الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى، والسعي إلى فهمه ومعرفة معانيه وتوجيهاته وتدبره وإسقاطه على واقع الحياة؛ فإن هذا به صلاح الإنسان في الدنيا وبه تُعمر الآخرة. اللهم لا تحرمنا من لذة كتابك.
الإنسان يهتم بتدبر القرآن ولو ساعة في اليوم، ولو نصف ساعة، ولو في مجلس أسبوعي يمر على آيات من القرآن، هكذا يجلس معها. وهنا إخواني في مجالس المذاكرة هذه؛ الإنسان يتقوى مع إخوانه في تدبر القرآن. الذي يحصل مع الإنسان في العادة أنه يبدأ يفكر أن عليّ أن أتدبر القرآن، يمارس هذه الممارسة يومين ثلاث ثم تفتر همته، فيكون مثل هذه المجالس الأسبوعية على الأقل مجالس نركز فيها على مجموعة من الآيات، ليكون لك سهم أسبوعي في المرور على شيء من رسالات الله سبحانه وتعالى.
وصلنا إلى سورة التكاثر، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 1-8]. هذه السورة أيها الكرام من اسمها تنبئك عن أبرز الأسباب التي تلهي الإنسان وتشغله عن تفكره بالدار الآخرة.
كثير من السور التي مرت معنا تتحدث عن الدار الآخرة؛ الزلزلة، القارعة، وهذه السور حديثها أن الإنسان لابد وأن يبقى منتبهًا مستيقظًا للدار الآخرة. فلو أردنا أن نسأل ما هو أكبر سبب يجعلنا في غفلة أو نتشاغل أو نغفل عن الدار الآخرة؟ التكاثر. ولذلك وضع عنوانًا للسورة التكاثر، والتكاثر مفهوم عام عريض، وهذه جمالية الألفاظ القرآنية أنها لا تحصرك في صورة معينة من صور التكاثر؛ دائمًا الألفاظ القرآنية تعتمد على العموم.
تعطيك عبارة وأنت يمكنك في كل زمان وفي كل مكان ترى شواهدها ماثلة أمامك؛ ما قال: ألهاكم التكاثر بالأموال، لا، ما قال ألهاكم التكاثر بالأولاد، ما قال ألهاكم التكاثر بالأتباع. ألهاكم التكاثر أي شكل من أشكال التكاثر، وفي كل زمان تحدث أنماط جديدة من التكاثر؛ اليوم التكاثر في السوشيال ميديا والأتباع، هذا ما كان موجود عند العرب الذين خاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام، بس هو شكل من أشكال التكاثر. فالتكاثر مفهوم عام يدخل تحته أي شكل من أشكال طلب الكثرة، وأن يصبح الإنسان وهو يسعى في هذه الحياة هدفه أن يستكثر من أمر من أمور الدنيا.
وأنت تسعى في الدنيا يكون هدفك وجل اهتمامك والذي يشغل عقلك ليست الدار الآخرة؛ الذي يشغل عقلك ما هو؟ أريد أن أستكثر من شيء من أمور الدنيا. ما هو هذا الشيء؟ بغض النظر، في شخص يريد يستكثر من الأموال، فتجد أربع وعشرين ساعة في البزنس والأعمال وكذا وشركات، وليلًا ونهارًا يشتغل ونسي آخرته. في شخص يريد أن يتكاثر من الأتباع والسوشيال ميديا والجمهور، فأربع وعشرين ساعة شغال على السوشيال ميديا والتسويق والترويج، ويحاول يجمع الجمهور ويتابع التعليقات وينظر، يريد أن يتكاثر بالأتباع والشهرة. وهناك أشخاص يريد يتكاثر بالشهوات، هو أربع وعشرين ساعة هدفه كيف يتكلم مع فلان وكيف يقضي وطره مع فلانة، هو يتكاثر فقط بالشهوات وقضاء الملذات.
إذا الذي يلهي الإنسان عن الدار الآخرة ما هو؟ التكاثر بأي نمط من أنماطه وبأي شكل من أشكاله، فكل واحد قد يأتيه الشيطان في التكاثر من جهة أخرى تختلف عن غيره. فلذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ ولاحظ استعمال "ألها"؛ لما يقول لك هذا شيء يُلهي، ما معنى يُلهي؟ يشغلك عما هو حق. الالتهاء يكون أن تفعل شيئًا خلاف الأولى، خلاف الصواب، خلاف الحق، وتنشغل عنه بما هو حق. فالله سبحانه وتعالى يقول: ألهاكم، شغلكم، كما قال هنا النسفي رحمه الله عليه: شغلكم التباري في الكثرة، أنكم تتبارون في الاستكثار من أمور الدنيا.
المشكلة أن التكاثر والانشغال به أحيانًا يصبح حالة إدمان، وإذا صار إدمان فأنت تبقى تنزل فيه سفولًا، فجأة تجد نفسك في القبر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. ليش ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؟ لأنه الإنسان إذا اشتغل أو أُلهي بشيء من أمور الدنيا في كثير من الأحيان تصبح عنده حالات إدمان؛ حالات إدمان لكسب المال، حالات إدمان للسوشيال ميديا، حالات إدمان في العشيرة والعلاقات العشائرية. حالات إدمان متعددة، ما يسيطر على تفكيره ودماغه وحياته، ما يتزن، يختل توازنه، فجأة إذا هو يجد نفسه من أهل القبور.
يعني لو الإنسان تأتي لحظة غفلة يتكاثر ثم يستيقظ، هذه جيد، أنه استيقظ، لكن المشكلة أن أكثر الناس يدخلون في التكاثر ثم يغوصون فيه ويغرقون ولا يستيقظون إلا وهم على عتبات قبورهم. انظروا إلى أرباب الأموال والساعين فيها، كيف تجد يكبر ويكبر معه جشعه وحرصه على المال حتى يموت. انظر في أرباب الشهوات كيف أكثرهم يكبر ويكبر وتبقى شهوته حتى الستين والسبعين ما زال ينظر الحرام ويفعل الحرام، وهكذا حال أكثر من شغله التكاثر، إلا الموفق الذي كتب الله له التوبة والاستيقاظ من هذه الغفلة قبل فوات الأوان.
قال ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فهنا الله سبحانه وتعالى يتوعد هذا الإنسان الذي لم يقم بوظيفته في هذا الكون. الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يخلق الإنسان قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. أنا ما أوجدتك في الأرض تقعد تتكاثر، أنا لم أوجدك حتى تقول لفلان أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا وأحسن منك أثاثًا ورئِيًّا، أنا ما خلقتك لهذا، أنا خلقتك لتحمل شريعة الإله سبحانه وتعالى وتنشرها في الأرض وتعلمها للناس وتبسطها. أنت تركت هذه الوظيفة وغفلت عن الدار الآخرة التي هي محط الرحال، وانشغلت بما لم أخلقك له، فعندئذ لابد من الوعيد لهؤلاء.
يقول ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، "كلا" هذا أسلوب ردع، "كلا" ردع عن تلك الحالة السافرة، "كلا" يعني لا ينبغي ذلك، لا ينبغي أن يلهيك التكاثر حتى تزور المقابر. "كلا" لا ينبغي أن يكون هذا حال الإنسان المسلم في هذه الحياة الدنيا، ثم قال ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وهذه "سوف" قالوا: سوف تفيد الاستقبال البعيد، ولماذا قال ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؟ لأن أكثر أهل العلم حمل هذه الآية على في القبر؛ يعني سوف تعلمون ربما ليس الآن، لكن عندما تنزلون في قبوركم ستعرفون الحقيقة، ستعرفون أنكم كنتم تغشون أنفسكم وتخدعونها عندما انشغلتم بالتكاثر عن العمل إلى لقاء ربكم.
حقيقة عظمى ستنكشف للإنسان في القبر، حقيقة كلما أسمع أن شخصًا مات أتذكر هذا المشهد، مشهد هذا الشخص وهو في قبره. جيرانك، أصدقاؤك، أحبابك، الناس الذين تعرفهم، البارحة كان معك في الدنيا وربما كان يتكلم معك عن شغل كذا وزواج، فجأة فلان مات، حقيقة دائما أتذكر حاله الآن في القبر وبماذا سيفكر في القبر عندما تنكشف له الحقيقة؛ ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22]. سيقول فعلًا كم كنت مسكينًا، كنت مفكر أن كلام المشايخ والوعاظ عن الدار الآخرة وأهمية الاستعداد لها أنه كلام بعيد، وأمور هي سالفة طويلة، خليني هسّه أنشغل بالموجود، إذا ما بين ليلة وضحاها إذا أنا أرى هذا أمامي.
يعني هذه الصدمة التي ستحصل لكل واحد منا؛ أن لما ننزل في القبور سنتذكر أن هذا المشهد الذي في القبور كنا نتكلم عنه في مجالس العلم وكان يتكلم عنه في خطب الجمعة، وكنا نقرأه في كلام الأئمة والعلماء، أنه في دار آخرة وفي قبر. وعندما ننزل القبور سنعض أصابع الندم أننا انشغلنا بالتكاثر في الحياة الدنيا. فهذه القضية يجب دومًا يستيقظ لها الإنسان، أنت من ستعيش هذا المشهد، سوف تعلم عندما تنزل في القبر أنك أضعت وقتك في الحياة الدنيا، ستعلم أنه كان عندك مساحة لتفعل الكثير من الأشياء الجيدة لكنك لم تفعلها. ايش اللي ألهاك عنها؟ سوشيال ميديا ولا جامعات وكلام فارغ ولا زملاء ولا صحبة، ولا ما كان ينبغي أن يضيع هذا الوقت، وأنا الآن أشاهد الحقيقة.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يعني سوف تعلم أنك كنت تغش نفسك، سوف تعلم أنك كنت في حلم سريع انقضى، سوف تعلم كم كنت مسكينًا محرومًا عندما لم تقم بالأشياء الجيدة قبل فوات الأوان. قال ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ثم هل هذه الجملة الثانية، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، هل هي تأكيد للجملة الأولى من باب زيادة التأكيد؟ هذا قاله البعض، لكن البعض، وهذا قول جيد، قال ابن القيم وغيره من أهل العلم: إن يوم القيامة ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي إذا بعثتم من القبور؛ كم غبنتم أنفسكم في الحياة الدنيا. إذا ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الأولى هي في القبر، ثم ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الثانية هذه أين؟ في الدار الآخرة عندما ترون الله سبحانه وتعالى وترون عرصات القيامة.
وهذا من الله سبحانه وتعالى تنبيه وتذكير لنا قبل فوات الأوان، ما دمت سوف تعلم، سوف تعلم، فانتبه قبل فوات الأوان؛ لأنه إذا جاء وقت العلم ولم تكن أوراقك جاهزة، أنت ستندم ندمًا كثيرًا هائلًا. طيب، ثم قال سبحانه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. "كلا" ردع آخر، "كلا" يعني مرة أخرى أقول لك، "كلا" لا ينبغي أن تغفل، لا ينبغي أن تلهو، لا ينبغي أن تنشغل عن الحقيقة العظمى، هناك قبر بانتظارك وهناك دار آخرة بانتظارك، عيب عليك يا أيها الإنسان وخسران كبير أن تغفل عن هذه الحقيقة العظمى. فلذلك ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، وهذه من الله لك؛ تخيل أن الله سبحانه وتعالى يقول لي ولكم: كلا، أوعى تنسى الدار الآخرة، احذر أن يشغلك التكاثر بالأموال والأولاد والسوشيال ميديا والحياة، احذر.
الذي يحذرك ليس شيخًا ولا واعظًا، الذي يحذرك الله الذي يعلم الحقائق كما هي، ويعلم طبيعة القبر ومأزقه، ويوم القيامة وفضاعته، هو الذي يقول لك احذر، انتبه. الذي خلق الدار الآخرة ويعرف أتعاب القبر، الذي هو خبير بكل التفاصيل، هو الذي يعطيك هذه التحذيرات والتنبيهات، فعليك أن تأخذها بالجدية؛ يعني أنت برجع أقول ليس شخصًا عم يهون لك الأمور، لا، هو الله جل في علاه، هو الذي يحذرك وينبهك ويطالبك بالاستيقاظ المبكر.
لذلك ماذا قال سبحانه: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. الآن المفسرون اختلفوا فيها على قولين؛ القول الأول: أن "لو" هنا للتمني أو الحظ، بمعنى ليتكم تعلمون علم اليقين، وإذا كانت "لو" تمني لا تحتاج إلى جواب؛ يعني لا تحتاج إلى جواب الشرط، هي خلاص انتهت الجملة، كيف أقول ليتك تعلم؟ انتهت الجملة، ليتك تعلم. لأنك إذا علمت العلم اليقيني في الحياة الدنيا فإن هذا العلم اليقيني الجازم هو الذي سيقودك إلى الانتباه وإصلاح الأوراق واليقظة قبل فوات الأوان. فالله سبحانه وتعالى كأنه يقول لك: ليتك تعلم علمًا يقينيًا، فهذا نوع تمن وحظ، حظ أنه تعلم يا إنسان تعلم علم يقين في الدنيا قبل أن يفوت الأوان، اجزم بالدار الآخرة، عش في الدنيا كأنك ترى الدار الآخرة بين عينيك.
القول الثاني: من يقول أن ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ رابطة شرطية وجوابها محذوف، التقدير: لو تعلمون علم اليقين لاشتغلتم كثيرًا، أو لعملتم كثيرًا، أو لما كان حالكم الاشتغال بالتكاثر؛ يعني تقدر جواب شرط مناسب، لو علمت علم اليقين لما كنت ملتهيًا بالتكاثر، لو علمت كذا لفعلت ما ينبغي أن تفعله، تقدر جواب شرط مناسب.
ثم قال سبحانه: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾، نحن عادة في أذهاننا أننا نربط ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ بأنها هي جواب الشرط، صحيح؟ يعني أنت هكذا تحسب الآية: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾. حقيقة أكثر المفسرين ليسوا على هذا؛ لا، ربما تجد بعض الأقوال سبحان الله في التفسير، لكن جمهور المفسرين أن ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ هي بداية جديدة، هذا جواب لقسم محذوف؛ يعني بدك تقرأها واحدة يا سالم هكذا: والله لترون الجحيم. فهذه مش مرتبطة بالآية السابقة ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، لا، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، إما كما قلنا أسلوب حظ ورجاء ليتك تعلم علم اليقين، أو جواب الشرط محذوف: لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر. ثم سياق جديد: والله لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، ثم لتسألن يومئذ عن النعيم.
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، أين سترى الجحيم؟ أول نظرة في القبر، ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ الأولى هذه أين؟ في القبر، وهل الآن هو جاء في الحديث أن كل إنسان ينزل في القبر إذا كان مؤمنًا يرى مقعده من النار وما أبدله الله به من الجنة، وإذا كان كافرًا يرى مقعده من الجنة وما أبدله الله به من النار، فممكن إذا قلنا ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ هذه تحمل للجميع؛ يعني ليست فقط للكافر، حتى المؤمن سيراها لكنه يراها وقد أبدله الله منها الجنة، والكافر سيراها ولكنه...
يراها مصيرا له والعياذ بالله. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾؛ لما تنزل في القبر ستعرف ما معنى جهنم، لكن رؤية جهنم في القبر ليست هي أعلى الرؤى، لأنك لن تراها حقيقة عين اليقين إلا يوم القيامة، لذلك قال: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾، يعني يوم القيامة عين اليقين.
تمام، هي الرؤية الثانية ما يسمونه حق اليقين، والرؤية الثالثة يسمونها عين اليقين. مش هيك يقول لك في علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين؟ علم اليقين أن تعلم الشيء دون أن تراه، حق اليقين أن تكون لك رؤية مبدئية له لكن ليست رؤية كاملة تامة وهي رؤية القبر، عين اليقين هذه ستشوفها أمامك، وهذه سيراها الكل في عرصات القيامة عندما تأتي جهنم لها سبعون ألف زمام يجرونها، على كل زمام سبعون ألف ملك.
فالله سبحانه وتعالى يقول: الجحيم هذه ليست قصة تم اختراعها، ليس تهويلاً تم صنعه، هذا واقع أول ما تراه في القبر، ثم ستكون الرؤية الحقيقية عين اليقين في عرصات القيامة، والكافر سيشعر بها ويمسها ويدخل فيها وتلتهمه. قال: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، لنسألنكم عن ذلك النعيم، اللي هو الصحة اللي كنت فيها في الحياة الدنيا، والنعيم اللي كان هو شو عامل لك؟ مشغلك وعامل لك حالة تكاثر، سألتك شو رأيك بهذا النعيم اللي كنت فيه في الدنيا؟ تخيل هيك المشهد نهايته: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ﴾، أنت كنت في الدنيا شغال بهذا النعيم، تستكثر به بالأموال والأولاد والمتابعين على السوشيال ميديا والأنصار والأعوان واستكثرت كثيراً كثيراً، بس تدخل إذا كنت من أهل النار ورأيتها عين اليقين، ثم دخلتها واقتحمتها، ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، رح نقول لك كيف شفت لنا النعيم اللي كان في الدنيا؟ هل له قيمة؟ هل كان ينبغي أن تعيش متكاثراً به منشغلاً به معرضاً به عن مولاك، أم كنت خادعت نفسك وخسرتها؟ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ والعياذ بالله.
فهذه إذاً سورة التكاثر تنبه الإنسان قبل فوات الأوان، احذر أن يلهيك التكاثر بأي شيء من حياتك عن الاستعداد لآخرتك، لأنك عما قريب سوف تدخل القبر وتعلم، ثم سوف تعلم مرة أخرى في يوم القيامة الحقائق التي نبهت عليها في الدنيا. ثم الله عز وجل يحث ذلك الإنسان على التنبه في الدنيا قبل فوات الأوان: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، ليتكم أو هلا تعلمتم علم اليقين، ها كأنه يحضك هلا تعلمت؟ تعلم في الدنيا، طبعاً مش مجرد علم نظري لا، تعلم علم يورث عملاً؛ العلم الذي يورث عملاً، اعمل في الدنيا لأنه هذا الذي سينجيك. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ والله لترونها أيضاً يوم القيامة عين اليقين.
ثم في ختام المشهد يوم القيامة: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، وكان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يحاسبون أنفسهم بهذه الآية كثيراً، فكانوا على مستوى إذا أكلوا طعاماً جيداً يقولون: هذا من النعيم الذي سنسأل عنه يوم القيامة. فقط هيك، يقول له شوية منسف وأشياء جميلة يتذكر، ماذا يقول لك؟ هذا من النعيم الذي سنسأل عنه يوم القيامة. هذا نحن إيش نحكي؟ نحن كل يوم بدنا وجبات جديدة، وكل فترة فترة كله هيك طبق مرتب، ويعتبر نفسه أنه يعني هيك شوي أنا أخذت لذة زيادة في الحياة الدنيا، وأن هذا سأسأل عنه. نحن عن ماذا سنسأل؟ عن طعام يكب في القمامة أحياناً بسبب الإسراف، سنسأل عن ساعات أضعناها على السوشيال ميديا، سنسأل عن ماذا؟ نسأل الله السلامة والعافية.
هو تعبير بلاغي على نزول الإنسان في القبر، فضلاً أن القبر أنت لا تمكث فيه أبد الآباد، وإنما أنت فيه كالزائر، يعني القبور هل أنت تبقى فيها؟ ليس مثواك الأخير. نحن الخطأ دائماً يقول لك: ذهب إلى مثواه الأخير، لا يا عمي القبر مش مثواك الأخير. القبر هو بداية الرحلة الحقيقية، فاستعمال لفظ الزيارة ينبئك أن القبر ذهابك إليه هو شيء مؤقت زيارة، لأنه ما بعد القبر أشد وأطم من لقاء الله سبحانه وتعالى. فالزائر إذا زار مكاناً لا يبقى فيه وإنما ينزل فيه ضيفاً ثم يغادره إلى غيره.
أنا دائماً بحب أعطي سردية لتفسير معين، بعدين الآن لما نقرأ نعطي الاحتمالات الأخرى في التفسير.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين، ونجِّ إخواننا المستضعفين. قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى: قال الله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، شغلكم التباري في الكثرة والتباهي بها في الأموال والأولاد عن طاعة الله، وهذا علقنا عليه، ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى أدرككم الموت على تلك الحال، أو حتى زرتم المقابر وعددتم من في المقابر من موتاكم. هذا التفسير الآخر تفضلت فيه لقوله: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أن الإنسان يصبح عنده إدمان في التكاثر، حتى يصل لمرحلة أنه يروحوا كانوا يروحوا على المقابر يحكوا: والله هي قبور أولاد عشيرتنا، وهذه قبور أولاد عشيرتكم، وعدوا لقبورنا أكثر من قبوركم. يعني هذه حالات الإدمان لما تصل إلى أعلاها، كيف يصل بالتكاثر أن يزور العشائر القبور، وهكذا كان يحصل في الجاهلية، ويصبح قبيلة تغرب تقول: والله هذه قبور موتانا وهذه قبور موتاكم، إحنا موتانا أكثر، ويصبح التكاثر حتى على مستوى الجثث التي أصبحت تحت التراب. وهذا يقول لك حالة الإدمان عندما تحصل في حياة الإنسان.
هذا ذم للمقابر العائلية التي تحت... في بعض المقابر الواسعة بيعملوا فيها مقبرة خاصة بفلان، لا ما في مشكلة، بس الفكرة أن يصل بك الإدمان والانشغال بالتكاثر حتى تتكاثر بقبور عشائري، ويصبح إحنا والله قبورنا أحلى من قبوركم، العبرة ما تحت القبور، أما الخارج هذا سهل.
﴿كَلَّا﴾ ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في القبر أو عند النزع سوء عاقبة ما أنتم عليه، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أو عند النزع إذا حملها، إما في القبر أو عند الاحتضار، يعني قال: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، الولايات تحمل على القبر أو في ساعة الاحتضار، وكلاهما يعني الوقت قريب بينهما. تكرير الردع للإنذار والتخويف، حملها على التخويف وحمل ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الثاني على أنها تكرار للتخويف. أنا حملتها على أنها في الدار الآخرة، فالأولى في القبر والثانية في الدار الآخرة.
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ جواب لو محذوف، أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم اليقين، أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور، لما ألهاكم التكاثر، لو كنتم تعلمون الآخرة علم اليقين لما التهيت بالتكاثر وانشغلتم به عن عمران آخرتك، أو لفعلتم ما لا يوصف؛ يعني لو تعلمون علم اليقين لبذلتم جهداً كبيراً عالياً لا يوصف حتى تنجوا من عذاب الله، ولكنكم ضلال جهلة.
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ هو جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد، ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ بضم التاء شامي وعلي. ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ هي بتشبه إيش مرت معنا الدرس الماضي؟ ﴿لَيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾؛ يعني غصباً عنك رح تشوف أعمالك، مش سترى أعمالك، لا، ﴿لِيُرَوْا﴾ يعني سيأتي من يأخذك لترى عملك غصباً عنك، هذه نفس الشيء القراءة الثانية ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ يعني غصباً عنكم مش أنتم رح تشوفوها بإرادتكم، يعني ما فيش مجال تتهرب أو تقول: لا، أنا مش حابب أشوفها يا رب، ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ يعني هناك ملائكة ستسوقكم حتى هي تريكم هذا العذاب جبراً، وهذا يدل على الجبر والغصب، وهذه حالة الإنسان الذليل ما عندوش مجال يهرب.
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ كرره معطوفاً بـ ﴿ثُمَّ﴾ تغليظاً في التهديد وزيادة في التهويل، الأول بالقلب والثاني بالعين، يعني ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ الأولى رؤية قلبية والثانية ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ عين اليقين رؤية بصرية، لكن كما قلت إحنا حملنا الأولى على رؤية القبر والثانية على رؤية يوم القيامة. ﴿عَيْنِ الْيَقِينِ﴾ أي الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته، اللي هو أن ترى الشيء أمامك، عين اليقين هو أن ترى الشيء أمامك، يعني مش أنك عم تعلم عنه بدون ما تشوفه علم غيب، لا، علم يقين هسّة شايفه أمامي، يعني مش محتاج حدا يخبرني عنه.
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ عن الأمن والصحة فيما أفنيتموهما. عن ابن مسعود رضي الله عنه وقيل عن التنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه، وعن الكن ما سوى كِنٍّ يأويه وثوب يواري، الكن هو البيت، إذا أنت عندك بيتك وعندك ثوب وعندك كسرة خبز تقويك، خلص ما بعد ذلك هو من النعيم الذي ستسأل عنه، يعني كأنه يقول: كل ما زاد عن حاجاتك الأساسية هو من النعيم الذي ستسأل عنه. فهمتم؟ فالإنسان يحتاج إلى مسكن يأويه، وثوب يواريه، وكسرة تقويه، غير هذه الحاجات الحياتية الأساسية، ما زاد عن ذلك هو من النعيم الذي ستسأل عنه يوم القيامة.
تباري من المباراة اللي هو المسابقة، مش قول لك اليوم مباراة؟ شو يعني مباراة؟ يعني تنافس. فالتباري هو التنافس، شغلكم التنافس والتباري، أنا أباريك وأنت تباريني، كما في الألعاب وما شابه ذلك.
ابن القيم قال: نعم، هذه من الآيات، بس هي مشكلة هي الآية ليست صريحة بمنطوقها، وإنما بدلالتها التي فهمها العلماء، فقول لك هي الآية مش صريحة، فصعب تستدل بهي الآية إلا لشخص يؤمن بتفاسير أهل العلم، أما شخص لا يؤمن بعذاب القبر في عندك أحاديث متواترة في السنة صريحة هي أولى أن تستدل بها.
باسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. تمام، هذه السورة سورة العصر من السور العظيمة في القرآن التي تعطي خلاصة الحياة الدنيا بما لا يزيد عن ثلاث آيات، تعطيك خلاصة سعادة الإنسان وشقاءه. ولذلك ماذا كان يقول الشافعي؟ لو لم ينزل إلا هذه السورة لكفت الناس، خلص هي تعطيك أسباب شقاء الناس وسعادتهم، وخلاصة الحياة، خلاصة الحياة أنها زمان أنت تعيش فيه صحيح، ولذلك أقسم الله بالزمان قال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، العصر الحجري والعصر البشري والعصر، فالعصر هو الزمان.
ولماذا سمي الزمان عصراً؟ لأن الكل يُعصر فيه. الزمان أنت شغال في عصر صح؟ حتى الكافر ترى يُعصر، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ تذكروها؟ الكل يُعصر، بس في واحد يعصر خير وفي واحد بيعصر شر، فالملاحظ عند علماء اللغة لماذا سمي الزمان عصراً؟ لأن الإنسان يبذل ويتعب فيه ليأخذ خلاصته، فإنت كما تعصر الثوب عصراً تبذل وتجتهد، لكن ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، كل واحد يعصر بطريقته، كل واحد يعصر ويطحن بأسلوبه، وبعد ذلك كل إنسان سيحصل على نتيجة العصر، كل إنسان يوم القيامة سيحصد نتائج هذا العصر.
إذاً أقسم الله بالزمان واستعمل لفظة العصر للتعبير عن الزمان، لما لها من أهمية وإشادة بقضية أن الإنسان الصالح عليه أن يعصر زمانه عصراً حتى يستخلص أعظم ما فيه، وأن لا يكون سبهللة والفراغ هو الذي يحكم حياته. أقسم على ماذا؟ أقسم على أن جنس الإنسان أو كل إنسان وأفراد الإنسان لفي خسارة إلا صنف معين، وهذه شبيهة بما مر معنا في سورة التين والزيتون، أنه لماذا الله سبحانه وتعالى يجعل كأن الأصل في الإنسان الخسارة؟ ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إحنا عرفنا دائماً في الاستثناء أنت تستثني إما ما يكون المستثنى نصف المستثنى منه أو يكون أقل، هذا هو المشهور، وفي أقوال أنه الأكثر، لكن المشهور والعادة في استعمال العرب، لو نظرت في استعمالاتهم وتقلباتهم أن العادة أن المستثنى يكون أقل من المستثنى منه، صحيح؟ يعني في العادة أنت بتحكي إيش؟ جاء عشرة طلاب إلا ثمانية؟ من أول بتحكي جاء وريحني صح ولا لا؟ يعني جاء عشرة طلاب إلا واحد، والله أجوا كلهم إلا اثنين، عادّة في لسان الناس إنما يستعملون الاستثناء باستثناء الكمية القليلة المحدودة.
فلاحظ أن ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ كأن الله يقول: الحالة الطبيعية والأكثرية في الناس أنهم سيذهبون إلى خسارة، وهذا بيعطيك تخوف أنه لما أجي أقول لك والله هي المسألة أكثر الطلاب فشلوا فيها، أنت شو بصير عندك انطباع داخلي؟ أن الله يستر. تخيل أنت قبل ما تدخل على الثانوية العامة أو قبل ما تدخل على اختبار دولي عالمي في الإنجليزي ولا في كذا، أجي أعطيك معلومة أقول لك: ترى هذا الاختبار الأغلب فشل فيه، الانطباع اللي عندك هو الأصل يكون انطباع إيش؟ ما دام أكثر الناس دخلوا هذا الامتحان وفشلوا فيه، معناتها مش معناتها أصير أعيط، لا مش شايفها العياط، أنك بدك تدخل فيه، يعني معناتها بدي أجهز أوراقي جيداً، الموضوع مش سهل لأن الأكثر عم يخفق.
هذا يعني أن الشغل مش سهلة، نحن لا نحكي أن الأكثرية ضبطت معهم، لا، نحن نحكي أن الأكثرية فشلت، الأكثرية سقطت؛ بالتالي الامتحان هذا مش سهل، ويحتاج إلى استيقاظ وتنبه، وأن يكون الإنسان على درجة عالية من الوعي، أليس كذلك؟ الله سبحانه وتعالى إنما يقول لك إن أكثر الجنس البشري لفي خسر، حتى يوقظ فيك الحذر والتنبه والاستعداد؛ حتى تعرف: طب مين هم يا ربي اللي ما خسروا؟ أعطني معاييرهم حتى أجتهد، أنه ما في إنسان بيرضى لنفسه الخسارة، خاصة لما تكون خسارة الأبد.
طبعاً ممكن البعض يقول: شيخ، هذا بيخالف قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. يعني الله سبحانه أخبرنا أنه خلق الإنسان في أحسن فطرة وفي أحسن سلوكيات وفي أحسن تهيئة، لماذا يقول لنا إن أكثر الإنسان لفي خسارة، مع أنه أخبرنا أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم وفطرة؟ مش في تعارض؟ ممكن هيك الشخص يحاول يفكر.
أحسنت، أنت الآن لما خرجت من بطن أمك أنت خُلقت بأحسن فطرة وأحسن تهيئة، وبأرضية خصبة لزرع المعاني الصحيحة، لكن الذي يحصل أن أكثر الناس يفشل في زرع المعاني الصحيحة، ويستجيب للمؤثرات الخارجية فيسقط. ﴿كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ﴾. أنت مش لأن طبيعتك فاشلة فشلت، مش لأن الله خلقك بطبيعة خاسرة خسرت، ركز مش لأن الله خلقك بطبيعة خاسرة خسرت؛ أنت خسرت مع أن الله خلقك بطبيعة وبأرضية خصبة، لأنك أنت لم تستغل هذه الأرضية الخصبة بالشكل الجيد، بل جعلت المؤثرات الخارجية، الجامعة، الاختلاط في العمل، السوشيال ميديا في العالم المعاصر، أشياء كثيرة في الحياة، الأقارب، رفقاء السوء، كل هذه الأمور هي التي خلتك تفشل، وهذا يدل على أن المؤثرات الخارجية شديدة ومنهكة لدرجة أنها استطاعت أن تسقط أكثر الناس. ولذلك دائما نحن نقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 1-2]، ليش أحتاج أن أستعيذ من شر ما خلق؟ لأنه هذه المخلوقات الخارجية التي خلقها الله، كثير منها تسلب الإيمان وتشغلني عن الرحمن سبحانه وتعالى، فبدي أستعيذ منها صباحاً ومساءً بسورة الفلق وسورة الناس.
إذاً ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: 2-3]، أولاً الإيمان، لأنه أي شيء بدون إيمان لا قيمة له، لا بد من إيمان حقيقي. هذا الإيمان يتبعه ماذا؟ العمل؛ طبعاً الإيمان هنا أحمله على التصديق ثم يتبعه العمل الصالح، ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. طب إذا هو في ذاته آمن وعمل، لم يقتصر على هذا، لأنه حتى لو كنت مؤمناً وتعمل، لكن لم تأمر بالمعروف وتنهَ عن المنكر، ستغرق مع المركب؛ الإيمان والعمل الصالح الشخصي وحده لا يكفي، هكذا نتعلم من القرآن، لا بد وأن تمارس الإصلاح على أي شكل من الأشكال، بتمارس الإصلاح على مستوى أسرتك، بتمارس الإصلاح في عملك، بتمارس الإصلاح في مسجدك، في شارعك، في حيك، في العائلة البعيدة والقريبة. بدون أن نمارس الإصلاح حتى لو كنا متدينين شخصياً، سنغرق في المركب جميعاً.
والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثل الأمة بأناس استهموا في سفينة، فنزل بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فالذين في أسفلها ذهبوا ليخرقوا السفينة ويضربوها؛ فلو أن الذين في الأعلى قالوا: نحن ما لنا علاقة، اللي في الأسفل خليهم يخرقوا السفينة، نحن لحالنا وهم لحال، هل ستمشي السفينة؟ راح تغرق في الجميع، أما لو أخذ الذين في الأعلى بأيدي الذين في الأسفل نجوا جميعاً. هكذا هو المجتمع المؤمن، ولذلك لما جاء في الحديث أن الله أرسل جبريل إلى قرية ليهلكها، قال جبريل: يا رب فيها عبدك الصالح فلان؛ عبدك صالح يعني مؤمن بيعمل صالحات، قال: «به فابدأ»، قال: هذا أول واحد بلش فيه، ليه؟ قال: «إنه لم يتمعر وجهه فيّ قط»، هذا ما كان يمارس الإصلاح، هذا بس يقول لك الناس تدبر حالها، أنا بس بيهمني حياتي، ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105] وجالس في بيته لا يريد أن يغير منكراً ولا يأمر بمعروف، قال: «به فابدأ».
بالتالي بعض الناس بيكون قراره في الحياة أنه: أنا ما لي علاقة بغيري، أهم شيء أني أكون أنا صالح، هي أكبر النظريات الخاطئة؛ لا، لا يصلح، لازم، والقرآن بيفهمنا هذا، لا يصلح، لا بد وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، كل على حسب موقعه ومكانه وسلطاته، عندك بيت، عندك أسرة، عندك زوجة، عندك أبناء، عندك آباء، عندك إخوان، عندك بيئة عمل، عندك شارع، عندك مئة طريقة وطريقة للإصلاح، فممارسة الإصلاح شرط من شروط النجاة، ممارسة الإصلاح شرط من شروط ألا تكون في خسر، فهمت هذا؟ ذلك تفهمه من القرآن لأن الله لم يقل إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ووقف، قال لا.
ثم عند التواصي بهذا الحق من المتوقع أنه ايش؟ أن ينالك أذى، قد يكون أذى نفسياً، واحد سمع الكلمة قال لك أنت عامل حالك شيخ علينا، أو ممكن يكون أذى بدنياً، تمام؟ يا بتاكل لك قتلة، يا واحد بيزج بك في السجن، ولا بدك تصلحها تعال اتفاهم معك أنت والمصلحين تاعونك، يعني كل الخيارات متاحة في هذا العالم، عرفت؟ في أذى، فلذلك قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]، لأنه تواصى بالحق في ثمن سيدفع، هذا الثمن يقتضي أنه ايش؟ بدنا برضه نصبر بعضنا البعض، أنه الأمور مش سهلة، الأمور فيها دماء وأشلاء وأسر وفقد وأتعاب.
هكذا طريقة الدعوات، ما في دعوة يفرش لها الورود ويأتي أصحابها يرفعون على الأعناق والناس تهلل بهم، لا هذا أحلام، تمام؟ ما في دعوة تصل بالوجبات الناعمة، أي دعوة ستصل إذا كانت دعوة دينية فإنها ستدفع ثمناً باهظاً، هي هكذا سنة الحياة، وبالتالي على الذين يتواصون بالحق أن يتذكروا في نفس الوقت أن يتواصوا بالصبر، لأنهم سيدفعون ثمن التواصي بهذا الحق. حتى الثمن كنت تدفعه من مشايخ زيك، هذا الشيخ بيحكي عنك كذا، وهذا بيزيد عليك كلمة، وهذا بيطحنوا فيك طحن، تمام؟ بدك تصبر، ما في مجال بدك تصبر، لا تنظر، كما قال ابن بطل العكبري رحمه الله عليه، كان هو يحاول أن يصلح في مجتمعه العقائد؛ فيقول: ماذا أفعل؟ إذا قلت كذا قالوا مرجئ، إذا قلت خالفتهم قالوا خارجي، إذا قلت كذا قالوا جهمي، وإذا قلت كذا قالوا مجسم، إذا قلت كذا قالوا ناصبي، وإذا قلت كذا قالوا شيعي، فقلت: أنا يعني بريء، يعني أنا في النهاية أدعو إلى الله على بصيرة، كل ما أحكي كلمة تسمع "نوشة" من هون وهجمة من هون وكذا، فالإنسان يصل لمرحلة بدك تتحمل أذى.
النفوس الهشة لا تصلح في سياق الدعوات، بدنا نحاول نرفع من قدرتنا على التحمل، لأنه بعض الشباب قد يمارس الدعوة إذا شعر بأي أذى نفسي: "أنا ما بدي"، لا، ما بدك؟ هي النفوس الرقيقة الناعمة لا تصلح في مساق الدعوات أن تقوم، بدك تكون شخص قوي، الرقة والرفق قادر مع المؤمنين مع إخوانك، لكن في مواجهة من يقف في وجه هذه الدعوة لا بد وأن يكون عندك نوع من الصلابة، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. إذاً هذه معايير النجاح لمن يريد أن يخرج من ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾؛ إيمان، عمل صالح، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وصبر على الأذى الذي ينتظرك في هذا الطريق، تصبر إلى أن يأتي الله بأمر بالفتح أو أمر من عنده. فإذا أراد الإنسان النجاح فسورة العصر تعطيك الخلاصة: ايش أنا لازم أكون في الحياة؟ لازم أكون مؤمناً يعمل الصالحات، يتواصى بالحق ويتواصى بالصبر. وهذا بيفتح لك آفاقاً، لأنه التواصي بالحق يحتاج إلى علم صحيح، أنه ما بصير أنا أتواصل بالحق وأنا مش عارف شو هو الحق أصلاً، ولا بد من علم فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأقدم أعلى المصلحتين وأدفع أعلى المفسدتين ضمن القواعد الموجودة، لأنه هذا علم كامل، قد علقنا على فقه الأمر بالمعروف لرسالة شيخ الإسلام ابن تيمية تجدونها على المنصة إن شاء الله.
أقرأ، قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى، قال الله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾، صلاة العصر في مصحف حفصة، "القد" أن العصر هنا أقسم بالصلاة وليس بالزمن، نعم في مصحف حفصة رضي الله عنها، ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار. يعني لو قلت: طب لماذا أقسم بصلاة العصر؟ لأن أكثر الناس يضيعون وقتها بسبب انشغالهم بالسير اللي بتشوفوه أو بأشغالهم وأعمالهم. هذا القول الأول، نعم، واشتغالهم بمعايشهم. أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى، أو أقسم بالعشي، البعض قال العصر هو العشي والعشي هو من الظهر إلى المغرب يسمى هذا وقت العشي، من الظهر إلى المغرب وقت العشي، نعم، أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيه من دلائل القدرة، أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب، وهذا الثالث هو الذي اخترناه، أن العصر هنا هو الزمان كله هو الزمان، نعم، وأقسم به لما يأتي فيه من أصناف العجائب، واختار كلمة العصر للدلالة التي قلناها من حيث اللغة، أو يمكن أن تأتي أيضاً بدلالة أخرى والله أعلم.
نعم، وجواب القسم: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، أي جنس الإنسان لفي خسران، لفي خسران من تجارة من تجاراتهم، نعم، لفي خسران من تجارتهم مع الله. طب ما الرابط بين القسم والمقسم عليه؟ نحن دائماً بنحاول لما يأتي قسم نربط بين القسم والمقسم عليه؛ يعني أقسم بالزمان أن الإنسان لفي خسر، نوعاً ما هي شبه واضحة، زمان طيب، يعني معقول قضية أن الخسارة هي مرتبطة بالزمان؟ يعني أنت كل عصر في جيل، الجيل في هذا العصر خسران إلا من فعل كذا وكذا، فالناس إنما أنت يا ابن آدم كما، إنما أنت ساعات، إنما أنت ساعات، أنت تقاس بالساعات، 60 سنة، 40 سنة، هكذا أنت، فالإنسان هو عبارة عن ساعات، فكأنه يقول: نقسم بالزمان أن هذا الإنسان اللي هو عبارة عن زمان لفي خسارة إلا كذا وكذا، هذا المناسبة دائماً بين المقسم والمقسم عليه.
نعم، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ بالامر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده، هذا أهم شيء هنا الصبر، وهو جيد أنه قال القضية الأولى، يعني تواصوا بالصبر مش فقط الصبر على الأذى الذي سيصيبنا في الدعوة، أولاً نصبر على ايش؟ أولاً إذا بدي هيك نرتبها، أولاً نصبر على تعلم الحق اللي بدنا نوصي فيه، زي ما أنتم بتعملوا، أنت لما تيجي مواصلات في شدة الحر أو في شدة الزحام، ما هو أكثر الناس مش قادر يصبر على الأذى في الدعوة، لا لا، لسه نحن بنتكلم معه في الخطوة الأولى، أنه أنت قادر تصبر على تعلم الحق؟ قادر تحضر مجالس العلم النافع؟ وإلا أنا والله شيخ زحمة وأزمة وأنا ما عندي وقت وكذا، أنت إذا أنت مش صابر على الخطوة الأولى اللي هي أن تتعلم الحق فكيف ستصبر على الخطوة الثانية، وهي أن تصبر على الأذى الذي سينالك في مواجهة الحق؟ فهذا جيد أن تفهم أن الصبر أولاً صبر على الطاعة، صبر على الصلاة، صبر على تعلم القرآن، صبر على فهم القرآن، صبر على حضور مجالس العلم النافع، بعدين بيجي الصبر الأعلى، وهو أن تصبر على أعداء الأمة عندما يواجهونك. نعم، وتواصوا في الموضعين فعل ماض معطوف على ماض قبله.
﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 1-9].
تمام، بعد أن ختم الله سبحانه وتعالى بإخبارنا في سورة العصر بضرورة الصبر على الأذى الذي سينالك في طريق الدعوات، أعطاك شكلاً من أشكال الأذى الذي سينالك في طريق الدعوة وهو ايش؟ الهمز واللمز، فجاءت سورة الهمزة بعد سورة العصر، لما قال ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، بدك تصبر على الأذى، طيب زي ايش هذا يا رب؟ خذ لك سورة الهمزة، فتأتي سورة الهمزة مناسبة في موقعها لإخبارك عن ماذا؟ عن شكل من أشكال الأذى الذي يصيب الداعية إلى الله، كما أصاب نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا سورة الهمزة تكلمت عن أدنى أشكال الأذى، وأن الله سبحانه وتعالى يتوعد من يرتكب أدنى أشكال الأذى، يتوعدهم بالحطمة، فما بالك بمن يرتكب أعلى أشكال الأذى؟ يعني بقول لك إذا بس بتحكي مع الداعية هذه كلمة واحدة راح أورجيك، بس بتحكي معه هيك أو بتشير إشارة مش لطيفة راح أورجيك، طب فما بالك باللي بِيَضُر الداعية هذا، شو راح يسوي؟ مصيبة! فما بالك باللي يقتل الدعاة هذا، ايش بينتظره؟ فهكذا طريقة القرآن في زرع الخوف في أعداء الأمة، أنه الذي يهمز ويلمز فقط، يهمز ويلمز وويل له، ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، طيب أنت بتحكي الهمز واللمز هي إشارة بالعين، يعني لسه ما ضرب، لسه ما اعتقل، لسه ما قتل، هو بس شو عمل؟ يعني أشار إشارة، الهمز واللمز بالعين غيبة.
أعطى كل هذه السورة وعيد لمن يهمز ويلمز. هي السورة تعطيك ثقة كداعية إلى الله أن الله معك؛ إذا كان الله يتوعد من يهمز ويلمز، فماذا سيفعل سبحانه وتعالى بمن آذاني بالضرب أو الاعتقال أو القتل؟ ما سيكون مصيره؟ فهمتم، هي الأولوية، مهم جداً أن تربطها؛ لأنه أنت تقول: لماذا الله يتكلم فقط عن الهمز واللمز مع أنه هناك أشياء أفضع؟ لأنه هو بده يعمل لك قياس الأولى؛ أنه إذا الهمز واللمز هذا الذي يستوجب هذا الوعيد، طيب هذا الذي يعمل أفضع من هيك، معناه ما تسأل عنه، هذاك خلص، سيذهب إلى عذاب لا يمكن وصفه، لا يمكن وصفه. خليه يصير يفكر ماذا يمكن أن يحضر له مقابل أنه ضرب داعية إلى الله أو اعتقله أو فعل، خليه يفكر؛ لأن أنا بس ذكرت له: إذا همزت ولمزت شو رح أسوي فيك، خليه يسبح ويفكر ماذا يمكن أن يحصل له من الأهوال المرعبة.
يقول سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. قال النسفي: الهمزة من هو؟ اقرأ، ويل مبتدأ خبره لكل همزة، أي الذي يعيب الناس من خلفهم، الذي يعيب الناس من خلفهم، ايش يعني؟ غيبة، الذي يذكر عيوب الدعاة وهم غير حاضرين. واللمزة من يعيبهم بمواجهتهم، يعني هم حاضرين يعيبهم. والبعض لا، فرّق فقال: الهمزة الذي يهمز بعينه أو بإشارته، واللمز يكون بالكلام. البعض قال: واحدة بالإشارة بالعين أو كذا، شوف بتعرف كيف يؤشر بعينه بدون ما يحكي، والأخرى تكون بالكلام. عموماً في خلاف في تفسير الهمز واللمز، لكن كله يدل على أن الأذى لم يتجاوز الإشارة أو مجرد كلمات قيلت.
وبناء «فُعَلة» يدل على أن ذلك عادة منه، نعم همزة ولمزة، هذا البناء يدل على أن صفة مشبهة، والصفة المشبهة تدل على الاستقرار، أنه هي أصبحت عادة مستقرة. هذا هو الفرق بين اسم الفاعل والصفة المشبهة في علم الصرف والنحو؛ أن اسم الفاعل يدل على حدث حصل وخلص، لكن الصفة المشبهة تدل على حالة مستقرة متكررة، مش شيء صار وانتهى. ففرق بين أن تقول: هذا شخص هامز، وهذا شخص همزة. شو الفرق يا سالم؟ شخص هامز ايش يعني؟ يعني صدر منه الهمز، بس لما أقول لا هذا شخص همزة، هذا متكرر منه، عادة فيه أنه دائما يستغيب الناس ويقع فيهم أو يستغيب الدعاة ويقع في أعراضهم.
قيل نزلت في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة، وقيل في أمية بن خلف، وقيل في الوليد، ويجوز أن يكون السبب خاصاً والوعيد عاماً ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، نعم وهذا هو الصواب، مش يجوز هو هكذا، هي نعم لو نزلت في شخص معين لكنها على العموم، هي لا تختص بمن نزلت فيها، العبرة بعموم اللفظ وبكل من يؤذي الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وليست هي خاصة فقط بذاك الرجل المشرك.
عادة من اللي يستهزئ بأصحاب الدعوة وأصحاب الخير والصلاح؟ يكثر هذا فيمن في الأغنياء. الطبقة المترفة هي التي دائماً ترى أن الدعاة مجموعة من المساكين الذين وضعهم المادي على قدهم، صخمطين مساكين، يعني يقول لك: هذول شباب هيك مندفعين متحمسين، بكرة بصير معهم مصاري بيترك الدعوة وبيصيروا زينا. فهو عادة الذي يستهزئ ويلمز هو الثروة، الثروة تجعل الإنسان يطغى، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. الله سبحانه دائماً يتكلم عن المال باعتبار أنه كيف يسبب للإنسان نوعاً من الاستكبار، ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 2]، نفس الشيء في سورة الليل، ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ [الليل: 11]. ليش دائماً قضية المال حاضرة؟ لأنه المال والتعلق به هو الذي يخلي الإنسان يستهزئ ويزهد في من يمارس الدعوة والإصلاح؛ لأنه يشعر أن هذا الشيخ أو هذه الدعوة ستقلل من ماله أو ستطلب منه النفقة أو تهدد وسائل الكسب، فيبقى واقفاً في وجهها معانداً لها. فسبحانه وتعالى يحذر الذي جمع مالاً وعدده، أن هذا الخلق الهمز واللمز يكثر في أصحاب الأموال، فلذلك ذكرهم فقال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾، الذي شغلته في الحياة يجمع المصاري ويعدها، ماسك هالدولارات ولا هالدنانير بعد، كناية عن انشغاله بالمال؛ يعني بقول لك هذا فلان بس قاعد بعد مصاري، شو معناها؟ أنه هذا 24 ساعة همه مصاري وبزنس وأعمال وأسهم. فالإخبار عن هذا أنه هامز لامز، شغلته في الحياة جمع الأموال وعدها وإحصاء أرصدته البنكية، مسكين هذا الشخص ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: 3]، تظن أن هذه الأموال التي بتعددها وبتحسبها يومياً هل هي ستعطيك الخلود؟ فمن أجلها استخففت بأهل الخير والصلاح، وراهنت أنت على الآخرة ودفعتها من أجل دنيا، فالذي يحسب أن ماله أخلده، كلا والله، هذا المال لن يأتي لك بالسعادة الأبدية، ممكن تتلذذ فيه في الدنيا، ممكن، لكن لن يجلب لك سعادة كاملة.
﴿كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: 4]، ليلقين في ماذا؟ في الحطمة، الحطمة اسم من أسماء النار، وتدل على التحطيم. دائماً أنا أحب أن أتدبر لماذا اختير هذا الاسم من أسماء جهنم هنا؟ يعني لماذا في سورة الهمزة تم اختيار اسم الحطمة؟ فهمتم السؤال؟ يعني الآن في سورة الغاشية، الغاشية اسم من أسماء يوم القيامة مثلاً، في أسماء لجهنم كثيرة: سقر والجحيم وجهنم، لماذا اختار اسم الحطمة هنا؟ نحن في سورة الهمزة قاعدين بنحكي عن شخص عم يستهزئ بالدعاة، فربنا بيقول له لتلقين، شوف النبذ، كلمة النبذ بتشعرك بشيء تافه، أنت ماذا تنبذ؟ ما قال لتلقين قال لينبذن، هذه كلياتها تقف عندها، النبذ غير الإلقاء، ممكن تلقي شيء له قيمة، أما النبذ يكون للشيء الذي لا قيمة له، أنبذه، ﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾.
تفضل ايش عندك؟ اه شيخ، نعم، نعم، أن الهمز واللمز يحطم، يذهب الأعمال، فجهنم تحطم الأعمال. طيب لطيف، تحطم، يعني جهنم تحطمه لهذا الشخص؛ لأن الهمز واللمز يكون سبباً في تحطيمه يوم القيامة، يحطم أعمالك، ممكن، تتحطم. أيوه، حطم الدعوة، جميل، جميل، هذا المعنى الذي أذكره عادة في هذا المقام؛ هو شو كان شغلته في الحياة في الهمز واللمز؟ تحطيم مشاعر الدعاة، يحطم معنوياتك، يحطم حالتك الأسرية، يلاحق وراء مصادر دخلك، يحاول يحطمك جسدياً ونفسياً ومن كل الجهات. ربنا بيقول له: أنا رح أحطمك يوم القيامة، زي ما حطمته أنت، سعيد في الدنيا أن تحطم ذاك الشاب الداعي المصلح، تحطمه نفسياً ومعنوياً ومالياً، وأنا حاولت من كل الجهات أنه ما تترك له نفس يتنفسه، سأحطمك في الحطمة يوم القيامة، أنت ستتحطم. وفرق بين تلك الحطمة وحطمة الدنيا، الدنيا فانية ممكن أنت تقتل الداعية، ممكن تغيبه، ممكن تفعل أشياء كثيرة، لكن في النهاية سينتهي هذا الحطام، لكن تحطيم جهنم لأضلاعك وعظامك وأفكارك، تحطيم لا يجانسه أي شكل من أشكال التحطيم.
﴿كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: 4-5]، المحطمة لكل ما يلقى فيها، شوف هذا الكلام كم يلقي في قلب اللي بيفهم، يعني كفار قريش كانوا بيسمعوا القرآن فهم فاهمين دلالة الحطمة، أما أنت تتكلم مع المجرمين اليوم، لا عارفين قرآن ولا بيسمعوا، بس يكفي أننا نحن الذين نعرف ايش القرآن، يكفي أننا نحن الذين نعرف ماذا في كتاب ربنا من وعيد. هؤلاء المجرمين، ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾، وهذا كما قلنا دائماً استفهام تهويلي، أنت عارف شو الحطمة؟ أنت مسكين يا أيها الإنسان، أنت لا تدري طبيعة هذه النار وعظمتها، أنت تملك مجرد أوصاف تخوفك منها، لكن عندما تراها عين اليقين ستعرف شو يعني التحطيم، ستعرفه عياناً، ستكتشف أن كل هذه الطائرات التي استعملوها في تحطيم البيوت والمنازل، وأن كل ما دفعوه من مليارات من أجل تفتيت الأجساد البريئة، هذا كله ليس شيئاً مقابل تحطيم الآخرة الذي لا ينتهي، الذي ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]، ليبقى التحطيم مستمراً أبد الآباد، يعني الإنسان إذا تحطم مرة واحدة خلص، بعديها جنة عرضها السماوات والأرض إن شاء الله، صحيح لكن في الآخرة هؤلاء الكفار التحطيم عملية أبد الآباد لا تنتهي، متخيل؟ يعني إنفينيتي، هذا الشخص طول الوقت عم يتحطم، يعني ما في انتهاء لعملية التحطيم، تحطيم تحطيم تحطيم، ظلك احكي تحطيم لحتى ما، والعياذ بالله، مصيبة، مصيبة التي تنتظره، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يترأف بحالنا وأن يجعلنا من أهل الإيمان، أن نكون دائماً نحسن الموقف والاصطفاف في الحياة الدنيا.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: 5-6]، كأنه يعطيك هيك شيء من التعريف بها، هذه نار الله الموقدة، نار الله، إضافتها إلى الله تدل على ماذا يا شباب؟ على التهويل، هي نار الله، هي مش نار صنعها جبابرة الأرض، مش نار أنت ولعتها في البيت، مش نار، هي نار الله، لما تحكي نار الله استحضر عظمة الله سبحانه، نار الله هذه مهمة، هي مش نار أرضية بشرية صنعت وانتهت، إنها نار الله التي لا تنتهي، ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: 6-7]، تصل إلى القلوب وتحرقها. طيب لماذا ما قال تحرقهم كلهم؟ لماذا قال تطلع على الأفئدة؟ ليش اختص هنا؟ ها، النظر، القلب هو محط النظر، حلو، فكرة، هسه كل الأعضاء الداخلية محمية تقريباً، ويلمس الدعاة، هذا يحطم، جميل، هذا ايش بدل؟ يحط، ايش ممكن نستعمل هون؟ بيحرق، أحسنت، كنت تحرق قلوبهم للدعاة، صح؟ تحرق قلوب أمهات، تحرق قلوب أمهات اشترت أولادها قطعت، تحرق قلوب آباء رأوا أبناءهم أشلاء، تحرق قلوب أمهات غيبت أبناءهم في السجون، حرقت قلوب، ربنا رح يحرق قلبك جزاءً وفاقاً، مش أنت مصر على أنك تضل في الدنيا تحرق قلوبهم، قلوب أمهاتهم وآبائهم، وتبقى الأم ثكلى بفقد أولادها، والأب مسكين مكلوم بفقد فلذات الأكباد، والابن يتيم بفقد أبيه وأمه أمام عينيه، لا، مش رح ينتهي المشهد هنا، لن ينتهي المشهد في الدنيا، هكذا سنحرق قلبك، التي تطلع على الأفئدة، سيحرق هذا الفؤاد جزاءً وفاقاً.
وليس فقط هو الذي سيحرق وينتهي الأمر، قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8]، اليأس، مجرد أنك تفكر تخرج من النار، إياك أنك تفكر أنه في يوم من الأيام سينتهي هذا التحطيم وهذا الإحراق لقلبك، وهذا هو الفرق بين الدنيا والآخرة، الدنيا كل شيء ينتهي، في الآخرة كل شيء لا ينتهي، العكس كل شيء لا ينتهي، قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾، حتى ما يأتي في خلدك إمكانية الخروج، وحتى أزيدك إحباطاً مش فقط مؤصدة، قال: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 9]، بعد ما نغلق الباب ونسكره، سنضع أعمدة ممددة، كيف العمود الخشبي بتعرفوا أبواب الحصون؟ بسكروا الأبواب بعدين بيضعوا أيضاً أعمدة خشبية وراءها من باب التأكيد والتوثيق، طبعاً سبحانه وتعالى هو لا يحتاج إلى ذلك، لكن هو يخاطب العرب ليعرفوا أن جهنم مرعبة في شكلها وهيئتها، سأغلق عليك الباب وساضع على الباب أعمدة ممددة حتى لا تفكر إمكانية الخروج في يوم من الأيام، سواء أعمدة عمودية ولا أفقية، ممددة مش مشكلة أفقي ولا عمودي، المهم أنها لن تفتح، ما في مجال، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 22].
شوف الرعب هذا كله لمن؟ هذا لمن كان هامزاً لامزاً، همزة لمزة، كل هذا الوعيد، طيب هذا اللي مارس أكثر من الهمز واللمز، هذا شو بيستنى يوم القيامه؟ خلص، خلي للمفاجآت المرعبة، خليها للمفاجآت المرعبة التي تنتظر هؤلاء. لو قرأ هؤلاء القرآن لارتعبوا، لو قرأوا بهيك شيء من المصداقية والشعور بالصدق، هذا الكلام، لكن سبحان الله، إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
سريعاً أطلع اللي برا، ممكن يعني هذا أكيد بره، بس أنا أقصد لماذا ما قال أنها تطلع عليهم كلهم؟ يعني لماذا ما قال الجسد الكامل؟ لأنه ممكن تطلع على الكبد برضه هو جوا، ممكن تطلع على البنكرياس وهو جوا، يعني ليش الفؤاد؟ أنا بدي الفؤاد بالتحديد، أنه أكيد منطقة التفكير، منطقة القرارات، منطقة السيطرة في الإنسان، منه أنت فكرت يا مجرم، منه أنت خططت، ومنه أنت برضه عملت كل مخططاتك، وهو أيضاً المكان اللي حرقته في قلوب الدعاة وأمهاتهم وآبائهم وأطفالهم. طيب اقرأ.
الذي بدل من كل أو نصب على الذم، جمع مالاً، جمع شامي وحمزة وعلي، مبالغة، وهو مطابق لقوله وعدده، لماذا ما قال الذي نعت؟ يعني ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده، ليش قال بدل مش نعت؟ أحسنت، أنه الذي اسم موصول معرفة، والمنعوت همزة نكرة، ولازم زم في النعت أن النعت يوافق المنعوت تعريفاً وتنكيراً، فلذلك قال بدل أو نصب على الذم، نصب على الذم بمعنى تقدر فعل، تقديره أذم الذي جمع مالاً وعدده، نعم، وهو مطابق لقوله وعدده، أي جعله.
عدَّه لحوادث الدهر، يحسب أن ماله أخلده، أي تركه خالداً. أعطى معنىً جميلاً لعدَّده، نحن قلنا عدَّد تأتي بمعنى أحصاه، لكن النسفي قال: عدَّد أيش يعني؟ جعله عدَّة لحوادث الدهر من الإعداد، مش من التعداد. هسَّه الآن من تقول: جمع مالاً وعدَّده، بمعنى أيش أحصاه، الناس يقولون لا هي مش من عدَّده بمعنى أحصاه، قال: ما عدَّد من الإعداد، والإعداد ما هو؟ تقول أنا أعددت عُدَّة لقابل الأيام، فالمعنى أنه أعدَّ أمواله لنوائب الدهر، حتى يكون سبباً في حمايته من المستقبل، إذا صارت حروب ونوائب وإشكالات وما شابه ذلك.
سريعاً، هسَّه ممكن، بس هو الفكرة أنه هو رجل شغال بالمال، حريص على الدنيا، إنسان ثري، فانشغاله بالمال جعله يزدري بالدعاء ولا يلتفت إلى حال. يحسب أن ماله أخلده، أي تركه خالداً في الدنيا لا يموت، أو هو تعريض بالعمل الصالح وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، فأما المال فما أخلد أحداً فيه. جميل، قال: يحسب أن ماله أخلده، قال فيها تعريض بأن المال عمره ما بيجيب الخلود لأحد، وإنما الذي يمنحك الخلود الحقيقي ما هو؟ العمل الصالح. قال أو هو تعريض بالعمل الصالح وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، أما المال لا يأتي بخلود أبدي، ممكن يعطيك لذَّة تشتري فيه طعام، تقضي فيه وطر، لكن عمره ما بيصنع نعيماً كاملاً.
كلا، ردع له عن حسبانه، لينبذن الذي جمع في الحطمة، في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها. ردع له عن حسبانه التي هي أيحسب -عفواً- يحسب أن ماله أخلده، كان الله يقول: كلا، يعني لا تحسب. هذا معنى ردع الله عن الحسبانه، يعني لا تحسب أن مالك سيخلدك. لينبذن، نعم، لينبذن الذي جمع في الحطمة، في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، حطمة، كل ما يلقى فيها، وما أدراك ما الحطمة، تعجب وتعظيم، نار الله، خبر مبتدأ محذوف أي هي نار الله. هي نار الله الموقدة، نعتها التي تطلع على الأفئدة، يعني أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب.
ولا شيء في بدن الإنسان يقولون: يعني أن الفؤاد هو وسط القلب، يعني هل الفؤاد هو نفس القلب أم الفؤاد هو منطقة داخل القلب؟ يعني بعض اللغويين يقول لك الفؤاد هي منطقة داخل القلب، قال: هي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان كعضو ألطف من هي القطعة الخفيفة ولا أشد ألماً منه بأدنى مماسة، يعني هي المنطقة هي أرق منطقة، بمجرد أن يمسها أي شيء، نخذه، تشعر منها بالألم، فما بالك بنار تحرقها؟ نعم، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه؟ وقيل خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها.
هنا يأتي التدبر، يعني قيل خص الأفئدة لأنها موطن الكفر والعقائد، هي مساحة تدبر، يعني دائماً في التفسير لما تقرأ كتاب تفسير بدك تعرف وين المساحة اللي أنت محكوم فيها، أنه هيك معنى الآية، بصير أنا أجيب معنى جديد؟ وين المساحة؟ اللي هي مساحة تدبرية، فهمتم؟ فلما أقول لك وقيل الأفئدة أنها موطن الكفر، هنا بدأ في المساحة التدبرية، يعني هو محاولة استنتاج. أنا بيهمني كإنسان لما أرجع لكتب التفسير، أعرف المعاني الأساسية حتى ما أخترع معنى جديداً للآية، لكن بعد تثبيت المعنى الأساسي بتيجي مساحة التدبر، كل واحد على ما ربنا بيفتح عليه من واقعه وفهمه وإدراكاته وتأملاته. نعم، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها، أنها عليهم أي النار أو الحطمة، مؤصدة مطبقة، في عمد، بضمتين كوفي، يعني عند الكوفيين في رواية شعبة في عمد، رواية شعبة عن عاصم عمد، أما حفص عمد، نعم الباقون في عمد، وهما لغتان في جمع عماد، جمع كلمة عماد، وهو العمود يجمع على عُمُد وعَمَد، نعم، كإهاب وأهب، وحمار وحمر. نعم، فأنت حمارك تجمعها على حمر. نعم، ممددة، أي تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقاً، في استيثاق، استيثاق يعني أنا أوثقت الباب، حتى أزيد الاستيثاق بحط عليه أعمدة، عشان عمره ما يفكر حدا أنه رح يفتح. نعم، قال: وفي الحديث: «المؤمن كيس فطن، وقاف متثبت لا يعجل، وقاف متثبت، ما بيستعجل في معلومة، نعم، لا يعجل، عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة، كحاطب ليل، لا يبالي من أين اكتسب وفيما أنفق»، طبعاً الحديث غير صحيح لكنه يعني معناه صحيح.
نعم، نعلِّق على السورة الأخيرة اليوم إن شاء الله، سورة الفيل. نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 1-5].
سورة الفيل أيها الكرام من السور التي أيضاً جاءت في المرحلة المكية، لتثبت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه وهم يعني يعذبون أشد العذاب تحت وطأة كفار قريش. يذكرهم الله سبحانه وتعالى، وهي رسالة للطرفين، رسالة تثبيتية للمؤمنين ورسالة إنذار للكافرين. قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي العام الذي ولد فيه -بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه- حدثت واقعة شهيرة، فكفار قريش أنفسهم بل بعضهم أدركها وعاصرها، وهي واقعة تحطيم جيش أبرهة بآية من آيات الله رآها كفار قريش بأعينهم. حيث جاءت الطير الأبابيل فرمت حجارة من سجيل فأهلكت جيش أبرهة، وهذا تتذكره رجالات قريش جيداً، بعضهم أدرك هذه الواقعة بنفسه، وبعضهم هو كان ماذا؟ من أبناء من أدركوا هذه الواقعة، يعني بيكون أبوه مباشرة حكى له إياها، ما في مدة زمنية، مش تحكي قصة في القرن الخامس قبل الميلاد، لا يعني بينكم وبينها يا كفار قريش 40 سنة 50 سنة قبل نزول القرآن. يعني كيف نحن اليوم لما نيجي نحكي حرب الـ 67، يعني زي هيك، يعني مشهد مش بعيد وواقعة معروفة تتناقل أجيال محدودة، تدل على ماذا؟ على قدرة الإله.
الله سبحانه وتعالى يرسل رسالة لكفار قريش: أنا حميت الكعبة وأرسلت حجارة من سجيل على من وقف من أجل أن يهدم الكعبة، فما بالكم بمن سيقف في وجه هذا النبي العظيم الذي أرسلته لينشر ما هو أهم وأعظم عند الله من أمر الكعبة؟ أليس كذلك؟ يعني إذا كانت الكعبة حمايتها تكفل الله بها، فأرسل طيراً أبابيل تحميها، طب حماية هذه الدعوة التي هي أهم من مجرد الكعبة، وإن كانت الكعبة عظيمة وهي دعوة التوحيد والإسلام، إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن ينشر الخير في العالم، من سيقف في وجه الإله؟ ومن سيتحدى الإله؟ كل جيش أبرهة الذي مشى من اليمن وجلس أشهر مشان يوصل، ومعافيه له وأسلحة وجنود مجندة، ما أخذ كل موضوعه ساعتين ثلاث، كان منتهي كل الموضوع، ما أخذش وقت أصلاً، طير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول. أنتم ماذا تظنون أنكم ستأخذون مع الله سبحانه؟ فموضوع في ترهيب وإنذار أنه لا تقفوا في وجه محمد صلى الله عليه وسلم ولا تكفروا برب البيت، رب البيت الذي أنتم تعرفون أن محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إليه. يعني هم كفار قريش كانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى عبادة رب البيت، بس هم مشكلتهم شو كانت؟ أنه نحن بدنا نعبد معه أصناماً. طب أنتم تعرفون مين اللي أنقذ البيت؟ مش أصنامكم، بل رب البيت الذي يدعوكم محمد صلى الله عليه وسلم للإيمان به، عليكم أن تخشوا وأن تخافوا أن ينالكم ما نال هؤلاء.
فسورة فيها إنذار من خلال إعطاء المشهد الكامل، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، تمام؟ وكان فيها نوع تعجيب، هنا يقول النسفي يعني كأنه استفهام للتعجب، ألم تر ذاك المشهد العجيب وذاك الموقف الرهيب الذي حصل بأصحاب الفيل؟ ألم يجعل كيدهم؟ الكيد، مشروعهم، المشروع الذي بذله أبرهة والكفار، إلى اليوم هم عبارة عن مشاريع، مشروع أمريكا في المنطقة، مشروع اليهود في المنطقة، ألم يجعل كيدهم؟ أبرهة كان له مشروع، شو مشروع أبرهة؟ أني لازم أهدم هذا البيت، فربنا يقول لك ماذا فعلت في مشروعهم التدميري؟ هؤلاء جعلته في تضليل، ضيعته في ساعات معدودة. هذا الله سبحانه وتعالى إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون. هذا بعطيه برضه للمؤمن ثقة أن هذه المشاريع التي تُخاض ضد المسلمين وتخوضها الكفار والصليبيون اليوم ويحيكونها، هذه مشاريع هشة إخواني، الله سبحانه وتعالى في لحظة واحدة يحولها إلى تضليل. ألم يجعل كيدهم في ضائع؟ تبخر، تبخر تماماً في لحظات، مع أنه دفع عليه آلاف الأموال بل مليارات الدولارات والتعب والسهر، والصهيونية العالمية حاولت تبسط نفوذها في كل زاوية في هذا العالم، الله سبحانه وتعالى في لحظة واحدة يجعل كيدهم في تضليل.
هذه عقيدة، هذه مش وعظ، مش هيك شيخ يلا شباب يعني بدنا نرفع معنويات الشباب، هذا عقيدة أن الله سبحانه يجعل كيدهم في تضليل، لكن الله يمهل ولا يهمل، ويعطيك مساحات للبلاء ويتخذ منكم شهداء، يعني أنت بتقول طيب ليش ربنا ما يخلصنا من هالقضية هاي؟ لا ما هو في حكم أخرى من ربنا عز وجل، بده يشوف شو بدك تشتغل أنت، ولا هو سبحانه وتعالى قادر، لكن يريد أن يرى اصطفافاتك، يريد أن يرى عقيدتك، يريد أن يرى ثقتك بالله، ماذا حسن ظنك بالله؟ هل سيبقى ظنك بالله عالياً أم ستنفض يدك من التدين وتقول لا، حال غزة وحال كذا مش منطق، ما بدي أبطل متدين لو كان في إله لأنقذ العالم. شيء دائماً تجد بعض الملاحدة اليوم أو كذا، لا ما هو هذا لا بد أفهمه أن الله سبحانه وتعالى، نعم تحصل آلام وجراح ويطول البلاء، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. ونحن نوقن أن نصر الله قريب، لكن هذا النصر القريب قبل ما يأتي سيكون هناك ثمن وتضحيات تدفع.
ألم يجعل الكيد المشروع في تضليل؟ إبطال، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، تمام جماعات، الطير الأبابيل بتكون يعني سرب واحد، جماعة كاملة، هذه الطير ترميهم بحجارة من سجيل، تمام، والسجيل هنا قالوا هو الآجر، والآجر هو يعني كانه الطين الذي تيبس وأصبح يابساً تستطيع أن تبني به، كيف يعني عفواً الباطون اليابس؟ فهذا هو الآجر، وكأنه طين يابس أصبح يعد للبناء، الله سبحانه وتعالى ألقى عليهم حجارة من سجيل، ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾. العصف هو التبن، بتعرف أوراق الشجر بس تسقط على الأرض وكذا ويتم تجميعها حتى تعطى للبهائم، قال جعلهم الله كعصف، تلك الأوراق يعني تخيل أبرهة وجيشه والمشروع الكبير والفيلة وكل هذا الجيش الذي سمعت به العرب، في لحظة خلال ساعات أصبح عبارة عن أوراق شجر هشة، كتبن، ومش بس هيك كعصف مأكول، مش بس تبن مصفط وجاهز، لا تبن تم نهشه، إما تم نهشه من البهائم أو تم نهشه من الديدان كما بيحكي النسفي، المهم بغض النظر من الذي نهشه، تبن مأكول ومحطم ومداس حتى أنه يؤكل، الآن أنه مش ضابط، انتهى كل شيء. هذه يعني كيف الله سبحانه وتعالى يعطيك أول المشهد وآخر المشهد، لأنه لاحظ ماذا استعمل مفرده؟ أصحاب الفيل، الفيل يعطيك مثل ضخامة، صح؟ الفيل ضخم، فقال: شفت أصحاب الفيل؟ هدول اللي معهم فيلة ضخمة، آخر السورة ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ صاروا عبارة عن أوراق شجر هشة، تبن ومأكول، الدود أكله والبهائم أكلته، ما بقي فيه أي شيء يستحق أن ينظر فيه، تحولوا من أصحاب الفيل إلى عصف مأكول خلال ساعات.
تحولوا من أصحاب الفيل إلى عصف مأكول خلال ساعات، هذا يعطيك عظمة الإله والخوف من الله، لأنه أيضاً هذا الإنسان يسقطها على نفسه، يعني أحياناً ماشي في بعد إسقاطها على الصراع بين الحق والباطل، أيضاً يسقطها الإنسان على نفسه، أنه أنت بمعاصيك وذنوب الخلوات، أنت لا تعجز الله شيئاً، يا أخي هدول أصحاب الفيل طحنوا في دقائق، يعني أنا شو بدي أكون أنا المسكين اللي بعمل معصية وبصر عليها وبعصي في الخلوات مرات ومرات، وعامل حالي مش شايف؟ إذا أصحاب الفيل حتى فيهم كذا، فانتبه لا أن تعبث مع الله، وإياك أن تلعب وأن تستهزئ وأن تخادع الله، عظيم وأمره عظيم جداً جداً، فإن الإنسان يوقر ربه ويجل ربه الذي فعل بأصحاب الفيل هذا العذاب الشديد، يفعل بك في أي لحظة ما شاء.
اقرأ قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، كيف في موضع نصب بـ فَعَل، لا بـ ألم تر، لما في كيف من معنى الاستفهام، والجملة سدت مسد مفعولي ترى، وفي ألم تر تعجيب، كيف استفهامية ولا استفهام لا يعمل به ما قبله، بل يعمل به ما بعده، نعم. وفي ألم تر تعجيب، أي عجب الله نبيه من كفر العرب، وقد شاهدت هذه العظيمة من آيات الله، والعرب هي تعرف قصة أصحاب الفيل وشاهدتها، نعم، والمعنى أنك رأيت آثار صنع الله بالحبشة وسمعت الأخبار بها متواترة فقامت لك.
مقام المشاهدة، تقول: وقد شاهدت، برضه إذا كان الضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، اصبر، نعم، فقامت لك مقام المشاهدة، وهذا الصحيح. وقد شاهدته أنه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: 1]، إذاً الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، إذاً وقد شاهدت هذه العظيمة. طبعاً ذكر قصة أبرهة وأتركها لكم، القصة معروفة، اقرأ الآية الثانية: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 2]، في تضييع وإبطال. يقال: ضلل كيده؛ إذا جعله ضالاً ضائعاً، وقيل لامرئ القيس الملك هذه من أسماء امرئ القيس وألقابه لأنه ضاع ملكه، نعم، لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه.
إنهم كادوا البيت أولاً ببناء القليس، وهذه كنيسة بناها أبرهة في اليمن، أراد أن يصرف العرب إليها، قال: ليش العرب تروح على الكعبة في مكة؟ بدي إياهم يجوا على اليمن، فذهب هذا الخبيث فبنى البيت، عرفت كيف؟ الذي يبني هذا كنيسة هنا، ليصرفوا وجوه الحجيج إليها، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه، وكادوه ثانياً بإرادة هدمه، فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم.
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: 3]، جماعات، الواحدة إبالة، قال الزجاج: جماعات منها هنا وجماعات منها هنا. أبابيل، مفردها إبالة، نعم، ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: 4]، وقرأ أبو حنيفة رحمه الله: يرميهم، أي الله أو الطير؛ لأنه اسم جمع مذكر، نعم، وإنما يؤنث على المعنى.
بحجارة من سجيل، هو معرب من سنك وغل، وعليه الجمهور، أي وإنما يؤنث على المعنى، هل يجوز أن أقول الطير يرميهم؟ وقرأ أبو حنيفة رحمه الله: يرميهم بحجارة، إذا قلنا يرميهم، يرميهم أما أن تعود على الله أو تعود على الطير. هل يجوز أن أقول أرسل طيراً يرميهم الطير؟ الطير مذكر ولا مؤنث؟ هل تقول يرميهم الطير ولا ترميهم الطير؟ ترميهم الطير فيها مشكلة، بس هل يجوز أقول يرميهم الطير على قراءة أبي حنيفة إن صحت؟ قال: يصح، لماذا؟ لأن طيراً قال إنه اسم جمع مذكر، واسم الجمع المذكر يجوز في الفعل إذا جاء معه أن يذكر وأن يؤنث، كما تقول: كذب قوم لوط وكذبت قوم لوط، زي قوم أو ما شابه ذلك، هذه الجموع الفعل يجوز أن يذكر معها ويجوز أن يؤنث، سواء كان فعل ماضي أو مضارع.
أحسنت، طلع الشمس وطلعت الشمس إذا كان طبعاً هذه بالنسبة للمفرد، إذا كان مؤنث مجازي والجموع كذلك تعامل معاملة المؤنث المجازي في أنه يذكر الفعل معها ويؤنث. قال: ﴿بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: 4]، السجيل هل هي كلمة عربية أصيلة أو كلمة معربة؟ النسفي قال: كلمة معربة وأصلها من سنك وغل، يعني هذه كأنها كلمة فارسية، ومعناها في الأصل عندهم الآجر.
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 5]، عرفنا العصف أوراق الشجر المشتتة التي تعمل كالتبن، كعصف مأكول أي زرع أكله الدود، أسأل الله السلامة والعافية. وهذا نهاية المجلس، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل