بلغ من الكبر عتيا؟

زكريا هو لا يشك في قدرة الله، بل لو كان يشك لما دعا أصلاً ابتداء، وبالتأكيد موقن أن الله على كل شيء قدير، وهذا الذي دفعه أن يمد يديه إلى رب الأرباب سبحانه وتعالى وينادي نداء خفيا. لكن كما قلنا هي لحظة الصدمة والاندهاش، كيف سيكون هذا الأمر مع تعطل الأسباب؟ ويحاول أن يبحث عن تفسير وعن إجابة، فتأتيه الإجابة صارمة ومحددة ابتداء: قال كذلك قال ربك. قال كذلك قال ربك أي قال الله، كذلك شاء ربك. فقال الثانية في الآية أحبابي الكرام كما ذكر كثير من المفسرين هي بمعنى شاء، قال أي قال الرب.

ماذا قال الله سبحانه وتعالى في جواب زكريا؟ كذلك شاء الله. انتهى، لا يوجد شيء يقف دون نفوذ قدرة الله سبحانه، قدرة الله عز وجل فوق الأسباب، فوق النواميس الكونية. الله عز وجل قادر على أن يبعث الحياة في الأسباب المتعطلة، بل كما سيأتي في قصة مريم وعيسى، الله قادر على أن يأتي بالشيء بدون سببه أصالة، فإذا شاء الله شيئاً قال له كن فيكون وينتهي. وهذا يبعث الأمل أحبابي عند الإنسان، لو رأيت الأسباب متعطلة أمامك والأبواب مغلقة، إياك أن تيأس من روح الله، إياك أن تظن أن قدرة الله تقف عند حدود الأسباب فإذا تعطلت الأسباب لا فائدة من الدعاء. إياك يا عبدالله أن تتعلم من زكريا كيف تدعو الله سبحانه وتعالى في أحلك اللحظات، كيف تدعو الله سبحانه وتعالى حتى ولو كان في بادئ الرأي انتهى كل شيء.

لكن عند الله سبحانه وتعالى لا يوجد شيء ينتهي ما دام الله عز وجل هو ربنا وخالقنا، هو الذي يربينا ويحفنا برعايته والإصلاح والعناية، فلا شيء مستحيل على قدرة الله سبحانه وتعالى. قال الله: كذلك قال ربك أي هكذا نعم أراد الله، أراد الله أن تكون قد بلغت من الكبر عتيا، وأراد الله أن تكون زوجتك عاقر وليأتي يحيى رغم كل ذلك. هذه مشيئة الإله سبحانه وتعالى. قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبِّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: 9]. هذا شيء سهل ميسر، ليس شيئاً صعباً. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9]. تذكر يا زكريا ماذا كنت أنت؟ خلقتك من قبل وكنت عدماً. ماذا كان آاباؤك؟ ماذا كان آدم عليه الصلاة والسلام؟ آدم لم يأت لا من أب ولا من أم، وإنما هي نفخة الروح الإلهي في ذلك الطين، بعث منه آدم عليه السلام.

إذًا وقد خلقتك، إما الكلام موجه لزكريا خلق زكريا، وقيل إنه إشارة إلى خلق أبيه آدم عليه السلام وكيف أن الله أتى به من دون سبب لا من رجل ولا من امرأة، ولكن شاءت أرادة الله أن يكون بشراً فقال له كن فيكون. هكذا الإنسان أحبابي الكرام، هذا من أعظم الدروس التي ينبغي أن نستنبطها من هذا الدرس: درس زكريا عليه السلام مع يحيى، قدرة الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء. فيا أيها العبد كن موقناً بالله، إذا ادلهمت الخطوب، إذا وقعت في الكروب، إذا أغلقت الأبواب وسدت المنافذ فلا شيء يصعب على الله سبحانه وتعالى، هو علي هين. ما أجمل هذا الدرس وما أجمل هذا التنبيه!

قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [مريم: 10]. إذاً زكريا عليه السلام أصبح متعطشاً لإتيان هذا الولد، وانتهت القصة في قضية هل هو متشكك أم لا، عرفنا زكريا لم يكن شاكاً، وجاءته إجابة منتهية من الله سبحانه وتعالى: كذلك قال ربك. لكن الآن زكريا في لحظة التعطش يريد أن يرى يحيى بين يديه يلعب معه ويعيش معه لحظات العمر التي بقيت. قال: رب اجعل لي آية حتى أعلم أن زوجتي ستحمل في بعد انتهاء هذه الآية أو عند انتهاء هذه الآية، اجعل لي علامة إذا جاءت أعرف أن زوجتي الآن أصبحت حامل بيحيى. قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10]. علامة أن تحمل زوجتك يا زكريا، علامة أن تحمل زوجتك هو مرور ثلاثة أيام، ستمر عليك منذ هذه اللحظة ثلاثة أيام لن تستطيع أن تكلم الناس فيها.

وإن كنت سوياً، سوياً يعني وإن كنت مكتمل الخلقة ليس من عاهة ولا من عيب، وإنما هي مجرد إسكات الله سبحانه وتعالى لسانك مدة ثلاثة أيام. لأنه الآن بعض الناس لا يتكلم، لكن عدم تكلمه هو عيب في خلقته، أليس كذلك؟ عنده مشكلة البكم. لكن زكريا الله عز وجل يخبره: آيتك أي العلامة التي سأعطيك إياها أنه ستمر عليك ثلاثة أيام لن تستطيع أن تحدث الناس مع أن خلقتك مكتملة فأنت سوي، ما عندك إشكال أصلاً في الكلام، ولكنني أنا الذي سأمنع الكلام عنك ثلاثة أيام.

هنا طبعا ذكر بعض المفسرين أنه منع من الكلام والمراد كلام الناس وأذن له في التسبيح فقط. فذكر بعضهم أن الكلام الذي منع منه هو فقط الكلام مع الناس، وأما ذكره لله سبحانه فلسانه يتحدث، ولذلك جاءت الآية: قال آيتك ألا تكلم الناس. فقط هذا الذي ستمنع منه، وأما ذكرك لله وانشغال لسانك رطباً بتحميده وتمجيده وتعظيمه سيبقى سائراً، وهذا دلالة على أن منعه من الكلام ليس لعيب في زكريا وإنما هي علامة وإشارة من الله سبحانه وتعالى له.

قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [مريم: 11]. واضح أن زكريا عليه السلام هو من أهل المحاريب، من أهل الخلوة بذكر الله سبحانه والصلاة له؛ لأنه في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39]. وهنا فخرج على قومه من المحراب. إذاً زكريا ممن يلزم محراب التهجد، ممن يلزم محراب العبودية لله سبحانه وتعالى، ومن كان هذا شأنه فحري أن يستجيب الله سبحانه وتعالى لدعائه وأن يكرمه بهذه الكرامات.

فعبدالله إذا كنت ملازماً لعبودية الله سبحانه، ملازماً لمنهج الاستقامة، رفعت يديك إلى السماء فكن متيقناً أن الله سبحانه وتعالى قريب منك، مجيب لدعائك، سامع لشكواك، لا يمكن أن يتركك. هكذا الإنسان المؤمن يسير وفق مراد الله ويجد الله سبحانه وتعالى عنده. احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، هكذا احفظ الله تجد الله معك مقبلاً عليك يعطيك ويمنحك ويسددك ويرشدك ويحقق لك ما تريد مما فيه رضا الرب سبحانه وتعالى.

إذًا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم. ما هو الإيحاء أحبابي هنا؟ الإيحاء هنا فسرته سورة آل عمران، وهذا ينبغي أن ينتبه له طالب العلم هو أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فهذه القصة جاءت إشارة إليها أيضاً في سورة آل عمران في سياق آخر يساعد على فهم هذا السياق. الإيحاء هنا هو الإشارة باليد بالترميز، لأن الله سبحانه وتعالى قال في سورة آل عمران: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41]. ففهمنا من جمع آل عمران مع آية مريم أن الإيحاء هنا المراد به الإشارة باليد والترميز، فأشار إليهم كأنه قال لهم انسبحوا بكرة وعشية. هذه الجملة لم يتكلم بها بلسانه بل أشار بها ترميزاً إيحاءً، سمي هنا إيحاءً وسمي في آل عمران ترميزاً، أشار إليهم أن سبحوا بكرة أي في وقت الصباح وعشياً عند اقتراب غروب الشمس.

ومن هنا ذهب كثير من المفسرين إلى أن التسبيح بكرة وعشياً له ميزة عن سائر الأوقات، أن تذكر الله عز وجل بعد الفجر إلى شروق الشمس وأن تذكر الله سبحانه وتعالى في الساعة الأخيرة قبيل المغرب، هذه من أعظم أوقات الذكر، ولذلك زكريا عليه السلام نبه عليها ما قال سبحوه في أي وقت، نص على هذين الوقتين وهذا يدل على وجود بركة خاصة لذكر الله فيهما، ومن هنا نحرص على ذكر أذكار الصباح وأذكار المساء في هذين الوقتين.

عبدالله وأمة الله، أنت متى تذكر أذكار الصباح؟ تذكرها بعد الفجر إلى الشروق، تذكر وتبتهج بذكر ربك سبحانه وتعالى. وقبيل غروب الشمس فترة العشي أيضاً عليك أن تلهج بأذكار المساء فهي حصن ووقاية وتقضى بها الحاجات وتنفس بها الكربات، والله سبحانه وتعالى يجعلك دائماً في حرز ما دمت محافظاً على ذكره في هذين الوقتين بالتحديد. إذاً سبحوا بكرة وعشياً.

وفي هذين الوقتين أيضاً أحبابي الكرام يكون تبديل الملائكة، كما جاء في الحديث: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون عند صلاة الصبح وصلاة العصر. فهناك ملائكة أصلاً تغادر من بعد صلاة الفجر إلى الله سبحانه وتعالى تماماً، ويأتي مكانها ملائكة آخرون. ويسأل الله الملائكة الذين خرجوا: كيف تركتم عبادي؟ وكذلك التحول الثاني لتبديل الملائكة في صلاة العصر، بعد صلاة العصر يذهب ملائكة ويأتي ملائكة جدد، ويسأل الله سبحانه وتعالى كل ملائكة تصعد إليه: كيف تركتم عبادي؟ فمن الجميل أن تتركك الملائكة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر وأنت في حال ذكر لله سبحانه وتعالى.

إذاً زكريا اشار إلى قومه سبحوا بكرة وعشية ثم دخل إلى محراب التهجد يذكر الله سبحانه وتعالى ويسبحه. هنا يسدل الستار الآن على زكريا وتفتح ستارة أخرى مشهد آخر، ها هو يحيى خرج إلى هذه الحياة الدنيا ليخاطبه ربه سبحانه وتعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12].

شوف المشهد كيف خلص، أغلقت الستارة على زكريا نتركه في محرابه يسبح ويذكر الله ونفتح ستارة أخرى مشهد جديد، يحيى الآن خرج إلى هذه الحياة. يا يحيى خذ الكتاب بقوة. شوف هنا البداية الفخمة، يحيى لماذا طلبه زكريا؟ زكريا كما مر معنا لماذا طلب يحيى؟ لماذا سأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقه يحيى؟ قال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: 6]. زكريا أراد أن يكون يحيى وارثاً للنبوة، وارثاً لرسالات الأنبياء السابقين، فجاءته الإجابة الله استجاب لزكريا فأتاه يحيى.

وأول وصية من الله سبحانه وتعالى ليحيى: يا يحيى إنما أتينا بك لتكون حاملاً لميراث أجدادك من أنبياء بني إسرائيل، فخذ الكتاب بقوة، خذ التوراة والكتب السابقة باهتمام وجد ومثابرة، وإياك أن تكون كسولاً ملولاً عن حمل أعباء هذه الدعوة. وهي رسالة لكل طالب علم ولكل طالبة علم ولكل مسلم أن يتعامل مع هذا الدين بجدية واهتمام ومثابرة وليس بكسل وفتور، وأن يكون إنساناً لعوباً دينه مع الإنسان المسلم دائماً مهتم بأمور الدين وإصلاح شأن الناس والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وشعاره خذ الكتاب بقوة، خذ الرسالة الإلهية واحملها على عاتقك أيها الداعي وأيتها الداعية بجد واهتمام والتفات دون كسر.

إخواني هكذا تقوم الدعوات وهكذا تقوم الدول والحضارات وهكذا ننشئ جيلاً صالحاً يعيد أمجاداً لهذه الأمة، شعاره خذ الكتاب بقوة. إذن هذه الرسالة الأولى من الله سبحانه وتعالى ليحيى وهي أذان وإعلام بأن الله استجاب دعاء زكريا، فجاء بيحيى ليكون حاملاً لميراث الأنبياء، وأوصاه الله بما أوصاه.

ثم أخبرنا الله سبحانه وتعالى أحبابي عن الصفات التي حبى بها يحيى. يحيى كان حاملاً لأعباء الرسالة، وحمل أعباء الرسالة والدعوة إلى الله عز وجل يحتاج في الإنسان أن تكون فيه مجموعة من المواصفات والقيم، يحتاج أن يكون الإنسان فيه مجموعة من المواصفات والمقاييس حتى يكون صالحاً للدعوة إلى الله. وهذا هو يعني ما سأسميه الآن: معايير الداعية الناجح، كيف تكون داعية ناجحاً تصلح لأن تحمل هم هذا الدين وتنشره بين الناس؟ ينبغي أن تتحلى بهذه الصفات التي وصف الله بها يحيى.

ما هي؟ قالوا: أولاً: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]. والحكم هنا قال العلماء: العلم والفهم. فأول مواصفة ينبغي أن تكون فيك يا من تريد أن تكون داعية، ويا من تريدين أن تكوني داعية: أن يكون هناك علم. فالعلم قبل العمل، الإنسان يتعلم أولاً ويفهم ويعقل مرادات الله ثم بعد ذلك يدعو إليها. كثير من الناس للأسف هو سريع يعني يريد مباشرة أن يبدأ في ميدان العمل، لا يمكن بضاعته في العلم مزجاة، هذا يا إخواني أثره محدود، وأحياناً قد يكون أثره سلبي على ساحة الدعوة الإسلامية. ينبغي أن تتسلح بسلاح العلم وأن تنشغل به منذ الصغر.

قال: وآتيناه الحكم صبيا أي الله سبحانه وتعالى أحبابي الكرام يسر ليحيى عليه السلام العلم منذ الصغر. وهذه رسالة للآباء والأمهات، هذه رسالة للآباء والأمهات الذين يريدون في أبنائهم أن يكونوا غداً حملة لهذا الدين: ابدؤوا بتعليمهم هذا الدين منذ الصغر، منذ الصبا. لاحظوا: وآتيناه الحكم أي العلم صبيا، لأن التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، لما تبدأ بتعليم ابنك معالم هذا الدين منذ نعومة أظفاره ترسخ هذه المعالم في قلبه ولا ينساها، خاصة أن فترة الصبا فترة فيها مساحة كبيرة من الوقت والإنسان خالي فيها من أعباء الحياة.

فَسُهُولَةُ التَّعْلِيمِ؛ سُهُولَةُ التَّلَقِّي. يَعْنِي أَنْتَ تُعْطِيهِ مِسَاحَةً كَبِيرَةً مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْفُهُومِ الْحَيَاتِيَاتِيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ سِنَّ الْعِشْرِينَ إِلَّا وَهُوَ أَصْبَحَ -يَعْنِي- قَائِمًا عَلَى سُوقِهِ، شَابًّا مُتَمَكِّناً يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْذُلَ. وَأَمَّا حَالُ كَثِيرٍ مِنَّا أَنَّهُ لَا يُفَكِّرُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْمُطَالَعَةِ مَعَ أَوْلَادِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْلُغُوا الْعِشْرِينَ أَوِ الثَّلَاثِينَ.

لَكِنْ حَقِيقَةً أَنْتَ ضَيَّعْتَ كَثِيرًا مِنَ الْوَقْتِ، أَنْتَ ضَيَّعْتَ عَلَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْوَقْتِ. هَذَا الشَّابُّ لَوْ اشْتُغِلَ عَلَيْهِ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَهَذِهِ الْفَتَاةُ لَوْ عَلَّمْنَاهَا مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهَا، لَا تَصِلُ إِلَى سِنِ الْعِشْرِينَ إِلَّا وَأَصْبَحَتْ مُؤَهَّلَةً بِأَنْ تَخُوضَ وَتَتَكَلَّمَ وَتَحْمِلَ شِعَارَ هَذَا الدِّينِ.

فَإِذًا، أَوَّلُ شَيْءٍ: الْعِلْمُ، وَنَحْرِصُ عَلَى تَعْلِيمِ أَبْنَائِنَا مُنْذُ الصِّبَا، وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ أَيِ الْعِلْمَ وَالْفَهْمَ عَنِ اللَّهِ. مَتَى آتَاهُ اللَّهُ الْحُكْمَ؟ صَبِيًّا. طَيِّبٌ، الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾. هُوَ شَخْصِيَّةٌ حَنُونَةٌ.

وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -أَحْبَابِي الْكِرَامَ- تَحْتَاجُ إِلَى إِنْسَانٍ رَفِيقٍ لَيِّنٍ شَفِيقٍ عَلَى النَّاسِ؛ كَمَا كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا. أَمَّا الشَّخْصِيَّةُ الْحَادَّةُ، الشَّخْصِيَّةُ الْغَلِيظَةُ الْجَافَّةُ؛ هَذِهِ يَصْعُبُ أَنْ -يَعْنِي- يَتَشَرَّبَهَا النَّاسُ، أَوْ يَسْمَعُونَ لَهَا، أَوْ يَلْتَفُّونَ حَوْلَهَا. ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هَكَذَا النَّاسُ. النَّاسُ حَتَّى لَوْ كُنْتَ أَنْتَ عِنْدَكَ الْحُكْمُ وَالْعِلْمُ وَالْفَهْمُ، لَكِنْ أُسْلُوبُكَ صَعْبٌ، وَمِزَاجُكَ مُعَقَّدٌ، فَظُّ الْأَلْفَاظِ، صَعْبُ الْمِرَاسِ؛ النَّاسُ لَا تَتَقَبَّلُكَ، لَنْ تَتَحَمَّلَكَ. فَأَبْرَزُ صِفَةٍ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ -كَمَا أَخْبَرَ اللَُّ عَزَّ وَجَلَّ-: الْحَنَانُ، اللَّيْنُ، الْيُسْرُ، السُّهُولَةُ، الرِّفْقُ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ﴾.

فَهَذِهِ مِنَ الْمُوَاصَفَاتِ، ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾، وَهَذِهِ (مِن لَّدُنَّا) أَشَرْتُ إِلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ السَّابِقِ. يَعْنِي رُزِقَ يَحْيَى حَنَانًا خَاصًّا صَامَ بِهِ -يَعْنِي- فِي حَنِيَّةٍ زَائِدَةٍ، هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ وَطَبْعٌ جُبِلَ عَلَيْهِ. فَهُوَ يَحْيَى لَا يَتَكَلَّفُ الرِّفْقَ؛ فِي بَعْضِ النَّاسِ -إِخْوَانِي- هُوَ بِطَبْعِهِ غَلِيظٌ فَيُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا هَيِّنًا فَيَتَكَلَّفُ، لَا؛ يَحْيَى حَنَانُهُ سَجِيَّةٌ طُبِعَ عَلَيْهَا. لِذَلِكَ قَالُوا: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾، كَلِمَةُ (مِن لَّدُنَّا) هُنَا مَا فَائِدَتُهَا؟ لِبَيَانِ أَنَّ الْحَنَانَ الَّذِي عِنْدَ يَحْيَى لَيْسَ مُتَكَلَّفًا خِلَافَ طَبْعِهِ، بَلْ هُوَ سَجِيَّةٌ وَطَبِيعَةٌ جَبَلَهُ اللَُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهَا. جَمِيلٌ، إِذًا: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾.

ثَالِثًا: قَالَ: ﴿وَزَكَاةً﴾، وَهَذِهِ مُهِمَّةٌ جِدًّا أَيُّهَا الدُّعَاةُ وَالدَّاعِيَاتُ؛ تَزْكِيَةُ الْقَلْبِ. يَحْيَى كَانَ مُنْشَغِلًا بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ كَمَا ذَكَرْنَا نَحْنُ فِي مَجْلِسِ مَدْخَلِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَاللِّسَانِ؛ الِاشْتِغَالُ عَلَى تَزْكِيَةِ الْقَلْبِ وَإِصْلَاحِهِ، وَالِاشْتِغَالُ عَلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِهَا وَالِارْتِقَاءِ بِهَا مِنْ نَفْسٍ أَمَّارَةٍ إِلَى لَوَّامَةٍ إِلَى مُطْمَئِنَّةٍ. الِاهْتِمَامُ بِخَطَرَاتِ الْقُلُوبِ، الِاهْتِمَامُ بِآفَاتِ النُّفُوسِ، تَحْصِينُ هَذَا الْقَلْبِ وَهَذِهِ النَّفْسِ مِنْ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهَا آفَاتُ الشَّيَاطِينِ وَنَزَغَاتُهَا، كَانَ مُشْتَغِلًا عَلَى الزَّكَاةِ.

إِذًا، هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ كَانَ عِنْدَهُمْ مَنْهَجُ التَّزْكِيَةِ؛ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَنْهَجُ عِنْدَ كُلِّ دَاعِيَةٍ وَسَالِكٍ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَالتَّزْكِيَةُ أَسَاسٌ فِي حَيَاةِ الدَّاعِيَةِ. الدَّاعِيَةُ الَّذِي فَقَطْ هَمُّهُ الْخِطَابَاتُ الدَّعْوِيَّةُ وَالظُّهُورُ عَلَى السُّوْشِيَالْ مِيديا وَالْكَلَامُ، لَكِنَّهُ لَا يَهْتَمُّ بِقَلْبِهِ؛ هَذَا سَرْعَانَ مَا يَنْقَطِعُ -أَحْبَابِي الْكِرَامَ- لِأَنَّ الْوَقُودَ سَيَنْفَذُ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ. فَأَهَمُّ شَيْءٍ فِيكَ أَيُّهَا الدَّاعِيَةُ حَتَّى يَبْقَى الرَّصِيدُ شَبَّالاً وَالْهِمَّةُ مُرْتَفِعَةً؛ أَنْ تَبْقَى عَمَلِيَّةُ التَّزْكِيَةِ عَمَلِيَّةً مُسْتَدَامَةً، هَكَذَا كَانَ يَحْيَى وَهَكَذَا وُصِفَ.

اللَّهُمَّ، وَزَكَاةً، ثُمَّ قَالَ: الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: وَكَانَ تَقِيًّا. كَانَ يَخَافُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ؛ يَحْيَى كَانَ يَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَهُ تُقًى مِنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَإِيَّاكَ أَيُّهَا الدَّاعِي أَنْ تُفَوِّتَ هَذِهِ الصِّفَةَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ بِالدِّينِ وَلَكِنَّهُمْ فَجَرَةٌ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- قُلُوبُهُمْ مَرِيضَةٌ؛ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا، إِذَا ظَفَرُوا بِالْمَعَاصِي أَقْبَلُوا عَلَيْهَا. وَهَذَا لَيْسَ دَاعِيَةً نَاجِحًا؛ الدَّاعِيَةُ النَّاجِحُ إِنْسَانٌ يَتَّقِي رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سِرِّهِ وَفِي عَلَانِيَتِهِ، فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ.

إِذًا، هَذِهِ الصِّفَاتُ الْأَرْبَعُ هِيَ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِيكَ أَيُّهَا الدَّاعِي، هِيَ الَّتِي تُؤَهِّلُكَ أَنْ تَكُونَ دَاعِيَةً صَالِحًا؛ أَوَّلًا: الْعِلْمُ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، الرِّفْقُ وَاللِّينُ ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾، الِاهْتِمَامُ بِتَزْكِيَةِ الْقَلْبِ ﴿وَزَكَاةً﴾، وَتَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سِرِّكَ وَفِي عَلَانِيَتِكَ ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾.

مَا أَجْمَلَ هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ تَرْسُمُ هَذَا الْمَشْهَدَ! إِذًا، اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَجَابَ لِزَكَرِيَّا؛ زَكَرِيَّا أَرَادَ شَابًّا يَحْمِلُ أَعْبَاءَ الدَّعْوَةِ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5-6]، فَجَاءَتْهُ الْإِجَابَةُ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 12-13]. فَكَانَ يَحْيَى قُرَّةَ عَيْنٍ لِأَبِيهِ، كَانَ فِعْلًا عَلَى الْمُوَاصَفَاتِ الَّتِي يُرِيدُهَا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ.

ثُمَّ زَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذِكْرِ أَوْصَافِ يَحْيَى فَقَالَ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14]. هُنَا نَعَمْ؛ كَانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لِأَبِيهِ، وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ. زَكَرِيَّا كَمَا قُلْنَا أَيْضًا مِنْ دَوَافِعِ طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، فَيَحْتَاجُ إِلَى وَلَدٍ يَتَكَأُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي حَالِ تَقَدُّمِ السِّنِّ. فَيَحْيَى لَمْ يَكُنْ عَاقًّا بِوَالِدَيْهِ، بَلْ كَانَ أَيْضًا كَمَا يُرِيدُ؛ كَانَ بَارًّا بِوَالِدَيْهِ، مُسَاعِدًا لَهُمْ، يَقُومُ بِحَوَائِجِهِمْ.

وَهَكَذَا الدَّاعِيَةُ أَيْضًا -أَحْبَابِي الْكِرَامَ- لَا يَنْشَغِلُ بِالنَّاسِ وَيَنْسَى الدَّائِرَةَ الْقَرِيبَةَ مِنْهُ. هُنَاكَ دُعَاةٌ -أَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا وَيَهْدِيَهُمْ- إِذَا انْشَغَلَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ نَسِيَ أَهْلَ بَيْتِهِ، نَسِيَ الْوَالِدَ وَالْوَالِدَةَ، نَسِيَ زَوْجَتَهُ، نَسِيَ أَبْنَاءَهُ، وَهَذَا لَيْسَ نَجَاحًا فِي الْحَيَاةِ. النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي كَانَ مَشْغُولًا بِهُمُومِ الْأُمَّةِ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَكَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، وَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ»، وَكَانَ يَقْضِي حَوَائِجَ زَوْجَاتِهِ. لَا تَقُولُ: وَاللَّهِ أَنَا دَاعِيَةٌ مَشْغُولٌ لَا عِنْدِي وَقْتٌ لِوَالِدِي، لَا عِنْدِي وَقْتٌ لِأَبْنَائِي؛ إِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ -مَنْهَجُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ شُغْلًا مِنْكَ- ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾، وَانْظُرْ مَنْهَجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرُّغَهُ لِحَوَائِجِ زَوْجَاتِهِ وَأَهْلِهِ؛ فَلَا تَقُلْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُ وَقْتًا، هَذَا مَعْنَاهُ أَنْتَ عِنْدَكَ إِشْكَالٌ فِي فَهْمِ الْأَوْلَوِيَّاتِ وَفِي تَرْتِيبِهَا.

وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا؛ كَانَ جَبَّارًا -قَاسِيًا، فَظًّا، غَلِيظًا- عَصِيًّا يَعْصِي وَالِدَيْهِ وَيَخْرُجُ عَنْ أَوَامِرِهِمْ. فَإِذَا كَانَ -رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيِّنًا مَعَ وَالِدَيْهِ، مُطِيعًا لَهُمْ، وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: 14].

ثُمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخْبِرُنَا أَنَّهُ تَكَفَّلَ بِرِعَايَةِ يَحْيَى مُنْذُ وِلَادَتِهِ إِلَى يَوْمِ وَفَاتِهِ وَحَتَّى يُبْعَثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَيًّا، فَقَالَ: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]. إِذًا، هُوَ فِي سَلَامٍ وَأَمَانٍ وَفِي رِعَايَةٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَوْمَ وِلَادَتِهِ إِلَى يَوْمِ وَفَاتِهِ وَإِلَى أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَيًّا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَهَذَا مِنْ أَجْمَلِ النِّعِيمِ؛ أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ فِي كَفَالَةِ اللَّهِ، فِي رِعَايَةِ اللَّهِ، وَفِي صَوْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَنْ يَرْزُقَكَ اللَّهُ الطُّمَأْنِينَةَ مِنْهُ وَالسَّلَامَ وَالْأَمَانَ الْمُسْتَدَامَ طِوَالَ حَيَاتِكَ، وَعِنْدَ مَوْتِكَ، وَحِينَ تُبْعَثُ حَيًّا. أَيُّ شَيْءٍ أَجْمَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي رِعَايَةِ اللَّهِ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41].

مَا أَجْمَلَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى، وَهَذَا لِمُوسَى وَلِكُلِّ الْأَنْبِيَاءِ! أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَّنَهُمْ، وَهَذَا أَيْضًا يَكُونُ لِأَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَسِيرُونَ عَلَى نَهْجِهِمْ؛ أَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُمُ السَّلَامَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالْأَمَانَ، وَأَنَّهُمْ فِي حِمَايَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرِعَايَتِهِ.

إِذًا، هَكَذَا يُغْلَقُ الْمَشْهَدُ؛ مَشْهَدُ زَكَرِيَّا ثُمَّ يَحْيَى، وَتَبْدَأُ السُّورَةُ بِمَشْهَدٍ آخَرَ وَمُنْحَنَى آخَرَ وَهُوَ الْمُنْحَنَى -لِنَقُلِ- الْأَسَاسُ فِي السُّورَةِ: بَيَانُ وِلَادَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَّ عِيسَى هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ الْأَفَّاكُونَ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. جَاءَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ الْآنَ، وَفِيهَا مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ قِصَّةِ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَأْتِي عِيسَى بِدُونِ السَّبَبِ أَصْلًا. يَعْنِي فِي قِصَّةِ يَحْيَى؛ يَحْيَى جَاءَ بَعْدَ تَعَطُّلِ الْأَسْبَابِ، اللَّهُ بَعَثَ فِيهَا الْحَيَاةَ، لَكِنَّ الْأَسْبَابَ مَوْجُودَةٌ فِي النِّهَايَةِ؛ هُنَاكَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ. لَكِنْ فِي قِصَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لَا يُوجَدُ رَجُلٌ، امْرَأَةٌ فَقَطْ تَحْمِلُ! وَهَذَا إِتْيَانٌ لِلْوَلَدِ مِنْ دُونِ سَبَبِهِ، وَأَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ يُؤَكِّدَ لِلنَّاسِ أَنَّ فِعْلَهُ وَإِرَادَتَهُ فَوْقَ الْأَسْبَابِ، لَا يُوجَدُ شَيْءٌ يَحْكُمُ إِرَادَةَ اللَّهِ، النَّوَامِيسُ تَحْتَ مُرَادِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ.

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: 16] إِذًا، ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، هَذَا الْمَشْهَدُ الْأَوَّلُ وَهَذِهِ أَوَّلُ رَحْمَةٍ مِنْ رَحَمَاتِ اللَّهِ. وَهُنَا أُنَبِّهُ أَنَّ سُورَةَ مَرْيَمَ -أَحْبَابِي الْكِرَامَ- رَكَّزَتْ عَلَى رَحَمَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ؛ فَاسْمُ الرَّحْمَنِ ذُكِرَ فِيهَا سِتَّةَ عَشَرَ -سِتَّةَ عَشْرَةَ- مَرَّةً. اسْمُ الرَّحْمَنِ ذُكِرَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَبِيرَةً، ذُكِرَ فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَالرَّحْمَةُ ذُكِرَتْ فِيهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ -كَمَا يَقُولُ ابْنُ عَاشُورٍ- تَأْكِيدَ اتِّصَافِ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ، وَبَيَانَ آثَارِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ فِي حَيَاةِ النَّاسِ.

وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ نَتَتَبَّعَ مَوَاطِنَ الرَّحَمَاتِ وَآثَارَ الرَّحَمَاتِ؛ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ رَبِّكَ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. طَلَبَنَا قَالَ ذَلِكَ: ﴿انْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم: 50]، هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنَا فِي كِتَابِهِ أَنْ نَنْظُرَ وَنَتَتَبَّعَ آثَارَ الرَّحْمَةِ حَتَّى يَرْسَخَ فِي نُفُوسِنَا أَنَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، وَأَنَّ رَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ.

سُورَةُ مَرْيَمَ؛ أَوَّلُ مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ الرَّحْمَةِ: كَيْفَ رَحِمَ اللَّهُ مَنْ بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا فَآتَاهُ بِوَلَدِهِ يَحْيَى الَّذِي كَانَ حَيَاةً لِوَالِدَيْهِ. الْآنَ دَعُونَا نَنْطَلِقْ إِلَى مَشْهَدٍ آخَرَ مِنْ مَشَاهِدِ الرَّحْمَةِ؛ رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِمَرْيَمَ وَهِيَ فِي خِضَمِّ الْبَلَاءِ الشَّدِيدِ الَّذِي حَلَّ بِهَا. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ -اعْتَزَلَتْ- ﴿وَانْتَبَذَتْ﴾ أَيْ اعْتَزَلَتْ وَانْفَرَدَتْ ﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16].

اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخْبِرُنَا أَنَّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ انْفَرَدَتْ وَانْعَزَلَتْ عَنْ أَهْلِهَا وَدَخَلَتْ إِلَى حُجْرَتِهَا، وَقِصَّةُ مَكَانٍ شَرْقِيٍّ؛ لِمَ رَكَّزَتِ الْآيَةُ عَلَى قَضِيَّةِ الْمَكَانِ الشَّرْقِيِّ؟ هَذَا شَيْءٌ دَعُونَا نُفَكِّرْ فِيهِ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا نَقُولُ دَائِمًا: لَا يُوجَدُ كَلِمَةٌ فِي الْقُرْآنِ هَكَذَا لِمَلْءِ الْفَرَاغِ فَقَطْ، لَا لَا؛ كُلُّ كَلِمَةٍ مَقْصُودَةٌ، لَا يُوجَدُ كَلِمَةٌ هِيَ أَتَتْ فَقَطْ لِمَلْءِ الْفَرَاغِ أَوْ لِمُحَاوَلَةِ -آه- الْإِتْيَانِ بِالْفَوَاصِلِ وَالسَّجْعِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ كَمَا يَحْدُثُ فِي الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ، لَا؛ كُلُّ كَلِمَةٍ فِي الْقُرْآنِ مَقْصُودَةٌ. ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾، ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ ذِكْرَ الشَّرْقِ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى -آه- مُعْتَقَدِ النَّصَارَى فِي الِاتِّجَاهِ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ.

النَّصَارَى -أَحْبَابِي الْكِرَامَ- قِبْلَتُهُمُ الَّتِي يُصَلُّونَ إِلَيْهَا هِيَ مَشْرِقُ الشَّمْسِ، طَيِّبٌ؛ لِمَ يُصَلِّي النَّصَارَى إِلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ؟ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ لِأَنَّ مَرْيَمَ نُفِخَ فِيهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ابْنُهَا وَهِيَ فِي غُرْفَةٍ كَانَتْ مُطِلَّةً عَلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ؛ هَكَذَا قَالُوا. أَنَّ مَتَى نُفِخَ -يَعْنِي- هَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي سَتَحْدُثُ مَعَ مَرْيَمَ عِنْدَمَا جَاءَهَا الْمَلَكُ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، مَتَى حَمَلَتْ مَرْيَمُ بِعِيسَى؟ لَمَّا ذَهَبَتْ إِلَى غُرْفَةٍ فِي حُجْرَةٍ مُطِلَّةٍ عَلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ، هُنَاكَ نُفِخَ فِيهَا عِيسَى. فَمِنْ هُنَا أَصْبَحَ النَّصَارَى يُصَلُّونَ دَائِمًا إِلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَيَتَّخِذُونَهُ قِبْلَةً فِي صَلَاتِهِمْ، وَدَلِيلُهُمْ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ مَرْيَمَ نُفِخَ فِيهَا عِيسَى عِنْدَمَا ذَهَبَتْ إِلَى حُجْرَةٍ كَانَتْ فِي مَكَانٍ شَرْقِيٍّ أَيْ مُطِلٍّ عَلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ. فَهَذَا كَأَنَّهُ تَنْبِيهٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى مِنْ أَيْنَ أَتَى مُعْتَقَدُ النَّصَارَى فِي الِاتِّجَاهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.

طَيِّبٌ، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾، مَا يَهُمُّنَا تَفَاصِيلُ هَذَا الْمَكَانِ، لِذَلِكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَبْهَمَهُ مَكَانًا. يَهُمُّكَ التَّفْصِيلُ؟ هَلْ سَيُؤَثِّرُ عَلَى أَجْوَاءِ الْقِصَّةِ؟ لَنْ يُؤَثِّرَ. طَيِّبٌ، لِمَ انْتَبَذَتْ؟ لِمَ انْعَزَلَتْ وَانْفَرَدَتْ عَنْ أَهْلِهَا؟ قَالُوا: لِقَضَاءِ شَيْءٍ مِنْ حَوَائِجِهَا الشَّخْصِيَّةِ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَهُمُّنَا أَنْ نَعْرِفَ تَفَاصِيلَهُ؛ هِيَ انْفَرَدَتْ وَذَهَبَتْ إِلَى هَذِهِ الْحُجْرَةِ الَّتِي مُطِلَّةٌ هِيَ عَلَى مَشْرِقِ الشَّمْسِ لِتَقْضِيَ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِهَا. قَالَ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: 17] أَيْ فَأَسْدَلَتِ السِّتَارَ وَازْدَادَ السِّتَارُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هُنَاكَ أَمْرًا خَاصًّا مِنْ حَوَائِجِ النِّسَاءِ تُرِيدُ أَنْ تَقْضِيَهُ.

﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾، دَخَلَتْ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ وَأَسْدَلَتِ الْحِجَابَ عَلَى نَفْسِهَا وَانْفَرَدَتْ فِي غُرْفَتِهَا؛ مَا الَّذِي حَدَثَ فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ؟ قَالَ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17]. فَجْأَةً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا؛ الرُّوحُ هُنَا هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. مَرْيَمُ الْمَصُونَةُ الْعَفِيفَةُ الطَّاهِرَةُ الَّتِي لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ وَلَا تُحَادِثُهُمْ وَلَا تُزَاحِمُهُمْ، فَجْأَةً وَهِيَ فِي غُرْفَتِهَا وَالْحِجَابُ مُسْدَلٌ عَلَيْهَا، فَجْأَةً تَجِدُ شَابًّا وَرَجُلًا سَوِيًّا! وَهَذَا كَرْبُ الْمَرْأَةِ الْمَصُونَةِ الْعَفِيفَةِ الطَّاهِرَةِ عِنْدَمَا تَجِدُ فِي خَلْوَتِهَا فَجْأَةً رَجُلًا فِي الْمَكَانِ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لَهَا كَرْبٌ عَظِيمٌ؛ هِيَ اعْتَادَتْ عَلَى هَذَا الْمَشْهَدِ وَتَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا مِنْ أَنْ تَقَعَ فِيمَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾، جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى صُورَةِ بَشَرٍ سَوِيٍّ. وَهُنَا لِمَ وَصَفَ اللَّهُ جِبْرِيلَ قَدْ بَشَرًا سَوِيًّا أَيْ بَشَرًا مُكْتَمَلَ الْخِلْقَةِ؟ فِي حَدٍّ عِنْدَهُ إِجَابَةٌ مِنْكُمْ؟ خَلِينَا نَعْمَلُ تَفَاعُلًا سَرِيعًا أَوْ عَصْرًا ذِهْنِيًّا سَرِيعًا؛ لِمَ قَالَتِ الْآيَةُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17]؟ مَا فَائِدَةُ كَلِمَةِ (سَوِيًّا)؟ وَهَذَا أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُنَبِّهَكُمْ وَأُعَلِّمَكُمْ بِهِ إِلَى أَهَمِّيَّةِ التَّدْقِيقِ فِي الْمُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَأَلَّا تُعَامِلَ الْقُرْآنَ بِالْجُمْلَةِ هَكَذَا. كُلُّ كَلِمَةٍ بِدَكَّ تَقِفُ عِنْدَهَا وَتَسْأَلُ: لِمَ أَتَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ؟ بِرَأْيِكُمْ أَيُّهَا السَّادَةُ وَالْعُلَمَاءُ -يَعْنِي مِنْ بَابِ -يَعْنِي- الْمُبَاحَثَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَلَيْسَتْ فَتْوَى مِنْكُمْ- نُبَاحِثُ مِنْ بَابِ قَصْفِ الذَّهْنِ وَمُحَاوَلَةِ إِعْمَالِ الْعَقْلِ؛ لِمَ وَصَفَ اللَّهُ جِبْرِيلَ هُنَا بِأَنَّهُ كَانَ سَوِيًّا؟ مَا قَالَ: فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا، قَدْ بَشَرًا سَوِيًّا أَيْ مُكْتَمَلَ الْخِلْقَةِ كَامِلًا، شَابًّا رَجُلًا فِي كَامِلِ خِلْقَتِهِ؟

لِسَّه مَا حَدَا أَتَى بِشَيْءٍ -يَعْنِي- يُعَبِّرُ رَأْسَهُ زَيَّ مَا يَقُولُونَ. ابْتِلَاءً لَهَا. طَيِّبٌ، إِيشْ يَعْنِي ابْتِلَاءً لَهَا؟ لَوْ الْأُخْتُ -السَّمَاحَةُ أَظُنُّ- تُوَضِّحُهَا؛ بَدَأْتِ تَضَعِينَ يَدَكِ عَلَى الْجُرْحِ كَمَا يَقُولُونَ؛ ابْتِلَاءً لَهَا! لِمَ هَذَا الْبَشَرُ كَانَ رَبُّنَا وَصَفَهُ أَنَّهُ سَوِيُّ الْخِلْقَةِ؟ أَحْسَنْتِ، يَعْنِي هِيَ تَقُولُ -وَكَأَنَّ الْأُخْتَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ أَنَّ- هُوَ تَأْكِيدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِفَّةِ مَرْيَمَ وَصِيَانَتِهَا، أَنَّهَا لَمْ تُفَكِّرْ بِهَذَا الرَّجُلِ، لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهَا فِعْلُ الْحَرَامِ كَمَا ادَّعَى -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- الْيَهُودُ فِيهَا. جَاءَهَا رَجُلٌ مُكْتَمَلٌ سَوِيٌّ مِثْلُهُ يَنْظُرُ إِلَى كِيهِ مِثْلُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ مَرْيَمُ لَمْ تُفَكِّرْ بِالْحَرَامِ، لَمْ يَخْطُرْ فِي بَالِهَا أَنْ تُقْدِمَ عَلَى مَا يُغْضِبُ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ.

وتعالى. إذا كلمة سويا هنا إشارتها مهمة في التأكيد على صيانة مريم؛ لأن هناك والعياذ بالله من يدعي من اليهود أن مريم وقعت فيما لا يرضى الرب، فهنا الله عز وجل يؤكد لنا صيانتها وعفتها أنها وجدت رجلا سويا في غرفتها، مكتملا مطلوبا مثله ينظر إليه والحجاب مسدل عليها.

ومع ذلك مريم المصونة العفيفة لم تفكر بأي شيء، فخافت ووجلت؛ لأنها امرأة ربيت على موائد القرآن وفي محراب التهجد. طبعا القرآن الذي يتعلق بهم أكيد ليس قرآننا، على جب التوراة الصحيحة المنقحة، تربت على الكتب الدينية المتعلقة بعقيدة التوحيد، ربت في محراب التهجد وكفلها زكريا، إذا هي فتاة عابدة مصونة زاهدة وليست ممن يلعب بدينها أو يعبث بمثل هذا العبث.

تمثل لها بشرا سويا قالت مباشرة: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 18]. مباشرة مريم بعفتها والفتاة العذراء المصونة المرعوبة في مشهد مخيف، مشهد متعب لفتاة مثل مريم، شاب في الغرفة ماذا سيقول الناس؟ لو انكشف الحجاب لو رأوه عندي سيقولون أنا أدخلته، الآن هي في ورطة، هي في إشكال، هي في رعب، في خوف، هذه الانفعالات التي ترسمها لنا الآية تؤكد أن مريم لم تفكر لحظة في الحرام، وإنما فكرت كيف تتخلص من هذا المشهد ومن هذه الورطة التي هي فيها الآن.

هي لا تعرف أن هذا رسول من عند الله، هي وجدت فجأة رجلا شابا سويا في غرفتها، ماذا ستفعل؟ قالت: إنِي أعوذ بك. مباشرة التجأت واعتصمت بالله، وهذا أحبابي الكرام ما يفعله الإنسان إذا خشي على نفسه وإذا وقع في كرب؛ التجئ إلى الله، اعتصم بحبل الله، أحيانا فعلا تغلق الابواب تماما من المخلوقين، فينبغي أن تروي قلبك بعبادة الاستعاذة بالله. أعوذ بالرحمن، ولاحظوا اسم الرحمن مرة أخرى يتكرر هنا، أو يأتي اسم الرحمن؛ أعوذ بالرحمن، أنت تحتاج هنا إلى رحمة من الله تلتجئ وتعتصم بها، ما قالت أعوذ بأي اسم من الأسماء إلا بالرحمن، هنا نحن نحتاج إلى رحمة الله أن يتلطف بمريم وأن يسترها وألا تفضح وألا يتكلم الناس فيها، فهي التجأت إلى الرحمن.

وأنت في أيام حياتك وعمرك التجأ إلى الرحمن، اعتصم بالرحمن، كن مع الرحمن وستجد الرحمن سبحانه وتعالى يرحمك ولن ينساك ما دمت أنت تبتعد بنفسك عن الحرام، تنأى بنفسك عما يغضب الرب سبحانه وتعالى، ستجد الله عز وجل يكلأك بعنايته. كما حدث مع مريم عندما سنأتي فالجأها المخاض إلى جذع النخلة وكيف الله عز وجل جعل تحتها سرية وهزي إليك بجذع النخلة وكيف جعل عيسى ينطق ببراءتها.

إذا كنت مع الله واعتصمت بالرحمن وقلت أعوذ بالرحمن ستجد الرحمن معك. أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا، هنا قولها ومخاطبتها لهذا الرجل الشاب: إن كنت تقيا، يعني هي تحاول أن تستفز مشاعر التقوى فيه إن كانت عنده تقوى، يعني إن كنت تقيا أرجو أن تبتعد، أرجو أن تخرج من هذا المكان، لا أريد أن أوصم بعار، هي تستنهض تقوى الله فيه: إن كنت من أهل التقوى إن كنت تقيا أرجو ألا تقترب، اخرج ابتعد عني، أنا فتاة شابة عفيفة لا أريد ما يريد الفجار، لا أريد أن أوصم بشيء بالعار، لا أريد أن أحد يتكلم أو يفهمني.

إذا هي تستفزه: إن كنت تقيا ابتعد. كان جواب الشرط محذوفا جبريل عليه السلام يخبرها بالحقيقة، قال: إنما أنا رسول ربك، أنا مرسل من الله سبحانه وتعالى لك، هذا قليلا هدأ مريم قليلا، هدأ مريم؛ لأنه الذي يريد الحرام لا يتكلم بهذه الصيغة في العادة: إنما أنا رسول ربك، لماذا أتيت لأهب لك غلاما زكيا. لكن هذا جعل الريبة تعود إلى مريم، رجل في غرفتي يقول لي أريد أن أهب لك غلاما زكيا، غلاما من أهل التزكية. ولاحظوا عيسى ويحيى أهل التزكية يا جماعة التزكية غلاما زكيا. هذا أعاد -نقول- مريم عليها السلام رضي الله عنها إلى المربع الأول للخوف، يعني أنت تصرح أنك تريد أن أحمل، شيء فعلا يثير الخوف والدهشة، كيف سيأتيني هذا الغلام الذكي؟

إذا دعونا نترك مريم عليها السلام وهي في مواجهة جبريل وهي ما زالت يعني لا تملك معلومات متيقنة أن هذا جبريل، هو إنسان في غرفتها يقول لها إنه رسول من الله لأهب لك غلاما زكيا. كيف ستعالج مريم هذا المشهد؟ ماذا سيحدث مع مريم عليها السلام؟ وكيف ستحزن أكثر وأكثر عندما تحمل وتدعو وتهرب؟ ما سيأتي من تفاصيل القصة الجميلة إن شاء الله نتركه للمجلس القادم.