بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، أصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم بلغنا رمضان بأمن وإيمان وسلامة وإسلام. اللهم اجعلنا ممن يستغل اللحظات والخطرات والأفكار والأيام والأنفاس. اللهم إنا نسألك أن يكون هذا الرمضان فرصة لتغيير النفوس، فرصة لفتح صفحات جديدة معك. اللهم إنا نسألك أن تبلغنا رمضان أياماً عديدة وسنوات مديدة، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
حياكم الله أحبابي الكرام؛ الإخوة والأخوات الذين أحبوا مشاركتنا في برنامجنا المتكرر في كل رمضان «تزودوا»، برنامج «يتزود» الثاني. حياكم الله جميعاً، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل تجمعنا هذا تجمعاً مباركاً. اللهم علمنا سيدنا علماً نافعاً. أحد الإخوة.. افتح المايك.. الله يكرمكم فقط الإخوة الذين يفتحون المايكات أن تغلقوها.. الله يرفع قدركم، لأن هذا سيشوش علينا.
أحبابي الكرام، قد يسأل البعض: لماذا بدأتم قبل رمضان؟ نقول: بدأنا قبل رمضان لتتهيأ القلوب لاستقبال رمضان. نعم، لا نريد أن يفجأنا رمضان هكذا؛ يعلن أن اليوم أو الليلة هي ليالي رمضان ونبدأ نعمل. نريد أن نعمل ولو قبل رمضان بيومين أو ثلاثة، بحيث إذا جاء شهر رمضان نكون مستعدين نفسياً وإيميانياً وروحانياً لهذا الشهر المبارك. فلذلك قررنا -كما في السنة السابقة- أن يكون ابتداء هذا البرنامج قبل رمضان بأيام، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وفقنا في هذه الفكرة. مجلسنا الأول سيكون في تدبر سورة مريم، وكما اتفقنا في يوم الأربعاء وفي يوم الخميس سيكون حديثنا عن تدبر سورة مريم، وفي يوم السبت وفي يوم الأحد سيكون حديثنا في مجالس التزكية والسلوك.
إذاً، مجلسنا الآن بالتدبر. وما أجمل التدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى! ومحروم من لا يعيش في ميدان التدبر. أحبابي الكرام، ابتداءً ينبغي أن تعلموا أن هناك فرقاً بين تفسير القرآن وبين تدبر القرآن، فإن البعض يظن أن التفسير هو ذاته التدبر. في الحقيقة هناك فرق جوهري بين الموضوعين؛ تفسير القرآن هو أن أفهَم المعنى العام للآية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. ما معنى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1-2]؟ ما معنى: ﴿الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]؟ ما معنى هذه الخاتمة؟ هذا اسمه تفسير؛ أنا أعرف المعنى العام للنص ومعنى المفردات الموجودة فيه.
التدبر هي الخطوة التالية للتفسير؛ التدبر أن أعيش مع النص وأن أسقطه على نفسي وعلى واقعي وعلى حياتي وأيامي، أن أنظر انعكاسات هذا النص على حياتي كمسلم في هذه الحياة الدنيا، ما هي الفوائد التي يمكن أن أستخلصها من كلام الله سبحانه وتعالى وأمارسها في حياتي وتنعكس في سلوكياتي وقيمي ومبادئ ونظرتي للأمور ومنهجي في الحياة؟ هذا هو التدبر. إذاً، التدبر يأتي بعد التفسير؛ فأنا أولاً عليَّ أن أفهم معنى الآية العام وأعيش مع أجوائها، ثم بعد ذلك أنتقل لتدبرها. كما قلت: أن أنظر في فوائدها وخلاصاتها وقيمها وأفكارها التي يمكن أن أستخلصها لأطبقها منهج حياة. والمطلوب من القرآن هو الوصول إلى مرحلة التدبر وليس الوقوف عند التفسير فقط كما يتوهم البعض.
التفسير هي الخطوة الأولى المرحلية، لكن الله سبحانه وتعالى كما نص في كتابه أنزل هذا القرآن ليتدبر: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]. وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. الله سبحانه وتعالى ما قال: أفلا يفسرون القرآن؟ لا، قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، لأن التدبر هي الغاية. وهذا كان نهج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ الصحابة الكرام كانوا يتعاملون مع القرآن بمنهجية التدبر، كانوا إذا أخذوا مجموعة من الآيات لم يتجاوزوها حتى يفهموا معناها ثم يستخلصوا منها القيم والأفكار والمبادئ والسلوكيات، ثم يطبقونها في حياتهم، وبعد ذلك يعودون إلى درس آخر من دروس القرآن. لذلك كان القرآن يؤثر في حياتهم، كان ينعكس في سلوكياتهم، كانوا يتغيرون به، كان القرآن له بصمة في نفوسهم. نعم، لأنهم كانوا يعيشون بمنهجية.
ومحروم والله غاية الحرمان من لا يقتطع جزءاً من أيام العمر والحياة ليجلس مع كتاب الله سبحانه وتعالى ليتلقى هذه الرسالات، كما يقول الشيخ فريد الأنصاري رحمة الله تعالى عليه في كتابه: «هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها؟». هذا الكتاب العظيم أحبابي الكرام هي رسائل إله لنا، هي رسائل إلهية وفيها العجب العجاب، وفيها تخطيط لحياة الإنسان ورسم للمناهج والسلوك والقيم. المطلوب مني ومنك ومنك أن نجلس مع هذه الرسالات الإلهية لنستخلص الدروس والعبر التي يريد مولانا سبحانه وتعالى أن تصل إلينا. فلذلك من وظائف المسلم اليومية -من وظائف المسلم اليومية التي لا ينبغي أن يقصر فيها- الجلوس مع ورده القرآني، ولو تأخذ فكرة، ولو فكرتين، ولو ثلاث من كتاب الله سبحانه وتعالى؛ هذه الأفكار تتزاحم مع مرور الأيام وتتكاثر وتصبح أنت كمسلم لك طعم آخر في الحياة يختلف عن الإنسان الذي لا يتلقى رسالات القرآن، الإنسان المسلم العادي الذي يعيش في الحياة الدنيا كغيره. لا، لا؛ المسلم المتدبر وضعه يختلف تماماً، لأنه مع القرآن وبالقرآن حياته هي تلقي الرسائل لينزل بها إلى فضاء العمل وميدان العمل، هو دائماً هذا ديدنه: أتلقى الدرس لأعمل به، ويومياً هناك درس، ويومياً هناك فائدة.
وكلما اشتغلت بكتاب الله أكثر وكلما عنيت به أكثر، كلما اكتشفت كثيراً من ومضات العجب، وفتح الله سبحانه وتعالى لك آفاق الفهم، واستنبطت ما لا يستنبطه غيرك، وأتتك الفوائد الغزيرة والمعالم الكبيرة التي هي فعلاً سعادة قلب المؤمن في هذه الحياة الدنيا أن يكشف الله سبحانه وتعالى لك ميداناً من معرفته وميداناً من محبته وميداناً من التعرف عليه وعلى سننه وآلائه وحكمه وأفعاله. هذه هي الروعة، هذا هو الجمال.
فلا بد إذاً أحبابي الكرام أن نشتغل بمنهجية التدبر في علاقتنا مع القرآن الكريم، لا نقتصر فقط على الحفظ؛ كثير من الناس يقتصرون فقط على حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى لا يهتمون بأكثر من ذلك، وهذه إشكالية، وهذه إشكالية! الحفظ جيد ومطلوب، لكن القرآن لو نظرت إلى الغاية العظمى من نزوله ستجد أن الغاية العظمى من نزوله إنما هو أن يعمل به، الوصول إلى التدبر. أهل القرآن -لما نقول: أهل القرآن أهل الله وخاصته- هل أهل القرآن هم فقط من قرأوا القرآن هكذا تلاوة تبرك؟ هل هم من مجرد حفظوا القرآن الكريم لكنه لا ينعكس على حياتهم وعلاقاتهم وسلوكياتهم؟ كلا والله! عندما نقول: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، إذاً نحن نتكلم عن انسان صبُغته القرآن؛ صُبغ، صُبغ بالقرآن، عُجن به، أصبح القرآن هو همه وفكره وحياته، كما كان سيدي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، كان خلقه القرآن. ألم تصفه عائشة بداره؟ حياته مع القرآن.
فيأيها المسلم ويا أيتها المسلمة يا رعاكم الله، فلنجعل هذا الرمضان فرصة جديدة لعلاقة مع القرآن. نعم قد نكون قصرنا وفرطنا بكتاب الله سبحانه وتعالى سنوات وسنوات، هذه فرصة رائعة لنبدأ بفتح صفحة جديدة مع كتاب الله سبحانه وتعالى. والفائدة من عقد هذه المجالس هنا أحبابي الكرام ما هو؟ الفائدة من عقد هذه المجالس أن تعلم منهجية التدبر؛ لأن كثير من الإخوة والأخوات عندهم صدق، يقول لك: أنا يا شيخ أريد أن أتدبر القرآن لكنني لا أرف كيف أتدبر، لا أعرف كيف كيف أستخلص الفوائد؟ فاجتمعنا في هذا المجلس بإذن الله في دقائق معدودة لنأخذ هذه المنهجية ونعرف كيف نقرأ كلام ربنا سبحانه وتعالى، كيف نأخذ الدروس والعبر؟ كيف نستخلصها؟ ما هي المناهج التي ينبغي أن تكون حاضرة معي أثناء عملية التدبر؟ من خلال قراءتنا لسورة مريم عليها السلام سنتعلم معاً بإذن الله هذه المنهجية وهذا الأسلوب وهذه الطريقة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في مجلسنا وأن يجعله مجلساً عامراً. فما أجمل أن نجتمع على مائدة القرآن وأن نلتقي على تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى! كثير من الناس في هذا الزمن محروم -والله أحبابي الكرام- هو فقط في نوم وطعام وشراب ولهو وبيع وشراء ومشاهدة السوشيال ميديا؛ هذه حياته، أصبحت ضوضاء الحياة هي التي تحكمه، وأصبحت مثل هذه المجالس؛ مجالس القرآن وأهل القرآن للأسف مجالس مهجورة، يعني لا يأتيها إلا الموفقون من الله سبحانه وتعالى أراد لهم الخير والسعادة والنجاح والتوفيق بإذن الله، هم الذين يصطفيهم ويختارهم لأن يلتقوا في مجلس يتدبر فيه كلام الله سبحانه وتعالى حيث تخشاهم السكينة والرحمة وتتنزل الملائكة وتكون الطمأنينة والهدوء.
ما أجمل أن نبدأ صباحنا ويومنا قبل أن نذهب إلى ميدان العمل، نبدأ بورد من القرآن الكريم ينظر فيه ويتدبر ويستخلص، سيعطينا طاقة لآخر هذا اليوم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في مجالسنا ولقائنا. أحبابي الكرام، عندما تريد أن تتدبر سورة من كتاب الله سبحانه وتعالى فعليك أولاً أن تعرف الموضوع العام الذي تعالجه هذه السورة، هذا أول شيء يعني أعطيك خطوات عامة وأفكار عامة تأتي في الخاطر في موضوع التدبر؛ إذا أردت أن تتدبر سورة من كتاب الله سبحانه وتعالى فعليك من خلال قراءة سريعة للسورة أن تفهم الموضوع العام الذي جاءت هذه السورة لتعالجه، هذا واحد.
ثانياً: عليك أن تفهم ارتباط هذه السورة بسورة الفاتحة، وهذا دائماً أقوله لأحبتي؛ سورة الفاتحة هي خلاصة القرآن، هي القاعدة العامة، أم الكتاب كما سماها ربنا سبحانه وتعالى، وكل سور القرآن بعدها هي تفصيل لام الكتاب، تفصيل لما ورد مجملاً: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]. انظروا هذا المقطع الأخير من سورة الفاتحة؛ القرآن كله من البقرة إلى الناس هو تفصيل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فحاول وأنت تقرأ سورة مريم أو غيرها من السور أن تعرف ما هو الجزء الذي عالجته هذه السورة من تلك القاعدة العظمى في بيان الصراط المستقيم الذي نطلب من الله سبحانه وتعالى ليلاً ونهاراً أن يهدينا إليه.
إذاً، بعد أن نعرف الموضوع العام للسورة الذي تعالجه، علينا أن نعرف ارتباط هذا الموضوع بفاتحة الكتاب، ثم بعد ذلك عندما تبدأ اقرأ السورة قراءة تفصيلية، عليك أن تقسم السورة إلى دروس. وهذا كان منهج الصحابة؛ أنه كل مجموعة آيات في سورة مريم هي تمثل درساً له بداية وله نهاية وفيه أهداف جزئية؛ فالسورة القرآنية لها هدف عام تمليه، وهناك أهداف جزئية لكل درس من الدروس خاصة به. وسنطبق هذا على سورة مريم بإذن الله؛ نعرف ما هو الهدف العام والفكر العام التي تعالجها هذه السورة، ثم بعد ذلك سنبدأ بتقسيمها إلى دروس، كل درس له بداية ونهاية، ونستخلص الأهداف الجزئية من هذه الدروس.
هذه روعة القرآن؛ أن هناك أهدافاً عامة وأهدافاً جزئية وأفكاراً، وعلى الهامش تأخذ فوائد وومضات وإيمانيات وروحانيات. فالقرآن لا تنقضي عجائبه والله أحبابي الكرام في روعته في سبكه، في إعجاز هذا البيان. أنت عندما تعالج القرآن وتتفهمه، أنت تعالج معجزة، وهذه الطريقة في المعالجة القرآنية التدبرية هي التي ستكشف لك جزءاً أقول من آفاق هذا الإعجاز. نعم، نحن لا نصل في بلاغتنا لبلاغة الرعيل الأول الذين أدركوا إعجاز القرآن من أول ما سمعوه، لكن أزعم أننا من خلال تدبرنا لكتاب الله سبحانه وتعالى سنقف على شيء من أوجه الإعجاز، سنفهم روعة الانفعالات، روعة رسم المشاهد، التصوير الفني في كتاب الله سبحانه وتعالى. سنحاول أن نعرف كيف تأتي الفوائد مركبة هكذا منسأة، لينة، سهلة، غزيرة، تجد العجب العجاب والفوائد المحكمة والإتقان ورسم المشهد وانفعالاته بأجمل صورة وأبهاها؛ لعل هذا يكون طرفاً في فهم ما معنى أننا نقرأ المعجزة الخالدة.
أحبابي الكرام، حتى لا نطيل في المقدمات -وأنا دائماً أحب أن أدخل في المضمون- دعونا نتكلم عن سورة مريم. سورة مريم هي سورة مكية، أي نزلت.. وهذا مهم أن تعرف الوقت الذي نزلت فيه السورة؛ لأنك ستعرف النفسية التي تلقى بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذه الآيات، الأمور التي كانت تحيط بهم عندما نزلت عليهم؛ فإن وقت النزول له فكرة وله عبرة وله أثر في فهم مضمون الآيات. فإذاً هذه السورة نزلت في مكة المكرمة قبل هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. طب متى نزلت؟ قال علماء التفسير: نزلت قرابة العام الرابع من البعثة، أي قبل هجرة الصحابة إلى الحبشة، قبل أن يهاجر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هجرتهم إلى النجاشي في الحبشة. طيب، إذاً هذا الوقت مهم، وسنلاحظ أن الصحابة استفادوا من النزول المبكر لسورة مريم عندما ذهبوا إلى الحبشة والتقوا بالنجاشي، وأظنكم تعرفون القصة.
سورة مريم أحبابي الكرام جاءت لتعالج قضية كبرى؛ ما هي هذه القضية التي عالجتها؟ جاءت تعالج انحرافاً عقديّاً خطيراً ظهر في تاريخ البشرية، ألا وهو قضية ادعاء الولد لله سبحانه وتعالى. ركزوا الآن، أنا أتكلم عن الموضوع العام الذي تعالجه السورة؛ جاءت سورة مريم لتعالج انحرافاً عقديّاً خطيراً ظهر في تاريخ البشرية، ألا وهي فرية عظيمة وسبة شنيعة وكذب وافتراء نسب إلى الإاله -والله سبحانه وتعالى تقدس عنه- ألا وهو ادعاء أن لله ولداً. هذه الفرية والسبة العظيمة التي أذوا بها ربنا سبحانه وتعالى ظهرت في التاريخ على عدة ألسن؛ فاليهود قالوا: عزير ابن الله.
والنصارى قالت المسيح ابن مريم هو ابن الله، والمشركون في مكة كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله. إذاً، هناك تشكلات وصور عديدة لهذه الفرية، لكن أصعب هذه التشكلات وأطولها والتي ما زالت تعيش إلى اليوم، ودعونا نقول إن نصف العالم الذي نحياه اليوم ما زال يؤمن بها.
في موضوع المسيح عيسى ابن مريم، ما زالت هذه الفرية تروج إلى اليوم على نصف الكرة الأرضية أن عيسى ابن مريم هو ابن الله، تعالى الله عما يقول الأفكون علواً كبيراً.
جاءت إذاً هذه السورة لتبين الحقيقة الواضحة الجلية لمن هو المسيح عيسى ابن مريم؟ وكيف أتى على هذا العالم؟ هو مخلوق من مخلوقات الله. نعم، قصته عجب عجاب، ونشأته وكيف خرج إلى هذه الحياة الدنيا عجب عجاب، لكنه في النهاية عبد الله ورسوله.
وهو أقر بذلك، وهو أقر بذلك كما سيأتي معنا في أجواء سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمِ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]. الله عز وجل أخبر في سورة مريم أن هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يعلمها الجميع، من هو المسيح عيسى ابن مريم؟ عبد من عبيد الله ورسول من رسل الله. نعم، الله سبحانه وتعالى أتى به في قصة عجيبة، وأخرجه ليكون آية للناس أن قدرة الله سبحانه وتعالى فوق الأسباب، لكنه في النهاية لا يعدو أن يكون عبداً ورسولاً لله سبحانه وتعالى.
فهذه السورة إذاً عالجت قضية مهمة وخطيرة من قضايا التوحيد، من قضايا العقيدة. لربما أنا وإياكم لا نشعر بأهمية هذه المعالجة لأننا بحمد الله خرجنا إلى الحياة الدنيا ونحن نؤمن بأن الله الأحد، بأن الله سبحانه وتعالى فرد صمد. خرجنا نؤمن بأن المسيح عيسى ابن مريم هو عبد الله ورسوله، خرجنا موحدين. لكن أنت عندما تنظر إلى قيمة هذا الموضوع، انظر إلى نصف العالم الآخر الذي تعيش فيه، الذين هم تائهون حائرون في حقيقة المسيح عيسى ابن مريم.
إخواني الكرام، أن تمتلك أنت الحقيقة هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى عليك، أن تشكر الله عز وجل عليها صباحاً ومساءً أن هداك للحق، أن هداك للتوحيد، أن أنار بصيرتك، بينما نصف العالم يعيش في ظلام، في تخبط، في حيرة في من هو المسيح عيسى ابن مريم. ما زال العالم الغربي يعيش في قضية التثليث، وأن هناك ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة، ويتناقضون ويحاولون فهم الموضوع، وأساقفتهم لا يمتلكون جواباً واضحاً عن قضية كيف يكون عيسى ابن الله؟ هل حل الله في عيسى؟ كيف عيسى في لحظة معينة يتقمص دور الإله؟ لا يمتلكون إجابة واضحة. حيرة، اضطراب، تاه القوم، حارت العقول والأفكار، وانت أيها المسلم تمتلك الحقيقة بأسمى معانيها وبأسهل طرقها.
إذاً، الموضوع خطير والمعالجة مهمة جداً. فاعلم أن ادعاء الولد لله هذه الفرية والسبة هي تخالف ليس فقط فطرة الإنسان، هي تخالف فطرة الكون بأكمله. انظروا إلى المشهد في آخر سورة مريم والذي إن شاء الله نأتي إلى معالجته، كيف يصور الله سبحانه وتعالى أن الكون بأكمله قد انتفض من أجل هذه السبة لله. ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-91]. أن دعوا، يعني السماوات تريد أن تتمزق، الأرض تريد أن تتشقق، الجبال تريد أن تنهد.
السبب في ذلك أنهم سمعوا أن هناك من يدعي أن لله ولداً. حاشاك مولانا وسيدنا من هذه الفرية ومن هذه السبة. هذه العقيدة الفاسدة تخالف فطرة الكون، وهذا الكون ينتفض عندما يسمعها، ليس فقط الإنسان، الحجر والشجر والمدر والحضر، كل شيء يريد أن يتمزق ويريد أن ينتفض على هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب، الذين نسبوا هذا الشيء الذي لا يليق إلى جناب الواحد الأحد الفرد الصمد. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 1-3].
لم يلد ولم يولد، ليس بحاجة سبحانه إلى ولد. الولد هو علامة الافتقار والضعف، والله سبحانه وتعالى ليس فقيراً، ليس ضعيفاً، هو الإله الواحد الأحد الذي حكم هذا الكون غني عنه، ونحن الفقراء إليه.
إذاً، هذه المعالجة الأولى والأساسية لسورة مريم، وتتم هذه المعالجة ببيان منهج أهل الصراط المستقيم. يعني بعد أن أخبرنا الله سبحانه وتعالى بحقيقة عيسى ابن مريم ونفى هذه السبة عن نفسه وبين أن هذه السبة تخالف فطرة الكون، بين سبحانه وتعالى أن منهج التوحيد لله وإخلاص العبادة لله ورفض الشرك هو منهج الأنبياء جميعاً.
فأتى بقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وهو يدعوه إلى التوحيد، ثم ذكر قصة موسى باختصار وإسماعيل وإدريس، ثم أخبر أن هؤلاء ومن سار على دربهم هم أهل الصراط المستقيم الذين حققوا التوحيد. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]. فاخبر الله سبحانه وتعالى عن أهل التوحيد الخالص الذين نزهوا الله سبحانه عن الولد وغيره وأفردوا التوحيد لله عز وجل منهج الأنبياء، وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم أولئك الذين أنعم الله عليهم.
شف عبارة وردت في منتصف سورة مريم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى آخر الآية. واربطها الآن بسورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]. لاحظ، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، سورة مريم جاءت لتكاشف وتوضح من هم الذين أنعم الله عليهم؟ فقالت: أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين، بعد أن ذكرت قصة زكريا ويحيى وعيسى ابن مريم وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس، ثم ذكرت عموم منهج الأنبياء، فاخبرت سورة مريم هؤلاء، هذا الصراط المستقيم الذي سألت الله سبحانه وتعالى أن يهديك إلى طريقهم في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم.
في المقابل، ذكر الله سبحانه وتعالى أن طريق المغضوب عليهم والضالين ما هو؟ في سورة مريم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]. ستأتي هذه الآية. الطريق الآخر للذين تنكبوا عن منهج الاستقامة وخرجوا عن طريق التوحيد الخالص وعاشوا من أجل شهواتهم وملذاتهم، المغضوب عليهم والضالون من هم؟ في سورة مريم جاء كشف لجانب من صفاتهم وطبائعهم وأخلاقهم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾.
ثم بعد أن بين الله انقسام أهل الدنيا إلى أصحاب الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم، والمغضوب عليهم والضالين الذين خلف من بعدهم خلف، بين سبحانه كما ينقسم الناس في الدنيا سينقسمون في الآخرة، فذكر أهل الجنة وصفات أهل الجنة وطرفاً من النعيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى لهم والجمال الذي يرتقبهم، وذكر في النهاية أيضاً مشاهد أهل النار وحال أهل النار في عرصات القيامة وعندما يسحبون ويجرون إلى نار جهنم والعياذ بالله.
ثم ختمت السورة بمشهد رهيب، مشهد الصمت المطبق وهو نهاية الحياة الدنيا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98]. لاحظ الصمت الذي ختمت به السورة، الكل سينتهي وستغادرون هذه الحياة الدنيا جميعاً. أهل الصراط المستقيم سيغادرون بتوحيدهم، والذين ادعوا لله الولد ولم يحققوا التوحيد لله، الذين أشركوا بالله، الذين تنكبوا على الصراط المستقيم، أيضاً سيغادرون.
وانظروا في من مضى من القرون، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ دامت شيء، القرون ذهبت والكل الآن تحت الأرض، وسيأتي يوم آخر يبعثون فيه للوقوف بين يدي الملك القدوس. انظروا هذا المشهد المهيب الذي ختمت به السورة كما قالوا، مشهد صمت، سكون، هدوء، يخبرك بحقيقة الحياة الدنيا وأنها ستنتهي بالصمت وستطوى صفحتها وننتقل إلى صفحة أخرى، صفحة الخلود الأبدي.
هذا الخلود الأبدي سينقسم فيه الناس أيضاً إلى أهل الصراط المستقيم الذين اهتدوا إلى الصراط المستقيم في الدنيا وسيهتدون إلى الصراط المستقيم في الآخرة باتجاه جنات النعيم، وأهل الضلال والمغضوب عليهم في هذه الحياة الدنيا أيضاً سيغضب عليهم وسيكونون من أهل الجحيم في الدار الآخرة.
فأنت أيها المسلم عندما تقرأ هذه السورة دائماً تتذكر سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قيمة هذا الدعاء في حياتك، أنا دائماً أقول: أخطر واعظم وأهم دعاء في حياة المسلم هو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وكل سور القرآن جاءت لتكشف جوانب هذا الصراط، ومن هم أهل هذا الصراط؟ وما مصيرهم في الدار الآخرة؟ وتكشف من الذين خرجوا عن هذا الصراط وصفاتهم وطبائعهم وعقائدهم وأفكارهم وسلوكياتهم، وما مصيرهم في الآخرة؟ انظر أنت في كتاب الله سبحانه وسترى صدق هذه القاعدة الجملية.
إذاً، تعرفنا على الهدف العام من السورة، وأظن أصبح واضحاً للجميع الهدف العام في معالجة الانحراف العقدي، ثم بيان من هم الذين حققوا التوحيد الخالص لله أصحاب الصراط المستقيم وما مصيرهم في الآخرة في جنات النعيم، وبيان الذين تنكبوا وخرجوا عن هذا الصراط المستقيم وما مصيرهم في الآخرة في دركات الجحيم.
وسنعرف بإذن الله عندما نعالج دروس السورة درساً بعد درس فعلاً أن هذه السورة هذه هي أهدافها العامة. لكن الآن دعونا ننتقل إلى الدروس ونبدأ بالدرس الأول أحبابي الكرام. يعني كاشارة سريعة له اليوم، كما قلنا عندما نريد أن نعالج أي سورة علينا أن نقسمها إلى دروس، علينا أن نقسمها إلى دروس.
من الفهم لكتاب الله سبحانه وتعالى أن تعرف بداية كل درس ونهاية كل درس، هنا نعم أنت تكون متبصر وتقرأ بوعي، لأنه بعض الناس أحبابي الكرام هو يقرأ فينتقل من درس إلى درس وهو لا يشعر، هو لا يعرف أن الدرس الأول انتهى وهو الآن يدخل في أجواء درس جديد. لا، القرآن حقيقة عبارة عن دروس، لذلك حتى نزول السورة الواحدة، السورة لا تنزل مرة واحدة كاملة، السورة كانت تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم مقاطع، كل مقطع يأتي ليعالج قضية معينة وموقف معين أو سؤال وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فمهم جداً أن تعرف هذه المقاطع لتعرف أين انتهى الدرس الأول ومتى انتقلنا إلى الدرس الثاني؟ هنا تبدأ تستوعب القرآن بشكل واضح وتفهم كيف تقرأ قراءة واعية تستخلص منها الدروس والعبر بشكل جيد. وكما قلنا الدروس، كل درس فيه أهداف جزئية تتحقق فيه، وسنعرف الآن كيف نتعامل مع هذه القضية.
الدرس الأول أحبابي الكرام في هذه السورة سأعنونه بعنوان، وسأسعى أن كل درس يكون له عنوان، الدرس الأول عنوانه: الدعاء يصنع العجائب. هذا هو العنوان، الدعاء يصنع العجائب.
في هذا الدرس الأول يحدثنا القرآن الكريم عن ذلك الرجل الصالح الذي بلغ من الكبر مبلغاً كبيراً وزوجته عاقر لا تلد، عاش حياته وحيداً من دون أبناء، وفي لحظة، في لحظة افتقار مد صوته إلى السماء. لم يفقد الأمل رغم مرور سنوات العمر العجاف، لم يفقد الأمل بالله سبحانه وتعالى، مد صوته إلى السماء في ساعة خلوة وهو في محراب التهجد: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89].
كما قلنا، الرجل في محراب تهجده وفي لحظة عزلته وفي ساعة افتقار شديد رفع صوته إلى السماء: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾، فجاءته الإجابة سريعاً: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 7].
يا الله، ما أجمل هذه الانفعالات وما أروع هذه الصورة التي يرسمها القرآن لنا، عبد يفتقر ويتذلل ورب يكرم ويتجمل، عبد انقطعت به الأسباب، الأسباب منتهية، الزوج عاقر والرجل مسن، ما في أسباب، انقطعت الأسباب وأغلقت السبل، لكن الإله سبحانه وتعالى يعيد الحياة لهذه الأسباب من جديد فتنتفض حية، المرأة العاقر تصبح ولود، والرجل المسن الضعيف يصبح قوي، وتحمل زوجة زكريا ويأتي غلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً.
ما أجمل هذه الانفعالات وما أروع المشهد الذي رسمه الدرس الأول، كيف الدعاء يصنع العجائب أحبابي الكرام؟ أسباب متعطلة تماماً، أسباب متعطلة تماماً، لكن الذي يحييها من جديد هو الملك القدوس سبحانه وتعالى. والفكرة النهائية: قدرة الله سبحانه وتعالى لا حدود لها، قدرة الله سبحانه وتعالى فوق الأسباب الأرضية. نعم هناك أسباب تحكم الكون، لكن الله سبحانه وتعالى قدرته فوق هذه الأسباب. هذه عقيدة يجب أن تؤمن بها في حياتك، وما أجمل أن ننطلق اليوم في برامجنا ونحن نؤمن أن قدرة الله لا حدود لها، لا شيء يحكم الله عز وجل في تصرفاته.
قال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ [مريم: 9]، انتهى. لما زكريا سأل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [مريم: 8]، جاءه الجواب القاطع ابتداء: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾، يعني كذلك شاء ربك، سنعرف أن قال الثانية بمعنى شاء، هذه مشيئة الله، انتهى كل شيء، قدرة لا حدود لها، لا يستطيع أي شيء أن يقف دون نفوذها. إذا قال للشيء كن فيكون.
يا الله، ما أسرع يأسنا وشعورنا بالإحباط عندما ندعو الله سبحانه وتعالى في قضية من قضايا الحياة فنجد الإجابة لا تأتي سريعاً، نهجر الدعاء ونفزع إلى المخلوقين فنبدأ نبحث عن عمن يساعدنا في أمور الحياة. شعورنا باليأس سريع، ما أسرع أن نيأس والعياذ بالله من ربنا، مع أنه سبحانه وتعالى صاحب الكرم والعطاء، صاحب النفوذ المطلق في هذا الكون، صاحب الإرادة، إذا قال للشيء كن فيكون.
درس كبير من زكريا، زكريا لم ييأس، لم يشعر بالقنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى، دعا الله سبحانه وتعالى وفي لحظة انقطاع الأسباب إذا بهذه الأسباب تبعث من جديد. زكريا أحبابي الكرام عاش حياته على منهج الدعاء، كما أخبرنا الله عز وجل عنه في سورة الأنبياء عندما وصف زكريا ماذا قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90]. إذاً هو زكريا كان من أهل الدعاء، ويدعوننا رغباً ورهباً، كان ملحاً، مستمراً، مواظباً، لم ييأس، لم يشعر بالإحباط، لم يشعر بالقنوط في ساعة واحدة من رحمة الله.
في لحظة الافتقار وانقطاع الأسباب، في لحظة الوهن التي أصابته: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89]. فجاءته من فوق سبع سماوات: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: 7]. ما أجمل هذا التفاعل بين العبد وربه، ما أجمل هذه العلاقة القوية التي لتؤتي أكلها ولو بعد حين.
لربما يسأل سائل، لماذا لم يستجب الله سبحانه وتعالى لزكريا مبكراً؟ نقول: هنا تقف العقول، تترك لحكمة الملك القدوس سبحانه. أراد الله أن يكون زكريا آية، وأن يكون دعاؤه أعجوبة، ليعرف الناس قيمة الدعاء. وبالتأكيد تحت هذا حكم وحكم وحكم، علينا أن ننظر فيها، فما اخذناه وحصلناه سررنا به وما خفي عنا أعظم.
سأقف اليوم عند هذا الحد، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله سندخل في أعاجيب الدعاء وتفاصيل دعاء زكريا عليه السلام. ونتعلم من زكريا أدب الدعاء، لأن المسلم عندما يتمسك بآداب الدعاء وبالصورة الصحيحة له، تأتيه الإجابة سريعا بإذن الله.
الدرس القادم درس مهم جداً أحبابي الكرام، ما زلنا نعيش في أفياء الدرس الأول وعنوانه: الدعاء يصنع العجائب. نلتقي على خير ومودة ومحبة في صباح الخميس بإذن الله، غداً بإذن الله إن كان في العمر بقية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل