غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في هذا المجلس الختامي لهذه الجولة من جولات تفسيرنا لكتاب ربنا سبحانه وتعالى، والجلوس لحلق التفسير. وهذه الجولة أيها الكرام ربما بدأنا بها منذ أكثر من ثلاث سنوات أو قرابة ثلاث سنوات، ونحن نعيش مع تفسير المفصل، والمفصل هو الذي يبتدئ من سورة الحجرات إلى سورة الناس.
هذا الجزء وهذا المقطع من كتاب الله سبحانه وتعالى يشكل المادة الأساسية للعقيدة في القرآن. تأكيد سور القرآن الأخرى تطرقت لمواضيع العقائد، لكن كبناء عقدي نزل على الصحابة الكرام وتلقاه الصحابة الكرام في بداية حياتهم المكية وفي بداية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كان التأسيس العقدي على هذا القسم من كتاب الله الذي يعرف بين أهل العلم باسم ماذا؟ المفصل. هذه السور التي مررنا عليها نجد أن جل المواضيع التي تركز عليها بناء العقيدة بكافة أشكالها: عقيدة الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، عقيدة الدار الآخرة، عقيدة القضاء والقدر، عقيدة الأخلاق والقيم. هذه المفاهيم هي التي تربى عليها الصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، هي التي كانوا يجتمعون من أجل تأسيسها في قلوبهم قبل أن يفكروا في بناء الدولة والنظام والسياسة والاقتصاد والاجتماع.
قبل أن يفكروا في دنيا الناس كيف تساس، كان لا بد من سياسة القلوب والأرواح، فيأتي هذا القسم من كتاب الله سبحانه وتعالى ليعلم كيف تساس القلوب والأرواح، وكيف تربط بالدار الآخرة، وكيف أن كل ما سيأتي بعد ذلك من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمطاحنات والمعاهدات والمسالمات والهدن والحرب والسلم، كل القرارات التي ستبنى بعد ذلك في كتاب الله سبحانه إنما هي مبنية على عقيدة صلبة، تعلم أن الأساس الناظم هو الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة. فالمفصل يضبط البوصلة، يضبط التوازنات النفسية، يضبط الأولويات، ولذا النظر في حياة الإنسان أما ما بعد ذلك فهو هين بمقابلة ما نحن فيه، وهكذا ينبغي أن يكون بناء المسلم في حياته أيها الكرام.
نحن أحياناً نخطئ في البناء الدعوي لأنفسنا، فنبني أنفسنا في الفروع قبل أن نحكم الأصول، ونقحم أنفسنا في غضون مسائل ويثرب بعضنا على بعض في أتون الفتاوى ونحن لم نضبط أصول النظر الإسلامي وأصول الفكر الإسلامي ومراد الله سبحانه وتعالى ومقاصد الشريعة العليا. ما الذي يبني في الإنسان هذه المقاصد وهذه الكليات؟ المفصل. ولذلك كان دأب أهل العلم التركيز على شرح هذا القسم من كتاب الله سبحانه وتعالى لعموم المسلمين، وأن يتربوا عليه في محاضرهم والعامة والخاصة وفي مساجدهم لما له من الأثر الكبير في صناعة عقل المسلم وقلبه وروحه. فكانت هذه المجالس التي ربما زادت على الـ 160 مجلساً بحمد الله في تفسير المفصل تفسيراً تفصيلياً نعيش مع كل سورة مع الإمام النسفي رحمه الله تعالى عليه، وهذا التفسير تفسير النسفي من أفضل التفاسير التعليمية، ولذلك هو مقرر في العديد من المعاهد العالمية، سواء في الأزهر الشريف هو المادة الرسمية لطلاب المعاهد، كذلك في بلاد الشام في المعاهد الشرعية يقرر تفسير النسفي.
لما فيه طبعاً نحن عرفنا الإمام النسفي عليه رحمه الله وإن كان ماتريدي العقيدة وهذه إشكالات تطرح في مكانها، لكن في النهاية رجل من أهل العلم الأخيار الأفاضل، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيه عن أمة الإسلام خير الجزاء فيما أحسن فيه وأفاد وأجاد. ويستفاد من هذا الكتاب ويبقى طالب العلم يستفيد من الناس على اختلافنا في بعض الأمور، نبقى نستفيد من خير العلماء، نستفيد مما تركوه لنا من تراث علمي رصين، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم ما وقعوا فيه من الزلل والخطأ، فالخطأ متصور من أي شخص، من أي طالب علم، من أي اتجاه في الحياة الدنيا، فالإنسان يكون رفيقاً بإخوانه، محترماً لعلمائه، ذاكراً لهم الجميل، عارفاً لهم فضيلة السبق وفضيلة الكتابة في هذا الميدان.
وصلنا أيها الكرام إلى سورة النصر، أليس كذلك؟ أقرأ سورة النصر؛ لأن بقي علينا من سورة النصر إلى سورة الناس نعلق عليها بما يسمح به الوقت. بسم الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]. سورة النصر هي آخر سورة نزلت في كتاب الله سبحانه وتعالى، آخر سورة كسورة كاملة نزلت في كتاب الله سبحانه وتعالى هي سورة النصر. وهذا طبيعي باعتبار موضوعها وأنها في الختامات.
سورة النصر أيها الكرام ابتدأت بـ "إذا"، و"إذا" مهمة جداً في دلالتها، لأنه إذا قارنت في اللغة العربية في باب أدوات الشرط، إذا تستعملها العرب لما هو مجزوم بحصوله، وأما إن تستعملها العرب لما هو في حيز الشك. تقول لك: إن جاء زيد فأكرمه، ماذا تفهم؟ نعم يمكن يأتي ويمكن لا يأتي، لكن إذا قلت لك: إذا جاء زيد فأكرمه، جزماً سيأتي. ولذلك الله سبحانه وتعالى لم يقل: إن جاء نصر الله والفتح، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، هو وعد حق، إذا تدل على جزمية مجيء نصر الله والفتح، ولو بعد حين، ولو طال الصراع سيأتي سيأتي، فهذه عقيدة نأخذها من "إذا" التي تدل على جزمية حصول ما بعدها في علم الله سبحانه وتعالى.
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. النصر الكامل الحقيقي الذي تعبر عنه سورة النصر ومنها أخذ كلمة النصر، النصر الكامل ما يفهمه المسلمون هو التمكين للدين، التمكين لدين الله سبحانه وتعالى في الأرض، بحيث يستطيع الناس أن يقيموا هذا الدين في مناهجهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحياتية، ويكون هو البوصلة التي يسترشدون بها. وما قبل ذلك من النصر في مراحل الدعوة يكون نصراً جزئياً، أليس كذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام انتصر في بدر، هو نصر عظيم ومرحلي ومهم في النهاية، لكن هو نصر جزئي ضمن الحلقات الكبيرة التي حصلت في حياته، انتصر في العديد من الجولات والسرايا والبعوث، لكن النصر الختامي هو الذي استحق أن يسمى نصراً.
فأنزل الله في سورة النصر قال: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. مفهوم النصر عندنا كمسلمين يختلف عن مفهوم النصر في أي فكر اليوم شرقي أو غربي؛ النصر عند كثير من الناس يفهم بالحياة الاقتصادية، يفهم بالرفاه والتقدم التكنولوجي، يفهم بالعديد من الأبعاد. أما نحن أهل الإسلام متى نفهم النصر؟ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، هكذا نفهم النصر، عندما نرى الناس تقبل على دين الله، قل لي إنك انتصرت. أما ما عدا ذلك إذا انتصرت أو مسكت بقعة أو فعلت ما فعلت لكن الناس لم تقبل بعد على دين الله، أنت يمكن تعطيهم أي منهج بشري أرضي تحكمهم به وتعتبر نفسك انتصرت، لكن في المفاهيم الشرعية أنت لم تنتصر.
قد يقبل منك هذا كمرحلية، قد يقبل منك هذا كمرحلة تغييرية، ممكن في السياسة الشرعية يفهم، لكن عليك أن تفهم أن التمكين الحقيقي والانتصار الكامل الشامل هو أن تمكن لدين الله في الأرض، بحيث تصبح الناس تأتي على هذا الدين زرافات ووحداناً مقبلة عليه، تقيم شرع الله سبحانه وتعالى في حياتها أفراداً وجماعات، عندئذ قل لي إنك انتصرت. كما أقول لا تهمش الانتصارات السابقة؛ لأن الانتصارات السابقة هي حلقات آتية للوصول للانتصار الكامل، لكن هذا هو الانتصار الكامل الشامل. لذلك الله سبحانه وتعالى لما عرف لك النصر هنا ماذا قال؟ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾ ارتفعت رواتبهم الشهرية؟ لا، ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، سعيت لأنه هذا معناته أنك تمكنت لمرحلة أن الناس أصبحت تلقه عظماً، وأصبحت الناس ترى فيك الأمل وترى فيك المستقبل، وترى فيك القائد الحقيقي الذي يحمل هم دينهم وأمتهم، وأن هذا الدين استطاع أن ينتصر بعد حلقات كثيرة من الصراع أثبتت انتصار دين الله سبحانه وتعالى.
فحتى الإنسان المنافق، الإنسان المتردد، الإنسان الذي كان يفكر أنضم لهذا الدين ولا ما أنضم؟ لا، أنت الآن أثبت جدارتك، أثبت أنك انتصرت حقيقة واقعاً فمسكت وتصدرت، فأصبحت الناس تدخل في هذا الدين غير خائفة غير وجلة غير متشككة، لأنك أثبت الوجود. إذاً هذا مفهوم حقيقي يجب أن يضبطه الشباب للنصر؛ الانتصار الحقيقي هو عندما تمكن الأفكار والعقائد والمناهج الإلهية على الأرض، وهذا هو مقصد خلق الإنسان في الأرض، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، أليس كذلك؟ فالاستخلاف في الأرض يقتضي أن نصل نحن إلى هذا الانتصار، لأن هذا الانتصار صار يعني أننا قمنا بالوظيفة المطلوبة منا على هذا الكوكب، على هذه البسيطة، أننا مكنّا لدين الله سبحانه وتعالى على هذه الأرض.
طبعاً حتى تصل أنت إلى سورة النصر أنت أكيد مررت على سور كثيرة سابقة، نحن نقول هي آخر سورة نزلت إذاً أكيد مررنا على سورة آل عمران وشفنا الدماء التي سيلت في غزوة أحد، وأكيد مررنا على سورة الأحزاب وبلغت القلوب الحناجر، وأكيد مررنا على كثير من السور التي تحدثت عن غزوات وشهادات، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. أنت لما تكون وصلت لسورة النصر في الترتيب التنزيلي للقرآن أنت تكون مررت على آلام وجراح وضريبة دفعت خلال هذا الطريق، تأتي سورة النصر في الختام لتتربع على هذا العرش لتقول لك كآخر سورة: الآن انتصرت. هذا الانتصار لم يكن سهلاً، هذا الانتصار أنت دفعت من أجله أشياء كثيرة من التضحيات والدماء والأرواح والجهد والتعب، بدءاً من حتى السور المكية القصيرة التي كانت تتحدث عن الأذى النفسي الذي كان يتعرض له النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ و﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، إذا تذكر هذه السور إلى الأذى الجسدي، إلى المعارك الطاحنة، إلى أن تأتي سورة النصر في الأخير لتخبرك أنك الآن تمكنت وانتصرت.
﴿إِذَا جَاءَ﴾ وهذه "إذا" كما قلنا الجازمة، جاء، سيأتي سيأتي، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. يعني كل إنسان يحاول ينتظر جواب الشرط: إذا جاء نصر الله والفتح ماذا سأفعل الآن؟ لو أنت حاولت تفكر في أي سياق أو نص آخر من البشر لبعضهم البعض، إذا انتصرت ماذا ستفعل في لحظة الانتصار؟ نعم، استريح، إذا جاء نصر الله والفتح استريح خلاص ومدليك والأمور طيبة وتمام. في حدا عنده يعني يمكن يفكر بطريقة أخرى، ماذا يمكن أن يفكر الأرضيون والبشر في إذا جاء نصر ما؟ إذا جاء النصر ماذا ستفعل لحظات؟ أحسنت جميل، لحظات الانتصار لحظات فرح، بالتالي اعملوا مهرجان وافرحوا واجتمعوا في الميادين وكذا، ما أيضاً؟ يعني فكر في إذا انتصرت في مكان معين ومكنت للدين ابدأ حاول أن توسع لرقعة الإسلام جميل، يعني حصل متاع الدنيا، يعني خلص طور الأمور الاقتصادية والتكنولوجية وبلش في عمار هذا البلد من ناحية الاتصالات والتكنولوجيا الحديثة وابنيها وفق الأنظمة الحديثة والدولة المدنية المعاصرة.
إذاً هي احتمالات كثيرة، لكن القرآن لا، القرآن في الاعتبار القرآن دنيا، القرآن يركز لك على البعد الإيماني والقلبي في النهاية، هذا هو صلب الموضوع القرآني. إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، هذا الجيل أو هذه الشخصيات أو هؤلاء الرجال الذين تعبوا ودفعوا الثمن للوصول للنصر ماذا يقال لهم؟ يقال لهم في النهاية ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. ممكن البعض يستغرب: طيب يا شيخ هؤلاء شباب ورجال بذلوا أرواحهم ودماءهم، لماذا ربنا يقول له استغفر من ذنبك إن الله إن شاء الله ربنا بيتوب عليك؟ طب ما هو إنسان جيد، يعني هل الآن هو فعل معصية ولا فعل خيراً؟ هو فعل خيراً بالانتصار والتمكين لهذا الدين، فعل خيراً. طيب ليش ربنا يقول له استغفر ربك إن شاء الله ربنا بيتوب عليك؟ يستغفر من ماذا؟ فهمتم السؤال؟ يستغفر من ماذا؟ هو تعب وضحى وعاش النبي عليه الصلاة والسلام دفع الغالي والثمين هو والصحابة والجيل الذين معه حتى وصلوا إلى سورة الفتح وكانت هذه النتيجة، لماذا يقال للإنسان في لحظات الانتصار أو لهذا الجيل الذي ينتصر لماذا يقال له ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾؟
أحسنت، هذه أحد المعاني الجميلة: أنه إياك أن تنسب النصر إلى نفسك، وأن تقول أنا الذي فعلت وأنا الذي ضحيت، اعلم أن النصر من عند الله، لذلك بداية السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، يعني هو، وما النصر إلا من عند الله. أنتم أسباب وأدوات لهذا النصر ولستم أنتم المؤثر الحقيقي؛ لأن لحظة إرادة النصر من الله هو الذي يريد، ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، أن ينتصر بعد سلسلة من التضحيات التي دفعت، فإياك أن يأخذك شيء من العجب. متوقع شيء كإنسان بشري، الإنسان لما ينجز إنجاز بتلاقيه حتى لو كان إنجاز بسيط، ألف كتاب بتلاقيه شايف حاله شوي، صح؟ إذا عمل له مثلاً خلص له دورة معينة حضرها، بيشعر بالإعجاب بنفسه والرضا عن النفس، هسا شعور الرضا عن النفس جميل لمرحلة معينة لكن لا ينبغي أن يقودك.
إلى الإعجاب؛ فدائماً لا بد أن تستغفر ربك مما يمكن أن يأتيك من مشاعر العجب، ومن مشاعر الشعور بالافتخار بالنفس، أنه أنا من قدم، أنا ضحيت، أنا الذي أنجزت. لا، هذه مشاعر الإعجاب التي يمكن أن تتسرب إلى قلبك أو إلى قلب أصحابك يجب أن تكون مشوبة بالاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى.
هذا مجال من المجالات أيضاً، وهو أسباب استمرار النصر والثبات: ما هو الاستغفار؟ يعني أن الاستغفار والإقبال على الله سبحانه وتعالى يثبت هذا النصر. بعض الناس بتلاقيه في لحظات الضر والشدة والتكالب يستغفرون ويدعون، لما تيجي لحظة النصر يخربوها الشباب باختلاط ونساء وأغاني، وجماعة الخير! إمبارح كنا في حرب، وكنا يا رب سلم سلم، ويا رب العدو ما يمسكنا. في لحظات الانتصار كثير من الناس تخرج عن السكة.
تمام، كيف طالب التوجيه الذي تلاقيه يدعو ربنا ويصلي، بس يجي التوجيه وتجي علامة النجاح يخربها في ليلة فيها أخلاق واختلاط، ما أنت إمبارح كنت تدعو ربنا؟ والآن خرجت عن دين الله! فهذه من الأفكار الجيدة التي يمكن أن يقال إن تثبيت النصر يكون بدوام الاستغفار والتوبة لما يمكن أن يحصل من معاصي وذنوب في لحظات الانتصار وما بعدها. تحتاج إلى استغفار: يا رب لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
أحسنت، هذا مهم جداً: الاستغفار من التقصير الذي كان في أثناء وصولك للنصر، ففي النهاية -وهذه سنة في جميع العبادات عموماً- أنت أول ما تسلم من الصلاة ما هو أول ذكر تقوله؟ استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله. فهذه سنة العبادات عموماً، سواء العبادات الشخصية أو العبادات الأممية، أن الإنسان في الشريعة الإسلامية ينهي العبادة بالاستغفار، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 199] في الحج كذلك أيضاً. فسنة الله سبحانه وتعالى أنه يحب منا أن ننهي العبادات بالاستغفار حتى لو كانت انتصارات كبرى، لأنه لا بد وأن يكون نقص حصل منا في أثناء الوصول للانتصار، كان هناك ربما اعتداء في الدماء زيادة، كان في هناك نوع من التقصير في الأخذ بالاحتياطات، كان في هناك غيبة ونميمة بين المشايخ مع بعضهم، كانوا بين العاملين في الساحة الإسلامية؛ هذا اغتاب هذا، وهذا حكى عن هذا شوي، وهذا اختلف مع صاحبه في الساحة الإسلامية، انتصرنا في النهاية بس كان في غيبة، كان في كلمات لا ينبغي أن تقال، كان في ضغائن شوية نفوس. لكن في النهاية انتصرنا؛ فإذاً الاستغفار مهم لأنه نوع من التعويض عن النقص الذي حصل أو المعاصي التي يمكن -وشيء طبيعي- الآن حاطب بن أبي بلتعة مش أخطأ في فتح مكة؟ بعض الصحابة مش أخطأ في غزوة أحد؟ يعني في النهاية لا تتصور الناس المثالية، حتى الناس الذين كانوا معك وقاتلوا معك في رحلة الانتصار بالتأكيد حصلت معاصي، حصلت أخطاء، حصل نوع من الخوف، أخطاء تكتيكية، واحد خالف أمرك، واحد كذا، واحد تكلم بكلمة لا ينبغي. كأن هذه تغسل، تغسل كل ما شاب هذا الانتصار من ذنوب وأخطاء في أثناء هذه المسيرة.
أيضاً تحتاج إلى أن تستغفر وتتوب، وربما أحياناً من شعورك أن الله لن ينصرك في لحظات الاستضعاف، يعني لما تنتصر في النهاية، كثير من العاملين حتى ﴿إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110]. كثير منا لما يرى الأمم تتكالب علينا ويشعر أن الهزيمة أصبحت قاب قوسين، ثم يأتي انتصار عجب وفرج قريب من الله، يحتاج أن يستغفر من شعوره بالياس؛ تستغفر من هذه المشاعر التي شابتك في لحظات الاستضعاف الشديد، شعورك أن الله لن ينصر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، شعورك أن نحن انتهينا، أن تلك الطائفة أو العصابة انتهت. هذا الشعور بالياس يجب أن تستغفر منه، لأن الله سبحانه وتعالى لا يريده، الله وعد بالنصر، إذاً يجب أن يبقى إيمانك بالنصر لآخر مرحلة. ففي أثناء عملية الانتصار والمماحكة والمجالدة مع المشركين ستأتي لحظات من شدة الضعف تشعر بالياس والقنوط والإحباط، هذا نحتاج الاستغفار أيضاً. في لحظات النصر تستغفر: يا رب استغفرك أني أسأت الظن فيك في يوم من الأيام، أسأت الظن وقلت أن الله لن ينصر عباده، وأنه هذه الفئة خلص ستنتهي وسيندثر الدين، إذا بي أرى فرجاً عجيباً مدهشاً يحصل، فاستغفرك يا رب من ذاك الشعور الذي هو ليس من كمال شعور الإنسان بعظمة الله سبحانه وتعالى. إذاً لاحظ أن مساحة الاستغفار والتسبيح هنا مهمة جداً لأبعاد كثيرة.
استغفار كما قلنا لطرد العجب، استغفار عما يمكن أن يكون، لتثبيت النصر، استغفار للتقصير الذي حصل منك في أثناء هذه العبادة، عبادة تمكين الأمة، استغفار لما يمكن أن يكون قد شاب قلبك من مشاعر الياس والإحباط وأن الله لن ينصر عباده. إذاً أنت تحتاج فعلاً للاستغفار من جوانب كثيرة، لأنك مهما بلغت ستبقى مقصراً في حق الله، ومهما ضحيت في هذا الدين إياك أن تدلي على الله وتقول يا رب أنا فعلت ما أستطيع أن أفعله أو ما أكمل به حقك؛ أنت لن تستطيع أن تكمل حق الله سبحانه، فإن حق الله عظيم، حق الله عز وجل عظيم، ومهما سعى الإنسان وفعل سيبقى هناك قصور، سيبقى هناك تشوه، ستبقى هناك أشياء كثيرة في حياته، يبقى مطأطئاً رأسه بين يدي سيده ومولاه، متذللاً بين يديه. لذلك في لحظة الفتح لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ترصد لنا الآثار، آثار مشهد الدخول إلى مكة، كيف دخل؟ دخل صلى الله عليه وسلم مطأطئاً رأسه حتى إن رأسه ليكاد يصيب مورك رحله، النبي صلى الله عليه وسلم ما دخل كما يدخل العظماء الجبابرة، نافش نفسه بهذه الطريقة التي يفعلها المتكبرون، دخل متذللاً لربه مطأطئاً رأسه؛ لأنها لحظة تعظيم لله. هذا الإله العظيم خرجنا من مكة ولحقنا كفار قريش، وتعبنا أياماً وسنوات في المدينة ونحن في المؤاخاة، وبعد المؤاخاة بناء السوق وبناء المسجد، ثم بعد ذلك مؤامرات اليهود، وعشنا مراحل صعبة ومؤلمة، خلال سنوات معدودة ها نحن نعود منتصرين فاتحين لتلك البقعة التي خرجنا منها، لتلك البقعة التي طردنا منها، ها نحن نعود فاتحين. فهذا موقف ذل لله عز وجل وخضوع لكبرياء الله سبحانه وتعالى وجلاله، إذاً ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ نزه ربك سبحانه وتعالى حامداً له ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3]. وهذه كانت تفيد الاستمرارية هنا وليس الماضي فقط، بل هي تفيد الاستمرار؛ فإنه سبحانه وتعالى يتوب على كل تقصير بدا منك أو سيبدو منك في قابل الأيام.
طيب اقرأ سريعاً. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومنه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين، ونجِّ إخواننا المستضعفين. قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى: قال الله «إذا» منصوب بسبح، وهو لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة. نعم، والإعلام بذلك -أي قبل وجوده- الله عز وجل أخبر نبيه بالانتصار قبل وجوده، هكذا يقولون، تمام، والإعلام بذلك أنه سيكون نصر وفتح قبل كونه من أعلام النبوة، أي من المعجزات ومن الدلائل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
نعم، وروي أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع. نعم، إذا كانت روي أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع، إذاً هي نزلت بعد الانتصار، فبالتالي هو إذاً ليس إعلاماً قبل كونه، بل هي نزلت بعد كونه، فيكون هناك رأي آخر أنه في اختلاف متى نزلت بالضبط، هل نزلت قبل الانتصار ولا بعد الانتصار؟ إذا نزلت قبل الانتصار نعم تكون علماً من أعلام النبوة، يعني معجزة من المعجزات من قبيل الإخبار بالغيب، أما إذا نزلت بعد الانتصار خلاص معناتها أصبحت من باب الطلب، أنه ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.
النصر الإعانة والإظهار على العدو، والفتح فتح البلاد، والمعنى نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة أو جنس نصر الله للمؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم. نعم، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾ هو حال من الناس، إذاً المطلوب منا ليس فقط أن نحقق النصر بل نحقق أيضاً الفتح، أنه استعمل مفردتين في الآية ما هي؟ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، عنده ممكن تحقق انتصار في جولة من الجولات بس أنت لسه مش متمكن، تمام؟ نحن هذه الانتصارات الجزئية مطلوبة، لكن المطلوب مني أن أصل إلى إيش؟ إلى الفتح أيضاً، يعني هذا من السعي الذي يجب أن يستمر، يعني ما قال إذا جاء نصر الله فقط، لأنه في بدر جاء نصر الله صحيح، في العديد من الغزوات جاء نصر الله، لكن أنا ما بدي فقط كمشروع إسلامي أبقى في دائرة نصر الله بدون ما أصل إلى إيش؟ إلى الفتح، وهي التي تتوج الانتصارات الجزئية، فلذلك هنا قال ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرن بينهما، أنه هذا هو التربع على الانتصار الحقيقي والكامل.
تمام، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾ هو حال من الناس، على أن رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت، أو مفعول ثانٍ على أنه بمعنى علمت. رأيت تحتمل بمعنى علمت وتحتمل الرؤية البصرية، وأنا يعني أميل إلى أن الرؤية البصرية هنا هي المرادة، يعني رأيت بعينيك الناس يدخلون. نعم، ﴿فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ هو حال من فاعل فعل يدخلون، أفواجاً إعرابها حال، كيف رأيت الناس يدخلون في دين الله؟ أفواجاً جماعات بعد جماعات. نعم، هو حال من فاعل يدخلون، وجواب إذا ﴿فَسَبِّحْ﴾، أي إذا جاء نصر الله إياك على من ناواك وعاداك، وفتحت البلاد، ورأيت أهل اليمن -لأن أهل اليمن هم الذين أتوا بوفود كثيرة في تلك الفترة سواء أهل اليمن من اليمن أو من مناطق جنوب الجزيرة العربية وما حولها- يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين واثنين. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فقل سبحان الله حامداً له أو صلِّ له، ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ تواضعاً وهضماً للنفس، أو دم على الاستغفار، ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، إنه كان ولم يزل تواباً، وهذه كانت فهمها منها عبد الله بن عباس إشارة أيضاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بدنو أجله، أنه كان الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم انتهت مهمتك الوجودية كشخص بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، فالآن عليك أن تعود إلى خاصة نفسك حتى تنهي ملف حياتك الاستغفار والتوبة والإقبال على الله. فلذلك لما عمر جمع الصحابة فقال لابن عباس ماذا فهمت منها؟ قال نُعيت إليه نفسه، يعني الله عز وجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم يعني هنا ينتهي مطاف وجودك، اشتغل الآن في أيامك الأخيرة بالاستغفار والتوبة حتى تأتي إليّ إلى الرفيق الأعلى.
نعم ويروى أن عمر رضي الله عنه لما سمعها بكى وقال: الكمال دليل الزوال، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: انصح هذا الأثر، ماذا قال الكمال دليل الزوال؟ هي هكذا الدنيا، ما أدفعها، حتى في الانتصارات المادية هي في النهاية كل كمال في الدنيا زائل، الكمال دليل ماذا؟ الزوال. مهما بلغت ومهما مسكت ومهما سيطرت ومهما حكمت ومهما أدرت، في لحظة من اللحظات عليك أن تعرف أن هذه الدنيا لا قيمة لها، وأن الشيء إذا اكتمل حان زواله. نعم، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين بعدها ثم توفي. هذا دلالة على أنها آخر السور التي نزلت وأنها كانت إشعار، ولذلك كانت قالت عائشة: ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعدما نزلت عليه سورة الفتح إلا كان يقول فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن؛ يعني يطبق أن الله عز وجل لما قال له اختم حياتك بالتسبيح والاستغفار، كان في كل ركوع وسجود ماذا يقول؟ سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، تطبيقاً لما أمره الله سبحانه وتعالى به.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 1-5].
نعم، هذا الترتيب العجيب بين سورة النصر والمسد، ترتيب جميل ومبهر، كأنه يقول لك بين سورة المسد وسورة النصر قصة وحكاية، بين سورة المسد وسورة النصر سنوات من العذاب والبلاء والشدائد والأمور، بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم يطارده عمه وزوجته الخبيثة، ويحملون الأشواك في طريقه، ويقفون في وجه دعوته. إذاً أنت تأتي على سورة النصر بعدها، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فهي تصنع الألم والأمل في نفس السياق، هذا الترتيب في القرآن بين سورة النصر والمسد يعطيك الحقيقة والمشهد بصورة.
اختزلت الزمان في مسد وفي عذاب وفي ناس متعبة الله يتوعدها، لكن ما بعد ذلك تأتي النصر والتمكين. بين سورة المسد وسورة النصر كم سنة؟ سنوات عاشها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، لكن في ترتيب القرآن النهائي كانت سورة النصر بجانب سورة المسد. من حيث الزمن سنوات، لكن من حيث الترتيب القرآني متلاصقات؛ وكأنه يعطيك المشهدين معاً: مشهد الألم في المراحل الأولى للدعوة، ومشهد أبو لهب لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فنادى أقاربه «وأنذر عشيرتك الأقربين» ربي في أول لحظات الدعوة الجهرية، إذ بأبي لهب يقول: تبا لك سائر هذا اليوم جمعتنا، إلى لحظة الانتصار المهيب ليدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منتصراً متربعاً على عرشها. تخيل النبي عليه الصلاة والسلام، الذي كان يأتي الجهلاء والسفهاء كأبي لهب ليتطاولوا عليه ولا يعبأ به أحد، يدخل الآن بعد سنوات منتصراً مالكاً رافعاً رأسه مع أصحابه، وهو الذي يمنّ على أهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، أو يعفو عنهم ويصفح عنهم. على الإنسان أن يدرك هذا المشهد، أن هذا النصر في سورة النصر لم يأتِ إلا بعد التعب في سورة المسد. ما جاءت الانتصارات سهلة عبر تاريخ الأمة المجيد، لم تأتِ الانتصارات إلا على جسر من المتاعب، وعلى جسر من الآلام، وعلى جسر من التضحيات، وهذا ما ذكر في المسد هو ربما شكل من أشكال بسيطة من الآلام التي تعرض لها صلى الله عليه وسلم، وإلا حصل ما هو أشد كما تخبرون السور الأخرى في كتاب ربنا.
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. التباب الهلاك، نعم ما معنى التباب؟ الهلاك، تمام. ولماذا علق الهلاك أولاً بيديه؟ لأن اليد عند العرب هي شعار العمل، العرب إذا أرادت أن تعبر عن الكسب فالكسب عادة يعبر عنه باليد؛ مع أنه أنت ممكن تكسب ببصرك، ممكن تكسب بسمعك، ممكن تكسب بقدمك، كلها أدوات للكسب، لكن في عادة العرب إذا عبرت عن الكسب تعبر عن الكسب باليد، أحياناً كثير من الكسب يكون باللسان تمام، ولكن في النهاية هو أسلوب العرب في طريقتها. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، هلكت يدا أبي لهب، ثم قال: ﴿وَتَبَّ﴾، وتب الثاني هو كله؛ فهو قال لك تبت يدا أبو لهب، بعدين تب هو كله، وهذا تأكيد على أن هذا الرجل خلاص ختم عليه، انتهى. أي شخص ربنا بيقول عنه إنه هلك معناته هلك، لا يمكن لأحد أن ينقذه لأن الله حكم عليه بالهلاك، وهذا من الخاص بعد العام؛ فأولاً علق الهلاك على يديه بعدين علق الهلاك عليه كله، فهمتم كيف الانتقال؟ تبت يداه وتب هو كله، وهذا من شديد الوعيد لهؤلاء المجرمين.
ومنه قولهم: أشابة أم تابة؟ أي العرب كانت إذا سألت عن المرأة يقولون هذه امرأة شابة أم تابة؟ تابة يعني ايش؟ هالكة، بمعنى أنها ختيرت على حافة القبر، فهذا دلالة أن التباب عند العرب دلالة الهلاك، أي هلكت من الهرم. والمعنى هلكت يداه لأنه فيما يروى أخذ حجراً ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتب وهلك كله، أو جعلت يداه هالكتين والمراد هلاك جملته كقوله ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ومعنى وتب وكان ذلك وحصل، كقوله جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل، وقد دل عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: وقد تب. روي أنه لما نزل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، رقي الصفا وقال: يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد المطلب يا بني فهر، إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نذير لكم بين يدي الساعة»، فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا؟ فالله سبحانه وتعالى عامله بجنس ما قال، لما قال تباً لك الله عز وجل حكم عليه هو بأنه الذي تب وهلك.
وإنما كناه والتكنية تكرمة لإظهاره بها دون الاسم ولكراهة اسمه، فاسمه عبد العزى. لماذا كناه الله؟ هناك عدة فوائد ذكرها المفسرون؛ لماذا كناه الله الآن أبو لهب؟ بعض الناس يظن أن هذه تسمية القرآن أعطاها له، هذا خطأ؛ لا، هي تسميته من أيام الجاهلية أبو لهب، ولماذا كان يكنى بأبي لهب؟ قالوا لأنه كان في وجهه حمرة، كانت بشرته حمراء وردية، والعرب تكني أحياناً من بشرته حمراء وردية بأبي لهب، فإذاً أصل هذه الكنية قبل مجيء القرآن وقبل مجيء الإسلام كان يكنى من أيام الجاهلية بها لحمرة وجهه. لكن لما كانت هذه الكنية مناسبة لمصيره في جهنم استعملت في القرآن، فهمتم؟ لأن اللهب إشارة إلى النار والعذاب، فهي في ابتداء كني بها لجمال وجهه وحمرته، فالله سبحانه وتعالى أخذ هذه الكنية واستعملها إشارة إلى العذاب واللهب الذي ينتظره في نار جهنم، لذلك قال: هذه كنية إنما استعملت لمناسبه المقام، لأنها تتكلم عن اللهب، وإن كانت في الأصل بالنسبة له كانت تشريفاً، فجعلها الله بالنسبة له الآن تحقيراً ودلالة على المصير الذي هو ذاهب إليه والعياذ بالله.
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: 2]، ﴿مَا﴾ للنفي و﴿مَا كَسَبَ﴾ مرفوع، و﴿مَا﴾ موصولية أو مصدرية، أي ومكسوبه أو كسبه، أي لم ينفعه ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه، أو ماله التالد والطارف. وعن ابن عباس رضي الله عنه حاول أن يفرق النسفي: ما الفرق بين ماله وما كسب؟ يعني ما أغنى عنه ماله وما كسبه، طب ما كسبه أليس من أمواله؟ عليه، ففرق بين ما أغنى عنه ماله وما أغنى عنه ما كسب؛ فهنا حاول النسفي يعطيك شو الفرق بين المال وبين ما كسب، فقال المال الذي ورثه من أبيه بدون ما يتعب فيه، وما كسب المال اللي هو اشتغل حتى جابه، هي طريقة في التفريق، أنه المال اللي بيجيك جاهز ورثه هدية، وما كسب لا المال اللي بتتعب أنت فيه تحصيل، فكأنه يقول كل أمواله سواء ماله اللي ورثه أو ماله اللي هو تعب من أجله، كلاهما لم يخدم. أو قال احتمال آخر أن يكون المراد ماله التالد (يعني القديم) والطارف (يعني الجديد)، فيكون التعبير ما أغنى عنه ماله أي القديم، وما كسب أي ما سيكسبه على مرور الأيام، لن ينفعه شيء.
وعن ابن عباس تفسير آخر يقول لا، ما كسب هذه ما لها علاقة بالمال، ما كسب من الجاه والعز والأولاد فيكم، وهذا جميل هذا التفسير، يعني ما أغنى عنه ماله (الناحية المادية ما رح تنفعه) وما كسب من الجاه والعز والأولاد والذرية إذا جاءك عقاب الله أيضاً لن تخدمك. فأنت بعض الناس يقف في وجه هذه الدعوة ويعتمد على أن أنصاره وأتباعه وذريته ومن حوله سيقفون معه وسيعصمونه من أمر الله، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فإني أفتدي منه نفسي بمالي وولدي؛ يستهزئ أنه إذا كان ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم حقاً فيوم القيامة أفتدي بنفسي ومالي ولا أعذب، فكر المواضيع دائماً تحل بالمفاوضات التجارية.
وهذا طبعاً دائماً قضية المال تأتي مع الطغاة والمستبدين، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 1-2]، وعدده أيضاً في مقام آخر: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. دائماً الثروات ووجود المال في يد الشخص كثيراً ما يكون سبباً في الطغيان، كثيراً ما يكون سبب في تغيير النفوس والأحوال وشعور الإنسان بالاستعلاء على الشريعة وعدم رغبته بالخضوع لها، لذلك أحياناً الفقر يكون نعمة، هذا الفقر اللي بخليك دائماً مقبل على الدين والصلاة والتدين وطلب العلم. بعض الشباب بتحضر معنا اليوم بس اللي صار معها مصائب بتبطل تحضر، ولا لا يا شباب؟ تمام، بيقول لك هسه اليوم طفران أنا باجي بحضر عند الشيخ ما في عندي شيء أعمله، بس بكرة بصير معها مصاري بيقول لي يا فلان تعال، قول لي يا شيخ أنا هسه عندي أرصدتي ومشاريعي، أنا جزاك الله خير يعني نصحتنا في يوم من الأيام بس الدنيا بتتغير، فالمال أحياناً قد يكون نقمة. المال الصالح للرجل الصالح ما عندنا مشكلة، لكن لا تظن دائماً أنه مجرد وجود المال هو شيء سعيد في حياتك وأن الله راضٍ عنك، فكم من إنسان استدرج بالمال إلى المفاسد، وكم من إنسان كان المال سبباً في طغيانه، واقرأ القرآن تعرف أن أكثر من أهل المال في القرآن كانوا مذمومين، وقليل هم الذين وظفوا أموالهم في خدمة دين الله سبحانه وتعالى.
فأبو لهب من هؤلاء التجار أصحاب الأموال الذين وظفوا أموالهم في محاربة الدعوة، وصرفوا جهودهم المالية في خدمة مشروع قريش، فهل ذاك نفعه؟ قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. طيب بدل من هذا الشقي أبو لهب لشقائه، بدل ما يقف لهم كثير من المطلبيين والهاشميين بقوا كفاراً لكنهم وقفوا معه، ابن عمهم ودخلوا معه في الشعب، هذا الرجل الشقي حتى تعرف لماذا الله سبحانه وتعالى ذكره باسمه بالتحديد وخصه بسورة كاملة، لأنه أحياناً العرب تقول لك يعني على الأقل إذا ما بدك تقتنع بفكرته افزع له، يعني في النهاية ابن عمك، وهذا ما فعله كما قلنا عشيرته، إلا هذا الشقي؛ فحتى لما حصلت المقاطعة ودخلوا في الشعب أبو لهب هو الوحيد اللي ما دخل ووقف في وجه عشيرة ابن عمه أو ابن أخيه، ولم يتخذ قرار عشيرته في الدفاع عن النبي عليه الصلاه والسلام وصرف أمواله، لماذا؟ قيل إنه كان يصرف أمواله في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، وفي حتى أن أولاده طلقوا بنات النبي عليه الصلاة والسلام. له ابنان عتبة وعتيبة هو له أكثر من ذلك بس عتبة وعتيبة كانا متزوجين ببنات النبي صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم، فأمر أبناءه بتطليق البنتين، تخيل أن بنات النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه لذلك بتعرف أنه فيه أذى نفسي، يعني هذا الرجل أذاه مش كأذى أي شخص، آذى النبي صلى الله عليه وسلم نفسياً، النبي صلى الله عليه وسلم معطيه بنتين له واحدة لعتبة وواحدة لعتيبة، بشوفك بتضغط على أولادك مشان كان يطلقوا بناتي ويرجعوهم، تخيلوا وين وصل أذاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقف كما يقف الرجال، ولو لم يكن على دينه، لأن أبو طالب ما كان على دين بس وقف وقفة الرجال، مش هيك نحن بنحكي وقف وقفة الرجال، لكن عمه هذا كان سيئاً.
هذا شتمه، كان يدور في القبائل أيام ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدور على القبائل في موسم الحج، كان يكون خلف أبو لهب يحذر الناس منه ويقول: هذا ابن أخي ساحر مسكين مجنون وأنا أعرف الناس به، لا تسمعوه، يعني ما من أبواب الأذى إلا كان أبو لهب حريصاً على أن يكون حاضراً فيه، فلذلك الله سبحانه وتعالى عاقبه، ومن شدة العقاب أنه أنزل فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. هي من شدة العقاب أن ينزل فيه قرآن يتلى بذمك إلى يوم القيامة، يعني أبو جهل ما ذكر فيه آيات باسمه صح؟ أبو جهل، في آية تذكر أبو جهل بالمعاني؟ ممكن بس أنا أقصد باسمه لا، كفار قريش عموماً ما كانوا يذكرون بأسمائهم ماشي، في آيات نزلت في الوليد بن المغيرة، لكن هذا الرجل باسمه لأنه موقفه في شدة النذالة وفي شدة الدناءة، بدلاً من أن يكون موقف على الأقل موقف العربي الشريف الحر، موقف الإنسان الخائن الذي فقط يبحث عن هوى نفسه ومآربها.
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 3]. سيصلى، سيدخل، والسين للوعيد أو كائن لا محالة وإن تراخى وقته، والسين للوعيد يعني سيصلى، هذه السين التي تدل على المستقبل أراد بها الوعيد أن الله يعيده على ذلك، أو كائن لا محالة وإن تراخى وقته. قال: أو أننا نحملها على أنه كائن لا محالة وإن تراخى وقته، وأنا أعتقد أن التفسير الأول لا ينفك عن الثاني، فهي السين للوعيد وهذا الوعيد ليس الآن، هو كائن لا محالة بعد فترة، فأعتقد أنه لا حاجة لأن نقول أو هنا، بل كلاهما يؤدي إلى الآخر، ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، لاحظ وهي تناسب اسمك، مش أنت اسمك أبو لهب؟ بدنا نعطيك نار ذات لهب تتناسب مع كنيتك التي عرفت بها والعياذ بالله.
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4]، أي هي أم جميل بنت حرب، وهي أخت أبي سفيان بن حرب الصحابي الذي أسلم متأخراً رضي الله عنه. أما هي لم تسلم هي ماتت على كفرها وبؤسها، كانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل كانت تمشي بالنميمة فتشعل نار العداوة بين الناس. اختلف المفسرون ما معنى أن امرأته حمالة الحطب؟ البعض حملها على ظاهرها أنها فعلاً كانت تحمل الحطب والشوك وتضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، البعض يقول هذه عبارة مجازية والمراد بحمالة الحطب.
إنها كانت تشعل النيران بين الناس من خلال النميمة، كانت نمامة، وبالنميمة كانت كأنها تحمل الحطب؛ فهذا يكون من أساليب المجاز المستعملة في القرآن، كناية عن مشيها بالنميمة وإشعالها الفتن أنها حمالة للحطب.
ونصب عاصم "حمالةَ الحطب" على الشتم، عاصم الذي نحن نقرأ عليه قراءته بطريقيه حفص وشعبة، نصبها على الشتم، وأنا أحب هذه القراءة. ما معنى على الشتم؟ نعم، التقدير: وامرأتُه أشتم حمالةَ الحطب؛ يعني تقدر فعلاً محذوفاً تقديره أشتم حمالة الحطب أو أذم حمالة الحطب، يقصد الشتم يعني الذم، فحمالة مفعول به لفعل مقدر تقديره أشتم أو أذم، ففيها تخصيص لها بالشتم والذم. وامرأته مبتدأ، ثم كأنه أتى بجملة اعتراضية: أشتم حمالة الحطب، ما خبر المبتدأ؟ في جيدها حبل من مسد، فالتقدير: امرأته في جيدها حبل من مسد، وهذه الجملة المعترضة هي المراد بها الغض من مقامها والذم لها، وامرأته أذم حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل، وعلى هذا يسوغ الوقف على امرأته؛ لأنها عطفت على الضمير في سيصلى، أي سيدخله.
وقد توسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل، هذا من كلام النسفي يقول: بدك مقاماً رفيعاً تتوسل به لحب النبي عليه الصلاة والسلام؟ عليك أن تحب شتم أم جميل. فالنسفي يقول: أنا أحب قراءة عاصم لأنه فيها شتم لأم جميل، ومن أراد التوسل إلى محبة النبي عليه الصلاة والسلام فعليه أن يحب شتم أم جميل؛ حاول يعملها سياقاً معيناً وجناساً معيناً. وعلى هذا يسوغ الوقف على امرأته لأنها عطفت على الضمير في سيصلى، أي سيدخله هو وامرأته، والتقدير أعني حمالة الحطب.
إذاً هنا اختار طريقة معينة، قال: يمكن أن نقول إن امرأته هي معطوفة على الضمير الذي في سيصلى، فيكون هكذا يعني ما جعلها مبتدأ لا، جعلها هكذا: سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته، فيكون امرأته معطوفاً على الضمير سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته، ثم قال: أذم حمالة الحطب، ثم هذه في جيدها حبل من مسد جملة مستقلة لتخبر عنها. هذا طريق من طرق التفسير يصح.
وغيره رفع حمالة الحطب على أنها خبر، وامرأته، أو هي حمالته. والآن هذه قراءة عاصم، هناك قراءة مشهورة متواترة: وامرأتُه حمالةُ الحطب، هذه قراءة متواترة للجمهور الذين قرأوا حمالة جعلوها خبر مبتدأ، وامرأته مبتدأ، والخبر حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد حال أو خبر؟ خبر آخر. والمسد الآن، هذه الجملة في جيدها حبل من مسد يمكن نقول إن هذه الجملة جملة حالية، تمام، هكذا أعربها.
فعلى قراءة عاصم هو جعل وامرأته معطوفة على سيصلى تمام، وجعل سيصلى هو ناراً ذات لهب، وامرأته حالة كونها في جيدها حبل من مسد. وعلى قراءة الجمهور، وامرأته مبتدأ وحمالة الحطب خبر، وتكون الجملة خبر ثانٍ، والتقدير: وامرأته حمالة الحطب، وخبر ثانٍ عنها في جيدها حبل من المسد، ويصح حتى على قراءة الجمهور أيضاً أن تكون منصوبة على الحالية.
طب ما هو المسد؟ المسد أيها الكرام هو الحبل الذي فُتِل فتلاً غليظاً قوياً. المسد ما هو؟ هو الحبل الذي فُتِل فتلاً قوياً، تعرف أنت أحياناً الحبل تفتله فتلتين ثلاث أربع فيصبح أقوى من الحبل المفتول واحدة، فالله يتوعدها بحبل في عنقها، في جيدها حبل يقودها في نار جهنم به. قال: والمسد الذي فُتِل من الحبال فتلاً شديداً من ليف كان أو جلد أو غيرهما. الليف مر معنا كثيراً ما شرحته لكم، الليف هو الذي يؤخذ من جذوع النخل، هذه الخيوط التي تؤخذ من جذوع النخل كانوا يقومون بتجديدها ثم يقومون بفتلها على شكل الحبال، أو يكون مصنوعاً من جلد.
والمعنى: في جيدها حبل من مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون، تحقيراً لها وتصويراً لها بصورة بعض الحطابات لتجزع من ذلك ويجزع بعلها، وهما في بيت العز والشرف وفي منصب الثروة والجِدّة. الآن الله سبحانه وتعالى شبهها بهذه الصورة الدنيئة لها، لما قال في جيدها حبل مفتول، هو ماذا يقول؟ وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون. هو هنا النسفي كأنه حمل الآية على حالها في الدنيا. مش قلنا أنها كانت تحمل الشوك وتأتي به وتجمعه لتضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: انظروا إلى هذه المرأة الذميمة كيف تأتي وهناك حبل مفتول في عنقها، حاملاً للشوك على رأسها مريدة لأذية النبي صلى الله عليه وسلم، فشبهها وهي تجمع الشوك والحطب لإرادة أذية النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ربطت الشوك والحطب على رأسها بحبل ووضعته في جيدها بحال الحطابين، فهذا فيه إدناء من مقامها.
لذلك تروي كتب الآثار أن صغار مكة لما نزلت هذه السورة كانوا يأتون إلى أم جميل ويقرأون أمامها السورة. العرب لغتها لغة الشعر، وإذا كان هناك قصيدة في ذم شخص أو هجاؤه تمشي بها الركبان، اليس كذلك؟ ومن أجلها حروب وغارات تنشأ من شأن قصيدة، فالعرب تعرف ما معنى أن تعطيني خطبة أو قصيدة في الهجاء، فالقرآن هجى الهجاء الذي يليق بها؛ لأن امرأة آذت النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صغار مكة يأتون أمامها ويغنون، يعني يأتون بهذه الصورة كأنها قصيدة وشعر، ويقولون: في جيدك حبل من مسد، في جيدك حبل من مسد. فهي غضبت وأخذت حجراً وذهبت إلى أبي بكر وكان بجانبه النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: أين صاحبك هذا الذي أنزلت عليه السورة؟ فالله سبحانه وتعالى من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أعمى بصرها عن النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه جالس بجانبها. فأبو بكر استغرب، يعني هو أولاً سمع المقال: أين صاحبك؟ طب هو جنبي! فبعد ذلك انتبه أنه واضح أنه في معجزة هنا الآن تحصل، أنها أرادت أن تضرب النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر ولكن الله عصم نبيه صلى الله عليه وسلم.
فهذه السورة تؤثر كثيراً فيهم، بأن العرب تدرك قيمة الكلام وكيف أنه تنتقل به الركبان، يعني بجوز جل الجزيرة العربية أصبحت تحفظ هذه السورة، هذه فضيحة كبيرة لأبي لهب ولزوجته، هذه الضيعة التي فيها، وطبعاً كثير من المفسرين يقولون: في جيدها حبل من مسد في نار جهنم، لكن النسفي حملها على حالها في الدنيا، وهذا يعطيك كيف القرآن حمال وجوه، يعني أنت الآية الواحدة في إمكانية أن تفسرها على أكثر من وجه. قد يكون هذا في الدنيا، يعني كأنه يزري بحالها، شوف هي المرأة العزيزة أرادت أن تذل نفسها أمام الناس وتحمل الحطب من أجل أذية هذا النبي العظيم، سبحان الله كيف الإنسان يذل نفسه في محاربة الإسلام، تذل نفسك من أجل هدم الإسلام وهذه المشاريع العظمى والله سبحانه وتعالى ناصر دينه، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، تخيل نور الله وهذه الأفواه الكليلة التي تحاول أن تطفئ هذا النور، مساكين هؤلاء. انتصر النبي صلى الله عليه وسلم، انتصر الإسلام، نزل سورة النصر وذهب أبو لهب وزوجته إلى مزبلة التاريخ، وهكذا سينتهي كل الطغاة وكل المستبدين الذين حاربوا هذه الدعوة. ماذا استفاد أبو لهب؟ هذا السؤال الآن نحن نذكره، ماذا استفاد وكل طاغية ومستبد يقف لمحاربة هذا الدين لما يصبح في يوم من الأيام عبرة وقصة وحكاية؟ ماذا يستفيد؟ أم جميل ماذا استفادت إلا العيب والشتم والذم لها؟ وانتصر الإسلام في النهاية وانتصر، فدائماً عليك أن تعرف اصطفافاتك وتعرف أين تقف في معركة الإسلام والكفر.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].
سورة الإخلاص سورة عظيمة وهي تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن أيها الكرام ما بين قصص وأوامر ونواهي وتوحيد، القرآن ثلاث أقسام، قسم يتكلم عن التوحيد ولوازمه من الإيمان بالقضاء والقدر والدار الآخرة، وقسم يتحدث عن أوامر ونواهي تكليفات تشريعات، وقسم يتحدث في ماذا؟ في القصص. إذاً كم قسم القرآن؟ ثلاث أقسام، ثلث التوحيد، وسورة الإخلاص هي تعطي خلاصة التوحيد، فهي تعطي خلاصة الثلث الأول، لذلك هي ماذا؟ هي ثلث القرآن. طيب هذه سورة عظيمة، قالوا إن المشركين كفار قريش أو اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: صف لنا ربك، أنت تدعونا إلى عبادة هذا الإله، صف لنا هذا الإله الذي تدعونا إلى عبادته. فكان التعريف مختصراً مركزاً واضحاً بذكر أهم الصفات، وأنت دائماً لما شخص يقول لك أعطيني تعريفاً بشيء معين، أعطيني تعريفاً بإلهك، بدك تعطيه الآن مش رح تعطيه درساً عظيماً طويلاً لساعتين وثلاث وأنت تعطيه الأسماء الحسنى ومقتضياتها، أنت في النهاية في سياق العرب بدك تعطي الخلاصة، فالخلاصة تكون عادة ماذا يا شباب مركزة، صح؟ دائماً الخلاصات تكون مركزة، فما بالك إذا هذه الخلاصة من تكلم بها ليس شخصاً مثلي كليل اللغة يحاول أن يجمع أطراف الحديث، الله جل جلاله عرفك بنفسه، عرفك بنفسه بأبرز الصفات التي عليك أن تعرف الله من خلالها.
يعني هذه الصفات الأساسية التي عليك يا أيها العبد الضعيف الفقير أن تتعرف على الله من خلالها، فأعطاك أول صفة: قل هو الله أحد، عليك أن تعرف الله واحداً، الوحدانية، هذا أول شيء، لا يقبل الشريك ولا الضد ولا المثيل ولا الأنداد ولا المنازعين، لأنه هذه هي منطلق التوحيد، وماذا؟ إفراد الله، بل من أجلها قامت الحروب وبعثت الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، فهذه الفكرة الأحدية هي أول وأهم صفة عليك أن تثبتها لله وأن تستشعرها في حياتك وتمارسها في عبودياتك، استشعار أنه الواحد، الواحد في الملك، الواحد في التدبير، الواحد في التصرف، في الرزق، في العطاء، في المنح، الواحد الذي يستحق أيضاً العبادة، الواحد الذي يستحق القصد والطلب والتوجه إليه، الواحد المتفرد بالكمالات في أسمائه الحسنى وفي صفاته العلى، فهو واحد في كافة الصعد والمجالات، لابد وأن تقر بهذا؛ لأن هذه قاعدة التوحيد، الأحدية: قل هو الله أحد.
ثم بعد ذلك الغنى: الله الصمد. الصمد هو المقصود في الحوائج، وتفسر الصمد بماذا؟ بالسيد، وتفسر الصمد بما لا جوف له كما ورد عن بعض السلف، والذي له جوف، أي ذاته تقوم على وجود جوف، إذاً هو مفتقر لما يملأ الجوف، وأما سبحانه فمصمت، كما يعني لا جوف له، فهو لا يحتاج إلى طعام ولا شراب ولا إلى أي شيء يُعبأ في داخله؛ لأن المحتاج إلى التعبئة مفتقر، والله في تمام الغنى. فالصمدية هي الشعار الثاني والخصيصة الثانية العظمى في علاقة العبد بربه، هو شعوره بغنى الله وافتقاره إليه، أن الله غني وأنت الفقير، هذه الصفة الثانية: يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني، فاسم الله الغني واستحضار غنى الله وافتقار الإنسان، هذا هو المحدد الثاني في علاقة الإنسان بربه سبحانه وتعالى.
إذاً أولاً الأحدية، ثانياً الصمدية والتي تعني الغنى، ثم أراد أن يدلل على كمال الغنى وعدم الافتقار عند الله بشكل من الأشكال، فقال: لم يلد ولم يولد؛ لأن من وُلد مفتقر، أي شيء يُولد إذاً هو يحتاج إلى والد، يحتاج إلى منتج، يحتاج إلى من أخرجك، والمحتاج مفتقر، لذلك لم يولد. وقال كذلك لم يلد. طب لماذا سؤال، لماذا بدأ بلم يلد مع أنه أنت ممكن تقول الترتيب أن يقول ايش أول شيء هو لم يولد ثم لم يلد؟ الآن كترتيب زمني ما هو الترتيب الزمني يا شو رأيك؟ الترتيب الزمني أن تقول ماذا؟ الآن الشخص أول شيء يُولد هو، بعدين هو ايش يلد ويصير عنده أولاد، لماذا بدأ بنفي لم يلد سبحانه ثم نفى لم يولد؟ فهمت؟ لأنه أنت ممكن تقول لماذا لم يبدأ بالأول، يعني لماذا لم يقل هو لم يولد، وكذلك هو لم يلد؟ فهكذا هو الترتيب الزمني للأشياء، لكن لا جاءت بالعكس، هو لم يلد شيئاً ولم يَلِده شيء، فبدأ معك من الأسفل ثم صعد للأعلى، أرجو أن يكون الاستشكال واضح. تفضل.
أنه ايش؟ يعني أنت وضعت خطوة في الجواب، يعني الجواب الآن ماذا سيكون؟ كما... لا ما هو الولد لا يكون إلا هناك والد، كلمة ولد لا تستعمل إلا إذا كان هناك والد، هي مأخوذة من الاشتقاق الصرفي، نعم. أيوه، أيوه، يعني أنت تحول الفكرة هي ايش...
أحسنت. في تاريخ البشرية المشكلة الأعوص كانت ليست ادعاء أن الله ولد، الأكثر كان ما هو ادعاء أن الله له ولد. فلذلك بدأ بما هو أكثر انتشاراً؛ فاليهود ماذا قالت: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]، والنصارى ماذا قالت: عيسى بن الله، وكفار العرب؛ كفار قريش شو كانوا يقولوا: الملائكة بنات الله. فالفرية التي كانت أكثر انتشاراً ما هي أن الله ولد والعياذ بالله، الفرية الأكثر انتشاراً والتي كانت عليها الناس من الكفار والمشركين واليهود والنصارى أن الله له أولاد، فلذلك ابتدأ بها لأن نفيها أهم، لماذا ابتدأ بها لأن نفيها أهم لكثرة الخبط الذي ورد فيها. لما تأتي سورة مريم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-92]، ولذلك سور القرآن كانت تركز على نفي الولد.
لا أعلم أن أحداً من البشر كطائفة يقول إن الله يولد، لا أعلم أن هناك طائفة من البشر، ممكن يكون في نهاية تاريخ البشرية كبير بس خلينا نقول شذاذ الآفاق هؤلاء الذين إذا ممكن واحد قال إن الله ولد، لكن القضية الأولى قال بها كثيرون، أما أن الله ولد فما حدا قالها تقريباً إلا ربما شذاذ لا يحسبون أصلاً، لكن الذين قالوا إن الله له أولاد أكثر؛ فلذلك يحتاج إلى تقديمها. ثانياً ممكن نقول إن حجم الشبهة التي ترد على الناس في قضية الولد أكثر من الشبهة التي قد ترد عليهم في قضية يولد، لأنه أي واحد تقول له إن الله يولد مباشرة بتصورها؛ لأنه إذا الله ولد مباشرة شو رح تقول؟ إذا في شيء سابق، رح تقول إنه في شيء سابق، إذا في هناك شيء قبل الله، العقل مباشرة بضربها، بس أن يكون الله له أولاد العقل أيضاً يأباها، بس حجم الشبهة فيها أكثر بدليل أن فئاماً عظمى من الناس سقطت في هذه الشبهة. وما تصور أو لم يهتدِ إلى أن ادعاء الولد لله وهذا أيضاً شكل من أشكال النقص، ما بصير ادعاء أن الله له والد واضحة للجميع، لجميع الديانات أنها صعبة؛ لأنها تعني أنه في شيء سابق على الله، وإذا هناك شيء إله قبله فهذه، لا هناك حاجة كبيرة إلى نفيها مقارنة بالقضية الأصعب وهي ماذا؟ أنه كثير من البشر ادعى أن الله له ولد؛ فاحتيج إلى نفي هذه الفكرة.
فإذا نستطيع أن نقول إنه بدأ بـ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لكثرة من قال به ولأن الشبه فيه عند الناس أكبر؛ لأن الشبهة أو الخطأ يرد عند الناس في هذا أكثر، وأما ﴿لَمْ يُولَدْ﴾ يعني شذاذ من يمكن أن يقول إن الله ولد، وهي قضية واضحة بأدنى تفكير أنه يستحيل عقلاً أن يكون لله سبحانه وتعالى والد، لأنه سيكون إذاً هناك شيء سابق على الله عز وجل. إذا ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ هي نفي للافتقار، أنه على كلا الحالتين إن الله ولد إذاً هو مفتقر إلى من يريده، وكذلك هي الثانية التي يجب أن نركز عليها.
كذلك وجود الولد هو دلالة افتقار، من يقول لي ليش إحنا كبشر وجود الأولاد عندنا أننا نلد أولاداً هو دلالة افتقار فينا؟ شو الافتقار اللي بكون إنه لك أولاد؟ الاحتياج لهم عند الكبر، أحسنت، إنه صيتك وسمعتك وأنت نفسك بتشعر إنه تنتهي من التاريخ إذا أنت مت وما عندك عقب، لذلك كانوا يعتبرون الرجل العاقر عند العرب نوعاً ما يستقلونه، يقول لك هذا انقطع عقبه، ولذلك ماذا قال المجرم العاص بن وائل للنبي عليه الصلاة والسلام: إنك أبتر يا محمد، صحيح ليس لك عقب يحملون اسمك، فهي حاجة نفسية للاستمرار، الولد هو امتداد لك، حاجة نفسية لأنك تريد أن يكون لك استمرار في الوجود البشري.
أيضاً الإنس، إذاً هو حاجة للإنس، إذاً الولد هو بالنسبة لك احتياج عندك شيء، وكذلك قضية أنها أيضاً تدل على افتقارك للزوجة، ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾، إذاً الولد نحن نحتاجه لأننا مفتقرون إلى من نأنس به، من يملأ حياتنا بالضحك، أو شيء نعتمد عليه عندما نكبر، إذاً كلياتها علامات افتقار. أما سبحانه وتعالى لماذا يحتاج إلى ولد؟ هل هو سبحانه يحتاج إلى من يؤنسه؟ حاشاه. هل هو سبحانه وتعالى يحتاج إلى شيء يبقي ذكره؟ هو الأول والآخر والظاهر والباطن، إذاً لماذا يكون ولد؟ هل هو سيزول ليأتي ولد ولي عهد له؟ ما في، هذه كل المفاهيم غير موجودة، لذلك سبحانه لما كان كلما ذكر الولد: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ دائماً تجدها في القرآن: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ﴾، فيربط بين الغنى ونفي الولد، أنه ما بصير أن تدعوا لي ولداً، إذا ادعيت ولداً معناتها الله مفتقر مثلكم، أصبحت له حوائج نفسية ومتطلبات نفسية يحتاج أن يشبعها في الولد، وحاشاه سبحانه وتعالى أن يكون موصوفاً بما يوصف به البشر. فهذه الآية تتمم غنى الله سبحانه وتعالى واستغناءه عن أي مخلوق من المخلوقات عز وجل، إذا ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، كأن هذه عادت لتكمل قضية التوحيد، فهذه السورة إخواني مدارها على قضيتين: التوحيد والغنى، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عاد فأكدها في ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ما في أحد بكافئه، هذا تأكيد للأحدية والتفرد، والله الصمد ماذا يؤكدها؟ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. إذاً خلاصة سورة الإخلاص تريد أن تعرف الله عز وجل لك من خلال اسمين وحالين هما من أعظم الأحوال: الوحدانية والغنى المطلق، إذاً كل ما سيأتي بعد ذلك من الصفات الحسنى أو الصفات العلى والأسماء والأفعال هي متفرعة عن هذين الأمرين؛ لأن الغني يجب أن يكون قادراً، الغني يجب أن يكون عزيزاً لا يقهر، الغني يحتاج أن يكون حكيماً، الغني يحتاج أن يكون سميعاً بصيراً، فكل ما سيأتي بعد ذلك في القرآن من الأسماء والصفات ومظاهر الجمال والكمال هي متفرعة عن أنه أحد وغني. فهذا تعريف مختصر لجلال الله سبحانه وتعالى، تعرف على الله بأحديته وتعرف على الله بماذا بغناه عن كل مخلوقاته وحاجة كل مخلوقاته له سبحانه وتعالى.
اقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، هو ضمير الشأن، الله أحد هو الشأن، قل، ولاحظ أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نقول، ابتدأت السورة بفعل أمر، ما هو قل؟ لازم كل مسلم يقول، عليك أن تقولها وأن تكررها، قل يا أيها العبد. هو يعود على ماذا؟ هو، هذا اسمه ضمير الشأن، ضمير الشأن يستعمل عند العرب في الجمل الخطيرة، في الجمل المحورية والمفصلية، إذا كانت الجملة لها خطر ولها أهمية يستعملون ضمير الشأن، يكون مبتدأ ويفسر بالشان عشان هيك سمي ضمير الشأن، ومرجعه إلى ما بعده، وهذا كله خلاف الأصل، الضمير عادة يرجع إلى ما قبله إلا ضمير الشأن، وكم ضمير يعود إلى ما بعده، فالتقدير قل الشأن أن الله أحد. العرب متى تأتي بهذا الضمير؟ إذا كانت الجملة خطيرة ومحورية ومفصلية فيأتي ابتداؤها بضمير الشأن، ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، الشأن العظيم الذي يجب أن تنتبه له ما هو؟ الله أحد، فهذا يعطي، طبعاً لماذا يعني كيف هذا يعطيك اهتمام؟ أنه لما أقول لك الشأن هذا بالنسبة للعربي بيجذب انتباهه، كيف قلنا في الدرس الماضي ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ شو عملت؟ جذب انتباه، أنه مين هم هذول اللي ربنا بتوعدهم؟ فالعرب تعتمد على جذب الانتباه قبل الكلام حتى يكون الكلام أوقع في النفس، الشأن، أيوه ما هو؟ ها، أريد الشأن: الله أحد، انتبه على هذه القضية الكبرى.
نعم كقولك هو زيد منطلق، كأنه قيل الشأن هذا، وهو أن الله واحد لا ثاني له، ومحل هو الرفع على الابتداء، والخبر هو الجملة ولا يحتاج إلى الراجع، نعم هو لا تعود إلى شيء قبلها وإنما يفسرها ما بعدها، نعم لأنه في حكم المفرد في قولك زيد غلامك، في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله الله أحد، لا عفواً أنا أخطأت هنا قال ولا يحتاج إلى الراجع، هو لا يتكلم عن هو، يتكلم عن جملة الخبر أن جملة الخبر هنا لا تحتاج إلى ضمير يربطها بالمبتدأ، دائماً المبتدأ إذا كان خبره جملة لا بد وأن يكون هناك رابط يعني زيد جاريته ذاهبة، زيد أبوه حاضر، دائماً الخبر إذا جاء جملة لازم يكون في رابط يربطه بالمبتدأ، فهنا يقول الله أحد جملة هي خبر للمبتدأ ولم تحتج إلى راجع يعني لم تحتج إلى ضمير يربطها بالمبتدأ؛ لأنه في حكم المفرد، لأنه الله أحد هي في حكم المفرد، كقولك زيد غلامك في أنه هو والمبتدأ في نفس المعنى؛ فضمير الشأن إذا جاء مبتدأ الخبر إذا كان جملة له لا يحتاج إلى رابط، كأن هذه الجملة الخبرية هي تفسير للمبتدأ نفسه، أصبح هذا هو هذا وهذا هو هذا، فاستغنينا عن الرابط والراجع، هذا بيستفيد منه الشباب اللي بيهتموا في قضية اللغة العربية، وذلك أن قوله الله أحد هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك زيد أبوه منطلق، فإن زيد أبوه منطلق لاحظ احتجنا لرابط وهو الضمير في أبوه، فإن زيداً والجملة كل واحد يدل على معنى مختلف، فلا بد مما يصل بينهما وهو الرابط الضمير.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قالت قريش: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، يعني الذي سألتموني وصفه هو الله، هو الله أحد. نعم، وعلى هذا أحد خبر مبتدأ محذوف، أي هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله واحد، فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفاً، والدليل على أن أصلها واحد، الآن والواو أصبحت همزة فأصبحت أحد، إذاً أحد وهو بمعنى واحد، وأصله من ماذا؟ من واحد، الواو قلبت همزة، هذا من الصرف في اللغة العربية لوقوعها طرفاً، بس طرفاً من البداية مش طرفاً من النهاية.
والدليل على أنه واحد من جهة العقل، الآن النسفي سيدخل في قضايا عقلية، الدليل على وحدانية الله سبحانه وتعالى من جهة العقل، تعرفوا المتكلمين هذول الماتريدية والأشاعرة هي شغلتهم، هي أن يبدأ يعطيك الأدلة العقلية على وحدانية الله سبحانه وتعالى، وبعض الأدلة التي يأتون بها صحيحة حقيقة ويستفاد منها وبعضها يكون متكلف، نفهم طيب، والدليل على أنه واحد من جهة العقل أن الواحد إما أن يكون كافياً في تدبير العالم وتخليقه أو لا يكون، فإن كان كافياً كان الآخر ضائعاً غير محتاج إليه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلهاً، وإن لم يكن كافياً فهو ناقص، أما إذا كان الله غير كامل غير كافي العالم، إذاً هو ناقص، والناقص أيضاً لا يمكن أن يكون إلهاً، ولأن العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل، والفاعل الواحد كاف، وما وراء الواحد فليس عدد أولى من عدد، فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها، وهذا محال، وهذا أيضاً من الطرق العقلية التي يستعملونها، فالقول بوجود إلهين محال.
ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر، طيب لو تخيلنا وجود إلهين فنقول لأن أحد الإلهين إما أن يكون قادراً على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا يستطيع أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر. طيب نجيء على الاحتمال الأول، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلاً، إذا كان أحد الإلهين قادراً أن...
يستر عن الآخر إذا الآخر في أشياء يجهلها، وإذا كان يجهل أشياء إذا هو ناقص. وإن لم يقدر لزم كونه عاجزاً، وإن لم يقدر الأول على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر إذاً الأول عنده نوع من العجز، أنه كيف أنت مش قادر تصرف أفعالك إذاً أنت برضه كأول لا تصلح أن تكون إلهاً.
الثاني هو الإله نعم، ولأنه لو فرضنا معدوماً ممكن الوجود، فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزاً، والعاجز لا يكون إلهاً. شيء معدوم الآن لكنه ممكن أن يوجد، فإن لم يقدر واحد من الإلهين المفترضين على إيجاده لهذا المعدوم كان كلاهما عاجزاً، فكلاهما لا يصلحان للإلهية.
وإن قدر أحدهما على إيجاده دون الآخر، فالقادر على الإيجاد هو الذي سيكون إلهاً. وإن قدرا جميعاً إذاً الاثنين قادرين يوجدوا الشيء المعدوم، أيوه هون الورد قال: وإن قدرا جميعاً فإما أن يوجدا بالتعاون نعم. الآن إذا الاثنين قادرين على إيجاد هذا الشيء المعدوم، إما أن يتعاونا فيما بينهما على إيجاده، فيكون كل واحد منهما بالتالي محتاجاً إلى معونة الإله الآخر، فيكون بالتالي في نوع من العجز، لأنه أنت مش قادر وحدك تنتجه.
وإن قدر كل واحد منهما على إيجاد هذا الشيء المعدوم بحد ذاته بالاستقلال، قال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادراً على إيجاد نفس الشيء وهو محال. ليش وهو محال؟ تحصيل الحاصل، أصبح تحصيلاً للحاصل تمام وهو محال. وإن لم يبقَ قادراً، فحينئذ يكون الأول مزيلاً لقدرة الثاني. بس هذا يعني عندي فيه نظر من حيث الاستدلال، يعني يحتاج لمناقشة، لأنه هو لم يزل قدرة الثاني في هذه الحالة؛ لأن القدرة الإلهية لا تتعلق بالمستحيلات العقلية، صحيح، وتحصيل الحاصل هذا مستحيل، يعني أنت في النهاية إذا الأول أوجد والثاني هو لا يتصف بالعجز على الإيجاد، هو فقط لأنه هذا الشيء أصبح موجوداً، وتحصيل الشيء الموجود هذا من المستحيلات العقلية، والقدرة الإلهية لا تتعلق بالمستحيلات العقلية، فأعتقد هذا يمكن يناقش بطريقة ما.
فإن قلت الواحد إذاً فيكون عاجزاً ومقهوراً تحت تصرفه فلا يكون إلهاً، فإن قلت الواحد إذا أوجد مقدوراً بنفسه فقد زالت قدرته، فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزاً. قلنا الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزاً، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الغير، فكان ذلك تعجيزاً، يعني هو فرق بين العجز والتعجيز هنا، يعني هذه بدها مناقشة في العلوم العقلية معه.
المهم خلينا في مضمون التفسير، قال الله الصمد. الله الصمد هو فعل بمعنى مفعول من صمد على وزن فعل، صمد على وزن فعل. ومعنى مفعول يعني هو بمعنى اسم المفعول، يعني هو مصمود إليه. الله الصمد يعني مصمود إليه مقصود في الحوائج، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم وهو واحد لا شريك له، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه. إذاً الخلاصة صفة الغنى لله سبحانه وتعالى.
لم يلد، لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا، وقد دل على هذا المعنى بقوله ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 101]. ولم يولد، لأن كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أول لوجوده، إذ لو لم يكن قديماً لكان حادثاً. ليش أنا بدي أقرأ بسرعة لأني أنا شوي عندي مخالفة لـ؛ قال لأن كل مولود محدث وجسم، هسا كلمة جسم هي بده يستعملها هو مشان أهل السنة والجماعة، نحن بتعرف نثبت أن الله عز وجل ذات، وهم يقولون عنا نحن مجسمة، تعرفوا هم بيحكوا عنا أننا مجسمة، فهو يقول لك كل مولود لابد وأن يكون محدثاً وجسماً. هسا كل مولود محدث نتفق صحيح، لكن ماذا تقصد بالجسمية هنا؟ هسا الجسمية كما قال شيخ الإسلام لها عدة معاني، إن كنت تقصد بالجسمية التركيب فأتفق معك، وهذا الذي قصده، لأنه هو ماذا قال بعد قليل قال: وليس بجسم، لأنه أي لأن الجسم اسم للمتركب. فهذه أحد معاني الجسم، أن الجسم يطلق عندهم بمعنى المركب. والله نعم حاشاه أن يكون مركباً، لأن المركب يحتاج إلى من ركبه، وهذا نوع من إشكال الافتقار تمام، فكلمة جسم بعتبرها كلمة مجملة إذا كنت تقصد بالجسم هنا التركيب، لأن كل مولود محدث وجسم بمعنى مركب، خلاص بنقول متفقين نحن ما عندنا مشكلة. وهذا الذي قصده بس ما تحكي جسم وتروح، لأني أنا بدي أعرف ماذا تقصد بكلمة جسم، لأنه إذا كنت تقصد الذات المتصفة بالصفات، فمثلاً المعتزلة استعملوا هذه المفردة بهذه الطريقة، فنقول نعم الله ذات متصفة بصفات، وهذا لا يعني الجسمية، نحن لا نطلق هذه الصفة على الله لا إثباتاً ولا نفياً لأنه لم يستعملها سبحانه، فكلمة جسم من الكلمات كما يقول شيخ الإسلام المشتركة المبهمة التي يمكن تحمل أكثر من مفهوم في داخلها، فلا بد أن أستفصل عن مرادك بها.
المهم كل مولود سيكون محدثاً، وهو سبحانه وتعالى قديم لا أول لوجوده. قلت ولم يولد، لماذا الله لم يولد؟ لأن المولود محدث والله قديم، إذاً لا يمكن أن يكون الله مولوداً لأن المولود محدث والله قديم. إذ لو لم يكن قديماً سبحانه وتعالى لكان حادثاً، ما فيش حل وسط؛ الأشياء في الوجود يا محدثة يا قديمة. القديم يعني الذي لا أول له، هذا معنى القدم هنا الذي لا أول له. قال ولو كان حادثاً سبحانه وحاشاه لافتقر إلى محدث، وكذا الثاني والثالث سنبقى في تسلسل إلى ما لا نهاية وهو باطل.
وليس بجسم لأنه اسم للمتركب، كما قلنا إذا قصدت بالجسم التركيب نعم هو سبحانه ليس بجسم بمعنى مركب، لأن المركب يحتاج إلى من ركبه، ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه بصفات الكمال، لأنه يقول لك لو كان سبحانه وتعالى جسماً بمعنى مركباً لكان مركباً من عدة أشياء، وكل شيء من هذه الأشياء بده يكون على ماذا؟ ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء من هذا التركيب بصفات الكمال. كل جزء بده يكون هو كمال وحده فيكون كل جزء إلهاً وحده، فيفسد القول به كما فسد بالإلهين، فأصبح الله بدل الإلهين عشرات الآلهة، لأنه كل جزء سيكون إذا قلت أن كل جزء كامل وحده مستغنٍ وحده سيصبح هناك آلهة كثيرون أو غير متصف بها. طب لاحظ هنا يعني هذه مشكلة أحياناً بعض تفاسير المتكلمة، أنه أنت يعني بتكون عايش في إيمانيات السورة وروحانياتها بتضيع شوي مع القراءات العقلية والنقاشات الجسم والحدوث وما إلى ذلك، فلذلك بعض النقاط خلاص هي تترك للمتخصصين يتكلمون فيها.
اقرأ الآية الختامية: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. ولم يكافئه أحد، أي لم يماثله. نعم سألوه أن يصفه لهم فأوحى إليه ما يحتوي على صفاته تعالى. فقوله نعم هو الله إشارة إلى أنه خالق الأشياء وفاطرها، وفي طي ذلك وصفه؛ طبعاً أنا ما بتفق معه على هذا التفسير، قال هو الله إشارة إلى أنه خالق الأشياء، تفسير الله بالخالق هي إحدى التفاسير أيضاً اللي فيها نفس كلامي تماماً؛ الله هو المعبود، قال هو الله إشارة إلى أنه المعبود مش الخالق والفاطر، نعم هو حتى يكون معبوداً يستلزم أن يكون خالقاً وفاطراً، لكن كثير من المتكلمين يفسر الله بمعنى الخالق أو المخترع وهذا ليس تفسيراً صحيحاً. نعم قال وفي طي ذلك وصفه، الآن طبعاً إذا قلت أن الله أحد، أي واحد وغني، إذاً هذا يدل على أنه قادر عالم، لأن الخلق طبعاً يستدعي القدرة والعلم؛ نحن نقول لأن الإلهية تستدعي القدرة والعلم، لكونه واقعاً على غاية الإحكام والاتساق والانتظام، وكذلك تستلزم صفة الوحدانية والغنى، وصفته بأنه حي لأن المتصف بالقدرة والعلم لابد وأن يكون حياً. وفي ذلك أيضاً ضمنياً وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال، إذ لو لم يكن موصوفاً بها لكان موصوفاً بأضدادها وهي نقائص، وذلك لا يتلاءم مع كونه غنياً، وهذه من أمارات الحدث، أي وهذه من أمارات الحدث فيستحيل اتصاف القديم بالأضداد، أي هذه الأضداد هي من أمارات الأجسام الحادثة والله قديم فحاشى أن تكون صفاته صفات النقائص.
وقوله أحد وصف بالوحدانية ونفي للشريك، وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات والمتوحد بعلم الخفيات. وقوله الصمد وصف بأنه ليس محتاجاً إليهم، نعم وإذا لم يكن إلا محتاجاً إليه سبحانه، فهو الغني لا يحتاج إلى أحد ويحتاج كل شيء إليه. وقوله لم يلد هذا نفي للشبه والمجانسة باعتبار أن لم يلد يحتاج إلى وجود زوجة، طيب وإن كان حتى يمكن الشخص يقول لك لا لم يلد، يعني بغض النظر سواء احتاج إلى زوجة أو لم يحتاج، الولادة إلى زوجة الولادة هي بحد ذاتها دلالة افتقار. وقوله لم يولد نفي للحدوث له ووصف بالقدم والأولية له. وقوله ولم يكن له كفواً أحد نفي أن يماثله شيء. ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثيل عنه في الماضي لا يدل على نفيه في الحال، والكفار يدعون وجود المثيل في الحال، فقد تاه في غيه، لأنه إذا لم يكن له فيما مضى لم يكن له في الحال، يعني إذا لم يكن له كفء في الماضي فمن باب أولى ألا يكون له كفء في الوقت الحالي؛ إذاً الحادث لا يكون كفأً للقديم، يعني إذا كان في الأزل لم يوجد له كفء، فكل ما أتى وحصل بعد الأزل هو مخلوق حادث، والحادث لا يمكن أن يساوي القديم. وحاصل كلام الكفرة يؤول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل، والسورة تدفع الكل كما قررنا.
واستحسن سيبويه تقديم الظرف إذا كان مستقراً، أي خبراً؛ لأنه لما كان، لأنه قال ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، أخر اسم كان وقدم الخبر تمام، فيقول لماذا لم يقل ولم يكن أحد كفؤاً له؟ لماذا قال ولم يكن له كفؤاً أحد؟ يقول استحسن سيبويه تقديم الظرف إذا كان مستقراً، أي خبراً؛ لأنه لما كان محتاجاً إليه قدم ليعلم من أول الأمر أنه خبر لا فضلة، تمام؛ قدم ليعلم أنه من أول الأمر خبر، لا لم يكن أحد كفؤاً له. قدم "له" ليعلم من البداية أنها الخبر وأنها هي محطة تركيز؛ لم يكن لله. دائماً أنت تقدم الشيء الذي يكون العناية به أكبر، فقدم نفي، ولم يكن له، بعدين قال كفؤاً أحد.
أكمل قال لأن التأخير في العادة يكون مستحقاً للفضلات، وإنما قدم في الكلام الأفصح لأن الكلام سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري، وهذا المعنى مصبه ومركزه هذا الظرف فكان الأهمية تقديماً له، طبعاً هو الخبر حقيقة، ولم يكن أحد كفؤاً، كفؤاً هو الخبر بس "له" من متعلقاته.
وكان أبو عمرو يستحب الوقوف على أحد ولا يستحب الوصل، قال عبد الوارث على هذا أدركنا القراء، يقصد أحد الأولى مش أحد الثانية، يعني الأصل أنك تقول: قل هو الله أحد. الله الصمد. هكذا الأصل تقرأ السورة، وكانوا لا يستحبون أنه الإمام يكرتها كرت، قل هو الله أحد الله الصمد، لا بقول لك وقف على كل آية آية، قال عبد الوارث على هذا أدرك القراء. وإذا وصل أحد الأولى بما بعدها، فإنك تحتاج أن تنون وتكسر للتخلص من التقاء الساكنين، فتقول: قل هو الله أحدُ الله الصمد، أو على تحذف التنوين كقراءة "عزير ابن الله". طيب، وأما كفؤاً بسكون الفاء والهمزة فهذه قراءة حمزة وخلف، وكفواً مثقله غير مهموزة قراءة حفص، إحنا كيف نقرأها؟ كثير من الشباب يخطئ فيقرأها، ماذا يقراها بالتسكين؟ لا نحن نقرأها كفواً أحد، هكذا حفص كفواً بس بدون همزة وبالضم كفواً أحد. طيب والباقون مثقله مهموزة بالهمزة.
قال وفي الحديث من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن، لأن القرآن يشتمل على توحيد الله، وما معنى مثقله؟ مثقله بمعنى مضموم، هذا معنى التثقيل هنا، ما معنى التثقيل؟ التثقيل معنى الضم. الآن هناك من قرأها كفءاً بسكون الفاء والهمزة، وقرأها حفص بماذا؟ مثقله غير مهموزة، شو يعني مثقله؟ التثقيل حركة ثقيلة، فيقولون مثقله مضمومة غير مهموزة، فكيف نقراها كفواً؟ والجمهور قرأها مثقله مهموزة، يعني مضمومة مهموزة كفؤاً كفؤاً أحد، عندك إذاً ثلاث قراءات فيها: كفءاً، كفواً، كفؤاً، ثلاث قراءات وهي سورة تعد ثلث القرآن.
قال وفي الحديث من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن، لأن القرآن يشتمل على توحيد الله، وذكر صفاته، وعلى الأوامر والنواهي، وعلى القصص والمواعظ، وهذه السورة تجردت للتوحيد والصفات، فقد تضمنت ثلث القرآن، وفيه دليل شرف علم التوحيد وكيف.
لا يكون كذلك، والعلم يشرف بشرف المعلوم ويتضع بوضاعته، يعني ما الذي يقلل من قيمة العلم ويجعله وضيعًا؟ إذا كان موضوعه تافهًا، زي كثير من البودكاستات والحلقات التي تراها على اليوتيوب، ما الذي يضع منها؟ تفاهة موضوعها. نعم، ومعلوم هذا العلم هو الله وصفاته، وما يجوز وما لا يجوز؛ والمقصود في هذا العلم علم العقيدة من الله وصفاته، وهو أشرف معلوم، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله؟ اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك، والعاملين لك، الراجين لثوابك، الخائفين من عقابك، والمكرمين بلقائك.
وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقال: «قد وجبت»، فقيل يا رسول الله ما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة». وسمع رجلًا كان يقرأها في كل صلاة، أو أخبر أن رجلًا يقرأها في كل صلاة، فسألوه لماذا تقرأها؟ فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها، فقال صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله يحبه».
عليك أن تحب هذه السورة لأنها تتكلم عن صفة ربك وإلهك. كيف أنت الآن لما يكون شيء يتكلم عن والدك تشعر أنك تفتخر فيه ودائمًا تحكي فيه، وهذا والدك ممكن يكون ضربك وآذاك وعمل لك قصصًا، لكنه في النهاية تحفظ فضل الولادة. طب هذا إلهك! هذا شيء أعظم من الوالد وكل الناس أجمعين، هذا إلهك، فهذه السورة تعني لك انتماء، انتماء لهذا الإله العظيم، فعليك أن تحبها، وأن تستلذ وأنت تقرأ الأحد والصمد، وتستحضر معنى الوحدانية والصمدية في ذات الله سبحانه وتعالى.
الآن سورة الفلق والناس هي في ختام كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وسورة الفلق والناس هي سور التحصين، هذه السور المقصود منها ماذا؟ التحصين. أنت كإنسان في هذه الحياة الدنيا، وخلق الإنسان ضعيفًا، كلنا ضعاف، وشياطين الجن وأعوانهم من الإنس يكونون أقوى منك، بالتالي تحتاج أن تحصن نفسك حتى لا تضيع في مسارات الحياة، لا تضيع سواء من الخارج أو من الداخل، من داخلك لا تضيع من حيث الأفكار والمشاعر والوساوس، فالله سبحانه وتعالى بواسع كرمه وجوده أعطاك سورتين درتين من كلامه سبحانه وتعالى تحصن بهما نفسك، وكلنا نحتاج إلى التحصين.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ورد في الآثار قبل نزول سورة الفلق وسورة الناس كان يستعيذ عمومًا من الجن والإنس، حتى نزلت عليه هاتين السورتين فاستعاض عن ذلك الدعاء بالمحافظة على قراءة سور التحصين. ولذلك هذه السور هي من أهم السور التي وردت في الأذكار والآثار، أن الإنسان يقرأها عند النوم، يقرأها بعد الصلوات، يقرأها في أذكار الصباح والمساء، لأنه أنت تحتاج إلى تحصين. كثير من الناس يقول لك أنا بعاني من حسد، بعاني من عين، بعاني من سحر، بعاني من ضعف في الوساوس، الشيطان يغلبني، بيعاني من شرور من الداخل والخارج، وهذا كثيرًا ما يصاب به من ضعف تحصينه.
فأنت أيها المسلم تحتاج إلى أسلحة في هذه الحياة، وهاتان السورتان سلاحان للمؤمن الذي يريد أن يحمي نفسه وأن يقي نفسه، لأن الاستعاذة هي ما معناها الالتجاء، هذا معنى الاستعاذة، وأنت تلتجئ إلى ركن شديد، إلى الله سبحانه وتعالى: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك». فدائمًا المسلم يحتاج إلى ماذا؟ إلى ملتجأ يلتجئ إليه، فكأنك لما قرأت سورة الإخلاص فاستحضرت أن الله هو الصمد، هو المقصود في الحوائج، تذكرت حاجتك، فقلت ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
لما قرأت الصمد فذكرت أن الله هو المقصود في الحوائج، تذكرت ماذا؟ حاجتك إلى الله، وأن تفزع إليه، فجاءت الفلق والناس في مكانها الجميل في ترتيب القرآن؛ فإن الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما جل مراده وأقصى مناه هو أن تنتهي هذه الحياة بسلام وأمان. كل واحد فينا لماذا يسعى في الدنيا؟ بتلاقي حالك موظف، وبتدرس جامعة، وبتشتغل، وبتتعب، وبتحضر مجالس علم، كإنسان مسلم إنما هدفك أن تصل إلى ختام هذه الدنيا بأمان. إذا كنت تبحث عن الأمان والطمأنينة في هذه الحياة حتى تصل إلى نهاية الطريق بالنجاح، إذا أنت تحتاج أن تدخل في حصن الله سبحانه وتعالى، وهذا الحصن مفتاحه الفلق والناس.
لذلك بدأت السورة بـ«قل»، يعني الله عز وجل لا يخبرك أخبارًا بل يطلب منك طلبًا، يا أيها المسلم ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، بدك تحكيها، وهذا من عظيم بركة الله سبحانه وتعالى أن سخر لنا كلمات وآيات مباركات يكون لها دواء وتأثير في حياتنا. يعني أنت حتى تتحصن أنت ما بتروح على الصيدلية هون بتاخذ منها كبسولات أو أدوية، التحصين يتم من خلال الكلام إذا خرج من قلبك، شوف هذه الأدوية الشرعية، كلمات ربنا بعطيك إياها واظب عليها بإيمان ويقين، تحصل على التحصين، فهذه الأدوية الشرعية التي ينبغي للإنسان المسلم ألا يهجرها ولا يقصر في أدائها.
سورة الفلق لماذا تختلف عن سورة الناس؟ سورة الفلق هي استعاذة والتجاء إلى الله من الشرور الخارجية التي تأتي من الآخرين، وسورة الناس استعاذة من الشرور الداخلية التي تكون من داخلك باطنك، الوسواس الخناس. فهذه الفرق بين السورتين من حيث كلاهما استعاذة والتجاء، لكن الإنسان كما قلنا هو محاط بمجموعة من الشرور من داخل نفسه ومن خارج نفسه، تأتي سورة الفلق لتتحدث لك عن القسم الأول، عن الاستعاذة من الشرور الخارجية.
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، اقرأ السورة ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. بدأت السورة بالاستعاذة برب الفلق، ولماذا اختيرت رب الفلق هنا؟ الفلق ما هو إخواني؟ الإشراق، الفلق هي لحظة الشروق، لحظة الضحى، لحظة الإصباح، فلماذا اختيرت الاستعاذة برب الفلق؟ دائما ما هو اختيارات القرآن، اختيارات رب، يعني إله تكلم بهذا الكلام، فلا بد أنه تكون كل كلمة أطرح حولها سؤال؛ لماذا اختيرت هذه المفردة دون غيرها؟ لماذا ما قال قل أعوذ برب الشمس؟ لماذا ما قال قل أعوذ برب الليل؟ لماذا ما هو رب كل شيء؟
لماذا اختير الفلق؟ الفلق يعطيك إشارة، هي فكرة الأمل، الفلق بيعطيك أمل، الصباح هو دائمًا والصبح إذا تنفس، الصبح هو عادة في لسان العرب، خاصة فترة الفلق التي هي فترة، بتعرف الفلق، انفلاق الحبة، انفلاق الشيء هو لحظة، الله فالق الحب والنوى، هي كلها مفردات متقاربة ومن نفس المادة الجذرية، فلق الشيء، الفلق هو انبعاثة جديدة، بتكون أنت في هموم وغموم الليل والشر الذي محيط بك من كل مكان، تأتي هذه السورة لتعطيك أملًا جديدًا في الحياة. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وهذا يعطيك تفاؤلًا، شعورًا أنه ما من كرب، وما من هم، وما من سحر، وما من حسد، وما من عين، وما من مرض، وما من شر أحيط بك في الحياة، إلا وهناك إله رب قادر على أن يزيله كما أزال الليل بمجيء الفلق، كما أزال الليل بمجيء الفلق.
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، فاختيار كلمة الفلق هنا مركزية ومحورية لاستحضار الإنسان أن الله سبحانه قادر على أن يزيل ما أحاط به من الهموم والغموم والآلام. طيب، من ماذا تستعيذ؟ الآن سيبدأ ذكر الأشياء التي يستعاذ منها، فقال أولًا ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فكانت استعاذة جملية من شر كل مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى ويمكن أن يؤذيني، سواء كان هذا المخلوق حيوانًا ولا نباتًا ولا إنسانًا ولا جمادًا يسقط علي، بغض النظر، فهذه استعاذة عامة من شرور كل المخلوقات، ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، شوف ما، لا تعطيك عمومًا هنا، أي مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك دخلنا في شيء من التخصيص، فذكر شرورًا معينة اختصت بالذكر، لأنه هذا من باب عطف الخاص على العام، كأنها من أشد الشرور الخارجية تأثيرًا على الإنسان، خص منها ما يلي: قال ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، الغاسق هو الليل، وإذا وقب أي إذا حل ونزل بظلامه وثقله، وليلاً كموج البحر أرخى سدوله، علي بأنواع الهموم ليبتلي، فالليل دائمًا هو من الأشياء التي يحتاج أن يستعاذ من شرها، لكن هناك عصف ذهني: لماذا نحتاج أن نستعيذ من شر الليل إذا دخل ونزل بعتمته؟ إيش مشكلتنا مع الليل نحن يا جماعة؟ وأنت بتستعيذ من شر الليل إذا نزل، إيش مشكلة الإنسان مع الليل؟ الظلام.
الآن الليل إذا أردت أن تحملها بالمعنى المجازي فالظل ظلمة دائمًا تحمل معها شر، لذلك الله دائمًا يقول ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، فالظلام بالمعنى المجازي هو يحمل ظلمات الجهل، ظلمات الشبهات، الفساد الأخلاقي السلوكي، الشهوات، كلها ظلمات، فأنت تستعيذ بالله من حلولها على البشرية، ومن حلولها على حياتك أنت بالتحديد، إذا حملت الليل إذا وقب على معنى مجازي، وأنا أحب هذه الطريقة في استنطاق القرآن، أنه الليل إذا وقب هو ليس فقط الليل الحسي وإن كان مرادًا، لكن أيضًا الليل المجازي بمعنى الظلمات التي تحمل في طياتها الشهوات والشبهات والفتن والفساد الذي يعم على البلاد والعباد والأفراد، فأنت تستعيذ بالله من حلول الفتن، تستعيذ بالله من حلول الشبهات على قلبك، تستعيذ بالله من الشهوات التي تحيط بك من الفتن في العمل في الجامعة في السوق في الطريق، تستعيذ بالله إذا حلت الشبهات وادلهمت وأحاطت، تستعيذ بالله منها وتطلب من الله أن يدفعها عنك، هذا معنى عظيم من معاني ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وهو جنوح إلى المعنى المجازي لليل والظلمات.
صحيح، الآن إذا بدنا نأتي إلى الليل بمعناها الحقيقي، فالليل في داخله كثير من الشرور تحاك، لذلك الله عز وجل لما وصف مكر ثمود، إيش قال؟ بل مكر الليل، المهم المراد أن الليل حتى في لسان العرب هو عادة كما قال أخونا مكان الكيد، لأن الليل خفي، الليل يعني خفاء، وبالتالي الشغل في الخفاء يكون للفاسدين أكثر، الفاسدون ينتشرون بماذا؟ في الليل، دور البغاء متى تفتح؟ في الليل، العاهرات متى يخرجن؟ في الليل، الفواسقات متى ينتشرن ليعملن والزنا في الليل، أصحاب الظلم والفساد يشتغلون في الليل، فالليل هو أيضًا موطن ووكر للفاسدين، للفاسقين، للعصاة. الناس في النهار ما بتجدها في المقاهي وفي الأماكن، هذا متى تحلو لها السهرات والجلسات والأغاني والمطربات؟ في الليل.
فالليل إذا نزل الإنسان عمومًا يجنح في الليل إلى عدم العمل في العادة، يجنح في الليل إلى الراحة والطمأنينة، وهذه الراحة مخيفة، لأنه إذا الناس غير الملتزمة غير المنضبطة تكون راحتها تذهب تستريح في المعاصي، في الذنوب، في المقاهي، في الجلسات الخاصة، في الغيبة، في النميمة، فأنت تجد أن الليل فعلًا يعم الناس فيه المعاصي إذا لم يكن معمورًا بالنوم المبكر أو طلب العلم النافع والقيام لساعات الليل، فيكون مصدرًا للشرور. كثير من الشباب متى تأتيه المعاصي؟ في الليل، في الخلوات، بتلاقيه خلص شغل نهار وخلص جامعة وكذا، راح على البيت خلص شغله، مسك تليفون وجلس في غرفة ظلام وكذا، وفتح وبلشت مصايب.
فالليل إذا وقب هذه عظيمة في حياة الإنسان، لأنه في الليل وقد يكون هناك تأثير للشيطان في الليل أكثر من النهار، أقول قد الله أعلم قد يكون تأثيره وجنوده يتحركون في الليل أكثر من النهار، وإن كانوا يتحركون ليلًا ونهارًا، فالليل إذًا سواء بمعناه الحقيقي أو بمعناه المجازي هو يضفي نوعًا من الظلام على حياة الإنسان، والتخوف كيف يملأ الإنسان العتمات؟ لأنه في العتمات أنت تستطيع أن تتخبأ فتفعل ما تشتهي وما تريد، فالإنسان يستعيذ بالله من هذا الليل إذا وقب، إذا حل ونزل وعم العالم، ماذا يمكن أن يخبأ في داخله من الشرور الحسية والمعنوية؟
ثم قال ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، بعض الناس قد يتوقع أن السورة لما بدها تحذرك من أعظم أشكال الشر بدك تتوقع ﴿وَمِن شَرِّ الكفار الذين يحاربون الإسلام والمشاريع الاستعمارية﴾ وكذا، يعني ليه رحنا على موضوع الحسد والسحر يا شيخ؟ النفاثات في العقد السحرة وحاسد إذا حسد، الحسد هو كان متوقع أنه الآن ربنا سبحانه وتعالى بده يعطيني أعظم أشكال الشر المؤثرة على حياتي، فمتوقع أنه رح تيجي كلام عن الكفار ومن شر الكفار المحاربين ومعارك الأمة، فيجد أن السورة لا تنحو منحًا آخر هو قد لا يكون متوقعه، إذا بالسورة تتكلم له عن السحر والحسد.
يعني معقول يا شيخ هذان الأمران هما من أكثر الأمور المؤثرة على حياة الأفراد؟ نعم، هم أعظم تأثيرًا وشرًا لحياتك من وجود الكفار في الخارج، يعني أعظم المؤثرات الخارجية عليك هسه، الكفار هم من الأشرار لكن هم داخلين تحت عموم ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، يعني الكفار ومشاريعهم وخططهم داخلين تحت ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، ويدخلون تحت ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ إذا قلنا بمعنى الظلمات التي يحيكونها والكيد الذي يأتون به، لكن هنا السورة.
تأخذك إلى بعد آخر، أنه كل إنسان فينا يحتاج أن يقي نفسه من السحر والحسد؛ لأن هذه على مستوى الأفراد هي من أكثر الأمور المفسدة لحياة الناس قديماً وحديثاً، سواء عرفت أنك مسحور أو محسود أو لم تعرف. لأن الطبائع البشرية تقوم على التنافس في هذه الحياة؛ والطبائع البشرية تقوم على ماذا؟ التنافس. وإن الإنسان كما يقول ابن تيمية بطبعه لا يحب أن يشعر بتفوق غيره عليه، الإنسان لا يحب أن يشعر بتفوق غيره عليه، سواء في الأمور المادية، في الأمور النفسية، في الأمور المعنوية، في المقامات، في أي شيء. ولذلك تجد الإنسان ما دام شعر أنه في إنسان متفوق عليه، نفسيته في التعامل معه إذا لم يكن هناك احترام لمعروف فاعله أو شيء يقدمه، يبقى شعور الحقد الدفين أو التنافس أو عدم الرغبة في الدخول مع هذا الشخص، لأنه خلاص الإنسان لا يحب شعور أن هناك من هو أعلى مني، أن هناك من هو متقدم علي.
طبعاً يأتي الإسلام ليهذب هذا الشعور، يأتي الإسلام ليعلمك أن تؤمن بقدر الله النافذ، وأن الأرزاق مقسمة، ويعطيك الإسلام كلاماً طويلاً في فهم هذه الأمور، لكن في النهاية يفشل كثير من الناس في تحقيق معاني الإيمان، فيبقى السحر والحسد هو الخيار المتاح بين أيديهم. الآن السحر بالتأكيد أشد إضراراً من الحسد، لأن السحر يعقد الحياة تماماً على الشخص المسحور، للأسف السحر قاتل، سحر مدمر. السحر كم أفسد من أسر وكم أحاط بالناس، وهذه الثقافة تنتشر في كثير من المجتمعات، ربما أنت في حياتك لأنك في بيئة متدينة نوعاً ما والناس من حولك متدينون ما بتشعر بهذا، بس إذا جاء واحد فقط من الناس في زملاء العمل أو الجامعة أو شيء وبينك وبينه موقف واختار أنه يذهب إلى ساحر ويسحرك، تعرف هذه المعاناة كم هي قاتلة. واسمع من الناس الذين ابتلوا بالسحر وأصيبوا به كيف أن السحر دمر حياتهم ودمر الأسر وفككها بشكل مرعب، يفعل ما لا تفعله المؤسسات الكبرى، تمام؟ إنه هذولك فينا بشر، لكن السحر له تأثير آخر مختلف، تدخل فيه عوالم أخرى من الجن والشياطين التي أقوى من البشر في تأثيرها على حياة الناس.
كثير من الناس نعرفهم، زواج لم تتزوج البنات والشباب، الخلافات لم تنتهِ من البيوت، الأرزاق أغلقت تماماً في وجوههم، تدمرت حياته تماماً بسبب السحر. مشكلة السحر أنك بتتعامل مع عالم مش عالم تعرف تتفاوض معه؛ يعني أنت مش العدو الكافر في النهاية بتقدر تقعد معه على طاولة مفاوضات وتلتقي مصالح ويحل عنك شوية، لكن شو بدك تتفاهم مع السحرة؟ لما يؤثر، مع مين بدك تقعد؟ مع مين بدك تحاور؟ عالم جن وعالم شياطين وعالم، فهو شيء متعب منهك، لا ملجأ لك إلا إلى الله سبحانه وتعالى، ما في حل إلا أن تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى. فأنت في أشد الحاجة إلى أن تتحصن بالله منه، كما قلت لك البشر حتى ولو كانوا أشراراً يمكن أن تتفاهم معهم على حلول، يمكن ترضيهم بأموال بشيء ويحل عنك ويروح، لكن هذا عالم الجن وعالم الشياطين الذين يستعملون في السحر التعامل معه معقد جداً، وبالتالي أنت في قمة الاحتياج هنا إلى أن تسند ظهرك إلى الله سبحانه وتعالى.
فأمرك الله أن تستعيذ من شر النفاثات، والنفاثات إما هن النساء اللواتي ينفثن في العقد، ولماذا خص النساء ولم يقل والنفاثين؟ لأنه عادة أو أكثر السحر ينتشر في النساء، بتروح كثير على القرى بتلاقي الحجّات هم اللي بتلاقي الحجة خلاص كبرت وعاشت وهي ساحرة والعياذ بالله، فيكثر فيهن، فلذلك خصهن. وقال البعض: لا، النفاثات ليس وصفاً للنساء وإنما وصف للأنفس الخبيثة، يعني ومن شر الأنفس الخبيثة النفاثات، لأن الساحر أو الساحرة عندما ينفث يحتاج إلى نفس خبيثة نتنة، هي التي تنفث ليحصل السحر، فأمرك أن تستعيذ من شر النفوس النفاثات وهذه تصدق على نفوس الرجال ونفوس النساء، أو قصد بالنفاثات جماعات السحرة عموماً، والجماعات هنا قد تكون من الذكور أو من النساء، ولأن أبرز أشكال السحر هو النفس في العقد؛ حيث يأخذون من آثار الإنسان، يأتون إلى الإنسان الذي يريدون سحره، يأخذون من آثاره، خذ من شعرك، ممكن يأخذ من نواة التمر اللي أكلتها أو بذرة الزيتون اللي أكلتها، نعم ممكن يأخذ من أظفارك، من أي مكان بيحاول يأخذ أثر من آثارك، ويعمل عليها عقدة الساحر، وينفث فيها مع النفس الخبيثة ومساعدة الجن له والشياطين، ويضعها في مكان، بتتعقد عليك الأمور، وهي نفاثات في العقد، هي العقد هي اللي بتعقد الأمور في حياتك. ما هي اسمها عقد، تعمل لك عقدة، بتجد أن هناك شيئاً في حياتك تعسّر أو توقف، ولا ملجأ إلا إلى الله سبحانه وتعالى، لذلك الساحر إذا قتل الإنسان أو فعل ما هو كفر في الإسلام يقتل؛ لأنه الساحر مجرم، الساحر يدمر حياة الناس، فشرّه في الإسلام مستطير.
ثم ختم بماذا؟ قال: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]. وهذا وإن كان ضرره أقل من السحر في العادة لكنه أكثر انتشاراً، أكثر انتشاراً لأنه اللي بتسحر قلة بس الحسد موجود في كل البيئات، حتى في بيئات المتدينة، حتى بين طلاب العلم، حتى بين العاملين للإسلام والمسلمين، حتى الكلام الأقران بين العلماء، كما قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، الحسد موجود وبكثرة، ولذلك شوف التعبير القرآني العالي، ماذا قال؟ ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، لماذا قال: ومن شر حاسد إذا صدر منه الحسد؟ ليش لم يقل ومن شر نفس إذا حسدت؟ لماذا قال: ومن شر حاسد إذا حسد؟ أحسنت، أن الحسد هو طبع في النفوس، يعني كيف تقول الله عز وجل وصف الضعف البشري، فقال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: 19]، في هناك صفات نقص في الإنسان، الهلع، الجزع، الحرص، الشح، يأتي الإسلام ليهذبها وينقيها وليعلمك كيف تتخلص منها من خلال نصوص الكتاب والسنة، من صفات الإنسان اللي تكون شبه لازمة معه، عندما يخرج الحسد هذه موجودة فينا، يعني ما تيجي أنت تتصور نفسك أنه لا، هذا أكيد، لا، دعك من هي المثالية، الحسد موجود فينا من باب كما قلت أن الإنسان لا يحب أن يشعر أن الآخرين أعلى منه.
مين اللي يعالج هذا النقص في الإنسان؟ الوحي، الوحي الإلهي، وأخذك لمادة وقراءة الوحي بتركيز وفهم، والعقيدة الصحيحة تعلمك كيف تعالج هذه الطبيعة، كيف أن الإنسان خلق هلوعاً، ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: 20-22]. فلعلمك أن الصلاة والدين هو الذي ينقي هذه الصفة الفاسدة، فكذلك الحسد، الحسد موجود إما أن تعالجه في شخصيتك وتهذبه، وإما أن يكبر هذا في حياتك إلى أن تصبح إنساناً حسوداً، لا تقدم نعمة الله على أحد ودائماً ترتقب زوالها. وهنا نلاحظ، حتى نأخذ سيء الحسد في تاريخ الإنسانية، الحسد شو فعل في البشرية جميعاً؟ أول جريمة حصلت في الجنة أن إبليس حسد آدم، يعني أول كفر في الأرض إبليس حسد آدم، بلش من الحسد. وأول جريمة دم في الأرض قصة قابيل وهابيل، حسدوا بعض، أخوين بيعيشوا مع أب وأبوهم من الأنبياء، أخوين حسدوا بعض مع أنهم كانوا بيتنافسوا في التقرب إلى الله، يعني ما تقولي بيقتل الشيوخ وبيقتل المتدينين، أخوين بتنافسوا في التقرب إلى الله بس واحد حسد الآخر فقتله، يعني ما كانوا يتنافسوا على دنيا، لا كانوا بتنافسوا في بيئة دينية وقتلوا بعض أو أحدهما قتل الآخر، إذاً الحسد سبب أول كفر في الأرض، الحسد سبب أول دم في الأرض، ثم بدأ الجرائم تنتشر سواء الجرائم الدينية أو الجرائم الجسدية، إذاً كانت الجرائم الدينية أول أساس لها الحسد، وأول جريمة دموية بدنية الأساس لها الحسد، إذاً لا تقول لي والله الحسد ما بيأثر، الحسد من أكبر المؤثرين على حياة الناس سواء أنت شعرت أنك محسود أو لا.
بس أنا هون بدي أنبه على القضية اللي أنا بنبه عليها، أنه أنا ما بنصح دوماً تعلق إخفاقك على الحسد، أنه كثير من الشباب بتلاقيه الله يجزاه خير مش دارس في الجامعة ونايم طول الوقت في الدار ورسب في الامتحان، يا شيخ انحسدت، تمام ما انحسدت وأنت سامحني ما درست، يعني ما تعلق كل فشل لا، في أنت ما أخذت الأسباب فشيء طبيعي أنك تفشل. كثير من تأتي الأم والله ابني ما شاء الله عليه ومحترم وكذا بس والله يا شيخ الحسد بيحسدوه الناس، وابنها فاشل ونايم ولا بيدرس ولا بيقرأ وآخر شيء بتقول لك حسدوه الناس، ولا حسدوه يا حجة ولا شيء، ابنك فاشل لا قاري ولا دارس ولا بده يتعلم بده يصير إنسان فاهم. فكثير من الناس يعلق فشله وعدم أخذه بالأسباب على إيش؟ محسود، وبيحب يشعر أنه في شماعة يعلق عليها الفشل، لا تخلي الحسد هو الشماعة اللي بتعلق عليها كسلك، طول نومك، عدم إنجازك في الحياة، لا أكثر.
يعني كثير من الناس هو سبب أنه ما يأخذ بالأسباب الصحيحة المطلوبة ولا يعالج نفسه المعالجات، عشان هيك هو فاشل مش لأنه محسود، تمام؟ الفكرة، لكن في الجهة المقابلة التقليل من شأن الحسد برضه خطأ، يعني المبالغة في شعورك أنه كل شيء في حياتك حسد غلط، لكن أيضاً إغفال هذا الجانب غلط، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود». بدك تفهمها، فإن كل ذي نعمة الإنسان دائماً يا إخواني إذا تكلمت بنعمة الله عليك فأجمل، وأما بنعمة ربك فحدّث، ماشي، بس أجمل، يعني لا تدخل في تفاصيل راتبك الشهري مع الناس، هذا مش من تحديث نعمة ربنا عليك، قل الحمد لله والله مستورة، والله الحمد لله ربنا كرم، خلص، يعني هذا من تعداد نعمة بدون أنه أنا بدخل جيبي كذا من ألف أو أنا عندي شركات في كذا والحمد لله حاصل على كذا، أجمل في التحديث لأن كل ذي نعمة محسود.
الناس تنظر دائماً إلى ما عندك، إلى العطاء، إلى الرزق، إلى الجاه، إلى الطمأنينة، وخاصة الإنسان إذا كان يعيش في بيئة يكثر فيها البلاء، فإنه بطبيعة الناس المبتلاة إذا قلّ دينها ستنظر إلى الإنسان المطمئن الآمن اللي ربنا موسع عليه بنوع من التنافس. الديانة يا إخواني قليلة، وكلما اتسع الزمان واتسع الفساد قلت الديانة، يعني أنت هذه الآيات نزلت على المجتمع المدني وهم في قمة الديانة، المجتمع اليوم مليء بالتشوهات النفسية والدينية، فلا تتوقع، لا تأخذ الناس بحسن الهيك، لا، الناس إن شاء الله منيحة، الناس فيها خير إن شاء الله، بس لا تكون مغفلاً وساذجاً وتتعامل مع هذه الأمور ببساطة. اقرأ سورة الفلق والناس حتى ما توسوس، اقرأ سورة الفلق والناس بدك تحصن نفسك لما، ليش في من أذكار الصباح والمساء؟ في الصباح تطلع قبل ما تطلع على الجامعة أو على الشغل أو على العمل، بدك تحصين لأني ما بعرف كل واحد شو بيعاني من مشاكل، وكل واحد شو بيته، كل البيوت الله يعلم أسرارها كيف يمكن ينظر إلي، ينظر إلى شكلي، ينظر إلى دراستي، ينظر إلى علامتي، بدك تحصن نفسك. لذلك قالوا إن الحسد يدخل الرجل القبر، أحياناً بعض الأمراض المزمنة وهذا ربما قلت لكم بعض الإخوة اللي بيشتغل في الرقية يقول لي أمراض سرطان هي كانت فقط حسد، سرطان عالجها هو بيقول لي عالجتها وهو كانت حسد، يعني حتى تعرف أن الحسد يسبب كثيراً من الأمراض البدنية، يسبب كثيراً من الأمراض النفسية والاكتئاب وشعور العزلة وهكذا، يسبب كثيراً من الخلاف بين الزوجات والأزواج، يسبب كثيراً من الفشل في الدراسة والأعمال والحياة، والحسد كما قلت لك هو أكثر انتشاراً من السحر، صح السحر أعقد شوي بس الحسد هو أكثر انتشاراً، لأنه مش بحاجة يعني الإنسان اللي عنده دين ما بيروح على ساحر، صح؟
بس ممكن يحسد، هسا بيقول لك اذهب لساحر كفر، بس يستقل موضوع الحسد ويتخفف منه وبالتالي تكون عينه فارغة، وحمد الله ليس على لسانه، وإذا رأى شيئاً لم يقل اللهم بارك، فهذه الإشكاليات المنتشرة في الأوساط حتى المتدينة ولا غير المتدينة تسبب عوائق في الحياة وحواجز تمنعك من الإنجاز. كم من إنسان كان يطمح لهذه الأمة حسد، فمنع خيره عن الناس، كم من إنسان كان بإمكانه يكون رجل ناجح في الأعمال أو الإدارة أو شيء، حسد فاضطربت حياته تماماً، فهنا أنت تحتاج إلى معونة.
الحسد يا إخواني لا يتعالج لا بكبسولة ولا بأدوية، هي لا تتعالج بالأدوية الشرعية، الحسد حسد. لذلك الأمراض البدنية تذهب فيها إلى طبيب يمكن التفاهم على كثير منها، لكن الأمراض القلبية التي أسبابها غير مفهومة وواضحة بالنسبة لنا، كيف تأثيرها؟ أنت تحتاج فيها إلى القرآن، وليس غير القرآن يعينك بعد الله سبحانه وتعالى، تمام؟ تفضل.
نعم، هناك علامات يعني في أهل الخبرة تظهر على الشخص، يعني من أبرز العلامات المعنوية أنه إذا كان الشخص دائماً يأخذ بالأسباب وأموره جيدة وتتعسر الأمور بشكل غير مفهوم، ها مش لأنه نايم في الدار وكسول وبيدرس، لا، هو ماخذ بكل الأسباب والمفروض في الوضع العادي والطبيعي أنه تولد.
لما يشعر المرء أن الأمور ماشية بشكل صحيح، ثم يتم تعسرها بشكل غير مفهوم بالنسبة له، مع أنه في العادة الناس كلها هذه الأمور تنتج معهم، وهو بالنسبة له دائماً مغلقة، ليس لفشل أو كسل أو نوم، بل هو آخذ بالأسباب ومع ذلك تتعسر الأمور بشكل مستمر بدون وجود شيء مفهوم؛ فهذه أمارة من أمارات الحسد. لا أقول أكيد، لكن أقول أمارة من الأمارات. أحياناً العرق المستمر، يقولون مثلاً إخواننا الذين يعملون، العرق المستمر بشكل كبير، أرجع أقول بشكل غير مفهوم، يعني الإنسان إذا كان سميناً جداً، العرق سيكون شيئاً طبيعياً عندما يبذل أي مجهود. لكن شاب وضعه الصحي تمام، ومع ذلك يعرق بشكل غريب، ويكثر منه الشعور بالهزل والتعب مع أنه عمل فحوصات طبية لكل الفيتامينات من دال لـ "بي 12"، وخلص كل الأمور، ولكن هناك شيء من الضعف المستمر في البدن غير المفهوم وغير الواضح. فهنا تبلش أنت تجمع نقاطاً حتى تصل لقناعة: هل فعلاً الشيء غريب، أم الشيء ناتج عن أن أكله غير صحي؟ إذا كان أكله غير صحي فمن الطبيعي أن يتدمر، لا تقل لي أنا محسود، بل طبيعي أكلك غلط، عدل أكلك تصبح إنساناً طبيعياً.
لذلك قلت لكم البعض يكبر الشماعات، والبعض يستهين، فأنا مع الوسط، لا مع الاستهانة لأنه فعلاً موجود وقوي، خاصة إذا كنت تعرف نفسك صاحب نجاحات. يعني واحد يرى نفسه فاشلاً في كل شيء، لا يتفكر أنه محسود في العادة، لأنه لا يوجد شيء تنحسد عليه يا سيدي. لكن إذا عندك نجاحات أو أشياء فعلاً كمال أو دنيا، أو شيء ربنا أعطاك إياه أو علم أو ما شابه ذلك، فمظنة أن تكون محسوداً هي مجموعة من النقاط. لكن هل يوجد شيء يقيني؟ يصعب أن أقول لك إنه في علامة يقينية مئة في المئة.
ليس شرطاً؛ قد يبقى معك إلى الموت وقد يؤدي إلى الموت أصلاً. هو قد يكون سبب الموت، وقد يسبب أمراضاً مزمنة وأحوالاً تؤدي بك إلى الموت، فيجب أن تعالج آثاره بالرقية الشرعية. لكن عموماً قبل ما تدخل في هذا الباب، الوقاية خير من العلاج. طيب يا شيخ، لو قرأت الفلق والناس وانحسدت، ما أنت هكذا تقول سورة الفلق تحصن؟ ما هو أولاً: هل قرأتها كما ينبغي أن تقرأ، ولا تقرأها وأنت بس هيك على اللسان؟ لأنه هناك شروط للقراءة المنتجة، مش مجرد قراءة الفلق دون فهم أو استحضار. كذلك إذا تخففت من المعاصي والذنوب يكون تأثير القرآن في حياتك أكثر. يعني إنسان عاصٍ ومذنب كثيراً وعنده إدمانات ويقرأ القرآن، إن شاء الله القرآن يساعدك على العلاج، بس أكيد مفعوله ليس مفعول الإنسان الذي يتحرز من المعاصي والذنوب؛ هذا يكون قبول المحل، كما يسمي ابن القيم، لقبول القرآن أكثر وأكثر.
نختم بسورة الناس حتى لا نطيل عليكم، سورة الناس أيها الكرام، طبعاً اقرأ السورة واقرأ التفسير، حتى تقرأ الفلق اقرأ التفسير. "قل أعوذ برب الفلق" أي الصبح، أو الخلق، أو هو وادٍ في جهنم، أو جُبٌّ فيها. البعض قال الفلق هو جُب في جهنم، لكن المشهور أنه الصبح. ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ أي النار أو الشيطان، و"ما" موصوله والعائد محذوف، أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق. وقرأ أبو حنيفة رحمه الله "مِن شَرِّ مَا خَلَقَ" بالتنوين، وما على ذلك أبو حنيفة فيما ينسب إليه رحمه الله أنه قرأها من شر ما خلق، وتكون هنا ما خلق بالتالي مصدراً مؤولاً، أي من شر ما هو هذا الشر خلقه، أي مخلوقاته. فيعني هذه قراءة له، لكن لا أعلم أنها متواترة. ومع الفعل على هذا أي على قراءة أبي حنيفة، مع الفعل بتأويل مصدر، التقدير: من شر ما تفسيره هذا الشر خلقه، هو المصدر المؤول بتأويل المصدر في موضع الجر، بدل من شر، أي من شر خلقه، أي من شر خلقه، هكذا تقرأ. أي من شر، ثم فسر الشر بالبدل: خلقه، أي من خلق شر، فالبدل ترجع تضع البدل مكان المبدل منه، تصبح تقديرها على قراءة أبي حنيفة: من خلق شر، لأنه قال: من شر خلق رجعها إلى أصلها: من خلق شرير، أو "ما" زائدة، أو على هذه القراءة تقول إن "ما" زائدة: من شر خلقه، تمام، وكانها مرتبطة بها، وما تعتبر زائدة؛ هذه إحدى الاحتمالات على قراءة أبي حنيفة.
﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الغاسق الليل إذا كثف ظلامه، ووقوبه دخوله في ظلامه في كل شيء. وعن عائشة رضي الله عنها، أخذ رسول الله ﷺ بيده فأشار إلى القمر فقال: «تعوذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب». ووقوبه دخوله في الكسوف وسواده، هذا قول آخر أن الغاسق هو القمر، والمعنى: من شر القمر إذا غاب، وغيابه يكون بماذا؟ في آخر الشهر لما يصبح محاقاً، أو بالكسوف والخسوف.
﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النفاثات النساء أو النفوس أو الجماعات، السواحر التي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ويرقين، والنفث النفخ مع ريق، وهو دليل على بطلان قول المعتزلة في إنكار تحقق السحر. النفث هو في اللغة العربية نفخ مع خروج شيء من الريق والبصاق على الشيء المنفوث عليه. وهو دليل طبعاً هذه الآية كلها دليل على بطلان قول المعتزلة في إنكار السحر، المعتزلة والمدارس العقلانية اليوم يسمونها العقلانية وهي ليست عقلانية، ينكرون السحر وحقيقته، يقولون السحر هذا لا وجود له حقيقي، هي لخبطات في الهرمونات أو أمور عصبية، يتوهم الإنسان أنه مسحور، وهذا كذب، بل السحر شيء قدر الله أن يوجد في هذا البشر ليبتليهم به.
﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ أي أظهر حسده وعمل بمقتضاه، لذلك قال: ومن شر حاسد، أي كل نفس حاسدة إذا حسدت، إذا أظهرت الحسد. فالله سبحانه وتعالى ما خلق من شر نفس إذا حسدت، لا، جعل كل نفس حاسدة في أصلها، فأنت لا تستعيذ من شر النفس الحاسدة، أنت تستعيذ منها في لحظة ماذا؟ حسدها، بروز الحسد منها، لأنه أنت نفسك ممكن تكون حاسداً أصلاً، بس أنت تستعيذ من شر لحظة ظهور الحسد إذا حسد، أما وهو مش حاسد وكافيك شره يعني مش عايز أستعيذ منه. والاستعاذة من شر هذه الأشياء بعد الاستعاذة من شر ما خلق، إشعار بأن شر هؤلاء الأشياء المذكورات بالتحديد أشد من غيرهن. وختم بالحسد ليعلم أنه شر الأشياء. هل الحسد أكثر شراً من السحر؟ قد يكون أكثر شراً، مش من جهة أثره، من جهة شدة انتشاره وكثرة الدوائر التي يمكن أن تدخل فيه، قال: وهو أول ذنب عُصي الله به في السماء من قبل إبليس، وأول ذنب في الأرض من قبل قابيل لما قتل أخاه هابيل.
وإنما عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؛ لأن كل نفاثة شريرة، فلذا عرفت النفاثات، ونكر غاسق؛ لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض. لماذا قال ومن شر النفاثات ولم يقل ومن شر الغاسق؟ الآن ومن شر غاسق، غاسق الليل نكره باعتبار قال إنه النكرة تدل هنا على الإطلاق، فليس كل الليل فيه شر، بل بعضه فيه شر وبعضه لا شر فيه؛ فليل القائم، ليل طالب العلم لا شر فيه، وإنما ليل الشر هو ليل العاصي، ليل الفاسد، وهذه لفتة جميلة. بخلاف النفاثات عرفها لتفيد العموم، أن كل ساحرة شريرة، فما في ساحرات جيدات وساحرات غير جيدات، زي الليل، لا. وكذلك كل حاسد قال: ومن شر حاسد، وكذلك كل حاسد لا يضر، لأنه ليس كل حاسد يبرز حسده، فلذلك قال: ومن شر حاسد، لأنه ليس كل حاسد سيبرز حسده، فلذلك نكره، قال: ورب حسد يكون محموداً كالحسد في الخيرات، وهذا الذي يسمى الغبطة.
نختم بسورة الناس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾، شوف حجم الاستعاذة هنا الطويلة، وهذا يدل على أن القادم هو أكثر شيء متعب، متعب أكثر من الشر الخارجي ولذلك احتاج إلى طول في الدعاء. أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس؛ هذا الطول يعطيك مؤشر على صعوبة الشيء الذي تريد أن يعيذك الله منه، ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
سورة الناس أيها الكرام هي الاستعاذة من الشيطان الأكبر كما يقولون، والعدو الأبرز في حياة كل شخص منا هو الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]، هكذا أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى. كل شخص منا له عدو من الشياطين، وشياطين الإنس وشياطين الجن، لكن أساسها شياطين الجن، وأما شياطين الإنس فهي تبع لشياطين الجن. أكثر شيء يهدد حياتك ويحرمك من الخير والنجاة ويحرمك من الوصول إلى الله سبحانه وتعالى هو الشيطان، لذلك آية الحسد والسحر التي مرت معنا وكل أذى يمكن تصابه في الحياة الدنيا خارجي، له نهاية، يعني مش شرط أن يفسدك، ممكن أنت تحسد وتموت بسبب الحسد بس أنت صالح، يمكن تسحر والسحر يعقد حياتك بس تبقى صالح. مشكلة الشيطان أنه ما بيشتغل إلا على الأشياء التي تدمر الإيمان؛ فهو الشيطان مش هدفه بس أنك تمرض من أجل أن تمرض، لا، هو هدفه أن يفسد إيمانك، حتى لو يكون سبباً في مرض، هو حتى يستهدف الإيمان، فهذه مشكلة الشيطان التي تجعل خطره أعظم، والحاجة إلى الاستعاذة منه ومن مكره أكبر، وهو أنه يشتغل على المشاعر الداخلية، يشتغل على عمق قلبك. الساحر بيشتغل على بدنك، والحاسد بيشتغل على مالك، على رزقك، على حياتك، بس الشيطان بيشتغل على وين؟ على العمق، يشتغل على هذا القلب، فلذلك هو العدو الأخطر في ضمن كل هذه المعادلات.
لذلك كانت الاستعاذة كبيرة واحتاجت إلى افتقار وتذلل أكبر لله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ تفتقر إلى الله بربوبيته، ثم تفتقر إلى الله بملكوته، ثم تفتقر إلى الله بإلهيته، وأنك عبد بعد كل هذا تقول ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، أنه يا رب قني من هذا الوسواس الخناس. والشيطان إخواني قوي جداً، وصاحب خبرة طويلة المدى، وصاحب إمكانيات عالية وهائلة، يعني أصلاً الشيطان منه تفرع الحسد، منه تفرع السحر، منه تفرع كل الشر الخارجي، هذه الأشياء من أين تفرعت؟ من الشيطان، هو الذي يعين على وجوده، فما بالك يعني تخيل أن السحر والحسد هو فقط أحد المنتجات الشيطانية، بمعنى أنه هو المسبب له -وإن كان الله خالق كل شيء- لكن أنا أقصد هو المتسبب بوجوده. فما بالك فيه هو كشخص؟ إذا هذا الرجل وهذه الشخصية، الله سبحانه وتعالى لما سلطها على البشرية ليكون محل معركتنا في الحياة معه، هذا الرجل أعطي إمكانيات هائلة، وأقوى منك إذا كنت أنت غير متحصن. يمتلك إمكانيات وقدرات ومهارات، صار له يشتغل على البشرية من ملايين السنين، فأنت بالنسبة له فرد من أفراد ملايين الناس الذين مر عليهم، مش أول واحد، فلا تكرش حالك شاطر، فلا تحاول تعتقد أنه لا أنا أشطر من الشيطان. له قدرات وهذه القدرات ربنا منحها له حتى يكون هذا السبب في ابتلائك، وربنا سبحانه الذي أعطى الشيطان القدرات، أعطاك الوسائل التي تواجه فيها هذه القدرات، أعطاك الوحي، الكتاب والسنة ومركزيته في حياتك، والآيات القرآنية والمعوذات والأذكار التي بإذن الله إذا أنت تحصنت بها ضعف أثر الشيطان في حياتك، وعلمك كيف إذا الشيطان أزلك كيف تتوب وتستغفر وتحاول، كلما تعثرت في الطريق أن تنهض.
فأنت تحتاج إلى أن تلتجئ إلى الله من شر هذا المخلوق الذي خلقه الله، والذي ربنا أعطاه الإمكانيات، فانت تلتجئ إلى الإله سبحانه وتعالى ليقيك من شر هذا المخلوق. ولاحظ كيف عبر عن طريقة الشيطان في وسوسته؟ قال ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، الخناس الذي يختفي أحياناً، والشيطان هكذا طريقة عمله في الحياة مع البشر، أنه وسواس، بيجي بيوسوس فترة بعدين بيتركك في معارك النفس الأمارة بالسوء واللوامة، بيخنس، بعدين بيرجع مرة ثانية بيطلع في المشهد، يعني الشيطان هو مش 24 ساعة قاعد بيحكي معك، لا هو مش 24 ساعة بيحكي لك اعمل هيك، اعمل هيك، لا، أنت بتشعر أنه في فترات أنت عادي، مش الشيطان مش قاعد بيعطيك كلمات وإشارات، بس متى بيطلع لك؟ لما صورة على الجوال بيطلع لك، لما تكون ماشي في شارع وتمر سيارة فيها امرأة وكذا بيطلع لك هون، لما تيجي هبرة مالية وعقد في حرام بيطلع لك بصير يحكي معك أنه شو المشكلة، ادخل في هذا العقد، كذا مكان مختلط كذا بيطلع لك، أي أذية لمسلم أو شيء في موقف معين يعلمك الغضب. باختصار يشتغل على الغرائز الموجودة فينا، الله عز وجل وضع في كل إنسان قوة شهوانية وقوة غضبية، والشيطان يشتغل على هذه.
الغرائز الشهوانية والغضبية يفعلها في أوقات معينة، أنت تدمر، صحيح أنت فقط تفعل، فالشيطان يتكلم مع نفسك الأمارة بالسوء، يوجهها ويعلمها ويجعلها كلها كذا، بعدين يتركك شوي، بعدين يرجع مرة أخرى، يعطيك بعدين يترك، هو يعتمد على نظام المصائد، يعني هو يعمل مصيدة ونفسه طويل، الشيطان نفسه طويل، تمام؟ يعني أحيانا أطول من نفسك، لذلك ربنا قال: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21]. الشيطان ما بيجي عليك مرة واحدة، يوسوس لك يلا اكفر! ما هو عارف إنك مسلم وابن بيئة مسلمة ومتدينة ومن طلاب العلم وإنسان منيح، الشيطان يعمل على نصب الفخاخ في الطريق، بيجي بيبلش معك في أشياء بسيطة، يقبل منك أولاً السقوف اليسيرة، بيقبل إننا نتهاون في صلاة الفجر، بيقبل إننا نتهاون في قيام الليل، بيقبل لمرحلة معينة منك إنك فقط بطل أحضر دروس العلم وعادي وصل في المسجد وخليك مع شباب الدعوة ودرس بمركز واعمل بدك إياه، بس وقف لي واحد اثنين ثلاث في حياتك، وقف لي محافظتك على الورد القرآني، وقف لي قيام الليل، أذكارك خفف لي منها.
بعدين بيتركك، عادي خليك مع مركز قرآن ونادي وغرد وادعُ لغزة وادعُ لكذا وساعد، بعدين بيجيك بعد فترة لما يعرف إنك الآن أنهكت لأنك فقدت التحصينات الداخلية لخطوط الدفاع الأولى زي ما بيحكوا، بيجيك بعدين بيعرف إنك الآن منهك، ما في ذات داخلي، الآن فرصته إنك تبدأ تتخفف من حتى حالة التدين العام، بيقول لك: يعني لو صرت تصلي في البيت؟ صلاة الجماعة واجبة، اللحية هي تاعتك الطويلة خفف لي إياها شوي؛ لأنه ممكن إنك تتوظف أكثر، فبصير هو عنده قدرة إنه يعطيك أفكاراً الآن ابتداءً وما كان قادر يعطيك إياها لأنه كان عندك خطوط دفاع قوية، قرآن وذكر. هو عارف إنه إذا حكيت له من أول خفف شوي شيل لي كذا، وجيت على البنت اخلع هالجلباب مش مشكلة بنطلون وبلوزة بيمشي حالك، يعني مش راح تقبل في الحالة الأولى لما تكون حصون الدفاع قوية، متى راح يجي؟ بس يكون الرصيد الإيماني ضعيف منهك، بيجي ساعتها بيعطيك الطعم الثاني، فأنت تبدأ تدخل في ماذا؟ هي فكرة الوسواس الخناس، بيجي بيعطي طعم بيخنس، وبيجي بعدين بيعطي طعم بيخليك فترة وبيشتغل إلى إنه يوقعك، إذا استطاع يوصلك للكفر بيوصلك.
وصلك، ما حكيت لكم في أرواحضر معنا قصة الرجل الذي كان عابداً من بني إسرائيل؟ وكان في عنده ثلاثة من أهل قريته عندهم أخت، وهذول الثلاثة بدهم يسافروا، فقالوا: وهي أختنا شابة صغيرة عمرها 17-18 سنة، وين بدنا نحطها؟ قالوا: في غير مين؟ سيدنا الشيخ العابد الراهب، هذا 24 ساعة بيصلي وبيقرأ وبيذكر كذا، يعني هذا أكثر شخص ممكن نضع اختنا الشابة عنده. وفعلاً هو رجل كان صادق، يعني هو كان يصلي ويعبد وأموره ماشية، ما لم يذكر في القصة إنه كان منافقاً، لكن حط البنت عنده، بلش الشيطان الآن سوا في الإثارة، بده يشتغل على مكان في شيء عنده، الشيطان يثيره في هذا الملف، بس الشيطان جاب له الشغلة لعنده حتى يبدأ يشتغل بطريقة الوسواس الخناس معه، وصار أول مرة حطه قالوا ما عندي مشكلة بس دخلوها على الغرفة لا أشوفها ولا تشوفني.
اجوا على الشيخ إنه: سيدنا الشيخ بدنا نحط البنت عندك أنت الآن راهب وعابد وزلمة بتخاف ربنا، مطمئنين عليها بس حط لها الأكل على الباب ولا لك علاقة فيها، والشيخ طبعاً توجس وحاور، لا وبدي، بعدين الرجل قال خلص يعني موقف إنساني، فصار يحط هالطعام على باب هالغرفة، حطوها عنده جوا الصومعة ولا في غرفة، حط الطعام ويروح، الشيطان بلش يوسوس، دائماً اقتراب الإنسان من مساحات الشهوات؛ ليش بيقول لك حط 100 حصن بينك وبين الشهوات؟ لأنه الشيطان هو مش من أول بيقول لك اذنِ، مش من أول بيقول لك اعمل الحرام، لا، هو بيقرب المسافة أول شيء هيك، بيقرب المسافة بينك وبين الحرام لحتى ما تصير اللحظة المناسبة بخليك توقع، فهو هذا اللي فعله مع سيدنا الشيخ هذا الراهب، إنه أول شيء قال له: أنت صار لك فترة بتعطي البنت على الباب، وهي بنت إخوان اغتربوا، صار فترة طويلة مغتربين، أكيد زهقت وملت وبدها تشوف حدا، أنت بس لو صرت تدق الباب وتناولها الطعام.
الشيخ اقتنع بهي الوسوسة الشيطانية، صار يدق الباب عليها، كان يحط الطعام ويروح، صار هسا الشيخ يستناها حتى تفتح الباب حتى يناولها الطعام، بس وجهة نظرك في مشكلة، مش موقف نبيل، والله أنت جارتك هذا تفضل أختي الكريمة هي الطعام، وظله رايح، بعد شهرين ثلاث أربع، الشيخ صار يجي الشيطان: طيب أنت بدك تظلك تعطيها؟ أكيد هي صار لها ست أشهر سنة إخواننا غايبين عنها وقاعدة لحالها، لو صرت أنت تدخل لها الطعام جوا، سألتها كيف أخبارك كيف صحتك وأمورك طيبة؟ وتطلع الآن المواقف النبيلة الشغالة، شوف كيف الشيطان بيجيك من باب المواقف النبيلة، يعني هو ما بيقول لك أنت جاي تعمل حرام، بيجي بيقول لك والله مثلاً أنت في عمل إسلامي زي ما حكينا كثير، أنت في عمل تخدم به المجتمع المسلم، أنت بيجيك من أفكار كثير، بيشتغل بيشتغل صح، تمام، صح بالنسبة له طبعاً.
فبيجي الآن بعد فترة، اجا على الشيخ قال له: آه ليش ما تصير تطعميها الفترة؟ فالشيخ قال لك إنه فعلاً هي بنت صغيرة وأنا شيخ عمري 50 سنة أكيد فـ بعد شهوة؟ يعني أنا زلمة كبير وقور عمري 50 سنة ما راح أفكر بأبعاد الشيطان، فصار سيدنا الشيخ يدخل عليها ويطعميها إلى إنه طبعاً خلص يعني اقترب الوساد والجسد بالجسد التصق، شو صار؟ الشيخ سقط فزنا بها، شوف الشيطان، فلما زنى بها ورط الشيخ استيقظ في اللحظة بعد فوات الأوان في الوقت بدل الضائع، فلما استيقظ من هذه الغفلة قال: إيش بدي أعمل الآن؟ أهل القرية بيعرفوني سيدنا الشيخ وبينادوني وأني الإنسان الجيد النافع، كيف بدي أخبي هي الفضيحة؟ قتل البنت، الشيطان قال له: اقتلها وادفنها.
جاء إخوانها من السفر فماذا قالوا؟ قالوا اجوا للشيخ إنه جزاك الله خير وأكيد أختنا في حصن حصين، صار يبكي الشيخ أمامهم إنه والله أختكم أصيبت بمرض وصار وقدر الله وماتت، وهم طبعاً ما شكوا في الشيخ إنه هذا شيخ عابد مستحيل يكون، فقالوا خلص هذا قدر الله النافذ جزاك الله خير وأنت ما قصرت، وراحوا على بيوتهم. سبحان الله إذا أراد الله شيئاً، الثلاثة رأوا في نفس الليلة جاءهم رؤيا إن هذا الشيخ زنى بأختكم وقتلها، ثلاثة استيقظ، أول واحد فكر إنها رؤية من الشيطان يعني الشيطان بده يلبس عليه، فقال لأخوه: بتعرف والله شفت الليلة رؤيا، أخوه قال له: ولا أنا شفت، الثالث قال لهم: أنا شفت، شو كل واحد حكى نفس الرؤية شافوها الثلاث، قالوا: إذاً هذه ما هي إلا رسالة من الله، هذه ما هي شيطان، ثلاثة وكل واحد فينا يشوف نفس التفاصيل.
راحوا على الشيخ الآن، قالوا له بدك تحكي بدك تحكي إيش صار، من هون تحت التهديد وكذا اعترف الرجل، قال يا عمي فعلاً ودفنتها في المنطقة الفلانية، وراحوا أخرجوها، قالوا طبعاً فضح الشيخ انتهكت حرمته، أهل البلدة قالوا هذا الشيخ العابد بدنا نرجمه بالحجارة، فصلبوه، فلما صلبوه جاءه الشيطان قال له: هي آخر فرصة معك، صح ولا لا؟ الآن الجماعة بدهم يقتلوك، اكفر بنقذك، فكفر، شوف من أكبر عابد إلى إنسان كافر، فلا يأمن مسلم على نفسه فتنة، فنزل، فقيل إن الآية في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ [الحشر: 16]، قالوا هذه نزلت في هذه القصة أو من ذكر في التفسير أن هذه القصة ذكرت عند الصحابة في زمنهم وذكروها لهم، أن هذه مثال هذا الرجل حتى تعرف إن الشيطان بيشتغل على فكرة الوسواس الخناس، الشيطان مش وسواس طول الوقت، لا الشيطان وسواس خناس، بيعطي الطعم وبيختفي شوي عن المشهد، بعدين بيرجع بيعطي الطعم، بعدين يتركك.
طبعاً من المعاني التي قيلت للوسواس الخناس إن الشيطان يخنس عند ذكر الله، وهذا معنى صحيح أيضاً إن الشيطان وسواس، لكن ما الذي يخمد وسوسته ويخنسه ويخرسه؟ ذكر الله سبحانه، ذلك إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط كما جاء في الحديث، وإذا أقيمت الصلاة أيضاً يدبر الشيطان، ثم لما يذهب الذكر من حياتك يعود، فلذلك لا تعطي للشيطان مساحة خالية يشتغل فيك، دائماً اشتغل بذكر، بقراءة، بعمل نافع، صلة أرحام، بر والدين، عمل إسلامي، ظلك دائماً شغال لحتى لا تعطي مساحة للشيطان. إذا قلنا إن تفسير الخناس إنه يخنس عند الذكر، إذاً أعظم شيء تقتل به وساوس الشيطان وتخنسها هي ذكر الله.
طيب ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 4-5]، لماذا ذكر هذا؟ حتى يعطيك الشيطان هو وين بيشتغل؟ الشيطان يشتغل على الباطن، الشيطان يشتغل على أفكارك على تصوراتك يحاول يفسدها، بخلاف الأشياء اللي في سورة الفلق اللي بتشتغل على الظاهر، الشيطان على الباطن يحاول أن يحدث اختراق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: 201]، الشيطان يطوف حول قلوب المؤمنين يحاول يجد نقطة الاختراق المناسبة في ساعات الغفلة ليدخل، فالمؤمن سنسور عالي عنده، أول ما يقترب الشيطان من نقاط بصحصح، لا، بيعرف إنه في مشكلة فيمتنع، لكن الكفار قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 202]، في ناس جعلوا الشيطان يرتع في قلوبهم دخل في صدورهم ورتع وأعطى كل وساوسه وغادر، قال لهم خلص هذا صار شيطان أكثر من تمام، فلذلك قال سبحانه مبيناً مكان تأثير الشيطان: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، فكل ما يظهر على الجوارح إنما هو نتائج الصدور، يعني ما في معصية على الجوارح إلا ويكون الشيطان وضع بذرتها في صدرك؛ لأنه هناك مكان تأثير الشيطان، وما يظهر على الجوارح إنما هو انعكاسات لهذا التأثير الذي يوسوس في صدور الناس.
ثم قال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6]، الشياطين كما قلنا نوعان من أساسهم الجن، لذلك بدأ بهم ثم فرعهم وفرخهم شياطين الإنس، ﴿وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121]، فاستعذ بالله من شر شياطين الجن أولاً لأنهم الأساس ومن شر شياطين الإنس، شياطين الإنس رفقاء السوء أولاً اللي أصحابك اللي قاعدين معك وبيقول لك يا فلان احكي مع بنت أو اعمل كذا أو ادخل في كذا أو سيبك من هذه الأمور، مو هذا أيضاً بيشتغل قاعد على معنوياتك على قلبك، حاول يغير تصوراتك هذه الأشياء، وكذلك أصحاب المشاريع الكبرى اليوم التي تنتج لنا مادة الإعلام ومادة السينما ومادة الأفلام، وهؤلاء من الشياطين الإنس الذين يدعون إلى الشذوذ والجنسية ويدعون النساء إلى التبرج والسفور، لكن هؤلاء كلهم فرخ، لذلك أخرهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، وإن آخرهم منهم فرع وذكر الأصل قبلهم، فهذا من أعظم ما يحتاج الإنسان أن يستعيذ منه، نختم بقراءة تفسير السورة نعم.
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، أي مربيهم ومصلحهم، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ مالكهم ومدبر أمورهم، ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ معبودهم، ولم يكتفِ بإظهار المضاف إليه مرة واحدة؛ لأن قوله ملك الناس إله الناس عطف بيان لرب الناس، لأنه يقال لغيره رب الناس وملك الناس، وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه، وعطف البيان للبيان فكان مظنة للإظهار دون الإضمار، وإنما أضيف الرب إلى الناس خاصة وإن كان رب كل مخلوق تشريفاً لهم، ولأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلههم ومعبودهم. وقيل: المراد بالناس الأول الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه، وبالثاني الشباب ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه، وبالثالث الشيوخ ولفظ الإله المنبئ عن العبادة يدل عليه، وبالرابع الصالحين إذ الشيطان مولع بإغوائهم، وبالخامس المفسدين لعطفه على المعوذ منه.
من شر الوسواس، هو اسمه بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فهو وسواس بالكسر كالزلزال، والوسواس بفتح الواو هي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فهو وسوس كزلزال، والمراد به الشيطان فهو آلة الوسوسة، كأنه وسوسة سمي بالمصدر، لأنها شغله الذي هو عاكف عليه أو أريد ذو.
الوسواس والوسوسة هما الصوت الخفي. والخنّاس الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر؛ لما روي عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، وإذا غفل رجع ووسوس إليه. إذاً فهو حَمَلَ الخنّاس هنا على أنه يخنس عند الذكر، ونحن قلنا أيضاً هي فلسفته في العمل عموماً أنه يوسوس ويخنس.
الذي يوسوس في صدور الناس في محل الجر على الصفة، أو الرفع، أو النصب على الشتم. وعلى هذين الوجهين يحسن الوقف على الخنّاس. من الجنة والناس بيان للذي يوسوس، على أن الشيطان بيان لمن الذي يوسوس للإنسان؛ نوعان شيطان جني وإنسي، كما قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112]. وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شيطان الإنس؟ يعني احذر من رفقة السوء.
روي أنه صلى الله عليه وسلم سُحر فمرض، فجاءه ملكان وهو نائم، فقال أحدهما لصاحبه: ما باله؟ فقال: طُبّ. قال: وما طُبّ؟ يعني سُحر. قال: ومن طَبّه؟ فقالوا: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وبِمَ طَبّه؟ قال: بمشط ومشاطة في جف طلعة تحت راعوفة، جف الطلعة يعني قشر نخل؛ كأنما أخذ شيئاً من شعراته صلى الله عليه وسلم ووضعها في طلعة النخل ووضعها في بئر ذي أروان.
فانتبه صلى الله عليه وسلم فبعث زبيراً وعلياً وعماراً رضي الله عنهم، فنزحوا ماء البئر وأخرجوا الجُفّ، فإذا فيه مشط وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فنزلت هاتان السورتان، فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة، حتى قام صلى الله عليه وسلم عند انحلال العقدة الأخيرة كانما نُشط من عقال، يعني فشفي شفاءً تاماً. كانما نُشط من عقال، يعني كأنه فُك من شيء رُبط به، والعقال هو الذي تُربط به الناقة، ومعنى نُشط من عقال يعني فُك أسره.
وجعل جبريل يقول: بسم الله أرقيك، والله يشفيك من كل داء يؤذيك. ولهذا جوّزوا الاسترقاء بما كان من كتاب الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لا بما كان بالسريانية والعبرانية والهندية. كثير من أهل العلم لا يجوز الرقية بغير اللسان العربي، ومن جوّزها بغير اللسان العربي قال بشرط أن يكون المعنى صحيحاً، فإنه لا يحل اعتقاده والاعتماد عليه.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وأقوالنا ومن شر ما عملنا وما لم نعلم. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ونبيه وصفيه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله مصابيح الأنام، وأصحابه مفاتيح دار السلام. والله أعلم بالصواب وإليه الملجأ والمآب.
وهذه نهاية تعليقنا إن شاء الله على تفسير المفصل كما قلنا، من تفسير الإمام النسفي رحمه الله تعالى عليه، وجزاه الله عنا خير الجزاء على المادة المفيدة النافعة التي قدمها. وخير ما نختم به هو الدعاء، فنجعل الشيخ إن شاء الله يدعو لنا، على الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا من كل فرج مخرجاً لنا ولأمة الإسلام والمسلمين.
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. لك الحمد على كل حال، ولك الحمد في جميع الأحوال. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك ولا شكرناك حق شكرك.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قدرت به وقضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت. لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أعطيت. نستغفرك اللهم من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك. نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.
اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الذي ما سألك به أحد إلا أجبت، وما دعاك به أحد إلا أعطيت، أن تجعل ما قرأناه وما تعلمناه في هذه المجالس حجة لنا عندك لا حجة علينا يا رب العالمين. أنزل بها اللهم علينا رضوانك، واجعلها اللهم لنا ضياءً في قبورنا وعند الصراط ويوم نلقاك يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من شر ما عملنا، نعوذ بك اللهم من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى.
إنا نسألك باسمك الأعظم الذي ما دعاك به أحد إلا أجبت، وما سألك به أحد إلا أعطيت، أن ترفع البلاء عن أمتنا يا رب العالمين. اللهم رحماك بأمة محمد، اشتدت عليها البلايا وأحاطت بها الرزايا، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك. سبحانك يا ربنا، اللهم كن للمسلمين المستضعفين في كل مكان، كن لهم في الشام، وكن لهم في فلسطين، وكن لهم في غزة يا رب العالمين. اللهم إنهم عبيدك، وأنت أعلم بحالهم منا، اللهم أنزل عليهم رحماتك، اللهم أنزل عليهم رضوانك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طبعاً هذه نهاية تعليقنا في هذه المرحلة، الآن ماذا سيكون بعد ذلك؟ هذا إن شاء الله نتركه لباقي الأيام، لكن حالياً انتهى درس التفسير عند هذه المرحلة إن شاء الله. أسأل الله عز وجل أن يعيننا على العمل بكتابه، لكن لا تنتهي العلاقة بالقرآن. طبعاً هنا ينتهي هذا الدرس أو هذا القسم من دورات غراس في هذا الموضوع، لكن يكون لنا عودة إلى كتاب الله عز وجل بطريقة أخرى وبشكل آخر، حتى تبقى هذه العلاقة عامرة مع كتاب ربنا عز وجل. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل