دخولتسجيل الدخول

المجلس 84 - سورة قريش والماعون والكوثر والكافرون

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

حيّاكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد على موائد القرآن، حيث نتدبر معاني كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونسأله عز وجل أن يفتح علينا لنفهم معاني هذا الكلام ودلالات هذا الكلام وآثار هذا الكلام وأبعاد هذا الكلام؛ فإن في هذا سعادة الإنسان. كلما فتح الله عز وجل لك من فهم كلامه وسعة الأفق والتحليق مع هذه الآيات العظيمة في إرشادها للنفس والعقل والقلب والإنسان في هذه الحياة، كلما وفقت، وكلما ارتحت، وكلما أنست ووجدت حتى الهداية الحقيقية والأنس بين جنبات كلام ربك سبحانه وتعالى. ونعوذ بالله عز وجل من الحرمان ومن المعاصي والذنوب التي هي سبب في حرمان الإنسان من التدبر ومن حب القرآن والانشغال به.

وصلنا أيها الكرام مع الإمام النسفي رحمه الله تعالى عليه إلى تفسير سورة قريش. اقرأ يا شيخ السورة ثم نعلق عليها.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 1-4].

نعم، هذه السورة أيها الكرام هي امتداد للسورة التي قبلها، امتداد لسورة الفيل؛ حتى إن البعض كان يقرؤهما بدون تسمية فاصلة بينهما ويعتبرهما كالسورة الواحدة. في سورة الفيل السابقة الله سبحانه وتعالى امتن على كفار قريش بأنه أنهى جيش أبرهة، ذاك الجيش الذي جاء ليجتث الكعبة، وليجتث مع اجتثاثه للكعبة مكانة قريش التي كانت تقوم على وجود الحج والعمرة. تخيلوا أن الكعبة زالت على يد أبرهة، لا قيمة لقريش؛ انتهت قريش، لأن مكانتها عند العرب مرتبطة بشكل مركزي بمكانة الكعبة، باعتبار أن العرب كانوا يحجون. نعم كان في أخطاء في ممارستهم الحج والشركيات، لكن عموما كان هناك الحج قائما، فقريش إنما أخذت مركزيتها ومكانتها عند العرب بسبب وجود الحج، فإذا ذهب الحج انتهت، ما عاد لها تلك القبيلة التي لها وزن، وينظر إليها بالتقدير والاحترام وتهابها الناس.

فالله سبحانه وتعالى بإنهاء جيش أبرهة بآية عظيمة من آياته بالطير الأبابيل، أراد أن يمتن في سورة قريش على كفار قريش: أنكم لولا تدخلي، لولا إنهائي لوجود أبرهة وجيشه، كيف كنتم الآن؟ كيف كان حالكم؟ انتهيتم. اذكروا هذه النعمة، اذكروا نعمة إنهاء جيش أبرهة بالطير الأبابيل وتثبيتي لوجود الكعبة؛ لأن بعد أن حصلت هذه الحادثة في جزيرة العرب، ارتفعت أسهم كفار قريش إلى الأعلى، باعتبارهم أن الله عز وجل أيدهم بآية عظيمة وأرسل طيرا أبابيل في مشهد لم تألفه العرب ولم تشاهده مسبقا. فبمجرد إنهاء جيش أبرهة، ارتفعت أسهم كفار قريش، وأصبحت لقبيلة قريش سطوة أكبر واحترام وتقدير أعلى، باعتبارهم حراس البيت وباعتبارهم الناس الذين أيدهم الله سبحانه وتعالى بمشهد مهيب وكرامة خارقة.

الله سبحانه وتعالى يريد أن ينبه قريش التي حاربت النبي عليه الصلاة والسلام والتي وقفت في وجه هذه الدعوة، يريد أن يذكرها بهذه النعمة السابقة التي كفار قريش أنفسهم يعرفون أنها ليست من اللات ولا من العزى ولا من مناة الثالثة الأخرى، وأن الطير الأبابيل إنما أتى بها الله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي يدعوكم هو لا يدعوكم إلى إله جديد. هم يعرفون من يدعو إليه، لكن هي مشكلتهم كانت في الشرك، أنهم غير راغبين أن يعبدوا الله وحده؛ بدنا نعبد معه أصناما في الأرض ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فهم يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو لا يطالبهم بعبادة إله جديد هم لا يعرفونه مسبقا، بل يعرفون الله، وكان يسألهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]. فالأجوبة في الخلق والرزق هم يعرفون أنها من الله، لكن مشكلتهم كانت القرشيين في الإصرار على الشرك ووجود آلهة أرضية تقربهم إلى الله زلفى، وعلى هذا كانت المواجهة.

فالله سبحانه وتعالى يريد أن يذكرهم: من الذي أنهى جيش أبرهة وجعل لكم هذه المكانة والسطوة في جزيرة العرب؟ الله. فقال لهم بعد أن ختم سورة الفيل: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 5]. قال في بداية هذه السورة: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. الآن الاحتمال الأول أن تكون ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ مرتبطة بختام سورة الفيل، يعني فجعل الله جيش أبرهة كعصف مأكول لماذا؟ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ حتى تألف قريش رحلة الشتاء والصيف. وهنا النسفي يعبر بعبارة جميلة يقول: "كتب الإتلاف من أجل الإيلاف". جعل الإتلاف من أجل الإيلاف، إيش يعني الإتلاف لجيش أبرهة؟ لماذا؟ لأجل إيلاف قريش. حصل الإتلاف من أجل الإيلاف؛ أتلف الله جيش أبرهة ليحصل لقريش مكانة وتمكن في جزيرة العرب تألف بسببها رحلة الشتاء والصيف، وتصبح لها سطوة تجارية اقتصادية عالية في جزيرة العرب.

الآن أيها الكرام قديما وحديثا الدول بماذا تنهض؟ باقتصادها. صحيح، الآن احنا فاهمين الجوانب القيمية، بس بتكلم من ناحية مادية. أي دولة حتى اليوم، كفار في أوروبا في أمريكا في روسيا في الصين، الصراع في العالم اليوم حول ماذا؟ حول المعادن والثروات. إذا أنت بدك تفهم الواقع، الصراع اليوم في العالم كلهم تجار؛ ترامب تاجر وروسيا تجار والصين تجار، كلهم تجار اليوم. العالم اقتصاد؛ لأن الاقتصاد قد يرفع الدول ويعطيها رفاه، ويجعل شعوبها تعيش بحالة رقي، ويجعلك تدمر وأنت غير قادر على أن تنهض بشعبك ومجتمعك. القيم والأخلاق هذه تفكر فيها الدول التي تقوم على أسس دينية، لكن حتى الدول التي تقوم على أسس دينية بدها اقتصاد، بدها مال، بدها ثروات. هكذا العالم وهكذا سنن الله سبحانه وتعالى.

فقريش كان وضعها الاقتصادي قبل حادثة الفيل وضعا تعبانا، ما كان صحيح لها مكانة، لكن ما كانت أمورها التجارية قائمة وناهضة لأن الرحلات التجارية كانت ضعيفة جدا بسبب وجود خلافات كبيرة في جزيرة العرب بينها وبين بعض القبائل وقطاع الطرق، لم تمهد لها السبل من أجل رحلات تجارية تجعل قريش ترتقي ماليا. متى بدأت قريش ترتقي ماليا وتتنفس الصعداء وتشعر أن قيمتها الاقتصادية أو قدراتها المالية بدأت تنجح؟ بعد حادثة الفيل؛ زي ما حكينا، حادثة الفيل رفعت أسهم كفار قريش، فصارت جزيرة العرب تنظر لهؤلاء باعتبارهم حراس البيت، بالتالي لا بد وأن نوطد لهم سبل التجارة. أنت متخيل؟ يعني كل ما قريش بدها تيجي على قبيلة تمر من أراضيها، طرحنا جماعة أصحاب الفيل، آه، هسا بتجيكم الطير الأبابيل! صارت كل قبائل العرب تتحسس على رقبتها باختصار، لأن هؤلاء القوم ربنا جاب لهم الطير الأبابيل، فما حدا أصبح له مصلحة أن يقف في وجه القرشيين. أنت بتعرف هذه الفكرة؛ لماذا الأمور التجارية سهلت الآن؟ لأنه الكل أصبح يهاب، الكل أصبح يخاف حراس البيت؛ لأنه في النهاية ربنا أرسل لهم طير أبابيل، هؤلاء أنت ما بتقدر تمزح معهم. هؤلاء التجار خلوهم يمروا في جزيرة العرب إلى اليمن ويروحوا على الشام وما حدا يتكلم له كلمة؛ لا قطاع طرق يتعرضون لهم، ولا قبائل عربية تمنعهم، والكل يرفع لهم القبعة احتراما.

هذا بحد ذاته الأمان ينعش الاقتصاد. لذلك حتى في الوقت المعاصر، الدول التي يكثر فيها الإشكالات الأمنية ما فيها اقتصاد، ما في قدرة أنك تنشئ حالة اقتصادية وعمرانية. دائما الأمان يولد اقتصاد. قريش شعرت بالأمان في جزيرة العرب، الأمان الحقيقي بعد انتهاء قصة أبرهة والصيت الذي حصل لها في جزيرة العرب. فالله سبحانه وتعالى يذكرهم بهذه النعم العظيمة: أنتم يا قرشيين ماذا كنتم؟ كنتم عالة، كنتم فقراء، ما كان لديكم شيء؛ حصل الإتلاف لأبرهة حتى يحصل الإيلاف لكم. لتألفوا رحلة الشتاء والصيف، هي الرحلات التجارية هي عنوان ماذا؟ الرفاه الاقتصادي أو التقدم الاقتصادي، وأصبح لديكم حالة من العمران والنشاط والشبع، واختلفت الأحوال تماما لقريش بعد حادثة الفيل.

فهذا من أسرار إتيان سورة قريش بعد سورة الفيل في ترتيب القرآن؛ أن قريش بعد الفيل ليست قريش قبل الفيل. فهمتم؟ قريش اقتصاديا واجتماعيا ومكانة بعد حادثة الفيل ليست هي قريش التي كانت، من حيث الاقتصاد والمال والقدرة والأمان وأشياء كثيرة تغيرت في حالة مكة والقرشيين فيها. فالله سبحانه وتعالى يذكرهم: هذه النعم تحتاج إلى شكر. ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، فجعلهم كعصف مأكول ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ حتى تألفوا أنتم رحلة الشتاء والصيف، اللي هو رمز الأمان والتقدم الاقتصادي. يعني رحلة الشتاء والصيف هي تعبر عن معنيين الآن في السورة: تعبر عن حالة الأمان التي استتبت لقريش في جزيرة العرب ما حدا بيتعرض لها، وتعبر عن حالة اقتصاد وشبع. لذلك ختمت السورة: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. فرحلة الشتاء والصيف هي اللي وفرت ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ لأنه أصبح في اقتصاد، وأيضا توفر تدل على الأمان الذي حصل لهم، وهذا كله ببركة إنهاء الله سبحانه وتعالى لجيش أبرهة ومن حوله.

فالله سبحانه وتعالى يقول لقريش: كل هذه النعم تحتاج إلى شكر، والشكر الأعظم لله بتحقيق التوحيد. عندما ينعم عليك الله عز وجل بنعم، لا يصلح أن تكون هذه النعم تقابلها بالكفران، وتقابلها بالعصيان، وتقابلها بالتمرد، وتقابلها بالخطايا وعدم الاكتراث بهذا الإله العظيم الذي منحك كل شيء، وأنتم تعرفون يا أيها القرشيون أنه هو الذي منحكم كل شيء. فلذلك ذكرهم لعله، لعل إنسانا منهم يتذكر الأيام الخوالي: إيه والله كنا فقراء ضعفاء خائفين فآمنا. هذا الأمن يقتضي ماذا؟ الشكر والخضوع والانقياد وليس التمرد. وهذه دائما رسالتنا لأي دولة مسلمة يصبح فيها استقرار بعد فزع وبعد خوف؛ أن هذا الأمان الذي رزقكم الله إياه وزوال الظالمين والمستبدين يقتضي منكم ماذا؟ الإسراع في عبودية الله عز وجل، والإسراع في الخضوع لأمر الله وشرع الله، وأن يكون هذا الأمان يولد نوعا من ماذا؟ من الاسترخاء والتمرد على شريعة الله سبحانه وتعالى والتملص من تبعاتها وأحكامها والسعي لتفكيكها، بالعكس؛ ما دام الله أطعمني وآمنني، الله يستحق أن أعبده ولو لم يعطني. هو يستحق أن تعبده ولو لم يعطك، أنت عبد وهو رب، فما بالك أعطاك ومنحك وآمنك وأطعمك وأزال مستبدين وظالمين؟ أليس هذا الإله يستحق أن يعبد؟ اله يعبد ربك سبحانه وتعالى.

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. لا بد وأن يعبدوا رب هذا البيت. لماذا ذكر البيت؟ لماذا ذكر الكعبة هنا في هذه السورة؟ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، جميلة هي أول قضية، يعني قل اعبد رب الكعبة، هذا الرب اللي حمى هذا البيت، وأيضا هو سبب لأنه سبب مكانتكم أصلا. اعبدوا رب هذا البيت، هذا البيت اللي عامل لكم قيمة، مخلي العرب تخاف منكم وتهاب منكم وأصبح لكم وجود عند العرب وعند الناس، وأصبح لكم، بدون هذا البيت لست تسوون شيئا. من الذي منحكم هذا البيت؟ الله. فلذلك رب البيت هنا مهمة لأنها تذكر قريش بأشياء كثيرة، تذكرهم بحادثة أبرهة، وحادثة أبرهة ماذا ولدت من انتعاش اقتصادي وأمان؟ تذكرهم بالمكانة التي منحهم الله إياها باعتبارهم ورثة ملة إبراهيم؛ هكذا كانوا يقولون على الأقل أننا اتباع ملة إبراهيم، وأنهم يحمون البيت المقدس الذي وضعه الله سبحانه. فالبيت يعني لقريش كل شيء؛ الذي أعطاكم هذا البيت ومنحكم هذا البيت والمكانة وما تبعه، عليكم أن تعبدوه وحده لا شريك له، وأن تتركوا عبادة الأصنام ومواجهة هذا النبي العظيم الذي هو ما يدعوكم إليه أن تعبدوا الله وحده لا شريك له. هو يأمركم أن تعبدوا رب هذا البيت الذي حماكم وأعطاكم، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.

ثم ذكر لهم النعمتين الأساسيتين اللتين حصلتا لهما بعد واقعة الفيل قال: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. وأي بلد حتى تنتعش من ناحية المادة تحتاج إلى أمان واقتصاد، وهذا هو التمكين الحقيقي. أي إنسان ما عنده أمان ترى هو ليس ممكنا، حتى في العرف السياسي هو غير ممكن؛ أنت ما عندك أمان، الدولة غير مستقرة، ما عندك اقتصاد، مش قادر توفر حياة كريمة، الدولة غير مستقرة. فالله سبحانه وتعالى ذكر الأساس المادي لقيام الدول. الأساس المادي في جانب عقدي؛ الدول تقوم على عقائد ومادة. الجانب العقدي هي الأفكار؛ في دول تقوم على أفكار دينية، وفي دول تقوم على أفكار علمانية، وفي دول تقوم على أفكار كذا، وهذا جانب آخر يدرس في مكانه، لكن هنا الله سبحانه وتعالى يركز لهم على الجوانب المادية التي بها تنهض الدول والمجتمعات والقبائل، الأمان والاقتصاد. ولذلك أي إنسان بده يمسك أي دولة عليه أن يفكر بتحقيق هذين الأمرين، وإلا لن تستطيع أن تستمر في وجودك، لن تستطيع أن تستمر في وجودك؛ لأن هذه هي الضروريات التي تقوم عليها النفوس البشرية؛ عندك حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، الضروريات الخمس، تحتاج فيها كيف تحفظ النفس؟ أمان، صح ولا لا؟ كيف تحفظ العقل والبيت والنسل؟ بدك طعام واقتصاد ومال وشرب وحياة اقتصادية. فالضروريات الخمس إنما تقوم على تحقيق هذه، وما هو أهم من الضروريات المادية، الضرورية المعنوية وهي ضرورية الدين، ولذلك هذه تسمى الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

طيب، اقرأ السورة.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ونجِّ إخواننا المستضعفين، آمين. قال الإمام النسفي رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. لايلاف قريش متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، هذا هو القول الثاني. القول الأول أن ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ متعلقة بماذا؟ كما قلنا بآخر آية في سورة الفيل: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾؛ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، أي لتألف قريش رحلة الشتاء والصيف.

القول الثاني: لا، أن ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، وطبعاً ﴿لِإِيلَافِ﴾ هذه عبارة عن حرف الجر اللام، وإيلاف اسم مجرور، والآن أي حرف جر لا بد أن يتعلق بفعل أو ما فيه معنى الفعل، فالقول الأول أن تكون متعلقة بـ ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ المذكورة في أختام سورة الفيل، أو نقول هي متعلقة بالفعل الذي ورد بعدها في السورة وهو فعل ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، فالتقدير: اعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. يعني اعبدوا رب هذا البيت لماذا؟ لأنه أَلَفَكم يا قريش رحلة الشتاء والصيف وجعلكم معتادين عليها. فيجوز إذاً أن يكون ﴿لِإِيلَافِ﴾ متعلقاً بالفعل ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ الوارد في منتصف السورة، أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.

إذاً التقدير ما هو؟ يقول النسفي رحمه الله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ليعبدوا رب هذا البيت. ما معنى التركيب في اعتقاد النسفي على الاحتمال الأول؟ معناه أن نعم الله عليكم يا قريش لا تحصى، فإن لم تعبدوه لسائر النعم التي أنعم بها عليكم، فعلى الأقل اعبدوه لهذه النعمة العظيمة، وهي نعمة أنه صار عندكم اقتصاد، صار عندكم تجارة، صرتم تشبعون، ما كنتم قبل حادثة الفيل هكذا. قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوا رب هذا البيت لهذه النعمة بالتحديد؛ لأن هذه النعمة سببت لهم اقتصاداً وحياة آمنة، إذاً فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.

الاحتمال الثاني هو سيذكر الاحتمال الثاني الذي نحن ذكرناه أول شيء، اللي هو اقرأ أو بما قبله، أي ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، يعني أن ذلك الإتلاف لهذا الإيلاف، وهذا هي الفكرة ذكرناها قبل قليل: حصل الإتلاف من أجل الإيلاف؛ جعلتهم عصفاً مأكولاً مشان حضراتكم تألفوا رحلة الشتاء والصيف ويصير عندكم اقتصاد وتصيروا دولة. وهذا كالتضمين في الشعر، هذا التضمين في الشعر، ما هو؟ مين بيعرف فيكم التضمين في الشعر؟ هذا أحد معاني التضمين، أحسنت، بس ليس هذا هو التضمين المراد هنا.

التضمين يطلق على شيء آخر أيضاً: أن يأتي البيت الأول متعلقاً بالبيت السابق. إذا كان البيت الثاني متعلقاً بالبيت الأول، يعني البيت الأول لم يكتمل إلا مع البيت الثاني، هذا اسمه تضمين. الأصل في القصيدة العربية عدم التضمين؛ يعني لما يجي يقول لك امرؤ القيس: قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ ... بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ، الأصل خلص لازم كل بيت يكون وحده مستقلاً يعطي معنى كاملاً، بعدين البيت الثاني يعطيك معنى كاملاً، بعدين البيت الثالث يعطيك معنى كاملاً، هكذا الأصل. ما بصير عادةً أنه يكون البيت الأول ما بيكتمل معناه إلا مع البيت الثاني، إذا كان البيت الأول لا يكتمل معناه إلا مع البيت الثاني، يعني أنا سمعت البيت الأول لسه ما اكتملت الجملة، والله ضايل الخبر أنت ما أعطيتني الخبر، هذا يسمى تضميناً.

الآن الإكثار منه في الشعر العربي يعتبر ضعفاً، فيقولون الشاعر المفلق ما بيعمل تضمين، الشاعر المفلق الأصل كل بيت وحده مستقلاً زي امرئ القيس والشعراء النوابغ هؤلاء. إذا أنت بتكون شوي ضعيف في الشعر بتضطر أنك مش قادر أجيب البيت وحده مستقلاً، أنا مضطر أن يكون البيت الأول مع البيت الثاني يكملان بعض، بقول ماشي، بس أنت مش في أعلى أنواع الشاعرية. المهم فهنا النسفي لما قال إنه في احتمال أن تكون بداية سورة قريش مرتبطة بآخر سورة الفيل من حيث أنه ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، قال هذا يشبه التضمين في القصيدة الشعرية؛ أن السورة التالية متعلقة ومرتبط معناها بالسورة الأولى أو السابقة، فبالتالي ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ مرتبطة بـ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾، فكأن سورة الفيل لم تكتمل إلا مع سورة قريش، لأن الآية الأولى في سورة قريش مرتبطة بالآية الأخيرة في سورة الفيل، فهذا يشبه التضمين الموجود في القصيدة العربية أن يكون البيت الثاني هو تكملة ومرتبط بالبيت الأول، وإن كان هذا تشبيه هو محاولة من النسفي لتقريب الصورة والمشهد.

وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل. يقولون في مصحف أبي بن كعب -تعرف الصحابي الجليل أبي بن كعب- قيل في مصحف أبي بن كعب كانت هاتان السورتان الفيل وقريش سورة واحدة، وقد يكون أبي هكذا فهم، لكن خلص نحن على مصحف عثمان انتهت القضية، لكن يقولون أبي كان يعتقد أنهما سورة واحدة، مما يدل على الأقل على ماذا؟ على الارتباط الكبير في أذهان الصحابة بين السورتين، بين سورة الفيل وسورة قريش. ويروى عن الكسائي ترك التسمية بينهما، والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيحترموهم، فضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم فلا يجترئ أحد عليهم.

وقيل المعنى اعجبوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، الآن الاحتمال الثالث أن يكون هناك فعل محذوف مقدر به يتعلق الجار والمجرور، التقدير: اعجبوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. وأنا هذا الثالث لا أفضله؛ لأنه الأصل إذا في هناك قدرة على ربط الجار والمجرور بفعل مذكور، ألا أذكر فعلاً مقدراً؟ دائماً يقولون الاعتماد على الحذف أضعف، لا بد في التفسير إذا كان عندي وجه تفسيري لا يحتاج إلى تضمين شيء محذوف، ووجه تفسيري يحتاج إلى تضمين شيء محذوف، أيهما يقدم؟ التفسير الذي لا يحتاج إلى تقدير أولى من التفسير الذي يحتاج إلى تقدير. جزاه الله خيراً هي وجهة نظر أن نقول اعجبوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، لكن الوجه الأول أو الثاني أفضل والله تعالى أعلم لأنه لا يحتاج إلى تقدير فعل محذوف.

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي لمؤالفة قريش. وقيل يقال أَلِفْتُه أَلْفاً وإِلافاً وإيلافاً. وقريش.. الإيلاف ما هو الإيلاف؟ ما معنى ﴿لِإِيلَافِهِمْ﴾؟ أي الاعتياد. تقول والله أنا عَرَفْتُ هذا الموضوع، ما معنى إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف؟ الإيلاف الاعتياد، حتى أصبح الشيء مألوفاً لدي. مش تقول والله أصبحت هذه الشغلة مألوفة لدي، ما معنى مألوفة؟ يعني واضحة، سهلة، متكررة، معتادة، مش شيء غريب أو شيء قليل أو نادر، شيء معتاد مألوف لدي أن أعمله. فقريش بالنسبة لها أصبحت رحلة الشتاء والصيف ليست شيئاً نادراً، ليست شيئاً يقام كل أربع خمس سنوات مرة، بل أصبح عادة مألوفة مستمرة في كل عام، رحلة إلى اليمن للتجارة ورحلة إلى الشام للتجارة، رحلة الشتاء والصيف.

وقريش ولد النضر بن كنانة، قريش هي في النسب تعتبر أولاد النضر بن كنانة. اللي فيكم بيعرف نسب النبي عليه الصلاة والسلام لما يصل نسب الشريف صلوات ربي وسلامه عليه إلى النضر بن كنانة، أولاد النضر بن كنانة، هذا النضر كل من جاء من نسله هم الذين يعتبرون القرشي. سموه بتصغير القرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتعظيم فسموا بذلك لشدتهم ومناعتهم تشبيهاً بها، وقيل من القرش وهو الكسب؛ لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد.

لماذا سمي أولاد النضر بن كنانة قريشاً؟ قيل مأخوذ من سمك القرش، هذا قول موجود أنه سموا قريشاً تصغيراً للقرش وهو السمك المشهورة هذه العنيفة، فقيل سموا قريشاً تصغيراً للقرش، لكنه ليس تصغير تحقير، تصغير تعظيم، أحياناً التصغير عند العرب وهذا من عجيب لغتهم أحياناً التصغير يكون للتعظيم، لما تقول أسيد، مش في كثير عند العرب اسمه أسيد؟ هذا ليس تصغير، قول لك ليش سميت أسد أسيد؟ لا، هذا تعظيم وليس تحقير، فالعرب أحياناً تستخدم التصغير للتعظيم، فقيل إنهم سموا قريشاً تصغيراً للقرش وهذا تعظيم لهم لأنهم كانوا أصحاب شوكة وقوة خاصة كما قلنا بعد حادثة أبرهة. وقيل سمي قريشاً من القرش وهو الكسب، والقرش والفلوس عادة ما هي القروش مرة نسميها، صحيح ولا لا؟ قروش، فهي تدل على التكسب والمال، وقيل سمي قريش من التقرش وهو التجمع، وهذا معنى آخر ذكروه أنه أخذ من التجمع، فهم كانوا متجمعين، يتناصرون فيما بينهم على غيرهم من العرب، المهم.

﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم النعمة، العربي الجميل في التعبير أنها أولاً تعطيك الأمر مبهماً ثم تعطيك إياه مفسراً، والتفسير بعد الإيهام يصنع ماذا؟ تشويقاً. التفسير بعد الإبهام دائماً من أساليب التشويق، زي ما سيأتي مع ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ويل للمصلين وتوقف هي آية كاملة، طيب كيف يا شيخ آية كاملة؟ هذا اسمه إبهام، أنت ستتوقع شو هي للمصلين، شو مالهم المصلين، لماذا ربنا عز وجل أهلكهم؟ فتعرف أنه بيعمل لك تشويق حتى يجذب انتباهك. نفس الشيء هنا ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، لاعتياد قريش، ايش يعني؟ فهذا بيعمل لك نوع من إثارة الذهن، ماذا اعتدنا؟ فكفار قريش لما بدهم يسمعوا هذه الآية ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، هي الآية الأولى الآن انتهت الجملة الأولى بالنسبة لهم، هل هي واضحة أم لسه تحتاج لتفصيل؟ تحتاج لتفصيل، ماذا يقصد الله سبحانه وتعالى بـ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؟ أي إيلاف ما هو الشيء الذي اعتدناه وألفناه؟ ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، فجاءت الثانية كاشفة عن الأولى من باب الإيضاح بعد الإبهام، ليكون هذا أدعى لجذب الانتباه ولاستقرار الشيء في النفس، هذه من أساليب العرب في الخطاب، فالله سبحانه وتعالى أبهم ما هو الشيء الذي ألفوه في الآية الأولى ثم صرح به في الآية الثانية ليكون ذلك أدعى إلى الاهتمام والاحتفاء. ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ إيلافهم، فإيلافهم الثانية هي بدل من الأولى، ما إعرابها؟ بدل من الأولى ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف.

أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم النعمة فيه، ونصب ﴿رِحْلَةَ﴾ بـ ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ مفعولاً به، وأراد رحلتي الشتاء والصيف فأفرد لأمن الإلباس. ونصب ﴿رِحْلَةَ﴾ بـ ﴿إِيلَافِهِمْ﴾، ﴿رِحْلَتَ﴾ مفتوحة اليس كذلك؟ إذاً هي منصوبة بالمصدر، مفعول به مش لفعل، مفعول به لمصدر؛ لأن الإيلاف مصدر يعمل عمل الفعل فنقول رحلة مفعول به للمصدر.

وكانت لقريش رحلتان، يرحلون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون. يمتارون يعني نوع من الميرة، يأتون بالميرة، ما معنى يمتارون؟ يأتون بالميرة، بالطعام، بالشراب، بالأكل لمكة. وكانوا في رحلتيهم آمنين؛ لأنهم أهل حرم، فلا يتعرض لهم أحد وغيرهم يغار عليهم. يعني بالنسبة لكفار قريش ما حدا بيحكي معهم، بس غيرهم من القبائل قطاع الطرق تقرب عليهم، أما قريش ما حدا قادر يمزح معهم بعد حادثة الفيل؛ لأنه كل واحد زي ما قلت يحسس على رقبته فيقول لك هسا بتجينا طير أبابيل خذ عاد تورطنا، فما حدا يتعرض لا قطاع طرق ولا قبائل ولا غيرهم.

فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. والتنكير في جوع وخوف لشدتهما. لماذا لم يقل الذي أطعمهم من الجوع؟ قال الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. التنكير عند العرب له مقاصد كثيرة، من معانيها التفضيع؛ فقوله من جوع كأنه يقول من نكرة، كأنه يقول يصعب عليكم أن تستوعبوه، يا أيها السامعون. الله قادر، لكن سبحانه وتعالى يخاطبنا كما هي أساليب العرب فيقول من جوع، خلاه نكرة؛ أنه جوع ضخم شديد فظيع وقاسي لا يمكن وصفه لكم، قادر على كل شيء، بس هي الفكرة حتى تفهم أساليب العرب أنه هذا لا يوصف، فنكتفي بماذا؟ بتنكيره.

هذا معنى قوله نكر الجوع والخوف لشدتهما، نكر الجوع والخوف؛ لأنه خوف شديد وجوع شديد، فالتنكير هو دلالة ماذا؟ الشدة. كيف أن يكون الشيء نكرة يدل على شدته وفضاعته؟ كأنك تقول هذا الشيء أصعب من أن يوصف، عفواً أصعب من أن يُعرف، قولك والله هذا الشيء لشدته صعب تعريفه، فأبقيه نكرة. فإذاً من هنا التنكير يأتي بمعنى التفضيع، أي أطعمهم بالرحلتين؛ بسبب التجارة أطعمهم من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم. وهو الخوف من ماذا؟ من التخطف من بلدهم ومسايرهم، أي الطرق التي يسيرون فيها في أثناء التجارة.

ماذا قال ربنا في سورة القصص: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: 57]، ويتخطف الناس من حولهم. يعني ربنا بيذكر كبار قريش في مرات كثيرة، القبائل من حولكم ما في حدا آمن، كلهم بيتقاتلوا، الناس تتخطف من حولكم، ونحن مكنا لكم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا. فهذه النعم بدك تشكر ربنا عليها بالتوحيد وإقامة شرع الله، ما دام في تمكين إذاً لا بد من إقامة شرع الله سبحانه وتعالى وتوحيده وطاعته، وهذا كما يكون على مستوى الشعوب والمجتمعات يكون على مستوى الأفراد والأسر.

إذا رأيت الله عز وجل مكن لك في حياتك بالراتب الجيد والحياة الرغيدة وأن أمورك ممتازة، هذا يجب أن تقابله بماذا؟ بقمة التعبد والشكر لله. يعني إياك أن تفهم هذه السورة فقط على مستوى الجماعة، بل هي على مستوى الفرد قبل ما تكون على مستوى الجماعة. من مكن له الله في ماله وأولاده وحياته وطمأنينته، هذا للأسف نحن في مجتمعاتنا كثير من الناس ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]، صارت معه مال ومصاري بيبطل حتى الصلاة في المسجد يقربها، وهذا للأسف القرآن كثيراً ما يحذر الأغنياء من الطغيان، بالعكس الله عز وجل إذا أنعم عليك ومكن لك في الأرض عليك أن تشكر هذه النعم بزيادة العبودية والإقبال على الله سبحانه وتعالى والبذل في سبيله.

لذلك قال: أو خوف التخطف من بلدهم ومسايرهم. وقيل كانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وآمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم، وقيل ذلك كله بدعاء إبراهيم عليه السلام. إذاً أحياناً الناس يذكر معاني جانبية قد تكون مبنية على قصص رويت عن العرب، أنت المعنى العام هو الذي يهمك في النهاية، أنهم كانوا يعانون من معاناة شديدة قبل حادثة الفيل، حادثة الفيل غيرت التاريخ ومجريات الحياة بالنسبة لهم، وهذا كله بالتأكيد أيضاً ببركة أو بتوفيق الله أولاً وآخراً، ثم من أسباب ذلك بركة دعاء سيدنا إبراهيم.

ماذا قال ربنا: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]. هذا ختام تعليقنا على سورة قريش.

سورة الماعون أيضاً من السور التي تؤسس للعقيدة في قلب المسلم أيها الكرام، وفيها فكرة أساسية وجوهرية، فيها قضية ثمار الإيمان باليوم الآخر كيف تنعكس على حياة الإنسان. الإيمان باليوم الآخر كيف تظهر ثماره وتنعكس آثاره على حياة الإنسان إيجاباً؟ أو إذا كنت مؤمناً باليوم الآخر ماذا سيحصل؟ وإذا فقدت الإيمان باليوم الآخر ماذا سيحصل؟ الآن السورة ركزت على الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، ما هي ثمار هذا على حياتهم؟ بمفهوم المخالفة أن الذي يؤمن باليوم الآخر ستكون الثمار بالعكس.

فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 1-7]. كل هذه الأمور التي ذكرها هي كلها نتيجة عدم الإيمان باليوم الآخر أو ضعف استحضار اليوم الآخر. فهذه السورة إياك أن تطبقها فقط على الكفار، بل طبقها على نفسك؛ لأن هذه الأمور وهذه الأخلاق الرديئة لا تظهر فقط عند الكفار باليوم الآخر، بل تظهر حتى عند المسلمين الذين يضعف استحضارهم لليوم الآخر.

تمام، هكذا تكون السورة عملية في حياتك وواقعية. فربنا يقول ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، أنت لا تقول: آه إذاً مش أنا هو، ربنا بيتكلم عن اللي بيكذب بالدين وأنا مش مكذب بالدين. شوف، أنت مش مكذب بالدين يعني إن شاء الله عقيدة نظرية بشكل جيد، لكن كثير منا من الناحية الواقعية عنده نوع من إهمال يوم الدين، وهذا شكل من أشكال التكذيب، ولو لم يكن كفراً لكنه في النهاية هو شكل من أشكال التكذيب وضعف الاستحضار الذي سيؤدي إلى ظهور الأخلاق الرديئة، ولا شك.

طب هذه مهمة جداً؛ إذاً لاحظ الله سبحانه وتعالى يعطيك درس، الذين يفقدون استحضار الدار الآخرة في حياتهم ماذا ستتولد عندهم من الخصال والطباع؟ أولاً ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، أول صفة هي الشح وعدم حب البذل بشكل عام. الذين لا يؤمنون بوجود دار آخرة فيها جزاء والله يجيب فيها من أعطى وبذل، فهذا بالنسبة له إنما منظوره للمال المتعة الشخصية والحياة الخاصة، فهو غير مستعد أن يبذل في أي شكل من أشكال الفقر أو المساكين أو الأيتام أو حتى المشاريع الدعوية أو الإصلاحية أو ما شابه ذلك.

هو لا يحب أن يبذل؛ لأنه شحيح لأنه لا ينتظر العوض، هو عنده ضعف في استحضار الدار الآخرة، ما عنده استحضار للدين، الدين: الجزاء. بالتالي أول خلق أو من أوائل الأخلاق التي ستظهر مباشرة هو التمسك بالدنيا والتحلق حولها والعض عليها، وبالتالي لن تجده باذلاً، بل بالعكس تجده يقف في أوجه البذل ويحاول أن يغلقها. لاحظ التعبير القراني ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾.

طب هو كان بإمكانه ما يعطيه بس بدون ما يدعه، صح ولا لا يا شيخ؟ يعني أنت ليش دعيته؟ جاءك يتيم طلب منك مال، يا أخي خلص أعرض عنه ما تعطيه، كلمة دع اليتيم تدل على ماذا؟ هي أثرها النفسي للقارئ أنه هو مش فقط ما بده يقدم، لا، هو يكره سبل مساعدة الناس ويحاول أن يتخلص منها ويواجهها ويحاربها. هذا هو ضريبة عدم الإيمان باليوم الآخر، أن الإنسان يغرق في أوحاله المادية كالحالة الغربية المعاصرة، تغرق في أوحال المادية فتصبح بالرأسمالية في أسوأ صورها؛ الرأسمالية التي تعني حياتي أنا فقط أن أجمع المال وألهى ثراء المال ولا أقدم في أي مكان إلا إذا كان البذل يعود لي أنا بالمصلحة الدنيوية.

ما بدفع إلا لطعام أنا أشتهيه، ما بدفع إلا لزواج وعلاقة توفر لي شهوة، ما بدفع إلا لرحلة أنا أشعر فيها بالمتعة. طب تدفع لشيء أو ليتيم أو لمسكين أو لأرملة وتنتظر ثواب أخروي ليس دنيوي، هذا غير معروف عند من لا يؤمن باليوم الآخر؛ لأنه ليش أعطيها؟ ليش أساعد اليتيم؟ ماذا أنتظر من هذا؟ إلا في حالة واحدة، ما هي؟ إذا كان سيكون يبحث عن مجد دنيوي وثراء، ممكن يعطي، بس برضو رح يحصل ثناء دنيوي؛ ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾.

هو لذلك ربنا أعطاك مختلف صفاتهم. الذي لا يؤمن بيوم الدين شيء طبيعي، الدين ما هو يا إخواني؟ الدين هو الجزاء. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾؛ الجزاء. ما بتؤمن باليوم الآخر، إذاً أي عطاء أنا سأنتظر منه المردود الدنيوي، المردود الدنيوي قد يكون شيء حسي وقد يكون شيء معنوي، يراءون، بدي الناس تثني علي. عشان هيك اليوم في الغرب بتلاقي بعض الكفار بيشارك في جمعيات إنسانية في جمعيات إغاثية، وبتلاقيهم أحياناً طالعين أسطول حرية ومش أسطول. يعني بتلاقي بعض الناس عنده هذه الأشياء صحيح، وأنه كافر نصراني ولا شيء، هو لا ملحد ممكن يكون بعضهم.

فشو اللي بخليه يبحث عن ذلك؟ هو يبحث عن أثر دنيوي، بتعرفوا أحياناً الأثر الدنيوي هو لا يكون قد لا يكون رياء، بعضهم يحاول أن يفعل أي شيء في الحياة من أجل يمضي الوقت، يعني حالة الفراغ في أوروبا أنك بتلاقي بعض الناس مش عارف شو بده يسوي، خلص معه مصاري وكذا، ما في شيء أعمله في الحياة لا يوجد دين، بالتالي يريد أن يملأ الوقت بأي شيء يشعر فيه أنه عملت شيء منيح حتى أشعر نوعاً ما بالرضا عن نفسي. المهم هو يبحث عن مردود دنيوي بغض النظر ما شكله، سواء لذة أو رضا عن النفس شخصي، لا يبحث أنه في إله أنا برضيه وبالتالي سأذهب إليه يوم القيامة وأنتظر؛ لا، هو فقط مجرد الرضا عن النفس، أو يبحث عن المجد وأن يرى وأن يشار إليه بالبنان.

إذاً نعود إلى هذا التعبير ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾؛ في العادة الذي لا ينتظر جزاء أخروي سيتعامل مع أوجه البذل بأبشع وأسوأ أنواع المعاملة، سيدع اليتيم، لن يكتفي فقط بأنه ما يعطيه، لا، سيحاول أنه يجعل هذا اليتيم ما يفكر مرة ثانية يجي، وأنت لما تدعه خلص كأنك بتقول له ما بدي أشوف وجهك مرة ثانية. الآن النبي عليه الصلاة والسلام كان أحياناً يعطيه بعض الأعراض ما يكون عنده مال، لكن ماذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق».

أنا ممكن يجيني يتيم أو إنسان فقير، أنا ما عندي قدرة أعطيه، بس ممكن أسمعه كلمة طيبة، الله ييسر لك أمورك، إن شاء الله بتتيسر، يعني على الأقل سمع مني كلمة جيدة. لا، هذا الرجل هو يكره البذل يكره العطاء، وبالتالي أي صورة أمامه من أوجه البذل والعطاء هو يحاول أن يمزقها، يحاول أن يدفعها، إنه هو ما بده بذل ما بده عطاء. فهذا دع اليتيم يعطيك مدى التشوه النفسي اللي عنده في الداخل، صحيح، كم هو إنسان مشوه، كم هو إنسان سيء في داخله، كم هو إنسان حاقد على أي شكل من أشكال البذل والعطاء؛ لذلك يسعى إلى تمزيقها.

ولذلك ماذا قال في الآية التي تليها ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾؛ يعني هو لم يكتفي فقط أنه هو دع اليتيم وما بده يعطي وبده يمزق، لا، هو برضو بده الناس ايش تكون زيهم. ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، شوف حجم التشوه عند هذا الشخص، يعني كم هو لئيم، يعني ما بدكش تعطي، تخلي الناس تعطف؟ لا، بعض الناس تقعد معها اليوم في مجتمعاتنا المسلمة: أنه يا أخي حوش مصاريك دير بالك عليها كذا، شو يعني تروح تعطي لإخوانك في غزة أو إخوانك التعبان كذا؟ بكره أولادك، بصير يهول لك الدنيا وكذا ويصعب الأمور والأحوال، وإخوانك هذول ربنا بيرزقهم، أنت... فهؤلاء الناس ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ما بده يحض على مساعدة أي إنسان في هذا الوجود أو في هذا المجتمع الذي يعيش فيه، قمة التشوه بسبب المادية الممقوتة التي.

هذا أول أثر من آثار عدم الإيمان باليوم الآخر هو الشح والحرص على الدنيا، والتشوف في التعامل مع الحالات الإنسانية والمجتمعية، وعدم خدمة الناس والمجتمع. هي فكرة عامة يمكن أن تنطلق في سورة الماعون إلى فكرة خدمة الناس والمجتمع؛ لذلك اسمها الماعون. ما هو الماعون يا كرام؟ هو أتفه الأشياء في منزلك، مثل الصحن، والقدر، والفأس، التي تأتي الجارة وتدق على جارتها: عندك صدر؟ عندك قدر؟ الماعون هو ماذا؟ هو الأدوات المنزلية البسيطة؛ كالدلو والقدر والطست والفأس، هذه هي الماعون.

فالله عز وجل يريد أن يخبرك أن هؤلاء الذين يكذبون بالدين، أتفه الأشياء تجدهم حريصين عليها، كم هو بخيل، كم هو شحيح! إذا بده يعطي لشخص شيئاً، بده يعمل لك ألف قصة وألف حساب وألف شغلة. طيب يا أخي عادي، أعيرني هذا الماعون يوماً أو يومين وأرجعه لك، لا؛ بصير يحسب وكذا ويتأخر الجار، طيب وين الاحتساب؟ وين يا أخي بدي أساعد جاري؟ «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره». عدم الإيمان باليوم الآخر يصنع هذه النفوس المشوهة، بخلاف الإيمان باليوم الآخر يغيرك ١٨٠ درجة؛ إنه بالعكس، لو جاري أخذ الماعون وما رجعه الله يهنيه، مش مشكلة، عادي دنيا. لو فلان فقير أو مسكين وحواليك وأنت معك مال، تتقاسم معه لقمة العيش.

النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يرد سائلاً ولا مسكيناً؛ إما يعطي، وإما يدل، وإما يسمعه كلمة طيبة، ما في عندك حال ثالث، وغالب أحواله العطاء. إذا كان موجوداً ما بقصر، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن الدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل قال تحت ظل شجرة ذهب وغادرها. يعني التقاتل على الدنيا والتمسك بأثاثها وزخرفها شيء تافه جداً؛ لأنه في النهاية هذا المال سيذهب، أو أنت ستذهب، واحد منكم سيغادر، ثم في النهاية الاثنين ستغادرون. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمك عدم الحرص، لا يعني هذا أنك ما تتمتع بمالك، لا مشكلة تمتع بمالك، لكن لا تكن شحيحاً، خلي عندك نفسية الباذل المعطاء الذي ينتظر من عند الله سبحانه وتعالى الجزاء والتعويض. خلي حرصك على الدنيا قليلاً، ولا تكن شحيحاً، كل هذه المفاهيم هي ثمرة الإيمان بأن الدنيا فانية، وأن الدين قادم، والجزاء قادم، والدار الآخرة قادمة.

الشكل الثاني من أشكال التشوه عند من لا يؤمن بالدار الآخرة أو لا يستحضرها هو التقصير في موضوع الصلاة. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]. قلنا هذه رأس آية يوقف عليها، تستطيع الوقوف ثم تكمل؛ أما أنك تكون في الصلاة وتقول فويل للمصلين، الله أكبر، ما بينفع؛ لأنه لازم يكتمل معنى السورة. قالوا: لا يوقف عليها من حيث أنه واحد يسكر المصحف عنده المصلين صدق الله العظيم، لا بيزبط، في سورة أو في مكان أو في محفل بدك تكمل، لكن أقصد أثناء القراءة لازم أقول: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5].

لا يصير أقول فويل للمصلين وأسكت، لا، ما دامت وضعت رأس آية، إذاً تقف وهو وقوف صحيح، بل مطلوب؛ لأنه هذا الوقوف هو بيعمل نوع من العصف الذهني لدى السامع؛ فويل للمصلين! هسه كل الناس بصير تركز، ليه نحن المصلين يتم توعدنا؟ فأنت بدك تعرف ليه ويل للمصلين، شو الموضوع؟ وهذه من أساليب العربي الجميلة أنه يجذب انتباهك، يخليك يشدك حتى أنت تركز شو مين المصلين اللي ويلهم. طب أنا بصلي، طب معنى ويل لي؟ أكيد في شيء الآن رح يجي حتى يكتمل المشهد: فويل للمصلين، أي نوع؟ قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5].

كان السلف يقولون -وقصة ذكرها عن الحسن وأنس- قالوا: الحمد لله الذي لم يقل الذين هم في صلاتهم ساهون، وإنما قال عن صلاتهم ساهون. لأنه الذين هم في صلاتهم ساهون كلنا ذاك الرجل، كلنا في صلاتنا بنسهو، فلو قالت: ويل للمصلين الذين هم في صلاتهم ساهون، معناته رحنا فيها، كلنا نسهو ونضيع ونفكر في الدنيا، الله يثبت عليه. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم وجاء في الآثار أن أول ما يرفع من الأرض الخشوع في الصلاة، أول عبودية ترفع من الأرض الخشوع في الصلاة، وهذا واقع. وجاء في بعض الآثار حتى يدخل الرجل على المسجد فلا يجد فيه خاشعاً، الناس بتصلي بس كل واحد سرحان، ومبين هذا في هيئاتهم وأشكالهم، وهذا بتطلع سقف المسجد، وهذا بتطلع سجاد المسجد، وهذا ما في واضح هيئات من الخشوع والوقار، هذه أول عبودية ترفع من الأرض.

فالله سبحانه وتعالى يخبرك أن الذي يغفل عن الدار الآخرة هو أكثر الناس عرضة لأن يكون عن صلاته ساهياً، ما معنى عن صلاتهم ساهون؟ أي قالوا عن أدائها في أوقاتها، بحقوقها وواجباتها. فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، أي ساهون عن إقامتها في أوقاتها. متى أخونا بيصلي الفجر؟ الساعة ٨ الصبح، هذا عن صلاتهم ساهون، مرة ماشي واحد ممكن يخطئ ينام متأخر، يكون تعبان، لكن في ناس لا؛ هو وظيفته اليومية أن صلاة الفجر قضاء مش أداء، يعني صلاة الفجر الساعة ٨ أو ٩ تغير وقتها عنده، هؤلاء فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، هذا ساهٍ عن صلاته، هذا مش مهتم أنه ينام مبكراً أو يضبط المنبهات أو يحط أشياء معينة حتى يستطيع أن يصلي الفجر على الأقل إذا ما صليتها في المسجد، على الأقل أنك تصليها ضمن وقتها الشرعي.

وعموماً تجده في أي مكان، حتى في الشغل وفي الجامعة وبيئة العمل، دائماً بتكون صلاته آخر ١٠ دقائق قبل ما يطلع الوقت بعشر دقائق قبل، هذه ماشية حتى لو كانت أداء، بس في النهاية هو نوع من السهو عن الصلاة، عدم اهتمام بأن تقام في أوقاتها في الوقت المناسب لها بالشكل الصحيح. الصلاة عنده ملاحقة، هي آخر الملفات وليست أول الملفات في أوقاتها. هؤلاء يتوعدهم الله، وهذه طبعاً نتيجة ماذا؟ هي نتيجة ضعف الإيمان بالدار الآخرة، الذي يؤمن بيوم الدين يعرف أن الصلاة هو أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، لكن الذي عنده عدم اهتمام، عدم اكتراث بيوم الدين أو مكذب، فهذا بشكل عام المكذب لن يصلي، لكن اللي عنده نوع من النفاق فتكذيبه تكذيب المنافقين، أو ضعف استحضار للدار الآخرة، هذا بشكل عام صلاته مباشرة ستتأثر.

ولذلك كان السلف رضوان الله تعالى عليهم من أهم السبل التي يبذلونها من أجل استحضار الخشوع في الصلاة والاهتمام في الصلاة، استحضار الدار الآخرة. فتجد إذا صلى جعل الجنة عن يمينه، والنار عن شماله، والموت تحت أمامه، كل واحد بيعمل طريقته إنه يتذكر قضية أنه هي قد تكون صلاة مودع، هي آخر صلاة في حياتي، هذه الاستحضارات بتخلي الإنسان يعطي اهتمام. استحضارك أن الصلاة مهمة وهي الرابط الأساسي بيني وبين الإله، بتخليك تحرص على الصلاة في أول وقتها، تحرص على إتمامها بخشوعها وادائها على القيام بواجباتها وأركانها، تعطيها نوعاً من الاهتمام الذي يشعر أنه هذا شخص فعلاً مؤمن بالدار الآخرة.

يعني صلاتك تعطيني انطباعاً عن مدى اهتمامك بالدار الآخرة، باختصار طريقة اهتمامك في الصلاة تعطي الانطباع عن طريقة اهتمامك بالدار الآخرة. لذلك حتى كثير شباب يجي يسألني: شيخ بدي أروح أتجوز فتاة، أو هي الفتاة بتسألني إنه والله أجاني شب تقدم لي، شو أول سؤال نسأل فيه؟ أول سؤال صلاته. صراحة أول سؤال صلاته، لا تسألي عن راتبه، ولا تسأليه عن ابن مين هو، ولا تسألي عن مين بيحضر مشايخ لا، قبل كل شيء حطي لي هذا الملف على جنب، أنا بدي أشوف صلاته، صلاتك تعطي انعكاساً عن اهتمامك بالدار الآخرة بتدينك، إذا صحت صلاته صح دينه عموماً. والله شاب حافظ على الخمس صلوات في المسجد، ممكن يكون عنده تقصير في بعض الجوانب ما في واحد فينا كامل، شيء طبيعي، بس اهتمامه بالصلاة بيعطيك طبيعة ما تصور هذا الشخص عن التدين.

أنه شخص لا يصلي الفجر في المسجد ولا يهتم بهذا الملف أصلاً، والشخص دائماً صلواته في البيت ما بيصلي جماعة، يعني بعض الناس بقول لك طيب ما هو يا شيخ في مذاهب، يا أخي النقاش مش فقهي هنا، مش أنه صلاة الجماعة في المسجد سنة مؤكدة لا، هو نقاش قلبي؛ لأنه حتى الشافعي اللي بيحكي أنها سنة مؤكدة، كان بيصلي في المسجد، والشافعي كان بيصلي في البيت لأنه لا يرى صلاة الجماعة، فهمتوا علي؟ بعض الشباب بصير بده يناقش الموضوع من ناحية فقهية، المواضيع هي لا تناقش فقهاً، وإنما تناقش قيمة، يعني هذا الشخص ما قيمة التدين في حياته، كيف ينظر للصلاة، وكم يعطيها حجماً واهتماماً وترتيباً وتنسيقاً، وهل صلاته يظهر فيها الخشوع والتركيز أم مشى الحال؟

فأنا أعتقد أن الشخص الخاطب أو المخطوبة إذا كان متقدماً في باب الصلاة فهذا مؤشر جيد جداً، حتى لو كان مقصراً في أبواب أخرى اجتماعية أو وظيفية أو شيء من ذلك، لكن إذا كان ضعيفاً جداً في باب الصلاة، حقيقة مش مكسب، مش مكسب حتى ولو كان متقدماً في أمور مادية أو دنيوية، مش مكسب أنك تزوج بنتك، أو الفتاة تتزوج هذا الشاب، موضوع الصلاة عنده غير مكترث به أو غير مهتم بها. طيب طبعاً مشكلة بعض الشباب بس يروح يخطب، بصير ما شاء الله مسطرة، فترة الخطبة بصيروا يسألوا عنها، بروح بصلي في المسجد وكذا، يروح أهل المسجد يسألون، بتشوفوه بتصلي؟ آه والله صار يصلي، صار يصلي أسبوع، جديد صار يصلي، إنه عارف أن أهل البنت رح ييجوا يسألوا عنه، بصير يسال الإمام، آه بتيجي الفتاوى ويجي العلم ويجي الورع أول أسبوعين. بعدين والله قصص كثيرة، كثيرة أن الشاب بيجي يتقدم لفتاة ويعطيها أنه أنا بصلي، وبصير أول أسبوعين ثلاثة يصحيه على الفجر، يصحى خطيبته، بعد ما يتعود على الخطبة شهرين ثلاث، تفرض أجت الأخت، شيخ طلع ما بيصلي، أو طلع بيصلي في البيت.

باقي وقلت لهم والله يا أخواتنا وشبابنا أغلب قصص أفلام، يعني خلص هو عينه على واحدة بده يتزوجها بصير الحسن البصري أول شهرين بعدين بصير واحد ثاني في الآخر، فالإنسان ينتبه أنه هذه القضية السؤال على موضوع الصلاة مهم، وأنه هذه القضية مش أنا الآن صار يصلي ولا لا، هذا يسأل عنه أصحاب الخبرة الباطنة، أنه هل هو معروف عنه الصلاة في المسجد؟ هذا هو السؤال الذكي أنك تروح على أهل المسجد اللي حواليه؛ لأنه هذا الرجل رؤية قديماً بتبين. طيب ما أنا بعرف أنه فيها شوية صعوبة، بس ما هو بدك تتعب عشان بنتك، بدك الصراحة؛ لأنه كثير من الشباب والبنات يمارسون المخادعة الناعمة، لا بدك تتعب، أنت لما بدك تشتري سيارة بتسأل ألف شخص، لما بدك تجيب شغلة محرزة بتسأل، ولبنتك والله بتستحق السؤال، هذه حياة، والله بروح بسأل وبحاول أعرف مين الشخص اللي ممكن يجاوبني، ولو جلس القبر الشاب مستعجل بده جواب سريع، شو مش كيس بندورة يا عم الله يرضى عليك! ما هي حتى لو بدك جواب سريع بدي أقعد أنا أسبوعين حتى أعرف مين ممكن أسأل عنك لأتأكد، هل أنت ممن هم عن صلاتهم ساهون، ولا أنت ممن تحافظ على إقامة الصلاة في أوقاتها بحقوقها وواجباتها؟

ثم ربنا عز وجل أخبرنا عن صفة أخرى في الذين يكذبون بيوم الدين، قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: 6]، المراءاة، بتعرفوا الرياء هي أحد الممارسات المشهورة لمن هو غير مكترث بيوم الدين، هو لا ينتظر الجزاء الأخروي أو غير مهتم به، وإنما هو معول على الجزاء الدنيوي من الثناء، وأن الناس تشير إليه بالبنان، ويقال فلان كريم، وفلان عالم، وفلان قارئ. مش أول من تسعر عليهم النار بهم ثلاثة؟ الرجل الشهيد قاتلت فيك، قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال شجاع، ذهب به إلى النار. ثم يؤتى بالعالم، فيقال له تعلمت من أجلك العلم وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ، أخذت أجرك في الدنيا، اذهبوا به إلى النار. وكذلك الكريم إنما تبرعت أو أنفقت ليقال جواد، اذهبوا به إلى النار. فالإنسان المرائي هو الذي قد يفعل أفعالاً خيرة في الظاهر، لكن هو يريد ماذا؟ العوض الدنيوي، المراءاة، وأن يشار إليه، وهذا أيضاً نتيجة عدم أو ضعف استحضار الدار الآخرة.

ثم ختم بأسوأ صفة فيهم زي ما قلنا: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7]. يمنعون الماعون، أحقر الأشياء في المنزل، لهالدرجة؟ آه لهالدرجة، هذه ضريبة عدم الإيمان باليوم الآخر، أن يكون أخلاقياً سلوكياً، أنت بتشعر السورة بتعطيك قاعدة صفات مختلفة مشوهة لهذا الشخص، يعني لا هو في العمل الاجتماعي يقدم، بل بالعكس يمزق العمل الاجتماعي، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 3]، ولا هو في علاقته مع الله، ماشي ﴿عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5]، وإذا عمل خيراً مرائي، وإذا فكر يعمل عملاً اجتماعياً خيرياً أو عملاً إنسانياً هو إيش هدفه؟ الرياء. شوف الشخصية المشوهة ورجل حريص على الدنيا، شحيح بها لدرجة أنه حتى أسوأ.

الأشياء يأتي جاره يطلب منه عارية، بس بده يستعير فأسًا أو دلوًا أو شيئًا، فيمنع الماعون. هذه كلها ضريبة عدم الإيمان باليوم الآخر. وأما الإيمان باليوم الآخر فيغير كل هذه الصفات الخبيثة في النفس الإنسانية، ويجعلك إنسانًا راقيًا محافظًا على صلاتك، لا تنتظر جزاءً من الناس، لا ترائي، تعطي الناس كل شيء. فمنع الماعون هو شعار عدم الإيمان باليوم الآخر. كان الله يقول لك: شوف أسفل سافلين، شوف الانحطاط، فأس طلب منك شو؟ طلب منك أداة بسيطة من أدوات المنزل، لهذه الدرجة وصل بك الحرص على الدنيا؟ هذا سرطان، حب الدنيا سرطان، التمسك بها والعض عليها.

أما المؤمن فبالنسبة له بالعكس؛ الماعون هذا أخف شيء، يا جار بدك أعطيك؟ شيء أعلى من هيك؟ يعني عقول بعض الناس يقول لك بدي خدمة، يعني شو مع بدي شيء أكثر من هيك أعطيك إياه؟ بالنسبة له هذا الماعون يعتبر من الأشياء اللي بالعكس؛ أنت ادخل حاكورتي وخذ اللي بدك إياه واطلع، ما في حرص على الدنيا، ما عندها التمسك الكثير بأموالها وزخرفها. لو انكسر شو المشكلة؟ بجيب شغله ثانية. هذا كله نتيجة الإنسان الذي خلاص هو يعرف أن الدنيا قريبًا تزول، ما في داعي أحرص عليها، أن في هناك عوضًا عند الله. هي العارية التي يعطيها، يا رجالي كم ثوابها عند الله عز وجل لما أكشف عنه كرب، لما أساعد في أمر من أمور الحياة الدنيا؟ هكذا هي سورة تعلمنا الإيمان باليوم الآخر يصنع نفسًا سوية، والتكذيب باليوم الآخر يصنع نفسًا مشوهة.

قال الإمام النسفي رحمه الله قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: 1] أي هل رأيت الذي يكذب بالجزاء؟ منه إن لم تعرفه فذلك الذي يكذب بالجزاء سأعرفك له. هذا أسلوب أيضًا من أساليب العرب في الحث، يعني اللغة العربية تملك العديد من الوسائل لحث السامعين على الانتباه، اللغة العربية تستخدم العديد من الوسائل لحث السامع على التركيز والانتباه، منها أسلوب الاستفهام. أبتعرف الذي يكذب بالدين؟ أرأيت الذي يكذب بالدين؟ فكأنه هذا أسلوب استفهامي بس هو ليس استفهامًا، بدي أعطيك من هو أنت ما بتعرف، أعطيك صفاته، هذا حث واستفزاز حتى يجذب انتباهك.

قال فذلك الذي يكذب بالجزاء، هو الذي يدع اليتيم، أي يدفعه دفعًا عنيفًا بجفوة وأذى، ويرده ردًا قبيحًا بزجر وخشونة، ولا يحض على طعام المسكين، ولا يبعث أهله على بذل طعام المسكين. جعل التكذيب بالجزاء علامة ودلالة، التكذيب بالجزاء ما هو؟ منع المعروف، منع المعروف جعل علامة التكذيب بيوم الدين. يعني ما علامة أن الشخص مكذب بيوم الدين والجزاء؟ أنه يمنع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف. أي لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لخشي الله وعقابه ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه دل أنه مكذب بالجزاء.

ثم وصل به قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4-7]. يعني بهذا المنافقين، أي لا يصلونها سرًا لأنهم لا يعتقدون وجوبها، ويصلونها علانية الرياء. أنا حقيقة لا أتفق مع هذا التفسير عمومًا أو هذا الحصر، يعني المنافقون شكل من أشكال الذين هم عن صلاتهم ساهون، لكن قد يكون كثير من المسلمين هم عن صلاتهم ساهون، فهي ليست متعلقة بالمنافقين، لا هي أعم من ذلك بكثير. نعم ممكن شيخنا يقصد المنافقين المرائين إلى المسألة. قال: يعني بهذا المنافقين لا يصلونها سرًا لأنهم لا يعتقدون وجوبها، هذول كفار، هو الذي لا يعتقد وجوبه شو حكمه؟ كافر. فأنا أعتقد أنه اختار مسارًا معينًا النسفي رحمه الله عليه، أنا ما بفضل هي الاختيارات، لأنه بتعمل حصرًا للمعنى، مع أن المعنى أوسع بكثير بكثير من هذه الدائرة المحصورة. هو لا يتكلم عن منافق نفاق أكبر، بل حتى عن بعض الذين عندهم إسلام، لكنه يقصر في صلاته لسبب ضعف استحضاره للدار الآخرة، هذول المنافقين هم شكل من أشكال، ما ذكره نوع، هذا تفسير نوع، لكن لا يمكن حصر الآية فيهم.

وقيل فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورًا وهم غافلون عن صلاتهم، وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم ولا تأدية لفرض، فهم ينخفضون ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون. يعني قصده يسجدون ويطلعون، يعني يسجد ويطلع وهو لا يعرف ماذا يفعل. ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض ويمنعون الزكاة وما فيه منفعة. وعن أنس والحسن قال: الحمد لله الذي قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم؛ لأن معنى عن أنهم ساهون عنها، سهو ترك لها وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين. وفي معنى فيه أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يخلو عنه مسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره.

والمراءاة مفاعلة من الإراءة، لأن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب. يعني كلمة المراءاة أخذت من أي قال: والمراءاة مفاعلة من الإراءة، فأصلها مأخوذ من الرؤية، إني أنا بدي أوريك ماذا أفعل، عشان هيك سمي رياء. المراءاة والرياء مأخوذ مادته من ماذا؟ من الإراءة، وكان المرائي يريد أن يري الناس ماذا يفعل، من هنا أخذ هذا من الرؤية، هذا جذرها الأصلي، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به. ولا يكون الرجل مرائيًا بإظهار الفرائض، فمن حقها الإعلان بها لقوله صلى الله عليه وسلم، ولا غمة في فرائض الله، يعني الفرائض الأصل ليست مكانًا للرياء، يعني أنك بتصلي خمس صلوات في المسجد، ما يجيك الشيطان يقول لك والله أنا خايف رياء بدي أصير أصليها في البيت للخمس صلوات، لا، ما الفرائض الأشياء الأساسية بالتالي مش شيء أنك تعتبر نفسك شيء عظيم جدًا أنك بتصلي الصلوات الخمس، جزاك الله خير بارك الله فيك، لكن ما في داعي تشوف حالك شيء، هنا هيني بصوم رمضان، هي الناس كلها بتصوم رمضان، بالتالي حجم الرياء في أعمال الفرائض محدود جدًا، الرياء إنما يخشى فيما هو في النوافل والتطوعات وما بعد ذلك. والإخفاء في التطوع أولى، فإن نظر قاصدًا للاقتداء به كان جميلاً. والماعون الزكاة، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما يتعاور في العادة بين الناس من القدر والدلو والمقدحة ونحوها، وعن عائشة: الماء، النار، الملح، يعني كما قلت الأشياء الخفيفة السهلة التي هي في متناول الجميع.

باسم الله. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]. نعم هذه الآيات أو هذه السورة سورة الكوثر هي أقصر سورة في القرآن تمامًا من حيث حتى عدد الكلمات لأنه هي ثلاث آيات، وسورة العصر أيضًا ثلاث آيات، لكن سورة العصر أكثر كلمات من سورة الكوثر. سورة الكوثر هي أقصر سورة في القرآن، لكنها سورة أتت لتعطي ما نسميه نحن الرسائل السريعة، وهي تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت للدعاة من بعده، أن الله سبحانه وتعالى يدافع عنكم. أن الله عز وجل يدافع عنكم حتى في أقل أشكال الأذى. يعني لما أنت تعرف قصة سورة الكوثر وأنه رجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك أبتر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، باعتبار أنه كان ولد له أولاد ذكور وماتوا ولم يعش له ولد ذكر، فقالوا له أنت أبتر أي ليس لك نسل يحمل اسمك، ودائمًا مين بيحمل اسم الأب؟ إذا كان له أولاد ذكور هم اللي عادة عند العرب يحملوا اسم والدهم، فجاء العاص بن وائل إذا ما خانتني الذاكرة فقال له إنك أبتر، أنت ما في لك ولد مقطوع، ما حدا راح يحمل اسمك.

الآن هذه الكلمة هي ليست ضربًا صح، وليست سجنًا وليست قتلاً للنبي عليه الصلاة والسلام، لكنها أذى نفسي، حتى هذا الأذى النفسي سأدافع عنك فيه، تذكر قضية ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]، أنه أخف أنواع الأذى، الله يدافع عن الذين آمنوا، فما بالك بأشكال الأذى التي هي أعلى من ذلك؟ يعني مجرد شخص يقول لك إنك أبتر سأنزل قرآنًا إلى يوم القيامة يتلى فيه ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. مجرد كلمة آذت مشاعر النبي الأعلى والقائد الأول صلوات ربي وسلامه عليه، الله تكفل بإنزال قرآن للدفاع عن مشاعره وأحاسيسه، فما بالكم بمن يتطاول على رسمه أو أذاه بأشكال أخرى؟ من يتطاول على سنته وعلى هديه؟ من يستهزئ به علانية، ماذا سيكون جزاؤه عند الله؟ إذا كانت هذه الكلمة التي ممكن البعض في قاموسنا الحياتي ممكن لا يراها من أسوأ أنواع الكلمات، لو واحد حكاها لشخص صح، لو واحد حكاها لشخص ما بتصير عليها قصة كبيرة، لكن لأنها قيلت في حق النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، أخذت مساحة كبيرة والله سبحانه وتعالى أنزل من أجلها قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة دفاعًا عن نبيه صلى الله عليه وسلم.

شوف الجمال في الدفاع، وهذا تثبيت له أنني أنا لن أتركك حتى على هذا المستوى، فما بالك في مستوى أن تتحرك بهذا الجيل، وأن تقيم دولة الإسلام، وأن تستطيع أنت والصحابة أن تفتحوا مكة، وما هو أعلى؟ إذا لم أتركك وشخص ينال منك أذى بكلمة، هل سأتركك وأنت تتحرك بالصحابة الكرام للفتوحات الإسلامية؟ أليس يعني أنت لو تركت في الأمور اليسيرة ممكن تقول فلان بس راح يعيني في الأشياء الكبيرة صح، لا لما يكون فلان عم بيعينك في أيسر أيسر الأمور، أنت شو تصورك أنه لما تيجي شغلة أدسم؟ من باب أولى سيكون حاضر معي، لن يتركني إذا هو في أي مشاعر صغيرة أو قد يساعدني ويقف معي، ولله المثل الأعلى، فالله سبحانه وتعالى وقف مع نبيه في أيسر الأمور، وحتى في الأمور اليسيرة التي تؤذي مشاعره وقف معه ليعطي رسالة له وأيضًا لكل الدعاة من بعده. لأنه هذه السورة إخواني ربما بعضها لما يقرأها يعتقد أنه أنا ما في لي تعبد فيها، يعني هي السورة فقط أقرأها عبادة لله، لكن هي فقط خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، لهذا خطأ، بل كل الدعاة إلى الله لهم نصيب من هذه السورة على قدر اقتدائهم بمقام النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، بقدر سعيك في الدعوة والإصلاح وتمسكك بنهج النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما ينالك نصيب من هذا التأييد الإلهي والوقوف الرباني معك، بقدر اتباعك.

فهذه السور حتى أنت يا أيها الداعي المصلح لك نصيب منها، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي إنسان يبغض الدعاة والمصلحين، تقول له إن شانئك هو الأبتر، لأن هؤلاء الدعاة هم والعلماء الربانيون هم ورثة الأنبياء، فيرثون حتى الدفاع عنهم، لأن الله دافع عن الأنبياء فهو يدافع عن ورثة الأنبياء من العلماء والدعاة المصلحين. فكل من يبغضهم ويقف في وجههم ويحاول أن يسجنهم أو أن يحرف أو أن يصيبهم بأذى وسوء، فالله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله يدافع عن الذين آمنوا، وكل من يقف في وجههم فشانئه ومبغضه أبشر مقطوع الخير، والله سيقطع خيره وتدبيره ومكره بالإسلام والمسلمين.

إذا ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، اقرأ. قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى قال الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ هو فوعل من الكثرة، وهو نعم كوثر على وزن ايش فوعل، يدل على الكثرة، كوثر من الكثرة، نعم وهو المفرط الكثرة، وقيل هو نهر في الجنة أحلى من العسل، وأشد بياضًا من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الخير الكثير. فقيل هنا الذي يظهر لي أنها بالمعنى العام الخير الكثير، ومن الخير الكثير الذي منحه صلى الله عليه وسلم ذلك النهر في الجنة الذي اسمه الكوثر، فلما يقول له ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ليس يعني الموضوع محصورًا فقط في النهر الذي في الجنة، لا، الكوثر كما قال ابن عباس الخير الكثير، إنا أعطيناك خيرًا كثيرًا على المستوى الشخصي والنسب والأخلاق والصفات والحياة صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ودائمًا ربنا علمك في القرآن أن يربطك بين النعم والعبادة، مش كفار قريش شو قال؟ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4]. النعم تستحق من أجلها أن تعبد الله وأن تخضع له، نفس الشيء هنا ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أي لربك، وهذا كما قلت خطاب لكل مسلم يوفقه الله سبحانه وتعالى للثبات على دينه، ربنا أعطاكم الكوثر، أعطاكم خيرًا كثيرًا، شو الكوثر اللي ربنا أعطاكم إياه؟ عدد نعم الله عليك، لما تقول أنا أعطيناك الكوثر، السورة خطاب لك أيضًا، مش ربنا أعطاك خيرًا كثيرًا؟ أول خير أعطاك إياه أنك مسلم، أنك مهتدي، طب هذا خير عظيم، والله ضمن هذا السواد الذي يعم العالم، والآلاف من الكفار يموتون اليوم، ويموتون في كل مكان، شوف الحروب الدائرة على وجه الأرض بين روسيا وأوكرانيا، ناس تموت يوميًا كفار، خالد مخلد في نار جهنم، انتهى ومات من أجل حرب بائسة ليس له فيها ناقة ولا جمل، شوف الكآبة، شو قيمة هذه الحياة التي تموت فيها؟

النهاية من أجل أن تدافع عن روسيا ولا عن أوكرانيا، بغض النظر. الآن تلاقي الهند وما فيهم من المجرمين الآن يهاجمون المسلمين في باكستان، مو الفنود، أنت آلاف ما بتعدهم مشان كثار، تمام؟ يموت كافرًا مدافعًا عن هندوسيته أو ما شابه ذلك. هؤلاء الكفار الذين يموتون في أرجاء العالم من أجل الحروب البائسة ومن أجل المواقف، فكر يعني مسكين ورط ورطة ليس لها نهاية، ورط في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا.

وبتلاقيه في النهاية «أنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا». هذا عاش من أجل دولته، أو عاش من أجل راية عمية أو عصبية جاهلية، وفي النهاية «أنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا». ربنا أتم ضيفين من العذاب، كلكم في النار، بس هذا بصرخ على هذا وعذاب 24 ساعة. هل كان الموضوع يستحق؟ يعني كلها رصاصة أتت فيك وانتهت، كان أولى أن تأتي فيك وأنت مسلم وموحد تعبد الله سبحانه وتعالى على خير، حتى لما تموت تموت من أجل قضية شريفة من أجل الله، ثم بعد ذلك تروح على الجنة.

يعني في النهاية أنت عارف إنك تروح على النار، بعض الناس مش بيستوعب، يعني 24 ساعة في النار، 24 ساعة فش بتصحى بتنام في النار والعياذ بالله. الموضوع مرعب، مجرد تخيل قضية الخلود الأبدي بتخلي الإنسان مرتعب، أنه أنا ما في مجال أخطأ، فش مجال إني أترك ديني لحظة؛ لأنه هنا بتتكلم عن الخلود الأبدي في جهنم.

فلما ربنا يقول لك: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، كل واحد فينا معه كوثر، كل واحد فينا فيه هناك خير كثير ربنا أعطاه إياه، الإسلام، ثم من بين المسلمين أنك أنت محافظ ملتزم بتصلي الصلوات الخمس وبتعرف ربنا وبتصوم رمضان، لأنه في كثير ناس ماشية عندها الإسلام بس ما عندها تدين، ومن بين المتدينين ربنا جعل عندك اهتمام بأنك تسمع كلام الخير وتحضر مجالس العلم والتفسير وتهتم بالقرآن، والله هذا كوثر عظيم عظيم. ومن بين أيضًا الكوثر الحالة المادية الجيدة، وأنك آمن في سربك وفي بلدك، الحمد لله في أمن وأمان وما حدا يخشى على عرضه أو ماله، وعندك دراسة ومتعلم، يعني لو عددت نعم الله عليك ستجد أنك في كوثر عظيم.

هذا الكوثر ماذا يستدعي؟ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]. ما في فيها، بدك تشكر الله، بدك تثبت على دين الله، مش حينفع أعطيك كوثر وفي النهاية أجدك مع العصاة والمذنبين والغافلين والبعيدين، بدك تعبد الله. فصلي لربك وانحر، ذكر الصلاة وذكر الذبح، وأنها من أصول العبادات الصلاة، وكذلك الذبح، وكثيرًا ما كان يقع الذبح بالتحديد، كثيرًا ما تقع التشوهات والشركيات عند العرب قديمًا وعندنا للأسف كثير من المسلمين حديثًا، الذبح للقبور، الذبح للأولياء، الذبح لسيدي فلان وسيدك فلان. بدل ما تعبد الله الذي أعطاك الكوثر، تتقرب إلى الأولياء والقبور وما شابه ذلك من أشكال التشوه في العقائد، فالصلاة لله والنحر لله، وقس عليها طبعًا كل أنواع العبادات الأخرى يجب أن تكون لربك.

طيب ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾، كل من يبغضك ويقف في وجهك يا أيها المسلم الثابت على الدين، قد يكون أقارب، قد يكون مستبدين ظالمين في مجتمعك، والأمم الكافرة عمومًا، كل من يبغض تدينك؛ الشانئ هو المبغض، كل من يبغض حالة التدين الذي أنت فيها ويحاول أن يهدمها داخليًا وخارجيًا هو الأبتر، هو المقطوع، هو الذي سيقطع الله سبحانه وتعالى عليه الطريق، سيقطع عليه مشاريعه، سيقطع عليه مخططاته، وإنما يستدرجهم سبحانه وتعالى ليوم لا ريب فيه.

فالله سبحانه وتعالى يعطيك درس سريع لكنه مهم حتى يثبت الإيمان في قلبك، أعطيتك خير كثير اعبد الله. يعني في أحيانا نحن بنكثر، معطيه درس ساعة ونصف بس القرآن بيعطيك إياه دقيقتين أو أقل، وبيقول لك القرآن: أعطيتك خير كثير، صلي لربك وانحر بس، روح اشتغل، خلص، يعني ما تنتظر دائمًا لازم محاضرات بعد محاضرات، وبعدين ما حينفع تشتغل إلا بمحاضرات، لا في جانب من التعبد بده يكون في حياتك، حياتك تكون لله، خلاص يعني أنت فاهم الدرس، أنا معطيك خير كثير روح تعبد لي، صلاة، عملاً، بذلاً، دعوة، إغاثة ملهوف، مساعدة ناس، رعاية لأبنائك، تربية لأسرتك، عندك برامج كثيرة بتنتظرك في يومك وليلتك، لا تنتظر دومًا لازم محاضرات محاضرات حتى أشتغل، بده يكون عندك نوع من اليقظة الذاتية للنعم التي أنت غارق بها.

طيب، فقيل له: فأن ناس يقولون هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير، هو من الخير الكثير. صحف ابن عباس، الكوثر هو من الخير وليس هو فقط الوحيد الخير، نعم. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ فاعبد ربك الذي عزك بإعطائه وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، ﴿وَانْحَرْ﴾ لوجهه وباسمه، إذا نحرت مخالفًا لعبدة الأوثان في النحر لها، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾، إن من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم هو الأبتر، المنقطع عن كل خير، لا أنت؛ لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر.

نعم، شو فائدة الأولاد؟ أنه يحملوا اسم والدهم، النبي عليه الصلاة والسلام نحن كلنا أولاده، أولاده ديانة، والنبي صلى الله عليه وسلم اسمه دائمًا مرفوع في كل منبر وفي كل مكان، في كل درس وفي كل ختام، فحصل له من الرفع بذكر اسمه ما لا يحتاج فيه إلى أولاد صلبين، نعم، وذكرك مرفوع على المنابر وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر، إنما الأبتر من شآن، إنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة. قيل نزلت في العاص بن وائل، سماه الأبتر، والأبتر الذي لا عقب له، وهو خبر إن، وهو فصل، وتعتبر فصل، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، يسمى ضمير فصل، هذه قضية نحوية.

طيب نختم سورة الكافرون اليوم، اقرأ: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]. سورة الكافرون هي تمثل ربع القرآن كما جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي سورة مفصلية في بيان عقيدة الولاء والبراء، سورة مفصلية في المفاصلة بين المفاهيم الشرعية وبين المفاهيم الكفرية، وأنه لا يمكن أن تلتقي هذه المفاهيم في منتصف الطريق.

الله سبحانه وتعالى يخبرنا ويبين لنا أن العقائد هذه لا يمكن أن تلتقي مع عقائد الكافرين، لا في ديانة إبراهيمية ولا ما غيرها من الديانات التي يحاولون أن يطرحوها على الأجيال القادمة من هذه الأمة. هذا درس عظيم الله عز وجل يعطيه للشباب وللجيل في كل زمان وفي كل مكان، عليكم أن تعرفوا أن المفاهيم العقدية لا تقبل الاشتباك ولا الالتقاء ولا المساومة ولا المداهنة في مرحلة من مراحل هذا التاريخ. نحن نعرف المصالح الدنيوية، نعرف الالتقاء في مصالح لوجستية، في مصالح اقتصادية، هذا مفهوم، لكن في الدين ما في التقاء، ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. يعني هي هذه تكون قضية ثابتة عند كل مؤمن موحد يعرف أنه لا مساحة للتلاعب في مفاهيم الشريعة، لا مساحة لأن تعطي الطرف الآخر مساحة أن يتلاعب أو يغير أو أن يقول لك طب تنازلنا شوي، أنت عن فكرة شرعية وأنا بتنازل عن فكرة عندي، لا، ما فيش فيها، لا تقبل المساومة العقائد والثوابت الشرعية.

قيل إن طائفة من قرشيين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم يساومونه، قالوا: يا محمد صلى الله عليه وسلم، تعبد ربنا يومًا ونعبد ربك يومًا، أو تعبد ربنا دهرًا ونعبد ربك دهرًا. يعني بدهم يحاولوا يساوموه مساومة سميجة، أنه أنت شو رأيك، أنت مصر على موقفك في مواجهتنا، طيب نعطيك هذا العرض، تمام، أنه نحن نعبد ربك مثلاً شهر، أنت الشهر الثاني بتصير تعبد ربنا، الشهر اللي بعدي نصير نحن بنعبد ربك، وأنت الشهر اللي جاء بعدي تعبد أصنامنا مع ربك. يعني عرض حاولوا يقدموا له عرض.

فالنبي عليه الصلاة والسلام الله عز وجل ينزل عليه هذا: ﴿قُلْ﴾، يعني قل لهم هذه الإجابة من الله مش منك ابتداء، الإجابة من الله أنه هذه المناورات السمجة لا يقبل بها مسلم يعرف معنى الدين، يعرف أن أعز شيء في الوجود لا إله إلا الله، وأن هذه لا يساوم عليها. كما قلت، يمكن يساوم على أمور اقتصادية، على بقع أرض، كذا، بعطيكم إياها، بتخلى عن هذه الأرض، والدنيا يساوم عليها للمصلحة، مفهوم، لكن الإسلام لا يساوم عليه، والتوحيد لا يقبل التشويه.

فلذلك الله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهذا الوفد المفاوض، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، أعطاهم اسمهم، يا أيها الكافرون، يا من كفرتم بالله، والكفر يعني التغطية، تغطية الحقائق، ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، يعني أنا لا يمكن أن أعبد ما تعبدونه من الأحجار والأصنام والبشر والحجر وأي شيء. وفي نفس الوقت ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، يعني ما دمتم على هذه الحالة، أنتم مش عابدين ما أعبد، ولن تكونوا بهذه الطريقة؛ لأنه حتى أيضًا من معانيها أنه وأنتم بهذه الطريقة أنه شهر بتعبدوا إلهنا، أنتم ما تفكروا أنكم عبدتم ما أعبد، لأن الله لا يقبل هذا النوع من العبادة.

يعني لا تظنوا أنكم عبدتم ما أعبده بهذه الطريقة، لا، أنتم، لأن الله عز وجل لا يقبل الشرك بأي شكل من أشكاله. إذا عبدتم ربي شهرًا بتفكروا أنه أنتم عبدتم ما أعبد؟ لا، ما عبدتم، إن العبادة لله لا تكون إلا توحيدًا خالصًا دائمًا، لا يقبل المساومة. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، طب هو مرة قالها بالجملة الفعلية ومرة قالها بالجملة الاسمية، يعني في الأولى قال ﴿لَا أَعْبُدُ﴾، لا أعبد هي جملة فعلية، صح؟ الآية أربعة شو قال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾ هي جملة اسمية. كأنه كيف بدي أقول لك، بدي أنسيك هذا الموضوع بكافة اللغات والأشكال، بالجملة الفعلية وبالجملة الاسمية مستحيل أعبد ما تعبدون.

الجملة الفعلية تدل على الحدوث خاصة إذا كان فعل مضارع، حدوث وتجدد، فيقول لا يمكن أن يحدث أو يحصل أو يتجدد مني عبادة لما تعبدون. وأيضًا الجملة الاسمية تدل على ماذا في اللغة العربية؟ على الثبات والدوام، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾ يعني الحالة الثابتة والدائمة لا يمكن أن تكون أنني أعبد أصنامكم، فكأنه يقول لن يحدث مني هذا ولن يستمر مني هذا، فهو بكل اللغات وبكل الجمل ييأسهم ويقنطهم من هالمحاولة. جملة فعلية وجملة اسمية، ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وفي نفس الوقت ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾.

وأما هم اختصر فيهم على الجملة الاسمية مرتين، أنه قال ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وأيضًا في آية خمسة ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، كلاهما في نفس النسق. طبعًا باعتبار ماذا، لماذا قالوا؟ هذا فقط من باب التأمل، لم أجد فيه أحدًا قال شيئًا بس خطر في بالي، لماذا لم يقل فيهم أيضًا ولا تعبدون ما أعبد، يعني هي قال ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ لماذا لم يقل لم يأت فيهم بالجملة الفعلية التي تدل على الحدوث الذي منهم في المستقبل؟

أحسنت، إنه هم ممكن يسلموا في المستقبل، هم الآن، أنتم الآن ما بتعبدوا ما أعبد، بس في المستقبل هل يمكن يحصل منهم من يعبد الله ويسلم؟ نعم في المستقبل ممكن، فلذلك الجملة الفعلية لو ذكرت لكانت تدل على أنه لن يحصل منهم هذا في المستقبل، فهو يقول لا، أنتم الآن ما بتعبدوا ما أعبد، لكن هل يمكن يحصل هذا في المستقبل كحدوث كحصول؟ ممكن، أما هو صلى الله عليه وسلم ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، لا يمكن يحدث هذا الحدوث، ولا أنا في هذه الحالة الدائمة الموجودة المستقرة عندي أعبد ما تعبدون، فهو لا يحصل، ولم يحصل سابقًا ولا يحصل مستقبلًا.

أما هم ماذا قال في الآيتين؟ قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، فاقتصر على ماذا؟ أنه أنتم في الحالة الراهنة وبهذه المساومة، أنتم لا تعبدون ما أعبد بهذه الطريقة، طيب بس ليش ما قال ولا، لماذا لم يأت في حقهم بالجملة الفعلية التي تدل على الحدوث الذي منهم في المستقبل؟ لأنه هم ممكن يسلموا في المستقبل، هم الآن، أنتم الآن ما بتعبدوا ما أعبد، بس في المستقبل هل يمكن يحصل منهم من يعبد الله ويسلم؟ نعم في المستقبل ممكن، فلذلك الجملة الفعلية لو ذكرت لكانت تدل على أنه لن يحصل منهم هذا في المستقبل، فهو يقول لا، أنتم الآن ما بتعبدوا ما أعبد، لكن هل يمكن يحصل هذا في المستقبل كحدوث كحصول ممكن، أما هو صلى الله عليه وسلم ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ لا يمكن يحدث هذا الحدوث، ولا أنا في هذه الحالة الدائمة الموجودة المستقرة عندي أعبد ما تعبدون، فهو لا يحصل ولم يحصل سابقًا ولا يحصل مستقبلًا، لكن أنتم الآن ما في شيء حاصل منكم، أنتم مش عابدين ما أعبد، هسا ممكن تعبدوا مستقبلًا، ولم ينف الحدوث، ممكن واحد فيهم يهتدي، ممكن واحد فيهم يسلم، بس هم الآن في الحالة اللي هم فيها والوضع هذا والعرض اللي بيقدموه أنتم مش عم تعبدوا ما أعبد، بدكم تكونوا.

فاهمين، وإذا بدكم تضلكم على هذه الحالة، فلكم دينكم ولي دين. إذا بده يظل الموضوع بهذه الطريقة ولن يتجدد، لن يحصل منكم إسلام، فلكم دينكم. والآن أنا في طريق وأنتم في طريق، لا يمكن نلتقي في منتصف الطريق في العقائد والأفكار. ممكن تلتقي مصالحنا الدنيوية، صح؟ يعني ممكن نلتقي في حرب على ناس فاسدين أكثر، الإسلام يقبل التقاء المصالح في الأمر الدنيوي، لكن لا يقبل التقاء الطرق في الأمور الأخروية والعقائد الربانية، هذه لا تقبلها أبدًا، فلذلك ختم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6].

اقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. المخاطبون كثرة، مخصوصون علم الله أنهم لا يؤمنون، هذا رأي آخر ذهب إليه النسفي، أن الخطاب هنا لكافرين مخصوصين، بناءً على أنه قال: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: 3]، أراد النسفي أن يقول إن هذه خلص أبدًا مستقبلًا، يعني أنتم لا يمكن تعبدوا ما أعبد. فعلى هذا التفسير رأوا أنها كلام عن كافرين معينين علم الله أنهم لا يؤمنون.

أنا في اعتقادي ما بفضل هذا النمط من التفسير، أنك تحصر هذه الآية في كافرين معينين، لا، أنا أعتقد أنه لا بد من أن تفسر بطريقة تكون إلى قيام الساعة. الكلام هنا عن كل كافر يقدم عروض مساومة على أشياء دينية، أنت بهذه العروض محاولة تقريب وجهة النظر، مثل أصحاب الديانة الإبراهيمية اليوم؛ أنه خلص بنعمل دين كوكتيل، أنت بتقدم تنازلات شوي كمسلم، وذلك النصراني واليهودي يقدمون تنازلات، ونلتقي في مكان واحد. شو رأيكم بهذه الطريقة؟ لا، ﴿أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، فالكلام ليس عن كفار معينين، لا، الكلام عن كل من يمارس هذه الممارسات ويظن أنه يعبد إلهًا، أنت لا تعبد الله بهذا؛ عبادة الله لا تكون إلا بالتوحيد الخالص الدائم، غير كذا من أنواع ومحاولات التقريب بين الأديان والأفكار كلها كلام فارغ يرمى في القمامة.

نعم، روي أن رهطًا من قريش قالوا يا محمد: «هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة»، فقال: «معاذ الله أن أشرك بالله غيره»، قالوا: «فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك»، فنزلت. فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأ عليهم، فأيسوا، عرفوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يوافقهم، صار لهم يأس أن يجيبهم في مرادهم.

﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي لست في حال هذه عابدًا ما تعبدون، ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ﴾ لست في حال هذه، يعني بهذا العرض لو أنا عملت هيك ما بكون بعبد ما تعبدون أصلاً، لأنه لو كنت بدي أعبد ما تعبدون لعبدتها وحدها أو دائمًا، أما أني أعبد ربكم سنة وتعبد ربي سنة، لا هيك أنا عابد تبعتكم ولا أنتم عابدون إلهي؛ يعني نحن مش متفقين. ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، لا، أنتم الآن بهذا العرض عم تعبدوا ما أعبد، الله لا يقبل هذه الأمور. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ ولا أعبد فيما استقبل ما عبدتم، ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.

هو قال ولا أنا عابد، حمل الجملة الاسمية على الاستقبال، لأن أنا أعتقد أن الجملة الفعليه هي التي كان ينبغي أن تحمل على الحصول والتجدد، وعابد هي التي تدل على الحال الراهنة. يعني هو لاحظ أنه عكس الكلام، هو حمل الجملة الاسمية على الاستقبال والجملة المضارعية على الحال، أنا عملت العكس، أنا الذي فهمته أن الجملة الفعلية المضارعة هي التي تدل على التجدد والحدوث، فهي أقرب أن تكون للاستقبال، والجملة الاسمية تدل على الاستمرار الحالي الذي هو ما هو فيه الآن، الوضع الراهن تمام، والله أعلم.

﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، وذكر بلفظ ما لأن المراد به الصفة؛ أي لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق. أو ذكر بلفظ ما ليتقابل اللفظان؛ ولم يصح في الأول من وصح في الثاني ما بمعنى الذي. يعني هو لما يقول: ولا أنتم عابدون ما أعبد، طيب ما أعبد هي تنزل على من هنا؟ على الله سبحانه وتعالى، والله يعبر عنه في القرآن بمن وليس بما، أن ما تكون لغير العقلاء، وأما من اسم موصول للعقلاء. فهو يناقش هذه القضية، كيف عبر عن الله بما وليس بمن؟ لماذا لم يقل ولا أنتم عابدون من أعبد؟ هو قال ولا أنتم عابدون ما أعبد، مع أن الله يعبر عنه بماذا بمن وليس بما، لأنه ما لغير العقلاء.

فهو يقول إنما قالها على سبيل المقابلة، أنهم ماذا يعبدون؟ أصنام وأحجار، وهذه غير عاقلة فيعبر عنها بما، فلما عبر عن أصنامهم بما على سبيل المقابلة، جاز أن تعبر الآية أو تكون الآية تعبر أو تتكلم عن الله بما على سبيل المقابلة؛ لأنه عبر عن أصنامهم بما، فكان التعبير أو اللفظ عن الله عز وجل بما أيضًا، لذلك قال: وذكر بلفظ ما لأن المراد به الصفة، هذا قول آخر. القول الذي أختاره في هذا المقام، أنه ما يجوز أن تطلق على الله إذا قصدت بها صفة الله، والصفة شيء غير عاقل فيعبر عنه بما. طيب ما هي الصفة؟ قال الصفة المرادة هنا هي الحق والباطل؛ كأنه يقول قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، يعني الباطل الذي عندكم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، أي لا تعبدون الحق الذي عندي. فهنا ما ليس المراد بها على كلام النسفي الأصنام كمقابلة، بل المراد بها الحق والباطل، والحق والباطل شيء معنوي يمكن أن يعبر عنه بما، شيء معنوي ليس عاقلًا، وإنما شيء معنوي يمكن أن يعبر عنه بما. لذلك قال: وذكر بلفظ ما لأن المراد به الصفة؛ أي لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق.

أو هذا الخيار الثاني، ذكر بلفظ ما ليتقابل اللفظان؛ يعني إذا كان المراد لا الأصنام ويقابلها لفظ الجلالة، فعبر عن الأصنام بما وعبر عن الله عز وجل بما من باب المقابلة والتجانس اللغوي، وليس لأن الله سبحانه وتعالى في الأصل يعبر عنه بما. قال ولم يصح في الأول من وصح في الثاني ما بمعنى الذي.

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، لكم شرككم ولي توحيد. وبفتح الياء نافع وحفص؛ روي أن ابن مسعود، وهناك قراءتان: قراءة ولي دين، وهناك قراءة ولي دين بإسكان الياء، فنافع وحفص عن عاصم، اللي هي قراءتنا نحن بنقرأها وليه بفتح الياء، بعض القراءات الأخرى تقرأها ولي، هذه مسألة ما فيها إشكال، أوجه في اللغة العربية.

روي أن ابن مسعود رضي الله عنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فقال له: نابذ، أذن يا ابن مسعود، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم قال له في الركعة الثانية: أخلص، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ما معنى نابذ؟ نابذ يعني أعلن البراءة من المشركين، ففهم ابن مسعود أنه قصد اقرأ سورة الكافرون؛ لأن هي السورة التي تعني المنابذة والبراءة من المشركين، نابذ يعني اقرأ سورة المنابذة، والمنابذة يعني البراءة، فعرف أنه يريد أن يقرأ سورة الكافرون، ثم قال له في الركعة الثانية: أخلص، فعرف أنه يريد أن يقرأ سورة الإخلاص، فلما سلم قال: يا ابن مسعود سل تجب، بس طبعًا هذا الحديث كله يحتاج إلى نظر حتى تفهم الحديث، لكنني لا أعلم من أين أتى به، من أي الكتب، لأنه ليس مشهورًا في الكتب المعتمدة، والله تعالى أجل وأعلم.

الدرس القادم إن شاء الله نختم تفسير المفصل الذي استمر معنا لسنتين كاملتين، من سورة النصر إلى سورة الناس إن شاء الله، إن كان لنا في العمر بقية، ثم بعد ذلك ننظر ماذا سيكون الاختيار بعد انتهائنا من تفسير المفصل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.