دخولتسجيل الدخول

المجلس82 - سورةالزلزلة والعاديات والقارعة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى.

حياكم الله في مجلس جديد من الحياة مع القرآن، مع كلام ربنا سبحانه وتعالى، هذا القرآن الذي هو نذير وبشير. هذا القرآن الذي يمثل للإنسان في هذه الحياة الدنيا الروح كما سماه ربنا سبحانه وتعالى ﴿رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾، ويمثل النور كما سماه الله سبحانه وتعالى نوراً.

دائماً استحضار أسماء القرآن التي ذكرها الله في القرآن تعينك على فهم طبيعة هذا الكتاب؛ أن محك الحياة، ويمنحك النور، ويمنحك الهداية التي هي أقوم، ويرزقك الثبات والشفاء من كل الأمراض مثل العقائد والأفكار والشهوات. فالحمد لله على نعمة القرآن.

لكن هذا القرآن حتى يحقق معانيه في حياة الإنسان، حتى يحقق القرآن معانيه في حياة الإنسان؛ أن يكون روحاً ونوراً وهدى، لا بد أن تعطيه الوقت، لا بد أن تجلس معه، ولا بد أن يكون لك مصارحة ومصادقة في التعامل مع كتاب الله سبحانه وتعالى.

القرآن ليس فقط للحفظ إخواني، هذه دائماً أكرر هذه النظرية؛ قضية الانشغال فقط بحفظ القرآن وإعطاء أخطائه مساحة أكثر من المساحة التي ينبغي أن تؤخذ، أعتبره من الأخطاء الفادحة في العصر الحديث. القرآن بالتأكيد لا بد أن يحفظ وثوابه عظيم، لكن أنا أقصد حصر أذهان الناشئة وأذهان الشباب في قضايا حفظ القرآن، والدورات التي لحفظ القرآن، ومهارات حفظ القرآن، ومسابقات حفظ القرآن. هذا إذا أخذ بحجمه الطبيعي فهو ممتاز ولا بد منه، وهو فرض كفاية حفظ القرآن كما قال العلماء: فرض كفاية.

لكن أظن أنه تم تسليط الضوء على قضية بشكل كبير جداً، وإعطاؤها بقعة ضوء كبيرة مقابل إهمال النقطة الأهم، الأهم، وهي فهم القرآن ومدارسة القرآن. فالإنسان يمكن أن يعيد قراءة القرآن عشرات المرات ومئات المرات في حياته، لكنه لا يشعر له أي أثر، وهذا هو الواقع. نحن لا نقول هذا، لكن هذا هو الواقع في حياة أغلب الناس اليوم، ممن يمكن يختم القرآن، يقرأ القرآن حتى في غير رمضان، لكن قضية أن القرآن نور وحياة وهدى وما شابه ذلك تبقى بالنسبة له لا يستشعرها في حياته وهو يتعامل مع كلام ربه سبحانه وتعالى.

فاعتاد نفض الغبار عن هذه الأفكار وإعادة زرعها في الجيل؛ قضية أثر القرآن في حياتك، مركزية الوحي، أن الوحي هو الهداية هو النور، أن تفهم قدرة الوحي على أن يعالج مشاكلك الفكرية والنفسية والشهوات والشبهات، أن تفهم كيف للوحي أن يفعل ذلك، وكيف للوحي أن يحقق لي هذه الهداية. هذه كلها من الأمور التي ينبغي أن تأخذ مساحة ووقتاً من الإنسان الذي يبحث عما ينفعه، ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لحسن التعامل مع كلام ربنا سبحانه وتعالى.

وصلنا أيها الكرام مع الإمام النسفي إلى سورة الزلزلة، دعونا نقرأ السورة ثم نبدأ التعليق.

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 1-8].

سورة الزلزلة أيها الكرام من السور الكثيرة المكية التي تذكر الإنسان دوماً بنهاية المطاف ورحلة الإنسان إلى الدار الآخرة، وإن ذاك المشهد مشهد مهيب، مشهد عظيم، هي الغاية القصوى التي يعيش من أجلها الإنسان ويحاول الوصول إليها بأمان.

فكل معطيات الحياة الدنيا من الطعام والشراب والدراسة والجامعة والنكاح والعلاقات الاجتماعية وجمع المال، وكل هذا في النهاية سيؤول إلى الأرض، ثم ستظهره الأرض مرة أخرى عندما تخرج أثقالها لتتحدث عن كل ما جرى على هذه البسيطة في الحياة الدنيا. تذكر الإنسان هذا البعد دوماً وهو يختار قراراته الحياتية، ويختار مساراته، وأين سيكون، ومع أي جهة، وأين سيصطف، وقرارات الزواج والعمل والجامعة، وأين مكانهم في الحياة. تذكر دوماً أن كل هذا سينتهي يوماً ما.

كله في لحظة ما سينتهي، وهذه اللحظة قد تكون قريبة جداً جداً منك، لا تعرف متى لحظة الموت، هذه اللحظة التي ستنتهي فيها كل القرارات وكل المسارات وكل الاختيارات وكل المشاريع والآمال والأماني التي بنيتها، في لحظة ما ستتوقف، ولا تعرف متى هي، لحظة يحددها الله سبحانه وتعالى، أو قررها ربك سبحانه وتعالى في سالف الأزل وكتب فلان سيموت كذا وسيموت كذا، وينتهي كل شيء.

استحضار الإنسان بشكل دوري لهذه القضية يجعله يحاول أن يعرف أين سيقف في هذه الحياة، وما هو القرار الذي سأتخذه، وما الذي يجب أن أكون فيه. هذا التذكر المستمر للدار الآخرة به صلاح الإنسان، لا يمكن أن تستقيم حياة الإنسان إلا وهو يتذكر دوماً ويومياً قضية الدار الآخرة، وتكون نصب عينيه، هي المآل، هي التفكير الأخير، وهي التي ينظر إليها دوماً في أي شيء يفعله.

بقدر ما تغيب دار الآخرة عن ذهنك وعن تفكيرك وعن غاياتك، حتى حياتك اليومية، تفاصيل الحياة اليومية؛ لأن كثيراً من الناس يأتي يقول لك أنا الدار الآخرة هي في ذهني، يعني أنا عارف أني سأموت وفي دار آخرة، لكن في تفاصيل حياته اليومية ليست موجودة، ليست حاضرة، وهذا نوع من القصور. وهذا الفرق بيننا وبين الجيل الأول، أن الجيل الأول حتى في قراراته اليومية الدار الآخرة حاضرة.

يجب أن تصل أنت إلى هذه المرحلة، لمرحلة أنه حتى وأنا يومياً أقرر ماذا سأعمل وأخطط لبرنامجي اليومي، سواء العبادي، الحياتي، الاجتماعي، الدراسي، قضية الدار الآخرة حاضرة؛ بحيث إذا قررت أجلس في مجلس ما، أقرر هل هذا المجلس ينفعني في الدار الآخرة؟ إذا قررت أخرج مع الزملاء مع الأصدقاء إلى مكان معين، أشوف ما مقدار تأثيره على الدار الآخرة؟ إذا قررت أتكلم بكلمة سواء في مجلس أو في وسائل التواصل الاجتماعي، إذا قررت أتكلم بكلمة، أقدر هذه الكلمة، ماذا سيكون أثرها في الدار الآخرة؟

أن تستحضر في أعمالك اليومية الدار الآخرة، هذا به صلاح الإنسان، وهذا الذي يركز عليه القرآن، ولذلك تأتي السور المكية خاصة قصار المفصل لتذكرك دوماً بالدار الآخرة، وأن مشهدها مهيب، وأن أمرها فظيع.

يقول سبحانه وتعالى في هذه السورة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. لاحظوا: ﴿زِلْزَالَهَا﴾، لماذا ﴿زِلْزَالَهَا﴾؟ هذا الضمير يعود على ماذا؟ على الأرض، كأنه زلزال فريد لا مثيل له، لذلك أعاد الضمير، ما قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالاً﴾، ما قال ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالاً﴾؛ لأنه هذه الزلزالات الموجودة اليوم، والله عافانا، إخواننا الأتراك اليوم كان في زلزال عندهم، هذه الزلازل الموجودة اليوم هي...

زلزال في بلد معين أو في مكان ما، فتقول حدث زلزال في الأرض. لكن هذه الآية كيف عبرت؟ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، أي الزلزال الكلي. لذلك أعاد الضمير إليها، زلزالها أي الزلزال الكلي الذي لا نظير له، ولم يوجد أبدًا في سابق الأيام. هذا هو الزلزال العظيم المترقب الذي ستختلف بعده الحياة تمامًا، ستنتقل من حياة دنيا فانية زائلة إلى حياة أبدية خالدة، بالتالي هي لحظة فارقة في تاريخ البشرية.

هذا الزلزال، لذلك لا تأتي هذه السورة توثقه إلا لتخاف، لتنتبه أن هذه الحياة الدنيا لن تستمر على ما هي عليه، لن تستمر أبدًا. اليوم استيقظنا صلينا أفطرنا أتينا اشتغلنا، لا، في لحظة معينة سيتوقف كل شيء. ممكن أنت تدرك هذه اللحظة، وممكن لا تدركها على حسب عمرك، لكن عليك أن تكون متيقنًا أن ما أنت عليه اليوم لن يدوم. أنت ماشي في برنامج شغل، ماشي في برنامج حياتي، ماشي في برنامج رياضي، ماشي في برنامج شرعي، في أي شيء، في لحظة ما سينتهي، وستأتي اللحظة الفارقة التي تتغير فيها معالم هذا الوجود، وتبدأ رحلة الدار الآخرة.

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، هذه الأرض كانت محملة بالأثقال التي أنهكتها كما في سورة الانشقاق، وألقت ما فيها وتخلت. كأنها محملة بأعباء بني آدم، وبأفعالهم ومشاريعهم وأفكارهم وخطراتهم. الأرض محملة مثقلة، كما تقول: واحد محملك مسؤولية كبيرة، ولا تصدق متى تعطيها وتخلص من هذه المسؤولية. تشعر بـ ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، كانت الأرض منهكة بحجم الأثقال التي وضعت فيها، فهي تنتظر يوم القيامة لتلقي، تنتظر هذا الزلزال حتى تخرج ما فيها.

تخرج ما حوته من أجساد، وما حوته من قصص، وما حوته من أخبار، وما حوته من أحوال الظالمين والمستبدين، ومن فواجع وإشكالات وخلافات ونزاعات. كل هذه الأمور ستلقيها هذه الأرض وتخرجها بين يدي رب العزة سبحانه وتعالى. فكم من ظالم مستبد يوجد في الأرض، وكم من مظلوم مقهور مدفون في الأرض، وكم من حكاية رجل وإنسان موجود الآن، قصص وحكايات ماتت، نحن لا نعرف إلا اليسير منها. لكن الأرض في تاريخها من لدن آدم إلى اليوم كم استوعبت من القصص والحكايات والمشاهد والأشخاص والأحوال؟ شيء مهول جدًا، كله سيخرج.

لاحظ، لذلك الأرض مثقلة، هي من لدن سيدنا آدم إلى اليوم وهي تدفن في داخلها قصصًا وحكايات، ثقل أصبح على هذا الكوكب، فهو ينتظر لحظة الصفر، لحظة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. هذا الزلزال سيكون سببًا في أن يخرج ما في داخلها من الدفائن والقصص والحكايات. ولاحظ أنه أعاد كلمة الأرض مرتين، يعني هو ما قال: إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت أثقالها، مع أنه هذا ممكن في اللغة صحيح، بل هذا هو المشهور، أنك تذكر الاسم أول مرة ظاهرًا بعدين ترجع له الضمير؛ جاء زيد فأكرمته فأعطيته، صح؟ مش تقول: جاء زيد فأكرمت زيدًا فأعطيت زيدًا. إلا أنه في نكتة معينة تريدها، ما هي النكتة هنا؟ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، لماذا تكرر الأرض مرتين؟

هذا دلالة على أن كل مشهد مشهد منفصل يستحق أن يركز فيه على الفاعل. كل مشهد منفصل عن الآخر ورهيب ومهيب استحق أن يكرر الفاعل فيه مرتين. لحظة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، هذه خذ لي إياها مشهدًا وحده مهيبًا عظيمًا مرعبًا. ولحظة ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، مرة ثانية وأخرجت الأرض أثقالها، كأنها قصة وحكاية يتسلط عليها الضوء وحدها. أنت ترى الأرض، تخيل أنك خرجت مبكرًا من الأرض، حاول أن تتخيل هذا المشهد، أنك إذا زلزلت الأرض زلزالها، إذا كتب لك أن تخرج مبكرًا وتلاحظ الأرض وهي تخرج ما فيها. أنت ترى هذا المشهد أمامك، هذه الأرض تخرج ما فيها كما قلت من ظالم ومظلوم، من حيوان ومعادن، كل ما فيها يخرج، سيكون المشهد مهينًا ومرعبًا ومخيفًا.

تلك القصص التي ظن أصحابها أنها طويت، الآن تخرج. ذاك الظالم الذي ظن أنه انتهى، فقط على سرير مستشفى بعد أن يكون أجرم وفعل ما فعل، وراح له على روسيا ولا باريس وكذا ومات هناك بعناية تلطيفية، فكر القصة انتهت وأنه نجا بفعلته. لا، القصة ما انتهت، اليوم سيعاد بناء الأجساد من جديد لتلك اللحظة المهيبة. هذه الأفكار لما تأتي إلى القرآن يجب أن تعيشها وأنت تقرأ سورة الزلزلة لأن المشاهد مهيبة.

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾. الإنسان في هذه اللحظة سيخرج مدهوشًا مرعوبًا من شدة المشهد وفضاعته ورؤية الناس تخرج وتنبت أمامه. فمن شدة الهلع سيقول ﴿مَا لَهَا﴾، يعني إيش الذي عم بيصير؟ الإنسان لما يأتي يوم القيامة هو يكون مدركًا لحياته الدنيوية، هو عارف، هو ليس إنسانًا مختلفًا من حيث الذاكرة، دعني أقول هو متذكر أنه كان في دنيا، وكان في قبر، هذه الأمور لا ينساها الإنسان، ليس أن الذاكرة تمسح وتصير ذاكرة جديدة. نعم سيهيأ ليعيش ظروف الدار الآخرة، لكنه سيبقى متذكرًا من هو، أنه أنا شخصية إبراهيم وأنت شخصية عاصم. متذكر أنه كان عايشًا في الدنيا، ومتذكر أنه لي أب وأم، بدليل أنه يفر من أبيه وأمه، إذًا هو عارفهم، هو عارف العلاقات الاجتماعية.

انتبه، الإنسان لما يأتي للدار الآخرة هو يبقى مدركًا لعلاقاته الاجتماعية، مدركًا لأصدقائه، مدركًا للناس، بس خايف يحكي مع أحد؛ وجل لأنه يدرك أن الموضوع الآن ليس مثل الدنيا. الدنيا كان فيها واسطات تمشي لحالها، كان يضب من هون بتمشي من هون، وربك بيسترها. لكن اليوم لا، هو يوم الآخرة الذي كان القرآن يتكلم عنه بقوة، وكان المشايخ والوعاظ يتحدثون عنه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحذر منه. هو اليوم الذي أنا ما كنت أتعامل معه بالجدية اللازمة، لأنه لم يكن يتعامل معه بالجدية اللازمة، لما خرج ورأى صدق ما قال القرآن وصدق ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فهو في حالة الرعب والاندهاش يقول ﴿مَا لَهَا﴾، يستفسر الأرض ليش بتسوي كذا. يعني هو يتحدث عن الأرض ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾، الأرض لماذا تفعل هذا؟ لماذا تخرج كل ما فيها؟ لماذا تبعثنا؟

هذه لحظة الاندهاش، وسيستوعب بعد ذلك وسينتبه يعرف أن هذا هو اليوم الآخر، هذه قصة النهاية بدأت تحصل الآن، النهاية الأبدية. طبعًا هذا كله الآن يجري أمامي، لكن الله عز وجل يعطيك هذا السؤال، لماذا يعطيك هذا السؤال؟ ليخبرك عن حجم الرعب الذي يحصل للإنسان في تلك اللحظة. فالله سبحانه وتعالى يسجل لك أنه سيخرج الإنسان من الأرض وهو يقول: ما الذي يحدث؟ ما لهذه الأرض؟ لماذا تفعل كل هذه الأمور؟ لماذا يحصل مشهد لم أره سابقًا في حياتي أبدًا؟ مشهد بشر يخرجون من قبور ينبتون أمام عيني، مشهد معادن وأثقال وكنوز تخرج، وحوش، حيوانات، دواب. هذا السؤال مدهش للإنسان ومرعب. ﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾.

فكان الجواب يأتيه ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. كان هذا جوابًا لسؤال الإنسان، لما قال الإنسان ﴿مَا لَهَا﴾ هذه الأرض، لماذا تفعل هذه الأمور؟ جاءك الجواب ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. هذا اليوم الذي ستحدثه أخبار، هي تفعل هذا حتى تروي كل القصص والحكايات التي حصلت عليها في عالم الدنيا. الأرض ستحدث عن كل المجريات وكل الوقائع التي وقعت عليها، في سر أو في علانية. كل الظلم والاستبداد الذي يحصل ستحدث به الأرض، كل ما يفعله الظالمون والمجرمون من قتل الأبرياء، وحرق خيامهم، وقتل أطفالهم ونسائهم، ستحدث الأرض أخبارها. وكل أيضًا حياتك الشخصية ستحدث بها الأرض، كل معاصي الخلوات ستحدث بها الأرض، كل جلسة خلف الأبواب كنت تنظر فيها على جوال على شيء لا يرضي الله ستحدث به الأرض.

﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ على وجه العموم عن كل مشهد وعن كل موقف وعن كل قصة وحكاية. وهذا الإنسان لما يقرأ هذه السورة ويتذكر ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، أكيد ليس لك مصلحة أن الأرض تتحدث عنك بقصة سيئة. يعني الإنسان لا يريد الخزي لنفسه، فهذه السورة تجعلك تضبط على الأقل تصرفاتك، لأنه كل شيء سأفعله على الأرض ستحدث به الأرض، كل موقف وكل علاقة وكل فعل، سواء عرف به أبي، لم يعرف به أبي، عرفت زوجتي، لم يعرف زوجي، كل شيء ستتحدث عنه. بالتالي يحتشم الإنسان ويأخذ الاحتياط، أنني لا أريد أن تحدث الأرض بمخازي، أريد أن تحدث الأرض بمفاخر، أريد للارض أن تحدث بقيام الليل الذي فعلته، أريد تتحدث بمجالس العلم التي حضرتها، أريد تتحدث برباطي ودفاعي عن أمتي، أريدها أن تتحدث عن كل مشهد جميل، عن مساعدتي لمسكين، عن إعانتي لملهوف، عن رفعي لضائقة مالية لشخص.

أريد الأرض أن تتحدث عن هذه المجريات، هذا الشيء الذي يشرفك تتحدث به الأرض. أما تتحدث عن علاقة محرمة فعلتها في خلوة في أروقة الجامعة، والله إنها فضيحة، أو تتحدث لك عن قصة غير جيدة، أو عقوق والدين، أو قطع أرحام، أو عادة فجة، أو اصطفاف مع ظالم؛ الإنسان لا يريد أن تحدث الأرض بهذه المخازي. فاستحضار الإنسان ليومئذ تحدث أخبارها يجعله في قمة الاحتياط قبل أن تأتي هذه اللحظة.

طيب، ومن الذي أمر الأرض أن تحدث؟ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾. يعني أنت لست من راح تحكي للأرض أو تترجاها أنه لا، خلص تحكي عني، لا، هناك أمر إلهي للأرض بأن تنطق، وهذا يعطيك رعب المشهد. الله سبحانه سيقول للأرض: انطقي بكل ما جرى عليك من المشاهد. من الذي سيجادل الآن؟ من الذي سيقف أمام هذا الأمر الإلهي للأرض بأن تتحدث؟ انتهت الأمور، انتهت الشفاعات وستر الستر وكل شيء، انتهت الآن أيام الكشف. الله سبحانه وتعالى ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، تذكر هذه الآيات، يوم كل شيء سيخرج على سطح الأرض لأن الله أوحى للأرض أن تتحدث، ولا معقب لأمر الله سبحانه وتعالى.

﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾. الصدور ما هو يا إخواني في اللغة العربية؟ الصدور عكس الورود. يقولون وردت الناقة إلى الماء، يعني أتت تشرب، ثم صدرت، ما معنى صدر؟ خرجت وغادرت. الإنسان لما جاء إلى الدنيا، أنت وردت، ويوم القيامة سيكون الصدور، تمام؟ يعني نحن في الدنيا وردنا، تخيل الدنيا مشرب ماء، أنت وردت عليه. ويوم القيامة لما تبعث من القبور أنت تصدر عنه، أي تغادر إلى رحلة جديدة وإلى عالم جديد. وهذا التعبير جميل، لأنه يمثل لك لحظة الحساب عن حاله الورود، يعني أنت وردت، في لحظة ورودك على هذه الدنيا ماذا فعلت فيها؟ لما تأتي ساعة الصدور والمغادره وساعة بدء رحلة جديدة ستعرف الحساب.

يقول ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، فهم يخرجون من قبورهم كأنهم بعد الورود صدروا، بعد الورود على الدنيا غادروا الدنيا إلى عالم جديد. في هذا الصدور سيصدر الناس أولًا ﴿أَشْتَاتًا﴾، أشتاتًا في كل شيء. أشتاتًا في مصيرهم، أليس كذلك؟ أشتاتًا في همومهم، أشتاتًا في أحوالهم وأشكالهم. يعني لا تحمل كلمة أشتات فقط على المعنى الحسي، أشتاتًا فقط متفرقين، واحد هون وواحد هون، نعم الأشتات تدل على التفرق، لكن هناك تفرقات أيضًا معنوية. سيصدر الناس أشتاتًا متنوعين في كل شيء، فهذا إلى الجنة وهذا إلى النار. أشتاتًا في أحوالهم، فهذا في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، وهذا تحت الشمس. أشتاتًا في مواقفهم، فهذا مع المرابطين، وهذا مع الصائمين، وهذا مع كذا، وهذا مع المنافقين، وهذا مع الكافرين.

هم أشتات في كل شيء، أشتات حتى في مشاعرهم؛ هذا في قمة الخوف مرعوب لأنه عارف مخازيه وفضائحه، ذاك يبكي خوفًا ووجلًا لأنه عارف أنه في شيء ينتظره، كأنه مخزٍ في الدنيا، وذاك الشاب لا، نوعًا ما في أمان مطمئن لأنه عارف عن أداءه. سنكون أشتاتًا حتى في مشاعرنا وأحاسيسنا في ذاك اليوم. أشتاتًا، الكلمة معبرة جدًا بحسب اختلاف نفس الدنيا، ماذا قال ربنا؟ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾. هذا الشتات في الدنيا سينعكس في الدار الآخرة. كما أن سعيكم لشتى في الدنيا مساراتك مختلفة، اختياراتك متنوعة، هذا التنوع في الدنيا سينعكس على حالنا يوم القيامة في مشاعرنا وأحاسيسنا واطمئناننا وخوفنا. هذا في الظل وهذا ليس في الظل، وهذا ربنا سبحانه وتعالى تكفل بستره وهذا ربنا ستر عليه، وهذه الملائكة تتعامل معه بهدوء وتستقبله، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾، هؤلاء ملائكة تسوقهم سوق الأنعام.

كل واحد قصة وحكاية، أنت ترسم ملامح هذه القصة من خلال سعيك في الحياة الدنيا. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. شوف التعبير الراقي، قال ﴿لِّيُرَوْا﴾ ما قال ليروا، قال ﴿لِّيُرَوْا﴾، شو الفرق؟ ما قال ليوا قال ليوروا أعمالهم. أحسنت، كلمة الغصب، يعني غصبًا عنك ستراها. كل مخازيك وأعمالك، ما في مجال تحكي: لا يا رب، أنا مش تعبانة، أشوفها، لا، أنت مش باختيارك سترى. أنت ستُرى، أنت مش باختيارك ستُرى، بحيث أنه في أنت مش حابب تشوف، لا أنا مش حابب أشوف، خلص هذا لا. ﴿لِّيُرَوْا﴾ هناك من سيجبرك على الرؤية، لأن ﴿لِّيُرَوْا﴾ دلالة أنه في شخص أجبرني على أن أراها. فأنت ليس باختيارك أنك حابب تشوف صحيفة أعمالك أو مش حابب تشوفها، جبرًا عنك ستراها، وستكشف كل الأمور أمامك، ستراها ماثلة. ﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، جبرًا عنهم ستراها، ولن يكون بإمكانك أن تهرب، أن تحاول غض الطرف أو.

تبدي عدم الرغبة في رؤية أعمالك قرار ليس قرارك. في الحياة الآخرة القرارات الشخصية تنتهي، والقرار عند الإله سبحانه وتعالى. إذاً: ليروا؛ تدل على الجبر والغصب والقهر في رؤية الأعمال. ستمسك صحيفة أعمالك جبراً عنك. لما تتطاير الصحف وتقع صحيفة شخص في شماله، بيقدر يحكي: يا رب أنا مش حابب آخذها؟ بدك تأخذها، بدك تأخذها جبراً عنك. ستحملها، وجبراً عنك ستسوقها بين يدي الله، وتفتحها، وجبراً عنك ستقرأ. مش كل شخص يكلمه الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين الله ترجمان؛ كل منا كافراً أو مؤمناً سيتحدث مع الله في جلسة خاصة، وستفتح صحيفة أعمالك وستقصها.

فأما المؤمنون فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وأما الكافر فسيكون ويل وثبور؛ لأنه سيقرأ مخازي له، شايف ليروا أعمالهم؛ رح يقرأ أني في اليوم الفلاني فعلت كذا، وفي اليوم الفلاني فعلت كذا، وفي اليوم الفلاني سويت وعملت وشفت وكذا، وعملت حراماً هنا، وعملت خلوة حراماً هنا، وحكيت كلمة حراماً، ودخلت في فتنة، وعملت مشاكل، وكنت فتنة للمسلمين، ودخلت في ورطات، وقفت يعني قصصاً وحكايات ستقرأ في هذه الصحف. هذا معنى ليروا؛ جبراً عنك بدك تقرأ، ما فيش مجال: لا يا رب أنا مش حابب أقرأ مخازيَّ. بدك تقرأ وبدك تتبهدل إذا كانت مخازيك تشهد لك بالويل والثبور. هذه الآية مخيفة إخواني، قضية ليروا أعمالهم تعطيك مؤشر الجبر في هذا المكان.

إذا رأيت أعمالك ما هي النتيجة؟ ما دامت الرؤية جبراً للجميع للمؤمن والفاسق؟ قال: ليروا. فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. إذا عملت مثقال الذرة، والذرة هي النملة الصغيرة؛ فمن يعمل مثقال ذرة، أي بمقدار نملة صغيرة من الخير، والله سترى. ولما ترى ها، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره؛ يره يعني يرى جزاءه، كما قال كثير من المفسرين، يرى أي سيرى كيف سيكافئه الله عليه. ومن يعمل مثقال ذرة شراً أيضاً سيرى جزاءه، يرى أي سيرى جزاء الله سبحانه وتعالى عليه. طبعاً هذا وعيد، ووعد للمؤمنين؛ وعد في باب الخير، ووعيد في باب الشر، سبحانه وتعالى لا يخلف وعده، لكنه يتجاوز عن وعيده. فلما يقول لك: فمن يعمل مثقال ذرة شراً يره؛ هذا وعيد أنه رح أجازيك عليه، هسا ممكن ربنا يسامحك ممكن؛ لأن الكريم له أن يخلف وعيده. صحيح أنا ممكن أهددك أقول لك: والله راح أعمل لك كذا وكذا إذا شفت منك كذا وكذا؛ تروح أنت تعصيني وتعمل، بس أنا كرماً مني ممكن أتجاوز عنك، وممكن لا أعاقبك، بس هذا متروك للأمر الإلهي.

لكن تبقى القاعدة واضحة تماماً؛ تبقى القاعدة الكلية أنه من يفعل هذه الأمور ولو ذرة من الشر سيرى نتيجتها، كون الله سبحانه يقرر لشخص معين أن يعفو عن هذا أمر كرمه وفضله، لكنك تحافظ على القاعدة وعلى كليتها. هذه خلاصة سورة الزلزلة حيث تريك نتائج الأعمال وحصائد الأعمار؛ نتائج الأعمار وحصائد الأعمار هذا تراه يوم القيامة لما ترى أعمارك جبراً عنك. فطريقة صياغة المشهد، طريقة القرآن وهو يتحدث لك كيف الأرض تتزلزل، ثم تلقي الأرض كل ما فيها، ثم الإنسان يخرج في قمة الاندهاش والخوف والرعب من مشهد الخروج، ثم يقول: ما لها؟ في يومئذ تحدث أخبارها؛ يأتيه الجواب: اليوم الأرض ستتكلم بكل شيء؛ لأن الله أمرها أن تتكلم. ثم لما تتكلم الأرض وتأخذ صحائف الأعمال سترى أعمالك؛ لما يصدر الناس أشتاتاً في نتائجهم ومعدلاتهم ونجاحهم وإخفاقهم، أشتاتاً في كل شيء وهم يرون أعمالهم. فأنت يا إنسان إذا قرأت أو رأيت عملاً خيراً ستجازى عليه، إذا رأيت عملاً سيئاً ستحاسب عليه. كل هذه الأمور تجعل الإنسان الواعي المؤمن بالدار الآخرة، وهذه قضية الإيمان بالدار الآخرة هي أهم خصلة في حياة الإنسان بعد الإيمان بالله؛ أن تؤمن بالدار الآخرة. أنه إذا غاب مشهد الدار الآخرة عنك فسد كل شيء، وإذا استحضرت الدار الآخرة كما قلنا ارتفع كل شيء.

اقرأ التفسير سريعا. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ونجِّ إخواننا المستضعفين. قال الله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 1-8].

إذا زلزلت الأرض زلزالها؛ أي حركت زلزالها الشديد الذي ليس بعده، وقرئ بفتح الزاي؛ فالمكسور مصدر والمفتوح اسم، وأخرجت الأرض أثقالها؛ كنوزها وموتاها؛ جمع ثقل وهو متاع البيت، جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها. وقال الإنسان ما لها؛ زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها، وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ موتاها أحياءً فيقولون ذلك لما يظهرهم من الأمر الفظيع، كما يقولون: من بعثنا من مرقدنا. وقيل هذا قول الكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث؛ يعني وقيل الإنسان الذي سيستفهم ويقول: ماذا هو الإنسان الكافر؟ أما المؤمن فهو يعرف ما له. قيل لكن أيضاً أبقاها على عمومها؛ أظن أولاً لأن الكل سيقول ذلك، حتى المؤمن يمكن يقوله اندهاشاً من المشهد؛ يعني حتى لو أنت أوراقك جيدة، لكن المشهد غير مألوف، المشهد بحد ذاته يثير الرعب في القلوب؛ فما دامت الآية قالت: وقال الإنسان، خليها الإنسان دون أن نخصها بالكافر. نعم، فأما المؤمن فيقول: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون.

يومئذ؛ بدل من إذا وناصبهما؛ تحدث؛ أي تحدث الخلق أخبارها، فحذف أول المفعولين لأن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق. قيل ينطقها الله وتخبر بما عمل عليها من خير وشر، وفي الحديث تشهد على كل واحد بما عمل على ظهرها؛ بأن ربك أوحى لها؛ أي تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها وأمره إياها بالتحديث. يومئذ يصدر الناس؛ يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف أشتاتاً؛ بيض الوجوه آمنين، وسود الوجوه فزعين؛ يعني مختلفون، والاختلاف حتى في الهيئة؛ فأهل الإيمان تكون وجوههم بيضاء، وأما الكفار والمنافقون وجوههم مسودة، فهذا أيضاً شكل من أشكال الشتات في هذا الموضوع. أو يصدرون عن الموقف أشتاتاً يتفرق بهم طريق الجنة والنار، ليروا أعمالهم؛ أي جزاء أعمالهم.

فمن يعمل مثقال ذرة، نملة صغيرة، الذرة هي النملة الصغيرة، خيراً؛ تمييز إعرابها تمييز، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً، تمام؟ كيف تقول: اشتريت مثقال ذرة رزاً، ماذا يكون إعراب رزاً، سكراً؟ تمييز؛ هي نفس الشيء، فمن يعمل مثقال ذرة من الخير كأنه قال: يره، أي يرى جزاءه. ولا إشكال أن نقول: يره يعني يراه أولاً في صحيفته، فإن الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يراه في صحيفته ثم يرى جزاءه. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره؛ قيل هذا في الكافرين والأول في المؤمنين. ويحكى أن أعرابياً؛ صحيح أن هذا عام يعني ليس له علاقة بالكافر أو المؤمن؛ كل خير يفعله الإنسان سيجده، وكل شر يفعله الإنسان سيجده، حتى الكافر إذا عمل خيراً يجده. نحن إمبارح إذا أخذنا في أصول الفقه، قلنا الكافر لو فعل أفعالاً صالحة هي لن تقبل منه كثواب، لكنها تخفف عنه في عذاب جهنم، فلا إشكال أن نقول إنه يرى حتى أفعاله الجيدة وتكون أثرها ليس أنه سيغفر لا، خلص، لكن في جهنم يمكن تؤثر في ماذا أو ستؤثر في وين منزلته في جهنم، فأبو طالب ليس كغيره؛ صحيح ولا لا؟ مش هيك بنعرف في الأحاديث؟ أبو طالب هو أخف أهل الكفار عذاباً بسبب وجود أعمال جيدة نافعة فعلها سجلت في صحيفته، وإن كانت لن تكون سبباً في العفو عنه بحيث أن يدخل الجنة، لكنها على الأقل تخفف عنه في عذاب النار.

يحكى أن أعرابياً؛ قرأ خيراً يره، فقيل له قدمت وأخرت، فقال؛ يعني قيل إن أعرابياً لما قرأ الآية بدأ بالشر ثم انتقل إلى الخير، يقرا: فمن يعمل مثقال ذرة شراً يره ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، بدأ بالشر ثم انتقل إلى الخير، فقيل لو قدمت وأخرت، يعني الآية مش هيك أنت قرأتها بالعكس، فقال: خذ بطن هرشا أو قفاها، فإنه كلا جانبي هرشا لهن طريق؛ قال يعني سواء قرأت من هيك ولا قرأت كذا، بقول لك خذ بطن هرشا، هرشا وادٍ، قال ادخل هذا الوادي من هون ولا أدخله من هون بدي نفس الغرض؛ فقال قدمت الخير أو قدمت الشر كله بقضي الغرض، بس هذا الكلام طبعاً غير صحيح؛ يعني هذا لو كلام تقرأ أنت لكلام لبشر ماشي، لكن هذا كلام الله سبحانه وتعالى فلا يجوز، حتى لو أنت شايف أنه مش مشكلة بلشت في الخير ولا في الشر، الرواية تتبع ولا، وهناك في البلاغة أشياء مطلوبة، الله سبحانه وتعالى قد يكون قصده أن يبدأ بالخير، هو بل قصده أن يبدأ بالخير، فلماذا أنت بدك تبدأ بالشر؟ فقضية فهذه الرواية لا يعتمد عليها؛ يعني أنا لا أعرف شو قصد النسفي في ذكري قصة هنا أنه هذه ممكن تفتح باب شبهة لبعض الناس أنه خلص ما دام هذا يقرأ زي ما بدي، بقدم الخير بقدم الشر، لا؛ هي سورة تقرأها زي ما هي وليس لك أن تقدم ما تشاء.

وروي أن جد الفرزدق أتاه صلى الله عليه وسلم ليستقرأه، فقرأ عليه هذه الآية، فقال: حسبي، حسبي، وهي أحكم آية وسميت الجامعة؛ يعني هذه الآية أو المقطع الأخير من سورة الزلزلة: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، تسمى الجامعة، ليش الجامعة؟ لأنها خلاصة الحياة الدنيا، شو خلاصة الحياة الدنيا؟ اللي بيعمل خير بيلاقيه واللي بيعمل شر بيلاقيه، هذه خلاصة كل رحلتك في الحياة الدنيا.

سورة العاديات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 1-11].

سورة العاديات أيها الكرام من السور الجميلة حقيقة في طريقة إيصالها للأفكار، وكل القرآن جميل حقيقة في طريقة غرسه للأفكار والقيم في حياة الإنسان. سورة العاديات أستطيع أن أختصر فكرتها أو فيما أفهمه من فكرتها، قد أقول فيما أفهمه من فكرتها أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبرك الفرق بين النفوس العادية وبين النفس الكنود المتثاقلة عن البذل والعطاء؛ النفوس نوعان: نفوس عاديات تسير إلى الله بقوة وبإصرار وبعزيمة بغض النظر عن النتائج، والنفس الكنود النفس الجحود أو الضعيفة البذل والعطاء التي تريد فقط أن تتشبث بدنياها وملذاتها ولا تريد أن تبذل ولا تريد أن تقدم في سبيل الله شيئاً. كيف أخذنا هذان المشهدان من سورة العاديات؟ القسم والمقسم عليه، ارتباط جميل عجيب في سورة العاديات.

قال سبحانه وتعالى: والعاديات ضبحاً. الآن هو أنت دائماً لما تفسر كما قلنا إياك أنك تتعامل مع القسم القرآني معاملة سطحية، أنه أقسم الله بالخيل وهي تعدو، طيب ما هو ليش أقسم بالخيل وهي تعدو، ما هو هذا السؤال، هو السؤال المنطقي المفروض هنا؛ والعاديات ضبحاً، أقسم بالخيل تعدو، والخيل لما تعدو عدواً شديداً تخرج صوتاً اسمه الضبح، هذا الصوت الذي يخرج مع الإنسان وهو يعدو عدواً شديداً، هذا صوت تسمعه في الخيل لما تسرع في ركضها تخرج صوتاً، هذا يسمى الضبح؛ والعاديات حالة كونها تخرج صوت الضبح لشدة عدوها، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً، فأثرن به نقعاً، فوسطن به جمعاً. يعطيك الله سبحانه وتعالى خيلاً تعدو، هذه الخيل عدت، ويرسم لك مشهد العدو بالكاميرات الدقيقة؛ يعني كيف أنت في اليوم السينما والكاميرا مش لما يصور لك مشهد سينمائي شو بيعمل مصور حتى يعطيك هيك الدراما اللي في المشهد؟ شو بيسوي؟ بحط لك الكاميرا على التفاصيل، صح؟ بينزل لك الكاميرا على رجل الخيل وهي رايحة على الغزوة وأنت بتراها بتضرب على الأرض، بعدين بعطيك صورة الغبار اللي أثارت الخيل في أثناء عدوها، وهذا كله في النفس الإنسانية يرسم مشهداً. يعني ما يفعله الإعلاميون اليوم بكاميراتهم كان العرب يفعلونه بلغاتهم، هذا الفرق؛ يعني اليوم صناعة الدراما أو صناعة الإثارة تكون بالكاميرا، قديماً العرب كيف كانوا يصنعون الإثارة في لسانهم.

اللغة هي التي تصنع الإثارة وتصنع المشهد وتجعلك ترى، العرب قديماً ما كان عندهم كاميرات، بس كان عندهم لسان قوي يخليك تعيش المشهد وكأنك تراه أمامك وتتخيل هكذا تشاهده. فالله سبحانه وتعالى، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، يخبرك عن بلاغة العرب فيوظف بلاغة أو تستعمل بلاغة العرب من أجل الإعجاز؛ تستعمل بلاغة العرب من أجل صناعة الإعجاز وجمالية المشهد في النص القرآني.

فسبحانه وتعالى يخبرك عن هذه الخيل، الخيل العاديات، وأنا من البداية سأقول: الخيل العاديات فيما أفهمه هي رمز للنفوس الباذلة في سبيل الله، رمز للنفوس الباذلة في سبيل الله في العلم النافع، في العمل التطوعي، في العمل الإسلامي، في أي مكان من أماكن البذل والسعي إلى الله سبحانه وتعالى. هذه رمزية الخيل العاديات فيما أفهمها هنا، فالله سبحانه وتعالى حتى يعطيك كيف يجب أن تكون نفس المؤمن، كيف ينبغي أن تكون أنت يا أيها الشاب في سيرك إلى الله، يجب أن تكون من الخيل العاديات، من النفوس السريعة.

ثم يعطيك مشهد هذه الخيل العاديات حتى تزداد شوقاً لتتشبه بها، فقال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: 1]، وعرفنا الضبح: الصوت الذي يخرج من داخل الخيل أثناء شدة الركض. شوف الآن الكاميرا نزلت -خلينا نقول بالمعنى المجازي- إلى أقدامها، فقال: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: 2]، لاحظ مشهد الأقدام، الحافر وهو يصطدم بالأرض بقوة ويخرج شرراً، وهذا المشهد أظنه مألوفاً، فالخيل مع شدة جريها لما يرتطم حافرها بالأرض فإنه يقدح، يخرج ناراً، وهذا يدل على قوة الركض وقوة السير. وأسقط هذا على ما يريد الله أن يكون عليه المؤمن في حياته.

﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: 3]، الإغارة والهجوم والإقدام، كلمة المغيرات الإغارة تعطيك المهاجم المبادر الساعي، وفي وقت ماذا؟ صبحه، وقت الصباح البكور، بورك لأمتي في بكورها، من الصباح وهو في عمل، في بذل، في سعي، في إغارة. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، هذا العدو وهذا القدح في الأرض أو إخراج الشرر مع الضرب في الأرض وهي الغارة الصباحية ماذا أحدثت في الكون؟ قال: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: 4]، أي بسبب هذا العدو والضرب على الأرض أحدثت ضجيجاً فيما حولها.

وهكذا المؤمن يرى أثره في الحياة الدنيا، هكذا المؤمن يرى أثره وسيره في الحياة الدنيا، نفعه متعدٍ إلى الناس. صحيح هذا الغبار كان سبب ماذا يا إخواني؟ العدو، أليس كذلك؟ يعني ما الذي أثار الغبار خلف هذه الخيل؟ عدوها وإغارتها. هكذا أنت، هكذا يريدك الله أن تكون، أن تحدث تغييراً في واقع الأمة، أن تحدث أثراً في حياة الناس، سواء في أي عمل تطوعي، خيري، علمي، تعليمي، إصلاحي، لا بد وأن تحدث أثراً، وأن يكون لك بصمة على أسرتك، على زملائك، على أبنائك. مش ضروري البصمة تكون أنه أنت لازم تكون عالم، لا يا عمي، من قال لك هذا الكلام؟ البصمة هي الأثر، هي الغبار الذي ستثيره أثناء سيرك، قد يكون على مستوى عائلة، قد يكون أن تحيي يتيماً، قد يكون أن تنتبه لأرملة، قد يكون في أي باب من أبواب الخير يفتح لك، لكن الله هكذا يريدك وأنت تسير في الحياة الدنيا، سير الخيل العاديات، سير الخيل العاديات؛ تذكر هذه السورة فإنها عظيمة في مساقها النفسي في تصويرها لما يريد الله أن يكون منك.

ثم قال: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: 5]، المشهد الختام أن هذه الخيل بعد ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، فمشت في الصباح غبار، وصلت إلى وسط المعركة، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، وصلت إلى أرض المعركة وأصبحت جاهزة للقتال. طيب وين بعد ذلك إكمال المشهد؟ طب أنت إيش بتتوقع؟ ها الخيل ركضت وركضت وصارت الآن في وسط المعمعة، طب الآن تنتظر أنه الآية شو تقول لك مثلاً؟ فرداً أنه فقاتلت فانتصرت تمام، أو قاتلت فاستشهدت، ما هو أنت في بسموها الحبكة القصة الأخيرة أو نهاية المشهد، بس أنه وصلت الخيل لنص القرية وبعدين وقفنا! آه ما لماذا وقفت؟ انتهت القصة عند ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، لماذا لم تكمل للنهاية؟ ماذا حصل بعد أن توسط الجمع؟ استشهد الفارس؟ انتصر الفارس؟

يعني الإنسان بس بينتهي مشهده لما يتوسط الجمع وخلص ما عمل أي شيء؟ أحسنت، شوف جمالية القرآن، المهم السعي وليس النتيجة. كأن القصة وضعتك في المنتصف؛ أنت سعيت، أنت كنت من النفوس العاديات، أنت كنت من الموريات قدحاً، أنت كنت من المغيرات صبحاً، أنت أثرت عموماً، فأثرت غباراً في أثناء سيرك، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أصبحت في وسط الميدان، وها أنت الآن ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، أنت الآن في الوسط، أنت الآن في وسط المعركة، في وسط المعمعة. نتيجة المعركة لا تهم، نتيجة المعركة لا تهم، استشهدت الخيل، سقط شهيداً، الخيل استمرت لمعارك أخرى عند الله سبحانه وتعالى، الله ينتظر سعيك ولا ينتظر منك النتائج، فالنتائج هو يأتي بها في الوقت الذي يشاء وفي الساعة التي يشاء.

هذا مهم جداً أن تفهمه يا أيها المسلم الساعي إلى الله، المطلوب منك البذل وليس المطلوب منك النتيجة، المطلوب منك أن تعدو مع النفوس العاديات، وأن تركض لإصلاح الدين وإصلاح المجتمع، وأن تثير غباراً، وأن تكون صادقاً جلداً، لكن نهاية المعركة هي ليس خيارها بيدك، لست أنت من سيحدد نهاية المعارك، الله من سيحددها. مش مشكلة لو طال أمد المعركة، مش مشكلة لجيل، لجيلين، لثلاث، إياك إياك أن يكون انشغالك ونظرك متى تنتهي المعركة، هذا ليس من عملك، وهذا أظنها إحدى نقاط الضعف اليوم عند كثير من الشباب المتدين، فهو انتظار متى تقطف الثمار، ليس لك علاقة متى تقطف الثمار. صح نحن بنحب، ما حدا بيجحد هذا، صح ولا لا؟ أنت لو اشتغلت مشروع صغير بتحب تشوف ثماره هسه، هذا الحب بدك شوي أنت تسيطر على مشاعر حبك لرؤية الثمار حتى لا تفغصها، لأنه أحياناً بعض الشباب المندفع لما بده يشوف الثمار لا بدي أشوفها، أنا بكون سبب في فعص الثمرة لأنه قطفها وهي غير ناضجة. وهكذا الانتصارات عندما تقطف قبل نضوجها وقبل تهيئة أصحابها تخرج انتصارات مشوهة، فلذلك دع الثمرة، الله سبحانه وتعالى يأتي بها متى شاء، يأتي بها متى شاء. وأنت كمسلم، كإنسان هدف الإصلاح يا شيخ، إنسان أنتمي لأمتي، إنسان أحترق على أحوال المسلمين، إيش وظيفتك؟ وظيفتك أن تكون من النفوس العاديات، وأن تعمل، وأن تسعى، وأن تتعلم، وأن تكون عنصراً فاعلاً في مجتمعك وبلدك، وأن تكون بذرة خير مصلحاً. وأما الثمرة فالآية ما ذكرتها حتى كأنها تقول لك: أنت ما لك علاقة بالثمرة هذه، دعها للإله يأتي بها متى يشاء.

طيب إذاً شوف القسم الجميل والقصة الرائقة، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ هذا أنت، العاديات هو أنت يا قارئ الآية، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، هذا كل القسم، عرفنا الرسالة المبطنة في داخل القسم. طب على ماذا أقسم الله؟ على عكس مضمون القسم، قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6]، أقسم أن الإنسان على عكس تلك الحالة، أن الإنسان الذي لم يزكِ نفسه بالدين ولم يرتد في موائد القرآن والسنة، الأصل في الإنسان الشح، الأصل في الإنسان أنه لا يريد أن يبذل لربه، ولا يريد أن يقدم لدينه، لا يريد أن يدفع الثمن. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ما قال كنود ربه، لا قال لربه؛ ليه؟ حتى يزيد التشنيع، يعني أنت مش كنود شحيح على زوجتك، أنت مش شحيح على وظيفتك أو زملائك، أنت شحيح لربك. شوف كلمة لربه، وهذا أبشع صور الشح، أنت تخيل أنك شحيح في التقديم لله، ما أقبح هذا الشح! أنت برجع بقول، أنت لست شحيحاً في مساعدة أخ، أو شحيحاً في مقاربة دنيوية تنتهي، أنت شحيح مع الإله، ما بدك تقدم لله شيئاً، وهذا عكس النفوس العاديات تماماً. يعني الله يريد أن تكون من النفوس العاديات، بس بدك تفهم، أقسم أن الإنسان بطبعه شحيح، لا يريد أن يقدم ولا يريد أن يبذل، لكن الكنود هو الشح، الجحود، عدم الرغبة في البذل، الماسك، الماسك على دنياه. إذا قال الله له ابذل مالك في سبيل الله، ابذل عقلك وجهدك ووقتك، ما بدي أبذل، ما بدي أقدم أي شيء، لا أريد أن أضحي بشيء، لا أريد أن أكون من النفوس العاديات. أقسم لأن الله يقسم أن الإنسان ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، شحيح مانع، لا يحب العطاء.

قال: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7]، يعني شأن أنه على ذلك لشهيد، وأنت عارف أن هذا فيك، يعني أنت شاهد على هذه الخصلة فيك. لما الإنسان تقول له ابذل لدين الله بيجي بيتحجج لك بمئة شماعة، صحيح؟ آه بس ما هو يا شيخ أنا عندي كذا، وأنا مشغول في كذا، وأنا، يعني بحط لك مئة شماعة، بس هو في باطنه يعرف أنه لا يريد أن يبذل، هو ما بده يقدم. ولذلك قال فقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هي ليست مجرد دعوة، هذا واقع كل إنسان منا يعرفه من نفسه، ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، هو عارف حاله، عارف ومطلع وعارف اللي في داخلك. أنت عارف أنك ما بدك تتعب لهذا الدين، ما بدك تطلب العلم، ما بدك تحضر مجالس التفسير، ما بدك تطور مهاراتك وأخلاقك وسلوكياتك، ما بدك تغض بصرك، ما بدك تكافح، أنت ما بدك تقدم. أيوه احكي، احكي، أنا ما بدك تقدم، لا تحاول تلاقي شماعة تعتذر أمام الناس بلسانك بها، فأنت تتعامل مع الله، والله مطلع على قلبك ومطلع أنك شهيد على ماذا؟

على شحك. أنت نفسك عارف أنك شحيح وماسك في الدنيا ومتعلق فيها. فإذا قيل لك لماذا لا تبذل، مهما تضع شماعات أنت عارف عدم مصداقيتك، وأنه لا كان بإمكاني أن أبذل، كان بإمكاني أتصدى، كان بإمكاني أبذل أي شكل من أشكال البذل، كان بإمكاني أحضر المجلس، بس أنا بخلت بهذا الوقت أن أقدم لله، حكيت ليش ما أروح أنام، ليش ما أقعد مع شباب في جلسة، ليش ما نروح نطش، ليش أجي أحضر مجلس علم؟ فإذا قيل لك وأجاك الشيخ وقال لك ليش ما حضرت؟ شو بتحكي يا عاصم؟ والله شيخ الحجة كانت كذا وبصير تعمل لي قصة كبيرة، لا لا، أنت عارف أنك ما بدك تبذل هذا الوقت تقتطع للعلم النافع. وارجع بقول، طبعاً أنت هنا كل واحد يعرف شو الأعمال الصالحة الكثيرة التي يشح عنها، أي عمل صالح بخلت فيه عن ربك وما قدمته لله اعرف أنك داخل تحته ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، أنت تعرف شحك.

ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]، الخير هنا هو المال، تمام؟ والمال خير يا شيخ صحيح، لكن خير لمن استعمله في الخير، وشر على من كان المال سبباً لطغيانه. فالله سبحانه وتعالى ما بقول لك إن المال زي ما نحن بنحكي في العرف وسخ أيدين، قول لك المال وسخ أيدين يا شيخ، تمام؟ بس جيبه، أنت عارف جيبه وسخ الأيدين هذا؟ طيب، المهم الآن، المال هو خير، بس خير لمن يستعمله في الخير، لمن يسلطه على هلكته في الحق، كما قال في الحديث: «نعمتان لا حسد إلا في اثنتين»، ومنها رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته، يعني صرفه في وجوه الخير. فالله سبحانه يخبرك لماذا الإنسان كنود؟ لماذا؟ سبب ما بحب البذل، هساه أهم أشكال البذل البذل المالي عموماً، يعني من أبرز أشكال البذل البذل المالي وأهمها، والأمة أصلاً لا تنهض إلا ببذل المال، فقال ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. هسا شوف الآن كثير المفسرين، يعني هذا خط في ذهني لأني علقت عليها سابقاً، يفسر الخير بالمال. طب برأيكم ممكن -يعني برأيكم اللغوي طبعاً مش رأيكم الهوائي- هل يمكن نوسع الخير لتكون أشمل من المال؟ يعني ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، هل هو فقط المال؟

يعني هل نستطيع نقول المصالح الشخصية عموماً، سواء كانت مالية أو غير مالية، الإنسان يحب مصالح الشخصية حتى لو كانت هي خير، يعني الخير بحب الخير لنفسه باختصار، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. ففي اعتقادي أن ذكر المال على أنه الخير هو شكل من أشكال الخير وليس حاصراً، لأن دائماً أحب أن أوسع دلالة اللفظة القرآنية حتى أنت نفسك تسقطها على نفسك، لأنه بعض الناس ما عنده مال بس عنده شح في وقته، فكلمة وانه لحب الخير صح تجدها في كتب التفسير يقول لك المال، هنا إيش قال النسفي؟ قال المال، إيش هو؟ أنه لحب الخير، وأنه لأجل حب المال مثلاً لبخيل، أعتقد أن هذا تفسير بالمثال، يعني هو ذكر المال باعتباره أكثر مثال يأتي على أذهاننا، بس حقيقة كلمة الخير تشمل أي مصلحة شخصية أنت بتشوفها خير لك، أنت مستعد تقدمها على مصلحة الدين، وهذا هو، هذا هو الشح، هذا هو الكنود، هذا الإنسان الكنود اللي مصالحه الشخصية سواء مالية حياتية ملذاته، قول لك ملذاته النفسية والجسدية ويقدمها على ماذا؟ على أن يكون من النفوس العاديات الباذلات الساعيات إلى الله سبحانه وتعالى.

فهنا الله سبحانه وتعالى يحذر ذلك الإنسان بلغة التهديد بالنسبة للدار الآخرة، أنه إذا أنت ما بدك تكون من النفوس العاديات وأصررت أن تكون من النفس الكنود اللي حريصة على خيرها هي، مصالحها الشخصية هي، ولا تريد أن تبذل، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: 9]، لما ربنا سبحانه وتعالى يبعثر هذه القبور ليخرج ما فيها، وهذا يتلاءم مع سورة...

أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور؟ وخرج الناس، وخرجت المصالح الشخصية، هذا الخير الذي كنت مترسًا فيه ومتمسكًا فيه وحضرتك لا تريد أن تبذل لله سبحانه وتعالى؛ لما تبعثر القبور وتخرج أثقال هذا المال الذي كنسته، ما هو صار في الأرض كل ما فيه، لما تبعثر ويخرج ما فيه، قال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10]. إنه الذي سيخرج يوم القيامة ليس فقط الأمور الحسية التي في الأرض، بل حتى الأمور المعنوية؛ وأفكارك وخطراتك أيضًا سيتم تحصيلها وبعثرتها وإخراجها. قال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، يعني الأموال التي عشت من أجلها ستأتي يوم القيامة، والخطرات والأفكار التي كنت تدير بها المال وتدير بها مصالحك الشخصية، برضه هي ستحصل، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9]، حتى أفكارك وخطراتك وطريقة تفكيرك في الحياة برضه رح تلاقيها أمامك مكتوبة؛ أنت كنت تفكر هكذا بالمال، وكنت تفكر هكذا في الوقت، وكنت تفكر هكذا في هذيك البنت، وكنت تفكر هكذا بتلك العلاقة، وكنت تفكر؛ هذه أيضًا ستحصل.

لا تفكر أنها خطرات بس أنا ما.. لا، ما هي هذه الخطرات سُجلت وتم رصدها، خاصة أنك اتبعتها بعمل، خاصة أنه هي الخطرات شكلت نموذج حياتك؛ هي الأفكار التي كانت في صدرك هي التي شكلت نموذج حياتك. كان بإمكانك تضحك على الناس وتظهر في ثوب الصالح وأنت منافق، كان بإمكانك تغطي حرصك على الدنيا في الدنيا، لكن لن تستطيع أن تغطي حرصك على الدنيا في الدار الآخرة؛ سيكشف ذلك، سيكشف نفسيتك الكنود. قال: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 9-11].

ربنا يومئذ خبير فينا ولا برضه في الدنيا خبير فينا؟ قال: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾؛ لماذا قال يومئذ؟ يعني لماذا لم يقل إن ربهم بهم لخبير؟ ليش قال يومئذ؟ هل هنا مفهوم مخالفة؟ يعني أن ربهم بهم يومئذ لخبير بس في الدنيا هل يمكن والعياذ بالله بالتأكيد لا! طيب لماذا خص الخبرة بالدار الآخرة؟ رؤية عين، إذا طيب الحساب؛ يعني هو لأنه يوم الحساب فالتركيز على الخبرة فيه هو الأهم هنا.

قد يكون في الدنيا ويعمل أعمالًا ويظن أنه لن يجازى عليه، يأتي يوم القيامة أن الله سبحانه وتعالى خبير في أعمالهم فسيجازيهم. هذا كلام جميل، تعرف مثل سورة الفاتحة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]، مش هو مالك الدنيا والآخرة؟ ليش خص يوم الدين مع أنه هو مالك الدنيا أيضًا؟ لأنه لا يوجد أحد يستطيع أن يدعي الملك يوم القيامة، فظهور استقلالية الملك بالله أجلى ما تكون يوم القيامة، أما في الدنيا هو أكيد الملك كله لله بس هناك من ينازع، هناك من يقول أنا ربكم الأعلى، فرعون قديمًا والفجار حديثًا، الكل يقول لك أنا ربكم الأعلى، وإن كان في الواقع لا يوجد إلا الرب سبحانه وتعالى، لكن يوم القيامة هذه الاستقلالية تكون في كمال ظهورها. نفس الشيء فيما يتعلق ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾، أن الله خبير بنا في الدنيا وفي الآخرة، بس بعض الناس يظن في الدنيا أن ربنا مش عارف، فكر أن ربنا مش عارف، فيوم القيامة تظهر خبرة الله بالنفوس في أعلى درجات وضوحها.

يعني هو ربنا خبير في الدنيا وفي الآخرة؛ هسه في الدنيا كثير من الناس يغالط نفسه ويعمل إشكاليات وخطايا وما بيبذل في دين الله ويعني ويعتذر كذا وكذا، بس هو في الواقع حاول يتجاهل أو يظن نفسه يخادع الله، خلينا نقول أو يتناسى وجود الله وخبرة الله، ربنا يقول له يوم القيامة ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾؛ يعني يوم القيامة المكشوف، يومئذ سيتضح لك الخبرة التامة، أنت كنت تشكك في خبرتي في الدنيا صح؟ أنت كنت تشكك في خبرتي في الدنيا وتظن أنك بإمكانك أن تدلس وأنك تخفي وأن تتهرب وأنه هي مشت على ربنا، كنت تتعامل بطريقة الخداع؛ يوم القيامة سيتجلى لك خبرة الله سبحانه وتعالى بباطنك بأعلى درجات الوضوح، ستتيقن ذلك عيانًا، ستتيقن ذلك؛ فلذلك خص الخبرة بيوم القيامة لأن الإنسان قد يخادع ربه في الدنيا ويظن أنه يخادع ربه فينسى قضية الخبرة الإلهية ويتناسها، بس يوم القيامة ستكون واضحة، فالله يقول له يوم القيامة ستتجلى لك الخبرة على كامل وضوحها، ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾، خبير خبرة لا يمكن للإنسان أن يتجاهلها لأنه سيراها عيانًا يوم تحصل ما في الصدور، ويخبرهم الله بالخطرات التي في أذهانهم.

فإذا هذه خلاصة سورة العاديات، الحقيقة سورة عظيمة لأنها تخبرك ماذا يريد الله منك وكيف أنت الآن قبل التزكية، يعني أنت قبل التزكية وقبل تربية النفس على معاني الإيمان أنت من النفوس الكنود. فينا الحرص، لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى واد ثالث ولا يملأ فاه إلا التراب؛ الحرص ما ذئبان جائعان أفسد للإنسان من حرصه على الشر في دينه ودنياه، الحرص طبع في الإنسان. ممتاز، هذا الحرص بخليك ما بدك تبذل لدين الله أي شيء، بخليك متمسك حريص على الدنيا؛ لا تريد أن تكون من النفوس العاديات. ما الذي يخفف شهوة الحرص؟ الأعمال الصالحة وتزكية النفس وتربيتها وتذكر الدار الآخرة، تذكرك للدار الآخرة بخلي شهوة الحرص شوي شوي تخف، يعني أنا حريص على ماذا؟ على شيء زائل، تفكيرك في الدار الآخرة دوريًا وسعيك في الأعمال الصالحة وتهذيب النفس هو الذي يخلي شهوة الحرص تنخفض لتصبح من النفوس العاديات.

بدون إصلاح وتربية وتزكية وقرآن ومجالس خير وصلاح وصلاة وخشوع وارتباط بالدار الآخرة، هذا الحرص رح يأكلك، سيقتلك، ستشعر كما يشعر الإنسان الغربي اليوم وكثير من الناس الماديين في مجتمعنا بالخوف على الدنيا، الفزعة بمجرد ما يحصل أي كركبة اقتصادية، وأما الإنسان الذي ربى نفسه هو أصلًا من النفوس العاديات، هو أصلًا الذي يركض إلى الله.

﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾؛ اقرأ التفسير سريعًا، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح صوت أنفاسها إذا عدون كما قلنا صوت الأنفاس، نعم الذي يخرج، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه حكاه فقال: أح، كما أنا حكيته لكم؛ يعني هو حكاه لأصحابه كما أنا حاولت أن أمثل لكم هذا الصوت، نعم، جزاك الله خير. وانتصاب ﴿ضَبْحًا﴾ على يضبح ضبحًا، يعني على أنه مفعول مطلق، ما إعرابها؟ أعربها أنا مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره يضبحن ضبحًا.

﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، هي ما ينقدح من حوافرها؛ الحباح عندكم في الحاشية والله اقرأ من هو الحباح؟ هذا اسم رجل بخيل، كان لا ينقد إلا نارًا ضعيفة مخافة الضيفان، هذا رجل اسمه الحباح عند العرب رجل بخيل، فكان لأنه بخيل في الليل لا يشعل إلا نارًا صغيرة حتى لا يأتيه الضيوف ويعرفون أنه مستيقظ فيعلمون أنه يمكن ضيافتهم، فأصبحت أي نار صغيرة تسمى مثل عند العرب أي نار صغيرة تسمى نار الحباح، فالخيل لما تضرب في الأرض النار التي تخرج صغيرة فيعبر عنها بأنها قدح الحباح، قدح قادحات صاكات بحوافرها الحجارة، والقدح الصك والإيرا إخراج النار، تقول قدح فأورى، الموريات الموري مأخوذ من الإيرا والإيرا هو إشعال النار، تقول قدح فأورى وقدح فأصد، وانتصب ﴿قَدْحًا﴾ بما انتصب به ﴿ضَبْحًا﴾، يعني يقضح قدحًا مفعول مطلق لفعل محذوف.

﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، تغير على العدو صبحًا في وقت الصبح، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾، فهيجن بذلك الوقت غبارًا، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، نلاحظ أن النسفي يعيد الضمير على ماذا؟ على الوقت، يعني فأثرن في ذلك الوقت نقعًا، فوسطن في ذلك الوقت جمعًا. يمكن أن نعيد الضمير على ماذا أيضًا؟ على الحركة التي تحصل، فأثرن به وهذا أعتقده أفضل، فأثرن به أي بذلك الركض نقعًا، فوسطن به أي فوسطن بذلك الركض جمعًا، وهذا يدل على أنه الركض هو السبب وهذا المهم، الآن أنا ما بيهمني الوقت هون أنا مش بالدرجة الأولى، أنا بيهمني السعي، أنت الآن ما الذي سيرجح الضمير؟ هل يعود على الوقت أو على السعي؟ المقصد السياق ما هو الأهم هنا؟ هذا هو الأهم، فأثرن في ذلك الوقت نقعًا، وإلا الأهم فأثرن بذلك السعي نقعًا، فهمت الآن؟ وهذا بخليك هنا تفسير القرآن الدقيق أنه مرجع الضمير على ماذا سيكون؛ ما دام محتملًا أنا أريد أن أختار المرجع الذي أجد أنه ينسجم أكثر في جمالية النص، وفي اعتقادي إرجاعه على السعي أفخم، فأثرن بذلك السعي نقعًا، فوسطن بذلك السعي جمعًا. هذا السعي الذي هي العدو العاديات، هذا السعي هو المهم أصلًا، الكاميرا كلها مسلطة على الحركة، والله يريد منك أن تكون متحركًا، نعم وقت الصباح فيه بركة لكن يريدك عمومًا أن تكون متحركًا، لأن هذه الحركة بتعمل غبار، بتعمل أثر، هذه الحركة بتخليك تصل إلى منتصف الطريق، أو بتخليك تكون في وسط الجمع.

﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، تكون في وسط المعركة بسببها، ووسطه بمعنى توسطه، وقيل الضمير لمكان الغارة، أو للعدو الذي دل عليه هو العادي، أو للعدو؛ وهذا الثالث هو المطلوب، أن الضمير للعدو الذي دل عليه هو العاديات.

وعطف ﴿فَأَثَرْنَ﴾ على الفعل الذي وضع وضع اسم الفاعل، ﴿فَأَثَرْنَ﴾ هذا فعل ماضي صح، عطف ﴿فَأَثَرْنَ﴾ وهو فعل على أسماء الفاعل عاديات، موريات، مغيرات؛ وهذا جائز في اللغة العربية، يجوز أن يعطف الفعل على اسم الفاعل؛ تمام؟ يجوز أن تعطف ﴿أَثَرْنَ﴾ على ﴿مُغِيرَاتٍ﴾ لأن اسم الفاعل فيه معنى الفعل، فعطف الفعل على اسم الفاعل جائز، لأن المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن، يعني اسم الفاعل هو بمعنى الفعل، فالموريات هي بمعنى فأورين، فالمغيرات هي بمعنى أغرن.

وجواب القسم: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، لكفور؛ أي أنه لنعمة ربه خصوصًا لشديد الكفران، وانه.. طيب هو فسر كنود بمعنى كفور، ونحن فسرنا الكنود أيضًا بمعنى الشحيح الحريص البخيل، وهذا كله يدور حول معنى كلمة كنود. ﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، يشهد على نفسه، أو أن الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد، يعني الضمير في أنه هل يعود على الإنسان أو على الله؟ يجوز هذا وهذا، يعني أن الإنسان لشهيد على شحه، وأن الله لشهيد على شحه، كلاهما يصلح وإن كان تفسيرها بالإنسان وهو بدأ به أجمل هنا في هذا السياق، أنه الإنسان عارف حاله، وإن كان يحاول أن يغالطها، لكنه عارف حاله، عارف أنه لا يريد أن يبذل. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، وأنه لأجل حب المال لبخيل ممسك، أو أنه لحب الماد لقوي وهو لحب عبادة الله ضعيف، يعني هو إخبار حرص الإنسان على مصالحه الدنيوية وشده التعلق بها أكثر من حرصه على علاقاته مع الله سبحانه، وأن يكون من النفوس العاديات؛ فالإنسان حرصه وحبه شديد لمصالحه الدنيوية، وأما حرصه على أن يكون من النفوس العاديات ضعيف، فتجد بالكاد يبذل عن الأعمال الصالحة إلا بشق الأنفس، هذه للنفوس التي لم تُزكَّ.

﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾، بعث ما في القبور من الموتى، وما بمعنى من، وحصل ما في الصدور، ميز هل ضروري أن تكون ما بمعنى من؟ هو قال ما بمعنى من إذا حملنا أنه من للعاقل وما لغير العاقل، هو حمل ما في القبور على البشر، فإذا قلنا ما في القبور يعني البشر الذين في القبور، لا بد أن تفسر ما بمعنى من، لكن حقيقة أظن الأمر أعم من ذلك، بعثر ما في القبور من بشر ومعادن وكل ما يوجد في وحيوانات ونباتات وما شابه ذلك، فليس شرطًا أن نجعل ما بمعنى من، بل تبقى على عمومها لأنها تشمل غير العاقل هنا كما تشمل العاقل. التخصص في القبور يمكن، إذا بعثر ما في القبور يعني هو الأخ يقول لأنه قال القبور والقبور لا يكون فيها إلا الأموات، ممكن يكون هذا البعد يقتضي التخصيص، لا أستطيع أن أخطئ، أقول يمكن هذا البعد يقتضي التخصيص بالأموات، وإن كانت الأرض كلها هي قبر لما دفن فيها. ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، ميز ما فيها من الخير والشر، ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾.

لخبير، لعالم فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر. وخص يومئذ بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان؛ لأن الجزاء يقع يومئذ. هذه وجهة نظر النسفي: أنه لماذا خُصت الخبرة بيوم القيامة؟ لأنه هنا يوم القيامة هي الخبرة التي فيها الجزاء. في الدنيا خبير بس مش ممكن، يعني ممكن عادي تموت ولا تُجازى، أما يوم القيامة هي الخبرة التي فيها الجزاء. واحنا ذكرنا معنى آخر أيضًا يمكن أن يُلتفت إليه في قضية أنه يوم القيامة تظهر الخبرة عيانًا لكل من كان يعاندها ويكابر في وجودها، بخلاف الدنيا؛ فهناك من قد ينازع أن الله مطلع على سرائره ويخادع الله أو يظن أنه يخادع الله.

سورة القارعة: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 1-11].

سورة القارعة أيضًا من السور المكية الأساسية التي تربى عليها الصحابة الكرام في تعزيز الشعور باليوم الآخر، وتصور الإنسان دومًا أن كل ما في الدنيا من المصائب والأهوال والمآسي والآلام لا يعادل هذه القارعة العظيمة والمصيبة والداهية التي تنتظر البشرية جمعاء والتي اسمها يوم القيامة. فكل يوم، في كل سورة، تجد أن يوم القيامة يُعطى اسمًا مختلفًا: الغاشية، الحاقة، تمام، إيش أيضًا مر معنا؟ الطامة. هذه الأسماء المتعددة ليوم القيامة لأنها تمثل صورًا مختلفة ومشاهد متعددة تتحقق في هذا اليوم. هنا نحن في أحد الأسماء التي وضعت لهذا اليوم أو ما أحد هذه الأسماء الكبرى ليوم القيامة: القارعة. القارعة كأنك تتكلم عن مصيبة، عن داهية تقرع القلوب قرعًا فتفزعها، وتجعلها تشعر بالقلق والرعب والخوف الشديد. لما أقول لك: قارعة؛ هذه الكلمة استعملت في القرآن في مكان آخر، صحيح؟ أي سورة؟ في أي سورة استعملت كلمة القارعة؟ لا، كلمة القارعة وين استعملت في أي سورة؟ سورة الرعد، أو ولو أن قرآنًا سُيِّرت به الجبال أو قُطِّعَت به الأرض أو كُلِّم به الموتى بل لله الأمر جميعًا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة، تصيبهم بما صنعوا قارعة.

فالقارعة إذا كلمة تعرفها العرب جيدًا؛ لأنها تدل على المصيبة العظيمة والداهية الكبيرة. وهذه وظيفة القرآن، أن يعطيك الإنذارات والحساسات -كما يقولون- القوية عن يوم القيامة: يوم القيامة طامة، يوم القيامة قارعة، يوم القيامة غاشية، تمام؟ فبدك تنتبه، الله سبحانه وتعالى يريك الأمور وينبهك على الأمور التي تستحق أن تنتبه لها. ونحن نسعى في الحياة، تجد عند شخص معين أن القارعة عنده تلك الفتاة التي كان يحبها وتركته؛ هي القارعة عنده، هي أم المصائب أنه كان يحب فتاة وما عادت. هكذا هم بعض الشباب اليوم. قد يكون عند بعض الشباب القارعة أنه خسر مالًا في تجارة معينة؛ هذه أم القوارع، خلاص خسرت انتهت الحياة وسكت إنعاش قلبي. بعض الشباب عنده القارعة أنه فريق وخسر، والله بعض مقاطع اليوتيوب إنك تضحك ولا تبكي، بعض بيبكي على أنه فريقه، النادي اللي بشجعه العربي ولا خسر، لا بيبكي وحاط شماغه وراء، حلال أهون من كده؛ هي قارعة! أم القوارع عندك أنه فريقك اللاعب نادي كرة القدم خسر؟ هذا يعطيك هشاشة الاهتمامات عند الجيل أو عند الناس التي لا تملك شيئًا، تمام. القارعة عند كثير من الناس، كل واحد يفسرها بطريقته، لكن القرآن يعطيك ما هي الطريقة الصحيحة في فهم ما هي القارعة التي تستحق أن تسميها قارعة، ليست فتاة تركتك ولا فريق خسر، ولا حتى فقد الأحبة، وإن كان مصيبة لكنه لا يصل لمرتبة أن يسمى قارعة. فالله يقول لك: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾. ترى أنت ما أنت داري شو القارعة التي تستحق أن تسمى قارعة من اهتماماتك الحياتية وأحزانك وهمومك التي تظن أنها قوارع. تأتي سورة القارعة لتخبرك ما هي القارعة الحقيقية.

القارعة، لاحظ حتى جُعلت رأس آية وحدها مع أنها في الإعراب هي مبتدأ، والجملة التي تليها هي خبر المبتدأ، يعني القارعة مبتدأ وما القارعة هذه الجملة هي خبر المبتدأ، لكن جُعلت رأس آية وحدها لأنه الإيقاع الصوتي في القرآن له أثر، القارعة. هذا الوقوف مهم حتى تسمع الكلمة بكل أحرفها: القاف والراء والعين؛ لأنه هي بحد ذاتها الأحرف قاف راء عين عم تعمل ضجيج وتخويف، تقرع قلبك فعلاً بصوتها الجرس كما بمعناها: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾. وهذا ليس سؤالًا المقصود منه الاستفهام وإنما المقصود منه التفظيع والتهويل، يعني أنت عارف ما القارعة؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾؛ يعني شو اللي بده يعرفك ما القارعة؟ مسكين، يعني أنت ستعرفها الآن اسمًا وتأخذ بعض أوصافها، لكن ما دمت في الحياة الدنيا أنت لا يمكن أن تصل لأن تشهد حقيقتها عيانًا، لكن لما أقول لك بهي الصيغة أنت إيش اللي بيعرفك؟ المراد أنه أمرها مهول جدًا يفوق الوصف، أن أمرها مهول جدًا جدًا يفوق الوصف. كأني أقول لك مهما وصفتها لك ومهما بينت لك ما فيها من الرعب والخوف والوجل، سيبقى جانب كبير منها غامض، لن تكتشفه إلا بعد ما تراها، وهذا الغموض هو بحد ذاته جزء من الخوف أصلاً؛ أنه أقول لك والله في شيء مرعب منتظرك، أنا شو ما حكيت لك عنه لن أستطيع أن أصفه لك، بس تشوفه راح تعرفه، فكأني أقول وما أدراك ما القارعة.

هذا العرب تعرفه جيدًا، هذا النمط من الأسلوب البلاغي العرب تعرف ما وراءه، وأن المقصود به التهويل والتفظيع والتخويف؛ لأن هناك أشياء لا يمكن أن أصفها لك، الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، لكن هو يخاطب العرب بناءً على ماذا؟ على طريقتهم في التخاطب. قادر أن يصف كل شيء، لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، فليس لا يعني هو سبحانه ليس عجزًا منه -حاشاه- ليس عجزًا منه حاشاه أنه مش قادر أن يصفها وصفًا تامًا، ولكن هو يخاطب العرب على طريقتهم، فهو يقول لك هناك جانب أنت لن تستطيع أن تدركه لو وصفته لك، سأتركه لك في مجال المخوف المترقب. فالعرب تدرك بهذا الأسلوب أنه سبحانه يريد أن يخيفهم، وأن ينبههم على عظم ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾. شو اللي بدي أعرفك يا أيها الإنسان وأنت في عالم الدنيا المحسوس، ما في ذاك العالم الأخروي الذي يختلف؟

ثم أراد أن يبين لهم شيئًا معينًا في هذه القارعة، وهي اختلاف الموازين، قال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. ركزت الصورة على قضيتين: قضية الفراش المبثوث وقضية العهن المنفوش. من خلال تفكيرك، ما الرابط بين هذين الأمرين، الفراش المبثوث والعهن المنفوش؟ ما الرابط بينهما؟ متناثر. طيب، الفراش إيش علاقته بالدمار؟ ركز، الفراش المبثوث فراش منتشر هنا وهناك، والجبال كالعهن المنفوش، ما المعنى العهن؟ الصوف، الصوف بتعرف صوف هي تكون قطعة صوف منفوشة هيك. ما الجامع بين الفراش المبثوث والعهن المنفوش؟ خفة. جميل، هي كلمة محورية هنا؛ لأن سورة القارعة عم تتكلم عن ما هي، ما هو الثقل الحقيقي يوم القيامة؟ ما هو الثقل الحقيقي يوم القيامة؟ لذلك ماذا قال بعد هاتين الآيتين: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. فالثقل يوم القيامة مش بالأجسام ولا بالأحجام ولا بالكتل ولا بالحيز الذي تشغله، وإنما الثقل بأيش يا شيخ؟ بالأعمال فقط، لا، يوم يكون الناس كالفراش، أنت متخيل كم حجم البشرية وكم تشغل هي البشرية من حيز على الأرض اليوم، وكم شغلت عبر تاريخها؟ أنت متخيل الجبابرة والطغاة والمستبدين، وذاك الرجل اللي ماشي والنافخ واللي شايف حاله واللي وزنه 150 وكذا، والمربي عضلات وشايف، كل هؤلاء بكل أجسادهم وبنيانهم وملكهم وجبروتهم يوم القيامة ماذا سيكونون؟ فراشة. دائمًا أنت لما تمثل شخص أنه خفيف: فراشة، فزي الفراشة، يعني بقدر ما هو خفيف جدًا هكذا البشرية ستكون جميعها بكل طغيانها واستبدادها وغطرستها وتعاليها على ربها وشعورها بالاستغناء. قوم عاد اللي قالوا لقومهم من أشد منا قوة، قوم ثمود الذين نحتوا الصخور والجبال، الفراعنة اللي بنوا الأهرام، كل هؤلاء جبابرة الأرض كل المتكبرين والمستبدين كلهم عبارة عن فراش، ومش بس فراش، فراش متناثر. وهناك قمة الذل وقمة الهزال وقمة الشعور بالضعف.

وكذلك الجبال، أنت لما تتكلم عن رمز القوة في الأرض والثقل، دائمًا بروح ذهنك للجبل، صح؟ خليك جبل، شو يعني جبل؟ قوة، ثقل. هذه الجبال يوم القيامة راح تلاقيها كيف على الطاولة، تلاقي لك كمشة صوف هيك خفيفة، لا تسوى شيء. هذه الجبال الهملايا والألب وكل القصص اللي حواليها، ستجدها يوم القيامة عبارة عن قطعة صوف منفوشة، لا تجد شيئًا. هذا معنى اختلاف الموازين يوم القيامة. الموازين يوم القيامة يا إخواني ليست بالكتلة الجسدية وإنما بالكتلة الإيمانية، إذا صح التعبير. شو أنت في إيمانك ساعتها؟ بيحكي لي عن وزنك. الكفار شو ربنا قال عن وزنهم؟ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. قال بعض المفسرين فيوضع في الميزان فيطيش الكافر العريض المستبد الظالم كامثال جالوت، قال: يوضع الكافر في الميزان كما توضع صحائفه وأعماله فيطيش ولا يزن شيء عند الله. شو كل وزنك؟ بينما عبد الله بن مسعود لما ضحك الصحابة من دقة ساقيه، قال: «تضحكون من دقة ساقي عبد الله بن مسعود؟ إنهما تزلان عند الله سبحانه وتعالى جبلي أحد». مش بالكتلة العضلية وإنما بقيمته الإيمانية. عبد الله بن مسعود كان ثقيل عند الله سبحانه، فسورة القارعة بتركز لك اشتغل على الموازين الصحيحة، بدك تكون ثقيل مش تكون ثقيل في أمور الدنيا، هي الدنيا تذهب وتأتي، كن ثقيلاً في الموازين، كن ثقيل عند الله سبحانه وتعالى. قد يكون الشاب أشعث أغبر لا يعبأ به الناس ولكنه عند الله ثقيل.

لذلك لما بين لك الخفة بين لك الثقل: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، هون الثقل الحقيقي. اللي لما يوضع هو الآن، ما الذي يوضع في الميزان؟ كثير من أصحاب علماء العقيدة يقول الذي يوزن الإنسان وأعماله وصحائف أعماله، كلها توزن حتى أنت توضع في الميزان، وهذا أحد الأقوال القوية. ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ إذا حطيت أنت في الميزان يوم القيامة وطلعت ثقيل عند الله، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾. طيب سؤال، من الراضي؟ العيشة ولا الشخص اللي بيعيش فيها؟ يعني مين المفروض يرضى؟ الشخص نفسه صح، فالأصل أن يكون التركيب ما هو؟ فهو راضٍ بعيشته، صح؟ بس القرآن ما قال كذا، قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ جعل الراضية من هي؟ العيشة نفسها. هذا أسلوب عند العرب في الإسناد المجازي للمبالغة في كمال السعادة والهناء، إني بقول لك مش أنت اللي راح ترضى، الزمن والظرف اللي أنت فيه هو راح يرضى، كأنه يقول مش بس أنت راح ترضى، لا، الحياة اللي أنت فيها راح تكون هي راضية، الحياة اللي راح تكون أنت فيها ستكون هي راضية. هذا مبالغة في قمة السعادة وفي قمة الرضا أنه ليس الشخص نفسه هو فقط من سيرضى، بل حتى الظرف الذي وضع فيه، حتى هذا الظرف هو سيكون راضيًا، وإن كان المراد حقيقة هو رضاك أنت، لكنني أبالغ، كيف؟ واشتعل الرأس شيبًا، تمام أسلوب من أساليب المبالغة، أنه الرأس بيشتعل بس هو شو وصل؟ اشتعل شيب الرأس، لكن قال كأنه الحريق ولع في كل الرأس، نفس الشيء، هذه مبالغة في إثبات قمة الهناء، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ﴾ العيشة نفسها تكون راضية، فما بالك بمن هو في داخلها؟ فما بالك بمن هو في داخلها كيف سيكون حجم رضاه عن هذا الهناء الذي هو فيه؟

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ اللي رح يكون خفيف يوم القيامة في الموازين، حتى لو كان في الدنيا وزنه 150 كيلو، حتى لو كان من أصحاب العضلات المفتولة، حتى لو كان حوله من الحشم والخدم، خفَّت، خفيف عن رب العزة، خفيف لأنه ما عمل شيء ليوم القيامة، ما عمل شيء لآخرته، هو بس كان بيشتغل لدنيا، بس هذا قُصاره، ما عنده لذاته، رغائبه، حرصه على مصالحه الشخصية، زي ما أخذنا في سورة العاديات أنه لحب الخير لشديد، حرص على مصالحه الشخصية، فجاء يوم القيامة خفيفًا لا يزن عند الله جناح بعوضة، فهذا ماذا قال؟ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ شو اللي عم بينتظره؟ ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. النار بطبيعتها حامية، فلماذا وصفها بأنها حامية؟ يعني هو في نار حامية وفي نار مش حامية، مشان هيك قال لا نار بس طبيعتها حامية؟ لا هذا دلالة على أنها في قمة الاحتمالية، النار بطبيعتها حامية، فما بالك لما أقول لك نار وحامية، معناته هي في أعلى درجات الشدة. لما تصف النار بقول لك والله ها نار حامية، مش لأنه في نار باردة، في مقابلها في نار حامية، فهذا قيد احترازي؟ لا هذا قيد تفضيعي تهويلي تأكيدي أنها نار ليست كنار الدنيا. والإنسان لما يسمع كلمة نار حامية، نار حامية، يعني بخافوا، يعني واحد لو يقول لك نار في الدنيا، لما تشوف بعض إخواننا المسلمين لما يعذبوا يستضعفوا في مشارق الأرض وفي مغاربها لما تشوفه يلقى في نار، أنت نفسك والله بتحترق، امبارح لما شفنا الخيام في حي التفاح صواريخ ألقيت.

عندما تحرق الناس في قيامة، إذا رأيت مشهد النار وهو يحرق الخيام ويلتهم الأجساد تقول شيئاً مرعباً؛ فالنار تخرج الجسد فحمة، وهذه نار الدنيا. أسأل الله أن يفرج عن إخواننا وأن يرى بحالهم، ويهلك الظالمين المستبدين الذين فعلوا هذا، فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا، فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. فتنوا المؤمنين والمؤمنات، يدخل في هذا من ألقى ومن ساعد ومن شارك ومن تآمر؛ كل هؤلاء يدخلون تحت «الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا». الذين ماتوا في الخيام واحترقوا، انتهت مسألتهم وهم الآن إن شاء الله في نعيم، ونحسبهم شهداء. الاحتراق مشهد مرعب لنا، لكن بالنسبة للشهيد إن شاء الله هو ألم القرصة، لكن الذي سيُعذب على هذا؛ لأنه كان معاوناً ومساعداً ومتآمراً؛ كل هؤلاء فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. ستُحرق كما أحرقتهم، لكن حريق الدنيا يهون، أما حريق الآخرة فوالله لن تستطيع أن تخرج.

المهم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، هو طبعاً يتكلم عن أم هاوية؛ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾. أنت عارف شو هي؟ يعني يقول لك أنت يا إنسان، بقدر ما تسمع عن النار بقدر ما أنك ممكن تنسى وتتغافل، بس لازم تضلك تقرأ القرآن عشان تعرف هي نار حامية. إياك أن تجازف أن تُلقى فيها غمسة واحدة؛ لأنك غمسة واحدة تنسيك كل نعيم الدنيا، لو غمست فيها غمسة وطلعت على الجنة ستنسيك اسمك واسم أجدادك وكل نعيم ذقته في الدنيا. فما بالك تقعد في النار دقيقة، ما بالك تقعد فيها سنة؟ الموضوع لا يحتمل أي مجازفة وأي خطأ، فإنها ليست نار الدنيا.

هكذا هي سورة القارعة التي تركز على قضية الموازين، قضية أن كل شيء ثقيل في الدنيا خفيف يوم القيامة، وكل شيء خفيف لكنه كان على صلاح في الدنيا هو ثقيل يوم القيامة. هكذا تحسب الخفة، فلا تجعل مستضعفاً من المؤمنين تتشاطروا عليهم، لا تجيء على الناس العزة للمساكين تستقوي عليهم؛ ماشي بجوز تشوفه خفيف مسكين ما بيقدر يقاوم أو يدافع عن نفسه، لكنه عند الله ثقيل، وثقله سيظهر يوم القيامة عند الله في مأواه، وأنت المتغطرس بكل ماكينتك وأدواتك وأسلحتك أنت الخفيف، حتى ولو كنت تظهر في مظهر القوة وأنك لا أحد يستطيع أن يواجهك، لكنك سترى معنى خفتك بالمعنى الحقيقي يوم إذا الجبال الكبرى تصبح كقطعة صوف، فماذا ستكون أنت وكل بوارجك وأسلحتك وطاقاتك وإمكانياتك؟ ماذا ستكون أكثر من أدنى من قطعة صوف ملقاة في عرصات القيامة؟ نسأل الله السلامة والعافية.

بسم الله، ﴿الْقَارِعَةُ﴾ مبتدأ، ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ خبر والجملة خبر المبتدأ الأول، وكان كما قلنا هذا خبر للمبتدأ الأول. وإنما كرر تفخيماً لشأنها، وكان حقه أن يقول ما هي؛ لأنه ذُكرت أولاً باسمها الظاهر، فكان حقها لما ذُكرت مرة ثانية أن تُذكر بالضمير الذي يعود إليها، مثل قولك: جاء زيد فأكرمته. لكنه قال: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾؛ ذكر اسم القارعة ثلاث مرات، لماذا لم يستغنِ بالضمير؟ حتى تسمع كلمة القارعة بالقاف والراء والعين ثلاث مرات، وهذا من أساليب التهويل، وإنما كرر ذكرها باسمها الظاهر تفخيماً لشأنها.

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، أي أي شيء أعلمك ما هي؟ ومن أين علمت ذلك؟ يعني من وين لك تعرف شو هي؟ مسكين أنت أيها الإنسان. ﴿يَوْمَ﴾ نصب بمضمر دلت عليه القارعة، أي تقرع، يوم يكون الناس كالفراش. أي تقرع يوم يكون الناس؛ فيوم ظرف زمان لابد وأن يتعلق بفعل أو ما في معنى الفعل، فهنا قدره النسفي: تقرع يوم يكون الناس. أي متى تقرع؟ تقرع يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب، إذاً دائماً لما يوجد تشبيه في القرآن لا بد تعرف وجه الشبه، فتشبيههم بالفراش قال أولاً في الكثرة لأن البشر كثيرون، والانتشار أنه سيكونوا في عرصات القيامة منتشرين، والضعف والذلة هذا الذي يهمنا هنا، الخفة والضعف والذلة، ثم قال أيضاً والتطاير إلى الداعي من كل جانب، لأن الفراش أيضاً يتطاير إلى داعيه ويتبع على شكل رزم. كما يتطاير الفراش إلى النار، وسمي فراشاً لتفرشه وانتشاره، فالفراش يتطاير إلى النار، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما شبهنا ماذا قال؟ شبهنا بأننا كالفراش أو كالناس التي تحاول أن تتهافت على النار وهو آخذ بحجزنا يحاول أن يمنعنا، هكذا شبهنا النبي عليه الصلاه والسلام. فالفراش من خصاله، وهذا قد يكون أيضاً من الجماليات، الفراش إذا أُشعلت نار شوف كيف الفراش يلتف حولها؛ هذه من خصائص الفراش بالتحديد، لذلك ذُكر الفراش مش الذباب ولا أي شيء؛ لأن الفراش قالوا بطبعه إذا أُشعلت نار فإنه يتهافت ليلقي نفسه فيها جهلاً منه يظنها خيراً فإذا به يحترق، فهكذا حال كثير منا أننا كالفراش نتهافت على النار تهافتاً.

﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾، وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألواناً لأنها ألوان، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾، وبالمنفوش منه لتفرق أجزائها. فهو كيف الفراش مبثوث كذلك الجبال مبثوثة بس على شكل قال ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾. ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ باتباعهم الحق، وهي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، أو جمع ميزان، وثقلها رجحانها. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، ذات رضا أو مرضية؛ حاول أن يؤولها لأنه كما قلنا الإسناد هنا ليس إسناداً حقيقياً، فهو في عيشة راضية أولها بأنها في عيشة ذات رضا أي صاحبها راض عنها، أو مرضية. هو يحاول لأنه الإسناد مجازي والراضي كما قلنا هو من يعيش فيها، فتحتاج أن تؤولها حتى تعرف أصلها وإن كانت يعني إبقاؤها على ظاهرها مطلوب لتعرف الفخامة أن العيشة أصبحت راضية، لكن هي في أصلها مرضية وليست راضية؛ لأنه الراضي هو الإنسان الذي يعيش في داخلها.

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ باتباعهم الباطل، ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾، فمسكنه ومأواه النار؛ إذاً ﴿فَأُمُّهُ﴾ أي مسكنه؛ من "أمَّ" بمعنى المكان الذي يؤمه، ما معنى أممت هذا المكان؟ قصدته، فهنا حمل الأم بمعنى القصد، فـ ﴿فَأُمُّهُ﴾ يعني فمقصده، لا تقل أنا مش عنك إمام، مش هي مفردات كلها، الإمام والام وأممت المكان كل هذه في اللغة العربية تدل على معنى القصد. أممت الشيء بمعنى قصدته، فأصبح معنى ﴿فَأُمُّهُ﴾ يعني فمقصده، فتوجهته، فمسكنه، فمأواه كلها نفس الشغلة، ﴿هَاوِيَةٌ﴾. طب شو هي الهاوية؟ قال: أنت عارف شو هي الهاوية؟ قال ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، إذاً وقيل للمأوى أم على التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومفزعه، هو حملها على معنى مع الأم، ولكن كثير من المفسرين يقول ﴿فَأُمُّهُ﴾ مش بمعنى الأم وإنما بمعنى القصد، فـ ﴿فَأُمُّهُ﴾ يعني فمقصده، فاتجاهه. وما ذكره أيضاً يعني معنى محتمل، يعني قال ﴿فَأُمُّهُ﴾ يعني مسكنه، شبه المسكن بالأم من جهة أن الأم يأوي إليها الولد، والمسكن يأوي إليه الإنسان. هكذا يقول النسفي، وإن كان هناك تفسير آخر كما قلنا ﴿فَأُمُّهُ﴾ يعني فمقصده هاوية.

طب وما أدراك ما هي؟ الضمير يعود إلى الهاوية، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ الهاوية، والهاء للسكت لأنه هي ما هي، وهذه الهاء التي في الأخير هذه فقط هاء السكت التي هي الأصل، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾، وأضاف الهاء للسكت، ثم فسر ما هي، وهذا أسلوب الإبهام ثم البيان ليكون أوقع في الانتباه، ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ بلغت النهاية في حرارتها. نسأل الله السلامة والعافية، اللهم انفعنا وبلغنا وارحمنا واستر علينا ضعفنا، وارحم إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.