دخولتسجيل الدخول

المجلس الحادي والثمانون - سورة القدر والبينة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأسلم صلاة تامة على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس القرآن التي نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا منها، وألا يحرمنا من الانشغال بمعانيه؛ فإن الإنسان إنما يتنشط إلى الأعمال الصالحة على قدر تلقيه للقرآن. كلما تلقيت القرآن أكثر وأكثر كلما شعرت أن حماسك للأعمال الصالحة يزداد، تشعر فعلاً أن القرآن هو وقود المعركة في هذه الحياة، وإن الإنسان الذي لا يلتفت إلى معاني القرآن تضعف همته مع الوقت. اللهم قوّنا بكتابك.

وصلنا أيها الكرام في تفسير العلامة النسفي إلى سورة القدر، وهذه سورة مقابلة لسورة التين والزيتون. سورة التين والزيتون إذا كانت تتكلم عن أماكن نزول الوحي، فإن سورة القدر تتكلم عن زمان نزول الوحي؛ سورة القدر تتكلم عن الزمان، وسورة التين عن المكان. ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]، هنا المقابل الزمان، وكما أن المكان يتشرف بنزول القرآن فيه فكذلك الزمان يشرف بنزول القرآن.

من الأمور التي جعلت لليلة القدر شرفاً عند الله أنه جعلها زماناً ووقتاً لنزول كتابه؛ فالقرآن بركة في أي شيء حل فيه زماناً أو مكاناً. سبحان الله، لذلك لما أراد الله عز وجل أن يمتدح ليلة القدر، قبل أن يقول إنها خير من ألف شهر، وقبل أن يتكلم أن الملائكة تتنزل فيها، أول منقبة لهذه الليلة جعلتها تشرف على سائر الليالي ما هي؟ نزول الوحي فيها. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]. وسيتحدث عن ليلة القدر بمناقبها، فلما بدأ بذكر المناقب قال: هل تريد شيئاً أعظم أو حدثاً مهولاً أكبر من قضية نزول القرآن في هذه الليلة؟ يكفي. ومن هنا أصلاً قيل إنها سميت ليلة القدر لأن قدرها ارتفع عند الله بنزول الوحي فيها.

نعم، هناك أقوال أخرى في تسميتها ليلة القدر، لكنها ليلة ذات قدر عند الله لنزول الملائكة فيها، لارتفاع المؤمنين، لأشياء كثيرة، لكن من أعظم الأمور التي جعلتها ذات قدر أن القرآن نزل فيها. وهناك خلاف طبعاً بين أهل العلم: هل نزول القرآن في ليلة القدر هذا المراد به بداية النزول على النبي صلى الله عليه وسلم، فبالتالي المراد بنزول القرآن في ليلة القدر هو نزول أوله؟ أو المراد أن القرآن نزل من بيت العزة إلى السماء من السماء السابعة أو من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا كاملاً في ليلة القدر؟ هذا ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه يقول: إن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا كاملاً في ليلة القدر، ثم بعد ذلك نزل مفرّقاً خلال الثلاث والعشرين سنة.

فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، هناك خلاف بين أهل العلم: هل المراد أنزلناه أي بدأنا إنزاله، أو المراد أنزلناه أي أنزلناه إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر؟ وكلاهما حدث مهول، وهذا يدل أيها الكرام على أن عملية نزول الوحي الإلهي إلى الأرض هذا حدث مهول في تاريخ البشرية.

أحياناً الإنسان يسرح في خياله قليلاً؛ يتخيل أنه هو عايش في زمن الصحابة، ويتخيل أنك تعرف أنه اليوم نحن جالسين، ويأتيك معلومة: ترى اليوم وحي نزل من السماء! قضية حقيقة غريبة وجميلة، أنك هكذا أبو بكر وعمر وعثمان والصحابة أنهم جالسون في منازلهم أو حول النبي عليه الصلاة والسلام؛ اليوم ما شاء الله الأخبار تعمل لك خبراً معيناً فتوزع الدنيا عليه، نفس الشيء يصير خبر أنه اليوم عندنا وحي نزل من السماء. حقيقةً، الخبر هذا خبر عظيم، أنك لا تحكي عن معلومة وقعت في بلدة أخرى، أو سمعت شو صار في مكان آخر؛ بل تحكي عن خبر تاريخي، شيء مذهل، شيء خارج الأطر الأرضية، في شيء عم بصير على كوكب الأرض هو خارج ما نعتاده من الطعام والشراب والتجارة والأحداث اليومية المعتادة. في شيء اسمه في ملك اسمه جبريل عم بينزل اليوم بقضية معينة بآيات من الله سبحانه وتعالى.

ولذلك لما الإنسان فعلاً يفكر بقضية نزول الوحي الإلهي يعلم كم هي قضية عظيمة جداً، ومن كبرى أن الله سبحانه وتعالى الذي هو فوق سبع سماوات، خارج الحياة المألوفة لدينا، يخاطبك، الله الذي هو خارج حياتك المألوفة عم يخاطبك ويرسل لك شيئاً إلى عالمك، إلى عالمك المألوف، إلى عالمك المليء بالأفكار والمشاكل والاتجاهات والاختيارات ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4]، تأتيك رسالة من خارج هذا العالم إلى داخل هذا العالم تصلح لك الخيارات، تقول لك: اعمل كذا، سوي كذا، هذا حرام، هذا حلال، هكذا يصلح، هذاك سبيل المجرمين، من خارج هذا العالم عم تأتيك هذه الرسائل.

فلذلك عملية نزول الوحي الإلهي إلى الأرض عملية أن تفكر فيها كثيراً، نحن لأننا اعتدنا على سماع الآيات، الإنسان أحياناً ما يشعر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، خلص القرآن نزل في ليلة القدر وانتهينا. طيب أنت مدرك شو معنى أن القرآن نزل؟ أنت لما تنظر في حياتك الواقعية اليوم وتعرف حجم التعب والإرهاق في حياتك، وحجم الضغوطات النفسية، وحجم الإرهاق في الحالة الإسلامية العامة واستضعاف المسلمين والدعوة الإسلامية وما تتعرض له من مكر وشبه ذلك، الصحابة لما كانوا يسيرون، كانوا يسيرون وهناك رسائل تأتيهم من خارج العالم إلى عالمهم لتخبرهم عن المسير وكيف يكون، رسائل مضمونة، رسائل لا تؤخذ ليتم التداول والمناقشة: والله نسوي ولا ما نسوي؟ وصلتنا رسالة من الشيخ الفلاني بس مش عارفين كلامه صح؟ لا، أنت عم تحكي الإله عم يقول لك: افعل كذا، الإله الذي أنت تسير من أجله عم يقول لك: افعل كذا. فدائماً التفكير في هذا الحدث العظيم، حدث نزول الوحي، يدعو الإنسان أن يحمد الله سبحانه وتعالى على أنه من أهل القرآن، أنني أنا أقرأ مادة لم تأتِ من عالم الأرض، هذه المادة نزلت من عالم خارج العالم البشري وعالم السماوات، مادة من فوق سبع سماوات نزلت إلى هذه الأرض ليعم فيها الخير والصلاح.

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ونسب الإنزال إليه، ما قال: إني أرسلت جبريلاً بالقرآن، لا، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، وهذا تشريف للقرآن أن الله هو الذي تولى إنزاله بنفسه. نعم جبريل هو الذي يأتي، لكن ليشرف الإنزال نسبه إلى نفسه. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ في ليلة عظيمة اسمها ليلة القدر، اكتسبت قدرها من أمور كثيرة، ورأس هذه الأمور نزول القرآن فيها. اقرأ الآيات.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ونجِّ إخواننا المستضعفين. يقول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5].

أبدأ بتفسير الآية الأولى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، عظم القرآن حيث أسند إنزاله إليه دون غيره؛ يعني تعظيم القرآن أن الله أسند الإنزال إليه، لما قال: ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾، كما قلت، لما نسب الإنزال إليه سبحانه هو عظّم كتابه، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء عن التنبيه عليه. طيب هذا بداية الكلام، لماذا لم يقل: إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر؟ أنت متى تبدأ تستخدم الضمير للكناية عن الشيء؟ بعد أن تذكره أولاً باسمه الصريح، بعد ذلك تصبح تعيد الضمير، أقول: جاء زيد فأكرمته فجلّسته فأعطيته، بس أول جملة شو بتكون؟ جاء زيد، بذكر اسمه. لو أول كلام هكذا بدأت معك الكلام قلت لك: أكرمته، رح تقول لي: مين هو؟ صح ولا لا؟ فلما ربنا قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، إيش هو؟ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، ما هو؟

فأن تبتدئ القرآن أو أن تبتدئ النص بالضمير هذا لا يصح عند العرب إلا إذا كان مرجع الضمير معروفاً عند السامعين، يعني منتبهاً إليه ابتداءً. فأنت لما تسمع ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، أنت كيف عرفت أن الضمير يعود إلى القرآن؟ لشهرة ذلك، ولأنه معروف جداً، فما عاد يحتاج إلى أن يذكر باسمه، يعني معروف مباشرة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، اه قصد القرآن. فهذا معنى قوله: وجاء بضميره أي بضمير القرآن في بداية النص دون اسمه الظاهر، لم يقل القرآن، قال: ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾، قال للاستغناء عن التنبيه عليه. ورا يعني أن القرآن واضح أنه هو المقصود، ولأنه علم، قل: هذا علم لا يحتاج أن يذكر، واللبيب بالإشارة يفهم، والإنسان العاقل يعرف أن المراد هو القرآن دون أن يذكر اسمه، فهذا إشارة إلى وضوح المرجع، وأنه علم فلا يحتاج أن يصرح باسمه.

قال: ورفع مقدار الوقت الذي أنزل فيه؛ روي أنه أنزل جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، وهذا هو رأي ابن عباس رضي الله عنه، وهو الرأي المشهور أن القرآن نزل كله في ليلة القدر، لكن أين نزل؟ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، هذا هو المشهور عن ابن عباس، وهذا الأصل أن يأخذ حكم المرفوع؛ لأنه هذه قضية غيبية وابن عباس لا يمكن أن يجتهد فيها برأيه، فهذا يأخذ حكم المرفوع، وكأنه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، والقدر بمعنى التقدير، أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالي. ممتاز، الآن كلمة القدر تحتمل معنيين ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، كلمة القدر تحتمل أن تكون بمعنى التقدير، ويحتمل أن يكون بمعنى القدر بمعنى التشريف. إذاً كلمة القدر يا بمعنى التقدير، يا بمعنى الشرف. يقول والله فلان له قدر، شو يعني له قدر؟ له منزلة، فكلمة القدر تحتمل معنيين: تحتمل معنى التقدير للشيء، تمام، فأقول لك: ما قدر الماء هنا؟ بتقول لي والله 2 لتر أو 5 لتر، هذا أيضاً من معاني كلمة القدر، فالقدر يأتي بمعنى التقدير والإحصاء، ويأتي بمعنى التشريف والمنزلة، وكلاهما يصح في ليلة القدر.

أن كلا المعنيين ليه؟ لأنه ليلة القدر هي الليلة التي تقدر ويحصى فيها أعمال العام القادم، صحيح، فيها يفرق كل أمر حكيم، كما قال في سورة الدخان، فهي ليلة القدر بمعنى تقدير الأعمال للسنة القادمة، وهي أيضاً تصح بالمعنى الثاني أنها ليلة القدر أي ليلة الشرف والمنزلة العظيمة، ولذلك ذكر العلامة النسفي رحمه الله عليه كلا المعنيين، وكلاهما صحيح.

وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان، كذا روى أبو حنيفة رحمه الله عن عاصم عن زر أن زر بن حبيش أحد التابعين عن أبي بن كعب رضي الله عنه كان يحلف على ليلة أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وعليه الجمهور. ولعل الداعي أخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلباً لموافقتها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الإجابة في رمضان، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي.

يعني الله سبحانه وتعالى جعل كثيراً من الأمور مخفية ولم يذكرها لنا بالنص. يعني لماذا الله سبحانه وتعالى لم ينص لنا في القرآن عن موعد ليلة القدر؟ يقول النسفي: إنما أخفى الله موعدها كما أخفى كثيراً من الأمور، كما أخفى الصلاة الوسطى وجعلها محل اجتهاد: هل هي الصلاة الوسطى الفجر، العصر، الظهر؟ أخفى كذلك مثلاً اسمه الأعظم، حتى تحاول أنت تذكر بكل الأسماء الحسنى لعلك تصيب الاسم الأعظم. أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة، أننا مش عارفين هي أول ساعة بعد العصر ولا آخر؟ فبتصير أنت تحرص أنني أدعو طول يوم الجمعة، فهذا من جميل صنع الله سبحانه وتعالى.

كذلك أخفى رضاه في الطاعات، وأخفى غضبه في المعاصي؛ يعني أخفى الطاعة التي أنت إذا عملتها خلاص سيرضى عنك فلا يشقى عليك أبداً، حتى تضلك تعمل تعمل، لأنه أنا مش عارف وين الطاعة التي رح تكون فيها السعادة. وكذلك أخفى غضبه في المعاصي. شو يعني؟ الآن كثير من المعاصي، طبعاً المعصية لا يحبها الله، بس في معاصي فعلاً إذا فعلتها سيغضب عليك الله فلا يرضى عنك أبداً، فهو أخفى أين هي المعصية التي رح تعملها التي رح تكون سبباً في شقائك؟ ليه؟ حتى أنت تترك كل المعاصي، لأنه كل معصية عندك احتمال أنه هي المهلكة، هي المهلكة. نحن شو اللي بخلينا نقع في المعاصي؟ أنه هي ربنا رح يمشيها، لا هذه أكيد ربنا رح يسامحنا عليها، لا هذه ربنا... فبتصير أنت تقول: مشت، مشت، مشت. فربنا أخفى أين سيسخط عليك في المعاصي، لأنه أنت لا تدري ربما هذه النظرة هي الموجبة للسخط، خلص، فأنت لما تكون متخوف أنه الله أعلم شو هي المعصية الموجبة للسخط فلا يرضى عني أبداً، فأنت مباشرة بتقول: إذاً دعني أترك كل المعاصي. أنا إيش اللي بخليني أغامر وأصير أقامر، والله هي المعصية ولا هذيك؟ فهذا معنى أن الله يخفي كثيراً من الأمور حتى تجتهد أنت أكثر وأكثر، سواء في باب الطاعات أو في باب.

الانكفاف عن المعاصي، ومن هنا أخفى ليلة القدر؛ بمعنى أنه لم ينص على موعدها، هل هي ليلة 27 أو 25؟ أخفاها لي حتى تقوم أنت كل العشر الأواخر، حتى تقوم كل العشر الأواخر فتكسبوا اجتهاداً. وإن كان النسفي قال ذلك، لكنه في البداية ماذا حددها؟ ليلة 27، طيب أنت ليش حددتها 27 إذا أنت بدك ترجع تقول إنه أخفاها من أجل أن نجتهد في جميعها؟ خلص إذاً من أول لا تدخل في التحديد.

نعم، كثير من أهل العلم قال هي ليلة 27، وحتى أبي بن كعب، لكن أبي بن كعب لما قال 27 في اعتقادي هذا اجتهاده؛ يعني أبي بن كعب رآها في إحدى السنوات 27 في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فهو ظن أنها كل سنة ستأتي كذلك، لكن المشهور عند أهل العلم، وطبعاً مسألة تحديد موعد ليلة القدر فيها أكثر من 40 قولاً ذكرهم الحافظ ابن حجر في فتح الباري، يعني مسألة فيها خلاف 40 قولاً عند العلماء فيها.

ولكن ما هو مشهور وأراه أرجح ويتناسب مع كلام النسفي الأخير، أنها ليلة متنقلة ليست ليلة ثابتة. ربنا أخفاها، والنسفي هو شو مقصده حتى أنصفه؟ مقصده أنه ليلة القدر ليلة ثابتة محددة، بس ربنا ما نصنا عليها حتى نجتهد في كل العشر الأواخر. لا، الرأي الذي نتبناه أنها ليست ليلة ثابتة وربنا أخفاها، لا، هي ليلة متنقلة. شو يعني متنقلة؟ يعني السنة هي ممكن تجي 21، السنة اللي بعدها بتكون ليلة 23، ممكن السنة اللي بعدها ترجع 21، وفي كثير من السنوات بتيجي 27، بس ممكن تجي 29، فهذا قول طائفة من أهل العلم وأرى له حظاً من النظر أنها ليلة متنقلة وليست أصلاً ثابتة في يوم معين.

طيب يا شيخ، كيف بدها تكون متنقلة وربنا أنزل فيها القرآن؟ هي في تلك السنة اللي نزل فيها القرآن هي أكيد كانت يا 25 يا 27 يا كانت في يوم معين، لكن هذا لا يعني أن الله يجعل ليلة القدر فقط في ليلة معينة، لا، هي في زمن نزول القرآن كانت ليلة 27 ممكن، لكن هي نفسها قد ينقلها الله لليلة 25 ويريد سبحانه أن تكون ليلة 25 هذه السنة هي ليلة القدر، ثم يريد في سنة أخرى أن تكون ليلة 21، فهذا فضل الله ينقله حيث شاء عز وجل.

وفي الحديث من أدركها يقول: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». نعم، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، أي ولم تبلغ درايتك غاية فضلها، ثم بين له ذلك بقوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. هذا سؤال المقصد منه التعظيم، يعني هذا السؤال لما أقول لك ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، وماذا يقصد ربنا بهذا السؤال؟ لا ينتظر منك إجابة، ويقول ما الذي تعرفه عن ليلة القدر؟ تمام، فكأنه يقول لك أي أنت لم تبلغ درايتك غاية فضلها.

نعم، ثم بين له ذلك بقوله، إلا إذا قلنا طبعاً إذا قلنا ما النافية وليست استفهامية فسيكون المعنى: ما أدراك، أي أنت لا تعرف ما ليلة القدر. وهذا يصح، أن تقول لفلان أنت لا تدري هذا الموضوع، ما أدراك ما ليلة القدر؟ يعني أنت لا تدري، ما أدراك أي أنت لا تدري ما ليلة القدر، نفي لكمال درايته بفضلها وعظمها وما فيها من الكنوز والذخائر. إذاً لذلك هو ماذا فسرها النسفي؟ أي أنت لم تبلغ درايتك غاية فضلها، لم تبلغ، كأنه جعلها نافية، لم تبلغ ما أدراك، لا تدري ما هي الكنوز العظيمة التي ادخرها الله. وعموماً المجمل النهائي أن المراد التعظيم والإجلال، وأن هذه الليلة فيها من الكرم الإلهي ما يجعل الإنسان يتشوف لإقامتها والحرص على الصلاة والذكر والإقبال على الله فيها.

ثم بين له ذلك لما قال له وما أدراك، أراد أن يبين شيئاً فقط من حجم الفضائل المدخرة في هذه الليلة، فبدأ بذكر ميزاتها إلى آخر السورة. أول ميزة قال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، هذه أول ميزة لها، أنها خير من عبادة 83 سنة لا توجد فيها ليلة القدر، لأنه إذا كل سنة فيها ليلة القدر كلام غلط. يعني كيف 83 سنة يا شيخ وهي كل سنة فيها ليلة قدر؟ لا، هيك بنحكي هي خير من ألف شهر، يعني خير من 83 سنة لا توجد فيها ليلة القدر. نعم، ليس فيها ليلة القدر.

وسبب ارتفاع فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من تنزل الملائكة والروح وفصل كل أمر حكيم، وذكر في تخصيص هذه المدة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي. يعني هذا ورد في أسباب النزول أنه لماذا جعلها الله سبحانه وتعالى خيراً من ألف شهر؟ مثلاً مش 900 ولا 1100؟ ليش الألف في التحديد؟ ورد قيل هذا في سبب النزول أن الصحابة تعجبوا أن رجلاً من بني إسرائيل جاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون منه وقالوا نحن كيف بدنا نبلغ منازل هؤلاء؟ هذول ربنا طوّل في أعمارهم، فكان الشخص فيهم يعيش ألف سنة فيستطيع أن يفعل هذه الخيرات، أما نحن يا رب نعيش 80 سنة، فأعطاهم ليلة فضل العبادة فيها يساوي ألف شهر، يعني بمقارنة ذلك الفارس الذي قاتل في سبيل الله، والمهم أن هذا الرقم تعبدي من الله فسمعنا وأطعنا.

نعم، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾. تنزل الملائكة إلى السماء الدنيا أو إلى الأرض، والروح جبريل عليه السلام أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة أو الرحمة، اختلفوا، إذاً ما هي الروح هنا؟ هل هي جبريل أو نوع معين من الملائكة لا تعرفهم الملائكة ولا تراهم إلا في تلك الليلة؟ يعني حتى الملائكة ما بيعرفوها؟ أو المراد بالروح هي بمعنى الروح اللي هي الراحة والرحمة والسعادة؟ هذا قيل في معنى الروح، أن الروح بمعنى الطمأنينة والرحمة والسعادة. وحقيقة كله جائز، وإن كان المشهور أن الروح يطلق على الروح الأمين جبريل عليه السلام.

نعم، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، أي تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل، وعليه وقف. طيب سلام هي، يعني أي تقف هنا، يعني ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ تقف، ثم تقول ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾. لا تقول ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ﴾، الوقف يكون على ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، هذا الذي يظهر لي في قوله وعليه وقف سلام هي.

نعم، تنزل الملائكة، لاحظ أن الله سبحانه وتعالى كما جعل ليلة القدر عظيمة لتنزل القرآن، كذلك جعلها عظيمة لتنزل الملائكة، وهذا يدل يا إخواني تنزل الملائكة إلى الأرض أيضاً حدث عظيم وجليل، وله قيمة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى. ليس من السهل أن يستشعر الإنسان حضور الملائكة، لكن عليك أن تعرف أن حضور هؤلاء على الأرض أمانة للأرض وبركة للأرض، والملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل وملائكة في النهار، ويجتمعون في وقت صلاة الفجر ووقت صلاة العصر، فيسألهم الله كيف وجدتم عبادي وكيف تركتم عبادي؟ وهو أعلم سبحانه، قال: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون.

فهذه من نعم الله سبحانه وتعالى أن الملائكة كأنها تناوب مناوبة في الأرض، لما تطلع إلى الله سبحانه فيسألها الله كيف تركتم عبادي؟ والله تركناه يصلي العصر، تركناه في مجلس تفسير، تركناه وهو يقرأ كتابك، تركناه في.. بينما في أناس كيف تركتم عبادي؟ تركناه في المقهى، تركناه بيحضر مباراة، تركناه قاعد على السوشيال ميديا يشوف له مقطع سيء، كله سيسأل، تمام، والله سيسأل الملائكة كيف تركتم هذا الشخص، ولا يسألهم لأنه لا يدري، حاشاه سبحانه، بل حتى تعرف وتقبح وتستحي من الله، قبيح أن يسأل الله عنك الملائكة، فالملائكة تقول رب العزة لم نتركه على طاعة، مصيبة يعني حتى حياء من الله أن يسأل عنك، ولا تركناه مع فلانة ولا مع معصية ولا شيء. فالإنسان يحرص على أن لا يرفع إلى الله سبحانه من أخباره إلا الخير، اجعل الله سبحانه وتعالى يرضى عنك ولا يسمع من أخبارك إلا الأخبار الطيبة، وهو مطلع عليك أصلاً عارف، لكن على الأقل لما يسأل الملائكة يسمع سبحانه وتعالى شيئاً جميلاً، أنه يصلي. وهو يعرف أنك تصلي، لكن يريد أن يسمعها من الملائكة، فلان يصلي، فلان يفعل كذا.

نعم، الملائكة إذاً مهم وعظيم، وهذا من الأمور التي جعلت ليلة القدر لها ميزة. ولكن الملائكة لا تتنزل إلا بإذن الله، قال ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ وهذا يعني إخبار أنه ما نزلوا إلا بإذن، يعني نزولهم ليس قراراً شخصياً، لا نزولهم بأمر إلهي أو بإذن إلهي. ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، ما معنى ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾؟ أي تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل. يعني يريد أن يقول تنزل الملائكة ومعها كل أمر يريد الله أن يقضى خلال السنة القادمة، هذا معنى ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، تنزل ومعها الأوامر.

يعني ما الأمر هنا؟ الذي يظهر هو الأمر القدري وليس الأمر الشرعي، الآن في هناك كلمة الأمر في القرآن الكريم تستعمل بمعنى الأمر الشرعي، شو يعني الأمر الشرعي؟ الأمر الشرعي يعني ربنا أمرني كذا، يعني ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا أمر شرعي، تمام، لا تزنوا، أمر شرعي، يقابل الأمر الكوني القدري، الأمر الكوني القدري يعني ما قدر الله سبحانه وتعالى أن يحصل، فلما يقول الله ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ هذا أمر مش شرعي أنت مخاطب به، لا أمر قدري، القدر فارض عليك، فكلمة الأمر تستعمل أحياناً بمعنى التكاليف وهذا باب الأمر والنهي في علم أصول الفقه، وتستعمل كلمة الأمر بمعنى القضاء والقدر، وهذا هو الأمر القدري، فكلمة الأمر هنا ما المراد بها؟ الأمر القدري.

﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ ما هي إلا سلامة، خبر ومبتدأ، أي لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، ويقضي في غيرها بلاء وسلامة. أو ﴿مَا هِيَ إِلَّا سَلَامٌ﴾، لا، إنه يعني لا أعتقد سلام هي، لماذا لم يقل هي سلام؟ كان النسفي فهم أنه أراد بالتقديم اختصاصاً في الليلة، الاختصاص الحصر، يعني اللي هو زي ما قال هو نوع الاختصاص، أراد الحصر لذلك ما قال هي سلام، الأصل إيش تقول المبتدأ ثم الخبر، زيد نشيط، ليلة القدر سلام، لا، عكس قال ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ ما قال هي سلام. في فرق، قال سلام هي لم يقل هي سلام، أنت عادة تقول المبتدأ ثم الخبر، لماذا قدم الخبر على المبتدأ؟ ليفيد الحصر، فقال فلذلك ماذا فسر النسفي؟ ما هي إلا سلامة. من وين فهم النسفي الحصر؟ من تقديم الخبر على المبتدأ، فقال سلام هي، أي ما هي إلا سلامة. فهذه الليلة سالمة، هذه الليلة سالمة من الشرور، سالمة من كثير من الأمور التي قد لا نطلع عليها نحن، لكن الله يدرك سلامة تلك الليلة منها، تلك الليلة فيها سلامة من كثير من الشرور التي قوانين البشرية هي تعجز عن إدراكها، لكننا نوقن بصدق ربنا سبحانه أن تلك الليلة فيها من السلام والأمان والطمأنينة والخيرات والبركات ما لا يوجد في غيرها.

لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، هذا قوله إن معنى السلامة هنا أن الله لا يقدر فيها إلا السلامة والخير ويقضي في غيرها بلاء وسلامة، يعني هل في ليلة القدر لا تكتب إلا الأشياء السالمة وفي غيرها قال وفي غيرها يقدر الله البلاء والسلامة؟ يعني كأنه يقول الذي أفهمه أنه يريد أن يقول أنه لا يحصل في هذه الليلة من الأمور إلا ما هو سالم، وأما في غيرها من الليالي قد تحصل في تلك الليلة أشياء ضارة وقد تحصل أشياء نافعة. يعني لا أستطيع أن أجزم بصحة ما قاله، لكن نحن نوقن عموماً أن هذه الليلة فيها من السلام والرحمة والخير ما لا يوجد في غيرها.

هذا يحتاج إلى دليل أقوى، والله أعلم. نعم، أو ما هي إلا كثرة ما يسلمون على المؤمنين، وقيل لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة؛ يعني الملائكة تسلم عليه وإن كان هو لا يسمع، والله أعلم. أيضاً أمور تفتقر إلى الأدلة القوية.

حتى مطلع الفجر أي إلى وقت طلوع الفجر، وبكسر اللام على قراءة علي وخلف. وقد حُرِم من السلام الذين كفروا.

طيب، الآن قال: ﴿حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي إلى وقت طلوع الفجر. هي ليلة سليمة، ليلة فيها خير كثير، تسلم من كثير من الآفات. لكن ما هي نوع هذه الأمور التي تحصل فيها السلامة؟ أعتقد سيبقى فيها جانب من الغموض، ونحن نوقن ونسلم بأن فيها خيراً عظيماً وسلامة عظيمة، والله سبحانه وتعالى أدرى بتفاصيل تلك السلامة، لكن يكفي أن الله وعدنا فيها بماذا؟ بالسلام. وبكسر اللام، اللي هي لام "مطلع"، هذه قراءة علي وخلف. وقد حُرِم من السلام في تلك الليلة الذين كفروا، فهي سلام لأهل الإيمان، للقائمين، للعاملين، للباذلين. في هذا فضل ليلة القدر وما ورد فيها في كتاب الله سبحانه وتعالى.

نذهب إلى سورة البينة. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.

سورة البينة أيها الكرام أيضاً من السور التي تتكلم عن الوحي الإلهي، ولاحظ احتفاء القرآن بالوحي، احتفاء القرآن بهذا الحدث العظيم المهول أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان ويبين له ويرسل إليه ويرشده؛ بدلاً من أن يبقى هذا الإنسان يسير في الدنيا بالمناهج الأرضية والقوانين الوضعية، وأحواله وهو يضع ما يهوى ويرفع ما يهوى فتضل حياته ويشقى. الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه أنزل إلينا البينة. إذا كانت سورة القدر تحتفي بوقت نزول الوحي الإلهي، وسورة التين تحتفي بمكان نزول الوحي الإلهي، فسورة البينة تتكلم عن نفس الوحي الإلهي وتعطيه اسماً جميلاً، ما هو؟ البينة. الوحي الإلهي، وهذا اسم يعطيك الدلالة أو الوظيفة التي من أجلها جاء الوحي. لماذا جاء الوحي؟ ليبين، جاء الوحي ليهدي، جاء الوحي ليوضح. هذا بيان للناس، أليس كذلك؟ ربنا قال: "هذا بيان للناس"، فالوحي الإلهي وظيفته البيان، وظيفته الإرشاد، وظيفته إقامة الحجة على العباد، من هنا سُمي ماذا؟ البينة.

هذا الوحي بينة ودلالة واضحة وحجة بازغة لمن يريد السلامة ولمن يريد الوصول إلى الله سبحانه وتعالى بأمان. سورة البينة اختلف فيها فقيل إنها سورة مدنية، وهذا ما عليه كثير من المفسرين، ما معنى مدنية؟ أي نزلت بعد الهجرة بما ورد فيها من ذكر أهل الكتاب. والبعض قال هي سورة مكية، وهذا قول قوي وقد أميل إليه، فمجرد ذكر أهل الكتاب لا يعني بالضرورة أنها سورة مدنية، بل أحياناً قد يذكر أهل الكتاب في بعض السور المكية للإشارة إليهم؛ ولأنهم كان لكفار قريش تواصل مع أهل الكتاب، فذكرهم لا يعني مباشرة أن السورة مدنية. كل السور التي في آخر جزء هي سور مكية، فأن تكون البينة وحدها مدنية مع أن مواضيعها تتلاءم مع مواضيع السور المكية يجعلني أميل إلى أنها سورة مكية ولو ذُكر أهل الكتاب فيها.

اسمها، إذا تكلمنا عن اسمها، أن الاسم جاء ليبين وظيفة الوحي الإلهي البيان والإرشاد. وبالتالي إذا أردت أن تبني حياتك وتبني تصوراتك عن الوجود وعقيدتك وأفكارك الأساسية، فاحذر أن تبحث عن هداية أخرى، القرآن جاء ليبين، جاء ليرشد، فمن أكبر الأخطار أن الإنسان يبني أفكاره وتصوراته عن الوجود والإنسان والحياة من خلال أماكن أخرى. ومن هنا كان خطأ المتكلمين، ليش شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً ما كان يضغط على الفرق المتكلمة من المعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم؟ كان دائماً يرسخ فكرة أن هذا القرآن جاء للبيان، أتى ليكشف ويوضح، فلا يجوز بشكل من الأشكال أن تُبنى العقائد من مكان آخر؛ تروح على فلسفة إغريقية ولا فلسفة هندية وتبدأ تمشي على طرائق الفلاسفة المشائين وأرسطو وغيرهم في التفكير. القرآن هو الذي يبني منهج التفكير، وهو الذي يبني منهج التصور، وهو الذي يبني العقائد، وأن تتعامل مع القرآن على أنه مشكلة تريد أن تتخلص وتعالجها من خلال التأويل وحمل الكلام على خلاف ظاهره، إذاً ما عاد القرآن كتاب بيان.

حتى تعرفوا قيمة سورة البينة، كثير من الفرق التي دارت في الإسلام تعاملت مع بناء العقائد والتصورات من أماكن أخرى، بدت عقائدها وتصوراتها من أماكن أخرى، ثم أرادت أن تجمع بين، كما يقول ابن رشد، بين الفلسفة والشريعة. ابن رشد كان متأثراً بالفلسفة، وهو أقوى من ابن سينا في تأثره بالفلسفة المشائية، وكان يحاول أن يجمع بين الفلسفة والشريعة، ويقول إن الإسلام لا يخالف ما كان عليه الفلاسفة المشاؤون. وأراد أن يجمع، فأتى بما يحار فيه العقلاء ولا يسمن ولا يغني من جوع.

المهم عليك أن تعرف أن القرآن أتى للبيان، ومن اسمه "بينة"، ومعنى "بينة" أن تأسيس الأفكار والرؤى والعقائد والمناهج يكون من القرآن، وتأسيس قلبك وصلاح حياتك كله يجب أن يكون على القرآن. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى في يد عمر بن الخطاب في مرة من المرات صحيفة من التوراة، شو قال؟ غضب وقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟». أي تبحث عن.. "متهوكون" أي أمحتارون؟ أنت واقع في حيرة يا ابن الخطاب حتى تترك القرآن وأرى في يدك صحيفة من التوراة؟ تبحث عن الثراء المعرفي؟ القرآن يكفيك ويشفيك ويغنيك. في هذا المجال لا بديل ولا يوجد حل آخر، لأنك هنا تتكلم عن مادة إلهية، كما قلنا قبل قليل، من غير عالم الأرض جاءت. تريد أن عقل أرسطاطاليس وأفلاطون أعلى من الوحي الإلهي الذي تكلم فيه رب السماوات والأرض؟ هذه كارثة، كارثة أن الإنسان يشعر بقيمة كلام الفلاسفة المشائين ولا كلام المتكلمين ويهجر قال الله، ويرى أن "قال الله" ظاهره ليس مقصوداً وعلينا أن نؤوله وأن ننحيه وأن نحاول وأن العقل البشري مقدم على النص، الوحي الإلهي، وأن نقول إن العقل نثق به وبنتائجه أكثر من ثقتنا بالنقل؛ النقل يحتمل ويحتمل ويحتمل، أما العقل لا، إذا مشى بطريقة صحيحة لا يحتمل. تتهم عقلك مقابل كلام ربك؟ لا، عقلك الذي يحتمل وعقلك الذي تكون كثير من أفكاره وكلياته خاطئة، والقرآن لا يخطئ.

والقرآن ما دام أنه بيان، معناته أن ألفاظه واضحة، صحيح ألفاظه واضحة وظواهره يجب أن تكون واضحة، ولا يجوز كما يقول كثير من المتكلمين أن تكون ظواهر القرآن مشكلة. يصرحون، يقول كثير من العقائد التي ظهرت في تاريخ الأمة إن ظواهر القرآن مشكلة، لأنها تقتضي التجسيم وتقتضي التشبيه وتقتضي كذا، بالتالي كيف نتعامل مع ظواهر القرآن؟ أولها مجازات، كلها كذا. طبعاً هذا وصل إلى أسوائه الفلاسفة الإسلاميين أو المنسوبين للإسلام زي ابن سينا وغير هؤلاء، أو وصل بهم الغلو في تأويل القرآن وصرف ظاهره إلى أن قالوا حتى الجنة والنار هذه مش حقائق؛ الجنة هي رمز للثواب أو عفواً رمز للنفوس السوية، والنار رمز للخبث والشر، لكن لا يوجد شيء اسمه جنة ونعيم، وكل ما ورد في قضية الجنة من الحور العين والطعام والشراب هذا كله في القرآن فقط للتشويق وليس حقيقة. ابن سينا ماذا يقول؟ وإنما ذُكر في النار من عذابها وزقومها هذا مجرد تخويف بس، ما في شيء اسمه زقوم وشو زقوم يعني؟ يتعامل بهذه العقلية، لاحظ الغلو في صرف ألفاظ القرآن عن ظواهرها. أهم شيء تستفيد من قضية أن القرآن بين، أن وظيفة القرآن البيان، وما دامت وظيفته البيان لا يمكن أن أقول لك والله هذا الكتاب للبيان، ثم تكون ظواهره كلها مشكلة، معناتها أنت لم تصدقني لما تقول لي هذا الكتاب جاء للبيان بعدين اكتشف أنه أغلب ظواهره تحتاج لتأويل وصرف وتحميل. إذاً لماذا لم تأتِ بها واضحة إذا كنت تريد البيان؟ شيء لازم يفكر المتكلم، أنت إذا كنت يا رب تريد البيان على قواعدكم، لا بد تخاطب الله وتقول لماذا لم تأتِ بها واضحة وترفع عنا الإشكال؟

هم طبعاً يعني ماذا يكون عذرهم وجوابهم؟ يقول المتكلمون والفرق المتكلمة التي ضلت الطريق، يقول: لا، هو أتى بها فيها نوع من الألغاز حتى يختبرك، ويختبر هل كيف ستتعامل معه؟ هل ستؤول فتنجو أم تتبع أو تمشي مع الظاهر فتهلك؟ إذاً ما عاد القرآن كتاب بيان، صار الهدف منه الاختبار، صار الهدف منه الألغاز، وأنه أنت شو راح يكون موقفك من الآيات زي "استوى على العرش" و"بل يداه مبسوطتان"، هل ستؤول فتنجو أم رح تمشيها على الظاهر فتهلك؟ إذاً نحن ما عدنا نحكي عن البيان، صرنا نحكي عن لغز وعن أفخاخ منصوبة في الطريق، فخ رح أمشي على الظاهر فيه. قال لك: طيب إذا يا رب لماذا سميته بينة؟ لماذا سميته بيان مع أنني أجد أن فيه كثيراً من الألغاز؟ من هذه المبادئ انطلق ابن السلف، ومن أصل لطريقة السلف مثل ابن تيمية وابن القيم، أنه ما دام الله وصف القرآن أنه بيان فلا بد وأن يكون ظاهر القرآن صواباً صحيحاً ولا يحتمل التأويلات البعيدة السمجة والتعسفات وصرف الظواهر، لا بد وأن يكون كلاماً يجري على قواعد العرب في ظاهرها. تمام، طب بقول لك الشيخ ما العرب عندها المجاز، يا أخي المجاز موجود في القرآن لكن سياق القرآن هو الذي يخبرني بالمجاز، وليس لأن الفلسفة الإغريقية ترفض ظواهر القرآن وأصير "أه خلص إذاً لازم آتي بالمجاز"، لأن هنا القرينة التي أنت بها تصرف ظواهر القرآن ليست من ذات النص بل بقرائن فلسفية خارجية. أنت ترى أن القرآن لا يتطابق معها فأولت القرآن استجابة لعقلك وليس استجابة لمقتضيات اللغة العربية. طيب هذا فقط تعليق سريع لنعرف أن القرآن لما يكون بينة مهم.

طيب هل هو بين فقط في الخلافات العقدية القديمة؟ لا، القرآن بين أيضاً في الصراعات الفكرية المعاصرة، بين لما نخاطب العلمانية، بين لما نخاطب الليبرالية، بين لما نخاطب الحداثة، بين أمام كل سبل المجرمين: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. ربنا سبحانه وتعالى يخبرك في القرآن عن منطلقات الأفكار الضالة وكيف تنشأ، لكن أنت بدك يكون لك سعة في التدبر حتى تفهم كيف أشار القرآن إلى مناهج الكفار ومناهج تفكير الفرق المنحرفة قديماً وحديثاً وتوظفها في التالي في صراعاتك الفكرية المعاصرة. القرآن بينة بالمعنى التام الشافي. دعونا نبدأ نقرأ الآية الأولى ونعرف حجم الإشكال الذي وقع في تفسير سورة البينة. يقول الواحدي كما في تفسيره البسيط: من أكثر آيات القرآن إشكالاً في نظمها وإعرابها سورة البينة، يقصد الآيات الأربع الأول، لأنه هناك تعارض ظاهري طبعاً بين الآية الأولى والآية الرابعة يحتاج إلى فهم. دعونا نقرأ ونعرف المشكلة التي جعلت الواحدي وهو أحد كبار المفسرين يقول إن مطلع سورة البينة من أكثر مواطن القرآن إشكالاً، يعني يحتاج إلى تأمل كثير حتى تستطيع أن تصل إلى تفسير مستقيم.

قال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، أي اليهود والنصارى، فأهل الرجل أخص الناس به. ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. طيب خلينا نيجي على كلمة "منفكين"، كلمة منفكين اللي هي مركزية الآية الأولى فيها من؟ مين بيعرف علم الصرف هي اسم فاعل ولا اسم مفعول؟ أيش يعني؟ يعني أنت قصدك من حيث الصرف هي محتملة تكون اسم فاعل ومحتملة تكون اسم مفعول؟ ممتاز أحسنت. الآن هذه الكلمات التي تكون مشددة، تمام هذه أنت مش عارف هي الآن الياء والنون هي تبعت جمع المذكر السالم شيلها على جنب، كلمة "منفك" وحدها هذه الكلمات المشددة الآخر هذه تحتمل، أنت مش عارف هل هي "مُنْفَكِّ" فالكاف المشددة عبارة عن شو عن كافين صحيح؟ فهل هي "مُنْفَكِّ" فتكون اسم فاعل، ولا "مُنْفَكَّ" فتكون اسم مفعول؟ هذه محتملة صح، وهذا سيؤثر على التفسير. يعني كذلك مثلاً غير "مضار"، كلمة "مضار"، "مضار" مشددة الراء الأخيرة، هل هي "مُضَارِر" فتكون اسم فاعل، ولا "مُضَارَر" فتكون اسم مفعول؟ كل ما كان على هذه الهيئة مما هو مضموم الميم المضمومة في الأول، يقولون في علم الصرف: الأسماء الفوق الثلاثية (يعني الرباعية فصاعداً) إذا أردت أن تأتي باسم فاعل فإنك تأتي بميم مضمومة في الأول وما قبل الآخر مكسور، وإذا أردت أن تأتي باسم مفعول فتأتي بميم مضمومة في الأول وما قبل الآخر مفتوح. طيب إذا كان الأخير مشدداً، قبل الآخر صار بالنسبة لنا ايش مخفي فيه، مش عارفين نحن قبل الآخر هنا مفتوح ولا مكسور، وهذا رح يختلف مع المعنى تماماً؛ لأنه إذا قلنا هي منفك بمعنى...

إذا نحن نتكلم عن اسم فاعل، وإذا قلنا منفكين إذا نحن نتكلم عن اسم مفعول. إذا هذه تحتمل أن تكون منفكين ومحتمل أن تكون منفكين، انظر، هذه الحركة تقوم الدنيا ولا تقعدها. إذا منفكين محتمل تكون أن المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين منفكين، فبيكونوا هم اسم فاعل ويكون بمعنى تاركين ما هم عليه. وإذا حملنا منفكين سيكون المعنى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين، شو يعني؟ سيكون متروكين اسم مفعول. فهل المعنى منفكين بمعنى تارك ولا منفكين بمعنى متروك؟ بالتالي صار كلمة منفكين إما بمعنى تاركين أو بمعنى متروكين، وهذا سيؤثر على فهم معنى الآية: إما المعنى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين تاركين، أو لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين متروكين حتى تأتيهم البينة. ممتاز، إذا فهمنا أين أصل النقاش الآن.

الآن دعونا نبدأ في المعنى الأول لأنه هو الأشهر أو المتداول أكثر، والشهره لا تعني الصواب بالضرورة، لكن فيها معاني. نأتي نفسر الآية بالطريقة الأولى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين منفكين بمعنى تاركين ما هم فيه من الجهالات والأفكار الرديئة وما هم فيه من الجاهلية العظيمة حتى تأتيهم البينة. التفسير الأول يرى أن الجملة خبرية، أن الله يعطينا خبر ومعلومة، ما هو الخبر والمعلومة؟ وهذا الذي يجعلني أرجح أن الكلام هذا كان في مكة قبل الهجرة إلى المدينة: أن الله يخبرنا أن الجاهلية التي كانت تعيشها البشرية أصبحت جاهلية معقدة، جاهلية مليئة بالأفكار المدخولة المسمومة التي لا يظهر فيها بصيص خير إلا في مناطق محدودة في العالم جداً لا تكفي. عندما تعم الجاهلية الأرض بذاك الحجم الضخم، يصبح هناك حاجة ملحة لوجود بينة حتى ترفع تلك الجاهلية وتعيد الخير إلى الأرض بقدر ما.

فهنا الله سبحانه وتعالى يخبرك أهمية نزول البينة؛ لماذا البشر يحتاجون إلى البينة؟ لماذا نحن نحتاج للقرآن؟ لماذا نحتاج للوحي؟ لأنه بدون الوحي الجاهلية ستعم. تخيل بس أن القرآن مش موجود في حياتنا، كيف سيكون حالنا؟ نحن القرآن موجود وضايعين! القرآن موجود والمناهج العلمانية والليبرالية والنسوية، وكل يوم يخرج لك بمنهج جديد، وكل يوم طلعوا لك على السوشيال ميديا بقصة وفكرة. القرآن موجود وثلاث أرباع الأمة الإسلامية ضائعة، والجاهلية عايشين في جاهلية الأفكار واضطراباتها؛ لأن أغلب الناس فعلياً القرآن موجود شكلياً في حياته، صح موجود شكلياً، عرف رف يعلوه الغبار، لكن هو مش موجود في حياتهم. فأنت إذا أردت أن تفهم أهمية الوحي انظر إلى حياة العالم اليوم، شوف حجم الأفكار الجاهلية التي تعيش في كثير حتى من بيوت المسلمين ومن حياتهم ومناهجهم وأفكارهم.

بتلاقي كثير من الناس ضائع، شباب وبنات، صحبة وعلاقات محرمة، وأعراس مختلطة، وحفلات مختلطة، ومسابح مختلطة، وأماكن بيع الخمور، وحياة بعيدة عن الله سبحانه وتعالى، ونساء متبرجات كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت، والاختلاط في كل أروقة الحياة في الجامعات في سوق العمل. السوشيال ميديا حجم الفجور والخنا الذي على السوشيال ميديا أصبح شيء مرعب مذهل. هذا يعطيك تصور بسيط عن حجم الجاهلية التي تعيشها البشرية، وأنه هذه الجاهلية لما عمت الأرض قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أصبح هناك حاجة ملحة لوجود رسالة جديدة تبيد الجاهلية وتعيد نوعاً من الصلاح إلى الأرض.

لذلك لما جاء في الحديث: «إن الله اطلع على أهل الأرض قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» كانت في الصوامع، كم واحد، يعني قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام الله اطلع إلى الأرض فمقت البشرية جمعاء عربهم وعجمهم؛ ليه؟ لأنه الناس كانت ضائعة كالزريبة هكذا كان الحال، قال: «إلا بقايا من أهل الكتاب»، كم راهب كانوا على خير في كم صومعة في أصقاع الأرض لا يمثلون حالة أو تجمعاً إنساني. لما سبحانه وتعالى رأى الأرض عم فيها هذا الشرك والكفر والظلم والبغي، أراد الله سبحانه وتعالى أن يهدي هدية لهذه البشرية وهي الرسالة الخاتمة، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزل الكتب المطهرة أو الصحف المطهرة التي ستأتي معنا في سورة البينة: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ [البينة: 2]، مطهرة من الأفكار المسمومة، مطهرة من الانحرافات، مطهرة من الإيدولوجيات الخاطئة، مطهرة من الأفكار الأرضية، مطهرة نقاء.

أراد الله أن ينقي الأرض بنزول هذه البينة. إذاً الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن البشر قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصلوا لحالة من الضياع والشتات الفكري والنفسي والاجتماعي والأخلاقي، بحيث لن يتركوا هذا، لم يكونوا منفكين تاركين مناهجهم الأرضية وأفكارهم الملوثه وأخلاقهم الرديئة إلا ببينة. لازم تأتي بينة ووحي إلهي يعمل غسيل كامل للكرة الأرضية بأفكارها ويعيد بناء الأفكار والقيم والمناهج من جديد. أحياناً كيف تقول وصلت القضية لمرحلة أنه لا ينفع بس واحد مصلح بسيط يجي يتكلم للناس؛ لا يا جماعة، بدك معجزة، أحسنت، بدك شيء مذهل حتى يعيد تغيير الأرض ويعيد تشكيلها مرة أخرى حتى تأتيهم البينة. الله يخبرنا خبراً: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين؛ أي تاركين ما هم عليه من المناهج والأفكار والإيدولوجيات والأخلاق والقيم إلا ببينة قوية قاهرة دامغة تعيد بناء الأمور من جديد.

طبعاً لماذا ذكر أهل الكتاب هنا ما دامت سورة مكية؟ هذه القضية ذكرتها في سورة البقرة، قلت: أهل الكتاب بالنسبة للعرب ماذا كانوا يعتبرون؟ كانوا يعتبرون الطبقة المثقفة. كيف نحن اليوم؟ طبقة مثقفة وطبقة مسكينة بسيطة، العربي في الأحياء العربية والقبائل العربية كان أقصى شغلهم الصيد والقبائل، وعشيرة بني تميم زعلانة مع عشيرة في نجد وكندة، ويعني مشاكل عشائرية وقضايا الصيد وقضايا الحب والغرام والشعر العربي، ما كانوا أمة ثقافية لأنه كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأنهم كانوا أهل كتب سماوية كانوا طبقة مثقفة راقية، فكانوا لذلك العرب، كفار قريش كانوا يذهبون إلى أهل الكتاب يخبرونهم عن هذا النبي هو صادق ولا مش صادق؟ فأهل الكتاب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: 51]. لذلك العرب كانوا إذا أشكل عليهم شيء أو أرادوا معرفة شيء من الأمم السابقة ينظرون إلى أهل الكتاب أنهم الطبقة المثقفة في المجتمع فيذهبون إليهم ويسألونهم.

فالله عز وجل يقول: لا مشركي مكة ومشرك جزيرة العرب ولا الطبقة المثقفة الموجودة أهل الكتاب سيصلحون كل الفساد، عن في الطبقة المثقفة وما دونها من الأمة الأمية الكل ضائع، مش كما قلنا مقت الأرض عربهم وعجمهم، كل شيء ضائع حتى تأتيهم البينة. فالبينة المحتاج إليها ليست فقط الطبقة المسكينة طبقة كفار قريش، لا، حتى الطبقة المثقفة ضائعة، طبقة أهل الكتاب يعني أصحاب الكتب السماوية الآن برضه ضائعين بكثرة ما حصل في كتبهم من التشويه والتحريف وتلاعب الكهنة بهذه الكتب والرهبان لعبوا فيها، أصبحوا لا هؤلاء ولا هؤلاء سيفلحون ولا ينجون وليسوا بتاركين ما هم عليه من الأفكار والضلالات والمناهج إلا ببينة قوية دامغة واضحة. واضح هذا التفسير الأول؟

طيب هناك تفسير آخر أظن هو تفسير الزمخشري في الكشاف، ماذا يقول الزمخشري؟ قال: لا، الزمخشري يقول هذه الآية ليست خبراً من الله أن هؤلاء المشركين وأهل الكتاب لن يتركوا ما هم عليه إلا ببينة قوية، لا هذا إخبار من الله عن ماذا يقول أهل الكتاب على ألسنتهم، هذا إخبار من الله عن ماذا يقول أهل الكتاب عن ألسنتهم، يعني حكاية لكلامهم مش إخبار من الله. يعني كان الله يقول: يقول أهل الكتاب والمشركون لسنا منفكين عما نحن عليه حتى تأتونا ببينة واضحة. كيف أنت بتناقش اليوم واحد ملحد ولا علماني ولا كذا، يا أخي اللي أنت عليه غلط، شغل بتشتغله مش صحيح، فبيجي بيقول لك: أنا لن أنفك عما أنا عليه حتى تأتيني بينة واضحة تقنعني فيها، إذا ما أقنعتني سأبقى على ما أنا عليه.

إذاً فالتفسير الثاني للآية أنها ليست خبراً من الله بل حكاية ماذا كانوا يقولون بألسنتهم، فهم كانوا يقولون: أهل الكتاب والمشركين لسنا منفكين عما نحن عليه حتى تأتينا بينة تقنعنا من خلالها، إذا هذا نقل كلام وليس إخبار، نقل كلام مش الله يحكي ماذا قال فرعون، الله يحكي ماذا قال النمرود، وهنا هذه حكاية. وهذا نظيره في القرآن: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: 42]. هيك كان الكفار دائماً يقولون: يا أخي جيبونا أقنعونا. طيب يا ترى فعلاً لو جاءت البينة ماذا سيكون موقفكم؟ خلاص أنتم على كلامكم أنكم لن تتركوا ولن تنفكوا عما أنتم عليه حتى تأتي بينة، طيب لما جاءت البينة، ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4]، وهذا كثير حتى يحصل في النقاشات حتى بين الإسلاميين، بتلاقي بتناقش واحد بيقول لك: يا أخي أقنعني، جيب لي بينة وأنا بمشي معك، بتروح تجيب له بينة، بمشي معك، جيب له بينة بيمشي معك، أو جماعته بيختلفوا قسمين: قسم بيحكوا: آه والله الرجل جاء ببينة فبيسلموا، والقسم الثاني ظل معاند يركب رأسه حتى لو جئت ببينة.

فالله عز وجل يريد أن يخبر في الآية الرابعة التي سنأتي معها: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4]، يعني أهل الكتاب والمشركين كانوا يقولون لسنا منفكين حتى تأتينا بينة، لا ترد عليهم بل إذا جاءت البينة فسيتفرقون، منهم من سيؤمن ومنهم من سيكفر. إذا فهمنا التفسير الثاني للآية أنه حكاية عن قولهم، ثم الله في الآية الرابعة يقول لنا ماذا حصل: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4].

طيب بس على التفسير الأول أن الله يخبرنا أن أهل الكتاب والمشركين ليسوا بتاركين أفكارهم وضلالهم وجاهليتهم إلا ببينة، التفسير الأول يتكلم عن حاجة الناس إلى البينة، طب على هذا التفسير الأول ماذا سيكون معنى الآية الرابعة ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4]؟ سيكون المعنى كالتالي: أن الله يخبرنا عن حاجة البشرية إلى البينة حتى تغسل ما هم عليه من الجاهلية، لكن يخبرنا في الآية الرابعة لكن كونوا على ثقة أنه لما تنزل، أنتم تحتاجون للبينة حتى تتركوا ما أنتم عليه لكن لما تنزل هذه البينة ليس كلكم سيستفيد منها في غسل أفكاره ودماغه، بل البعض سيستفيد منها في إعادة بناء الأفكار والبعض للاسف سيبقى متترساً بجاهليته.

إذاً عندنا تفسيرين الآن؛ التفسير الأول: أن الله يخبرنا أن أهل الكتاب والمشركين ليسوا بمنفكين وبتاركي لأفكارهم وقيمهم وجاهليتهم وكل ما هم فيه حتى تأتيهم بينة، فأنتم محتاجون للبينة الآن، ثم يقول لنا في الآية الرابعة: لكن انتبهوا ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4]، يعني صحيح أنا قلت لكم في الآية الأولى أنكم تحتاجون للبينة حتى تغسلوا أفكاركم وسلوكياتكم ومناهجكم، لكن لما تأتي هذه البينة للأسف ليس الكل سيستفيد منها ويوظفها في هذا الغسيل، بل البعض سيأخذ بها والبعض سيهجرها ويبقى مصراً على محاربتها وعدم الاستفادة. هيك بنجمع بين الآية الأولى والرابعة على التفسير الأول.

وعلى التفسير الثاني أظن أصبحت واضحة، التفسير الثاني أنه هم كانوا يحكوا: نحن لن نترك ما نحن عليه حتى تأتينا البينة، لما جاءتهم البينة تفرقوا، يعني جاءتهم بينة ومع ذلك أغلبهم وقف معانداً ومحارباً لها، إذا هم كاذبين لما قالوا لن ننفك حتى تأتينا بينة، أنه اجتكم بينة وربنا تحداكم فيها ومعجزة وباهرة، يلا أسلموا! ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4]، هذا كله على معنى أن منفكين تاركين. فهمنا التفسيرين؟ طيب التفسير الأول إخبار، التفسير الثاني حكاية عن ألسنتهم.

نجي الآن على التفسير الثالث وهو أنه يكون منفكين بمعنى اسم مفعول، أي منفكين بمعنى متروكين. هنا سيكون إخبار لكن الله سبحانه وتعالى يخبر إخباراً من عنده: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾ [البينة: 1] -هي أحكيها بلساني: متروكين- على ما هم عليه من الأوضاع حتى تأتيهم البينة. وكان الله يقول: لن أترك الخلق سدىً؛ أي لما اطلع على الأرض فنظر فيها فمقت عربهم وعجمهم ماذا قال الله؟ لن أتركهم هكذا، لن يبقوا متروكين هكذا، لا بد وأن آتي لهم ببينة، وهو معنى قوله في سورة الإسراء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. الله سبحانه وتعالى من كرمه وعطائه أنه يقيم الحجج ويرسل الرسل، وإذا رأى البشرية ضاعت لا يتركهم، يقول: لن أتركهم هكذا، لن أجعلهم متروكين هكذا، بل سآتي لهم ببينة تصلح من شأنهم على الأقل الكثير منهم لما سيقبلونها. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في أمة الإسلام أن الله سبحانه وتعالى لا يدع.

في الحديث: «على رأس كل سنة يبعث الله إلى هذه الأمة من يجدد لها أمر دينها». الآن كثير من بلدان المسلمين ميتة، ومن رحمة الله أن يخرج فيها عالم. نحن نعرف أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً كثيرين إلى الأرض، لكن من خاتم الرسل؟ خلاص، محمد ﷺ هو آخر رسول يمكن أن يرسله الله إلى الأرض. طب ماذا سيحصل في الأرض بعد ذلك؟ نعم، النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة أصلحوا على قدر استطاعتهم، لكن الجاهلية قد تعود إلى مجتمعاتنا وإلى كثير من بلدان المسلمين أيضاً، فماذا سيحصل؟ هل سيتركون؟ الله يقول: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾، لن أتركهم، لا بد آتي لهم ببينة. فالله سبحانه وتعالى من رحمته بهذه الأمة أن جعل العلماء ورثة الأنبياء، ومن رحمته أنه يبعث لهذه الأمة كل فترة من أهل العلم والخير والصلاح من ينفضون الغبار عن معاني القرآن ويجددون للأمة أمر دينها.

كان كثير من العلماء يقول: ليس شرطاً أن يكون المجدد شخصاً واحداً، بل قد يكون مجموعة من المصلحين في القرن الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس، حتى إذا نظرت في الكتب تجد من يقول: من المجدد للقرن السابع؟ من المجدد للقرن الثامن؟ بعض العلماء يدخل في هذه الأمور، ولا أحب الدخول فيها والعلماء فيهم خير وبركة إن شاء الله، لكن الفكرة هي أن الله سبحانه وتعالى سيبقى يرسل للشباب وللأمة، كلما اشتد الظلام وكثرت الأفكار، من العلماء الربانيين من طلاب العلم أمثالكم، أصحاب الهمم العلية، من يبقى يتعلم ويتعلم ويتعلم حتى يكون سبباً في إقامة الحجة على مجتمعه ويعيد تقويم الأفكار كلما ضاعت وتشتت يميناً وشمالاً. هذه وظيفتكم، لماذا يتعلم الواحد؟ حتى يكون من حجج الله على الناس ويكون سبباً في إصلاح الناس، كلما ضاعت وتاهت البوصلة هو يصلح ويصلح الناس من حوله.

فإذاً، الله سبحانه وتعالى يقول -على التفسير الثالث-: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾، بمعنى متروكين، لا يمكن أن أتركهم هكذا، لا بد أن أنبههم. طبعاً هذا يبقى إلى أن يقدر الله سبحانه وتعالى فناء الأرض، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم». من هم هؤلاء؟ قال البخاري: هم أهل العلم. طبعاً الذين يعملون بعلمهم، ليس أهل العلم الذين يرقّعون لأهل الباطل؛ فبعض أهل العلم اليوم اسمه أهل العلم لكنه في النهاية ديك، هو بالنهاية يعمل لغير أهل الإسلام، أهل العلم ليسوا المأجورين. فلا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم، هؤلاء سيبقون، وبهم يقيم الله الحجج على الناس إلى أن يشاء الله أن تهلك الأرض.

فهنا يقبض الله المؤمنين، طبعاً أولاً يكون قبض العلم بقبض العلماء؛ صحيح، كيف يرفع الله العلم؟ إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، وإنما يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم. وهذا بدأ يحصل للأسف في الأمة، شيوخ السوشيال ميديا وغير هؤلاء، كثير منهم ما ينطبق عليه رؤوس الجهال الذين ضلوا وأضلوا. إنسان شاب قرأ له كم كتاب بيطلع لك على السوشيال ميديا بيحكي باسمه، الشاب لم يتعب ولم يتعنَّ ولم يُعرف بأنه فقيه ومتبصر ومثنٍ للركب، وإنما هو سمع له كم درس صوتي وقرأ له كتابين؛ هذا معنى رؤوس الجهال. الحرف الدقيق لرؤوس الجهال أن يكون إنساناً لم يتعب في طلب العلم ولم يتعنَّ ولم يبلغ مبلغ العلماء الأكابر، ولم يُعرف حتى بشروحه الرصينة ولا مصنفاته العميقة التي تدل على عظم اطلاعه وفهمه. شاب شاف السوشيال ميديا مفتوحة، قال: غيري أحسن مني؟ وقرأ الكتابين، وبيروح بيقرأ قبل السوشيال ميديا، بيطلع ينظر فيه، وأي حال هذا؟ هذا معنى رؤوس الجهال.

المشكلة أن هؤلاء الشباب والله أعرف مشايخ وعلماء كالجبال، لكن لا يعرفون السوشيال ميديا، هو جالس في المسجد في منطقة معينة ولا في المغرب ولا في موريتانيا ولا في بلاد الشام، بس هو غير معروف على السوشيال ميديا، والله بوزن جبال علماً وصلاحاً وفكراً، لكن الأضواء لمن؟ لشباب السوشيال ميديا. هذا الشاب الجاهل بتلاقيه بتابعه مئات الآلاف وهو جاهل، السوشيال ميديا صدّرته ووجدت له مكاناً، منبر من لا منبر له، وإلا لو كان هو في مسجد ولا في مكان له قيمة لم يلتفت إليه أحد ولم ينظر إليه؛ لأنه لا يمكن أن ينبغ في أرض الواقع إلا من كان جاداً في تعلمه، هو الذي يحل مشاكل الناس ويستطيع أن يخرج على كلام الفقهاء وينظر فيها ويعطيك حلولاً، لكن كما قلت هؤلاء رؤوس الجهال أفتوا بغير علم فضلوا.

المهم، كما قلت قبل قيام الساعة يقبض الله أهل الإيمان خلاص، وتكون قيام الساعة على شرار أهل الأرض، هذا يكون في القيامة، لكن كونوا واثقين ما دام في هذه الأمة صلاح وخير، سيبعث الله من العلماء والمصلحين من يقومون بشأنها، لأن الله قال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾، أي متروكين، لن أتركهم حتى تأتيهم البينة. وهذا الرأي اختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن يكون منفكين بمعنى متروكين، وأن الله سبحانه وتعالى يقيم الحجج على الناس.

إذاً أصبح للآية ثلاث معانٍ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ تاركين لجاهليتهم حتى تأتيهم البينة؛ فأخبر عن حاجة الناس إلى الوحي، أنهم لن يتركوا ما هم عليه وسيبقون متشبثين حتى تأتيهم بينة تغسل أفكارهم، لكن لما تأتي البينة سينقسمون، فمنهم من سيختار الغسل من خلال البينة والاستفادة منها، ومنهم من سيبقى مصمماً على أفكاره. ثانياً، أن الله يحكي عنهم أنهم كانوا يقولون وينوون أنهم لن يتركوا ما هم عليه حتى تأتونا ببينة، طب يلا هي جبنا لكم بينة، فأكثرهم لم يؤمن بها وتفرقوا تجاه هذه البينة إلى مؤمن وكافر. القول الثالث أن الله يقول إنهم غير متروكين، ويقول: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ يعني لن أتركهم، يقول لم يكونوا متروكين على ما هم عليه من الضياع، وهذه من رحمة الله بالناس، ترى هنا التفسير الثالث بتشعر بمعنى الرحمة، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾، لن أترك البشر، ما راح أتركهم، لن يكونوا متروكين على هذا الضياع حتى تأتيهم البينة والهدايات حتى أصلح من شأنهم، طبعاً كل إنسان يتخذ قراره بعد ذلك، هل سيأخذ بالبينة؟ هل سيتركها؟ لكنه سبحانه وتعالى يخبر عن رحمته بهؤلاء البشر.

ما هي هذه البينة؟ اقرأ تفسير الآية الأولى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمحمد ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، أي اليهود والنصارى، فاهل الرجل أخص الناس به، وأهل الإسلام من يدين به، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ عبدة الأصنام، ﴿مُنفَكِّينَ﴾ منفصلين عن الكفر، وحُذف "عن الكفر" لأن صلة "الذين" تدل عليه، ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة الواضحة، والمراد محمد ﷺ عن الكفر، هو بيحملها "الكفر"، بس أنت احملها على كل أشكال الجاهلية، القيم والأفكار، لازم هكذا عود نفسك؛ توسيع المعنى القرآني، لا تبقى فقط على الكلمة التي يذكرها المفسر، المفسر يذكر الكلمة فقط عشان يعطيك إشارة وأنت المتدبر، أنت بتوسع الدلالة. لذلك هو قال في "منفكين" أي منفصلين عن الكفر، وحذفت كلمة "عن الكفر" لأنه قال لأن صلة الذين تدل عليه، هو ايش يقول؟ يقول النسفي تقدير الآية هكذا: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين عن الكفر. طب ليش حذف الجار والمجرور "عن الكفر"؟ قال لأن ما قبلها يدل عليها وهي "كفروا"، كلمة "كفروا من أهل الكتاب والمشركين" تدل على أن المحذوف هو "عن الكفر". هذا قول جيد وله احترام، ولكن أنا في اعتقادي شيء آخر؛ أنا في اعتقادي أنه حذف كلمة "عن الكفر" حتى يعطيك مساحة للتفكير، منفكين عن ايش؟ واحد: عن الكفر، اثنين: عن الأخلاق الرديئة، ثلاثة: عن البدع، عن القيم، يعني حتى كلمة منفكين عن كل شيء غلط، مش بس الكفر، لا كل شيء غلط. وهذا أنا بفضله، أن هنا الحذف حتى توسع الدلالة، حتى ما أحصرك في كلمة واحدة، لو قلت لك منفكين عن الكفر أنت حيروح بالك: "آه، المراد أن ينفكوا عن الكفر"، لا مش بس هيك، بدنا ينفكوا عن الكفر وعن الأخلاق الرديئة وعن التصرفات الاجتماعية الخاطئة وعن التفاهة وعن كل شيء عاشوا غلط من أجله، فلذلك تركها "منفكين" حتى أنت تسبح فيها، منفكين عن كل شيء غلط، عن كل شيء خاطئ حتى تأتيهم البينة.

﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة الواضحة والمراد محمد ﷺ. يقول لم يتركوا كفرهم حتى بعث محمد ﷺ، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض. نعم، ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي محمد ﷺ، هذه الآية الثانية: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾، هذه نستطيع أن نقول هي بدل من البينة، يعني حتى تأتيهم البينة، ما هي البينة؟ سؤال: ما هي البينة؟ ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾، فالبينة هي عبارة عن الوحي والرسول الذي سيأتي بهذا الوحي، الرسول الذي سيأتي بهذا الوحي. فقال: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾، طب لماذا لم يقل "صحفاً مطهرة يتلوها رسول"؟ إذا كان الأساس هو الوحي والنبي ﷺ هو تالٍ له، لأن النبي ﷺ هو الوسيلة التي من خلالها سيصل الوحي إلى الخلق، ما هو لا بد من وسيلة حتى يستطيع هذا الوحي أن يصل إلينا، هذه الوسيلة هي عبارة عن رسول، وذلك اختار كلمة الرسول المبعوث، فهذه البينة تحتاج إلى مبعوث يتلقاها ويوصلها إليكم، فلذلك ابتدأ بذكر الرسول قبل ذكر الوحي، رسول هو الوسيلة التي سيصل بها الوحي.

﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو﴾، التلاوة هنا تحتمل معنيين، المعنى الأول بمعنى يقرأ وهذا أكيد، المعنى المتبادر صحيح، يعني هذا الرسول وظيفته أن يتلو عليكم تلاوة تفكر وتدبر وتعليم وإرشاد. ﴿صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾، هل هناك معنى آخر لكلمة يتلو؟ يتبع، صحيح، نقول لك هذا الشيء يتلو هذا الشيء، شو يعني؟ يتبعه، فهذا معنى آخر لكلمة يتلو وهو معنى صحيح، يعني البينة هي عبارة عن رسول يتلو، يتبع، صحفاً مطهرة، فالرسول تابع لها، فهي الصحف المطهّرة هي الأساس والرسول تابع لها مبلغ لها، إذاً رسول من الله تابع للصحف المطهّرة، هي تحكمه، رسول من الله لا يأتي بأي شيء، إياكم أن تظنوا أنه يأتي بأفكار من عنده أو يخلق لكم تصورات شخصية، هذا الرسول أرسلته ليكون تابعاً للوحي الإلهي مبلغاً له، فيقرأ ويتبع، كلاهما معنى صحيح لكلمة يتلو.

ولحظ قال "صحف"، الصحف هي الأوراق كما قال قراطيس، وهذا يدل على أن القرآن، وهذه فيه إشارة إلى أن القرآن لا يقتصر فقط على حفظه في الصدور، بل لا بد وأن يُهتم بطباعته وكتابته، ليس كل الناس يحفظ القرآن، لا بد إذاً أن الأمة الإسلامية تهتم بكتابة القرآن، وأن تهتم بطباعته وإتقان طباعته، لأنه سيكون من صحف. ولاحظ أن هذه ربما ذكرت قبل أن يجمع المصحف، هذه كانت آية في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن فيها إشارة، ولكن لما تقول لماذا جمع الصحابة القرآن؟ هم أخذوا إشارات من القرآن أيضاً أن الله يندبهم إلى ضرورة أن يكون القرآن مكتوباً، قال في صحف، وهذه الصحف ايش قال؟ ﴿مُّطَهَّرَةً﴾.

هنا ماذا فسّرها؟ مطهرة من الباطل، وهذا كلام جميل، لأنه قال صحف مطهرة من الباطل، لأنه نحن قلنا البينة هي أتت على مجتمع مليء بالجاهليات، مليء بالأفكار السيئة، فهذه الصحف نقية لا يوجد فيها باطل، لا يوجد فيها أفكار مسمومة، صحف لم يتلاعب بها البشر، ولم تصلها أيد البشر كما وصلت أيد البشر إلى التوراة والإنجيل، وهذا كأنه وعد من الله بحفظ هذه الصحف، وأن تبقى مطهرة إلى قيام الساعة، إذاً هي صحف مطهرة من أي تلاعب بشري، من أي تحريف، من أي تبديل.

من أي فكرة مغلوطة، ومن أي نقص فيها. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، مطهرة من التناقض، ومن التشوهات، ومن كل شيء خطأ. وهذا ما تحتاجه البشرية، أن البشرية لما يكون يعم بها الجهل، تحتاج إلى كتاب في قمة النقاء، وهذه الصحف المطهرة التي في قمة النقاء من كل التشوهات.

اقرأ فيها أي في الصحف كتب مكتوبات قيمة. نعم، هنا كتب قيل كتب بمعنى مكتوبات، فهنا لأنه الصحف فيها كتب، صعب نحمل الكتب على المعنى المتبادر أنه كيف الصحف جواها كتب؟ خلص، ما هي الصحف هي نفس الكتب، فما معنى صحفًا كتب؟ ما معنى صحفًا فيها كتب؟ يعني هي صحيفة وجواها كتاب؟ لا، هنا الكتب بمعنى المكتوبات، الكتب هنا بمعنى المكتوبات، يعني الأسطر بمعنى الكلمات المسطورة؛ يعني فيها كلمات مسطورة.

صحفًا مطهرة، شو في داخل هذه الصحف؟ كلمات مسطورة مكتوبة قيمة، لأنه الصحف فيها كلمات، فهذا معنى الكتب الكلمات المكتوبة، فهمتم شو معنى كتب هنا؟ هذا التفسير الأول.

التفسير الثاني قال: لا، معنى فيها كتب قيمة في هذه الصحف المطهرة، كتب أي خلاصة الكتب السماوية السابقة، فيها كتب؛ يعني في هذه الصحف المطهرة خلاصة الكتب القيمة السابقة. والكتب القيمة، طبعًا القيم هنا معنى المستقيم الذي لا عوج فيه، فيقول الله على التفسير الثاني: رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة، الصحف تتضمن خلاصة الرسالات السماوية. أليس ربنا قال في سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]؟ فهنا القرآن يعطيك خلاصة العقائد والأفكار الصحيحة التي لم تشوه الموجودة التي كانت في الكتب السماوية السابقة، فخلاصة ما يحتاجه في التوراة والإنجيل موجودة في هذه الصحف المطهرة. إذا هناك معنيان لكلمة كتب؛ إما المراد فيها كلمات قيمات مستقيمات، أو المراد فيها خلاصة الكتب القيمة المستقيمة قبل تحريفها، خلاصتها موجودة أين؟ في القرآن الكريم.

طبعًا كلمة قيمة بمعنى ماذا يا إخواني؟ مستقيمة، وهنا تعليق لغوي سريع، أحيانا نحن بنقول فائده قيمة، الله فلان أعطاني فائدة قيمة، أنت شو ما بتحمل كلمة قيمة؛ قيمة ثمينة، صح؟ لا، هذا مش صحيح، لما نقول فائدة قيمة مش معناها فائدة ثمينة، فائدة قيمة يعني فائدة مستقيمة، يعني فائدة صحيحة، هذا معنى مع الشيء القيم في اللغة تمامًا، الشيء القيم أصله المستقيم، هسه يمكن باللوازم نفهم أنه مستقيم معناه جميل ثمين تمام، بس أنا بدي إياك تفهم شو أصلها؛ يعني أنت بصير تحكي هي جملة صحيحة يعني مش إنها غلط تحكي فائدة قيمة، لا هي بس الفكرة شو معناها؟ شو معنى فائدة قيمة؟ يعني فائدة مستقيمة لا عوج فيها، فيها كتب قيمة؛ شو يعني كتب قيمة؟ مستقيمة صحيحة لا عوج فيها، وهذا يؤدي إلى أن تكون ثمينة ولها منزلة، ماشي، لكن هي أصل القيم معنى كتب قيمة أي لا عوج فيها، لذلك ماذا قال في سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا﴾ [الكهف: 1-2]، لم يجعل له عوجًا لأنه لماذا لم يجعل له عوجًا؟ لأنه مستقيم. القرآن قيمًا لينذر بأسًا شديدًا، طيب قيمة مستقيمة ناطقة بالحق والعدل.

وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، أنا راح أمشي على التفسير الأول أن الكتب بمعنى الكلمات، فيها كتب أي مكتوبات كلمات قيمة، إذا الله وصف كلماته في القرآن بأنها قيمة، الله يصف كل آية في القرآن بأنها قيمة مستقيمة، فأنت عندك شيء البشرية كانت فيه ضائعة، جاءت كلمات مستقيمة لتعدل الميزان من جديد ولتضبط البوصلة للبشرية من جديد، بدون هذه الكلمات ستضيع البشرية وتصل إلى الاعوجاج.

وهنا ننتبه أنه حتى على مستوى حياتنا الشخصية، الشاب والفتاة المتمسك بالقرآن هو متمسك بكلمات مستقيمة دغري، بقدر ابتعادك عن القرآن بقدر ما يكون الاعوجاج في حياتك، بقدر ابتعادك عن هدايات آيات القرآن بقدر ما يكون الاعوجاج في حياتك؛ لأنه ربنا قال إن هذه الصحف المطهرة فيها كلمات دغرية، دغرية يعني بتخليك تصل إلى الطريق المستقيم، إذا أنت ابتعدت عن هذه الكلمات المستقيمة التي وظيفتها تقيم حياتك ستبدأ الانحرافات تغزو حياتك في الشهوات أو الشبهات.

فمنهم من أنكر، ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4]، هي الآية الرابعة، عرفنا قبل قليل كيف نجمعها مع الآية الأولى على المعاني الثلاثة أنه وعليك أن تعرف ليس بمجرد مجيء البينة أن الناس جميعًا سيصطفون وراءها، لا، تاريخ البشرية مليء بالمنحرفين، مليء بأصحاب الشهوات والأهواء الذين حتى لو رأوا البينات يبقون مصرين على أن يكونوا في صف الباطل، لذلك قال وما تفرق الذين أوتوا الكتاب. طيب ليش ما قال المشركين؟ أحسنت، إذًا أوتوا الكتاب هم الطبقة المثقفة؛ التي كيف أقول لك هذا متعلم وترك البينة، هذا شو بدك تحكي للجاهل المشرك الأعرابي اللي ماشي في جملة وبس هدفه يروح يصيد، وهذا شو بدك تحكي له؟ فما كان في حاجة لذكرهم؛ اكتفاء بذكر أهل الكتاب؛ يعني إذا كان أهل الكتاب اللي هم المتعلمين اللي بيعرفوا يقرأوا يكتبوا لما جاءتهم البينة تفرقوا، شو بدك تحكي على الجاهل؟ أصبح ذهنيًا مفهوم أنه من باب أولى أنه سيتفرق ويختلف وينازع، فاقتصر هنا على ذكر أهل الكتاب باعتبارهم المثقفين اللي قارئين اللي عندهم كتب سماوية سابقة، يعني الأصل تكون أنت أقرب، مش واحد مثقف يقول يا أخي أنت متعلم الرجال عيب يعني، لو هي طرحناها على واحد مش متعلم ماشي معذور، بس أنت متعلم، تجيك معلومات واضحة وتركها بدماغك؟ مش هيك أنت بتحكي في سياق نفس الشيء.

القرآن يتكلم بهذا المنطق أنه هؤلاء المتعلمين تفرقوا، شو بدك تقول لكفار قريش؟ شيء طبيعي أن يتفرقوا ويختلفوا ويحاربونك، نعم، فمنهم من أنكر نبوته بغيًا وحسدًا ومنهم من آمن، وإنما أفرد أهل الكتاب بعد ما جمع أولًا بينهم وبين المشركين، لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، أدخل في هذا، أدخل؛ يعني من باب أولى، هذا نفس الكلام الذي قلته؛ يعني إذا هؤلاء أهل الكتاب المتعلمين ما زبطت معهم وتفرقوا، هذاك تقول للجاهلين تعون الرعي والغنم والصيد أنهم باب أولى أدخل في هذا الوصف؛ أي أدخل في التفرق والترك.

وما أمروا أي في التوراة والإنجيل إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين من غير شرك ونفاق حنفاء، اقرأ الآية كلها بس قبل ما تقرأ التفسير ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. طيب أنا بدي أبدأ من آخر الآية، قال وذلك دين القيمة، الله يقول أي دين حتى يكون دينًا قيمًا مستقيمًا لا عوج فيه، لا بد يتضمن نقاطًا أساسية.

تمام، هذه النقاط الأساسية موجودة في كل الأديان السابقة، موجودة عند اليهود وموجودة عند النصارى؛ يعني في رسالة موسى خلينا نقول ورسالة عيسى وحتى في الرسالات اللي قبلهم، فالله يقول وذلك دين القيمة؛ أي دين الملة القيمة، الملة القيمة قلنا شو معنى قيمة؟ المستقيمة؛ أي ملة مستقيمة وأي فكرة مستقيمة هناك معايير بسميها معايير تدل على استقامتها، ما هي المعايير؟ ما ذكر في أول الآية، كان الآية تستغرب من اليهود والنصارى لأهل الكتاب أنه كيف أنتم ما مشيتوا وراء هذه البينة مع أنه هذه البينة اللي هي الوحي القرآن توجد فيها كافة معايير الاستقامة التي كانت موجودة في دعوة موسى ودعوة عيسى، يعني قال وما أمروا؛ أنتم إيش اللي زعلكم في القرآن وفي هذه البينة الأخيرة حتى تقولوا ما بدنا نمشي وراءها وحتى تفرقتم ما بين مؤمن بها وكافر بها؟ إيش المشكلة اللي فيها؟ هل هي اختلفت في معاييرها الأساسية عن معايير الرسائل السابقة التي جاءت إلى موسى وعيسى؟ لا.

قال وما أمر، كأني أقول لك كل اللي أمرنا فيه وما أمروا إلا، كل اللي أمرنا فيه ما هو؟ وما أمروا إلا ليعبدوا الله، وأي دين لا يقوم على عبادة الله هذا ليس دينًا، هذا هوى؛ لأن وجود الله أوضح من الشمس في رائعة السماء، عبادة الله. اثنين مخلصين؛ بمعنى أن يعبد الله وحده لا شريك له، مش برضه تعبد ربنا وتعبد غيره، لا، يعبد الله مخلصين له الدين حنفاء، حنفاء أي مائلين عن الباطل إلى الحق، هذا هو الحنيف، الحنيف هو الذي ترك الباطل ويميل إلى الطريق الحق، حنفاء ويقيموا الصلاة؛ صلة بين أن يكون هذا الإنسان عنده صلة بهذا الإله، ويؤتوا الزكاة اللي هي رمز العطاء، يعني يبذل للمجتمع بالزكاة، أي دين لا يحتوي على هذه الأفكار هذا لا يمثل الدين الإلهي عبر تاريخ البشرية، يعني الدين الإلهي عبر تاريخ البشرية رسالة نوح وإبراهيم عليه السلام ثم رسل بني إسرائيل كلها تضمنت نفس الأفكار، يعني هل السؤال هل رأيتم في هذه البينة فكرة جديدة في الألوهيات لم تكن موجودة في الأديان السابقة؟ لأنه هو الكلام الآن؛ خلي الكفار على جنب، الكلام عن الطبقة المثقفة الآن، تعالوا يا أهل الكتاب، هل وجدتم في هذه الرسالة اللي أنتم أغلبكم لا يريد أن ينصاع لها وجدت فكرة جديدة غريبة في الألوهيات استغربتموها واستبعدتموها لذلك قلتم لا هذا بيخالف مضمون ما عندنا؟ فالله كأنه يقول لهم وما أمروا إلا؛ يعني ليش هذا الحصر؟ وأنا بدي إياك تفهم لغة الحصر لماذا هذا الحصر؟ إيش يعني وما أمروا إلا؟ هذا الحصر له دلالة معنوية في السياق؛ كأنه يقول كل اللي أمرتم فيه وعبارة عن أشياء أساسية محدده موجودة في أديانهم وفي رسائل أخو أنبيائهم، فكأنه نوع من الاستغراب والاستنكار، تمام، يعني هو استنكار من الله، كيف تؤمنوا بها؟ هي كل اللي أمرتكم فيه موجود في كتبكم، تعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء والصلاة والزكاة، وهذه موجودة في كل الأديان السابقة.

نعم، قد تختلف شريعة عن شريعة في عدد الركعات في تفاصيل الزكاة، مش مشكلة، لكن إذا نظرت في القرآن، إسماعيل ماذا كان يأمر أهله؟ ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]، والزكاة طبعًا موجودة في ملة إسماعيل، اقرأ في كل القصص التفصيلية في موسى وعيسى، كلهم كانوا يأمروا بالصلاة والزكاة، لكن كل قوم صلاتهم وزكاتهم، الصيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]، إذًا هذه الشرائع الأساسية، حتى الحج، الحج كان مشروعًا عليهم وهم اليهود والنصارى اللي تركوا مكة، كانوا مطالبين بالذهاب إلى مكة ولكنهم كانوا يذهبون لبيت المقدس بدل مكة، قصصهم كثيرة، هؤلاء بس الفكرة أن الله يقول لهم مستنكرًا عليهم لماذا لم يقبلوا البينة، هذه البينة التي جاءت لتغسل واقعكم المؤلم، لتغير أفكاركم وجاهليتكم، وما أمرتكم به أن تعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء وصلاة وزكاة، هذه هكذا مضمون الشرائع الإلهية، هل هناك شيء جديد استهجنتموه في هذه الرسالة؟ فقال وذلك دين القيمة؛ يعني أي ملة مستقيمة دعا الله إليها عبر السنة الرسل جميعًا كانت هكذا مضمونها، فلماذا الإعراض ولماذا الاستغراب ولماذا الإباء؟ إذًا ما هو إلا هوى النفس والحسد والبغي، ولذلك الله سبحانه وتعالى بين في الختام كما بين في كل سور القرآن أن الناس دائمًا ينقسمون إلى فريقين تجاه قبول الدعوات وقبائل الوحي الإلهي، المؤمنون الصالحون وهذا مصيرهم معروف، والكافرون المعرضون وهؤلاء مصيرهم معروف.

فختم فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: 6]، طيب سؤال ليش رجع ذكر المشركين؟ هسه هناك قبل شوي قلنا ترك المشركين باعتبارهم تبع أمة غير مثقفة، لماذا رجع هنا ذكره مرة أخرى؟ لماذا لم يقل إن الذين كفروا من أهل الكتاب في نار جهنم وضمنًا خلص المشركين ما هو معروف؟ لماذا رجع نص على المشركين؟ إنه لن يعذر بجاهليتهم، أحسنت، إنه لن يعذر لأنه والله أنا طبقة مش مثقفة، معناتها أنا راح تمشي أموري واللي راح يعذب فقط أهل الكتاب؟ لا، حتى أنتم يا مشركين، تعلموا عادي، ماشي أنتم الآن طبقة غير متعلمة، أمة أمية، بس بدكم تتعلموا، وإذا رفضتم الحق فقط تبعًا لأهل الكتاب راح تدخلوا معهم نار جهنم، يعني باختصار كونكم أمة غير مثقفة أو لم تقرأوا ولم تكتبوا سابقًا، حقيقة هذا لا يعفيكم من العقاب؛ لأنه ما دامت الحجة قامت عليكم وعندكم عقول تفكروا فيها، ماشي أنتم أمة ما بتقرأوا بتكتبوا، بس عندكم عقل والحجة خاطبت عقلك وأنت مطالب بالتعلم، ولذلك كان أول ما نزل في القرآن شو؟ اقرأ، روح تعلم حتى أنت تطور إمكانياتك، لذلك الإنسان إذا كان يستطيع يتعلم والتعلم يوصل إلى الحق، لكن هو ما بده يتعلم وبده يضله معرض وما بده يسمع الحق، هذا أيضًا سيعذب، وما يجي عند رب العالمين يوم القيامة يقول يا رب أنا ما كنت متعلم عشان هيك أنا ما وصلني الحق، لا، أنت كان بإمكانك تتعلم وأنت ما تعلمت.

فباختصار كل من قامت عليه الحجة سيعذب سواء من الطبقة المثقفة أو أتباعهم من الجهال، ما دامت قامت الحجة على الجميع الكل يعذب، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ الذين عارضوا البينة مع أنها كانت بينة واضحة دامغة، الذين عارضوا هؤلاء في نار جهنم وخالدين فيها، ليه؟ أولئك هم شر البرية، شر البشر الذين تأتيهم البينات ويرونها أمامهم لكنهم يصرون على معاندتها.

يقول في أول السورة لو أردنا أن نمشي على طريقة ابن تيمية أو بعض المفسرين، الله يقول: إنكم لن تكونوا متروكين يا أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيكم البينة. الله يمتن بكرمه أنه لم يترككم، ولن يترككم، بل سيعطيكم بينة. فوق هذا الكرم الإلهي تعاند وتعارض وتلقي البينة وراء ظهرك، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به؛ فلعنة الله على... أنت إنسان سيء، بل أنت أسوأ الناس. إن الله يتفضل عليك بإرسال الرسل والرسالات، ويقيم لك مسالك الاستقامة وطرق الهداية، وتراها وتبصرها، فتعرض وتدير ظهرك وتمشي؛ هذا يعني أنك في قمة السوء، لذلك قال: شر البرية، يعني أسوأ البشر هم هؤلاء.

في المقابل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7]. أما الذين قبلوا هذه البينات وقوموا حياتهم بناءً عليها وأصلحوا طريقهم، الصحابة الكرام قبل الإسلام كانوا ضائعين وكانوا من المشركين، لما أسلموا وعدلوا أنفسهم بناءً على البينة وقوموا حياتهم، أصبحوا من أهل الخير والصلاح. هؤلاء خير الناس، من تأتيه هدايات ومساحات ومع ذلك يقبل عليها. وهذا ليس فقط كلاماً في الأمم السابقة، حتى في الشباب المعاصر اليوم؛ هناك شاب تأتيه فرصة ليحضر مجالس العلم النافع ويقوم حياته ويتحسن ويتعب قليلاً فيستفيد ويصير شاباً صالحاً ومستقيماً. هل هذا مثله مثل شاب جاءته فرصة لحضور مجالس العلم النافع، شاف الإعلان، مشى، شاف إعلان مباراة، لا ركز، فتح عمل "زوم"، شاف إعلان عن مقاهٍ، كبر الشاشة؟ لا، ليسوا سواءً عند رب العالمين.

هناك شباب يبحثون عن درس علم يقام في مناطق في العالم، والله أناس تقاتل من أجل العلم ولا تجده، ربنا يعذرهم. لكن أنت إنسان تأتيك فرصة لتسمع الخير وتستفيد وتتعلم وتطور نفسك وتعرف طرق السلامة وتتمسك بها وبصحبة صالحة من الشباب، وأنت بعد ما رأيتها أمامك منصوبة أعرضت عنها وقلت: لا مصلحة لي. لا، عند رب العالمين أمورك شر البرية. بخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ ناس شافوا البينة، سمعوا، ركزوا، انتبهوا، تعلموا، طوروا أنفسهم، عدلوا حياتهم، استقاموا على الدين القيم؛ لا، هؤلاء شوف كيف الله عز وجل سيعطيهم الكثير.

اقرأ الآية الأخيرة: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: 8]. هذا أول جزاء للذين استقبلوا البينة وصلحوا أنفسهم عليها، جنات عدن، أي جنات إقامة، يعني ليست رحلة ومروحاً، لا، أنت جالس في جنات إقامة، خلاص تضع الرحال فيها وتجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً. أي نعيم سيزول فيه نغصة، لذلك دائماً يركز على فكرة الخلود، راحة أبدية. إذاً لاحظ الفرق بين الأول والثاني، القرار. شاب شاف طريق الخير فيقول: سأتمسك بمجالس الخير والصلاح، أتمسك بالصحبة الصالحة، هذا الزمن المليء بالشهوات أصبر قليلاً، أتخلى عن بعض الشهوات، لا يعني أنك لن تأخذ مباحات الحياة، بل أخفض منها وأغض بصري حتى أصل لهذه المرحلة. أنا عما قريب مغادر، فلماذا أكون من شر البرية؟ ليش أكون من الناس العاطلة؟ لماذا لا أكون من خير البرية، من الناس الصالحة التي ثبتت على البينة، تمسكت بها واستقامت حياتها عليها؟ شو بدك أحسن من هيك نهاية؟

جزاؤهم عند ربهم جنات، الراحة التي كنا ندور عليها مع تعبنا في الحياة؛ الحياة متعبة بتفاصيلها: توجيهي، ثم جامعة، زواج، أولاد، اشتغل، كذا، والحياة الدعوية، واليهود فوقك والقصف، والدنيا، وحبس، والدعاء، وكل يوم فيلم وقصة، وأنتم شايفين الحياة؛ ليس هذا الهناء الذي الواحد يقاتل عليه، ليس هذا الكسب. باختصار الدنيا ليست "هالكسبة"، ليست الشيء العظيم. ماشي، في لحظات جميلة لكنها مليئة بالكدر، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. فمسكين هذا الإنسان الذي يريد أن يعيش كبد الدنيا وكبد الآخرة، حتى الكفار في كبد، هم متعبون مثلنا، يطلع لك شيخ ويحكي، هو تعبان زي ما أنا تعبان، لكن "ترجون من الله ما لا يرجون". الفكرة أنهم من أجل دنيا وأنت من أجل آخرة. فالكل تعبان لكن فرق بين من يتعب لدنيا ومن يتعب لآخرة. باختصار الدنيا دار كبد ونكد وكدر، فمش مستاهل أن تضيع الفرصة.

عندك جنات إقامة، تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً، هذه أول شيء. ثم ما هو أعظم: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: 8]. أن يرضى الله عنك، وهذا يقاتل من أجله المقاتلون. قال علماء الزهد والتربية دائماً يتكلمون عن هذا: عبدت الله من أجل الرضا، قبل ما تفكر حتى في موضوع الجنة، في هناك ما هو أعظم، وإن كانت العبادة من أجل الجنة مطلوبة، وهذا من احترامك لنعم الله أن تحترم الجنة وتعمل من أجلها. لكن ما هو أجمل وأحلى؟ رضا الله سبحانه وتعالى، أن الذي خلقك يرضى عنك، يرضى عن أدائك، يرضى عن مسيرتك في هذه الحياة، أنني اشتغلت صح، ما خلقت فأعرض عني، ما أوجدني وأعطاني السمع والبصر والفؤاد فأستعملها في مناكفتي، لا، خلقته فكان عبداً صالحاً، نعم العبد.

الخصلة الثالثة: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 8]. وأنت رح ترضى عن ربنا لكثرة العطاء الجميل الذي ستحصل عليه، ليس فقط في الآخرة، بل حتى في الدنيا. ستشعر بالرضا التام عن ربك لأن ربك ما تركك، اللي فاهم القرآن يعرف قيمة القرآن، بيرضى عن ربنا: الحمد لله يا رب أنا راضي عنك لأنك أعطيتني قراناً، أعطيتني شيئاً يقوم حياتي. أنا كنت ضائعاً تائهاً، لو كنا الآن في الغرب، شباب الغرب ضائع، لا هدف ولا قيمة، حياة تافهة، لا معنى، ترضى عن الله أنه هداك، ترضى عن الله أنه أعطاك القرآن.

لذلك حتى لو سألت كثيراً من الشباب من أهل القرآن، تخيل حياتك بدون قرآن؟ لا يمكن، بصير مثل السمكة، لا يمكن أن تتصور حياتك بدون قرآن. وحتى الشباب اللي بيتعود على العلم النافع، تعال قول له: نقعد أربعة شهور كلاماً فاضياً، نحكي ونشوف مباريات ونطلع، سيشعر بانزعاج شديد، ما قيمة هذه الحياة؟ ما بعد ذلك؟ ماشي، الواحد يحب يتمتع، نحن بشر، بس يومين، ثلاثة، هل معقول الحياة رح تضلها كذا؟ لا بد في شيء له قيمة في الحياة، يضفي على وجودي معنى. معنى الرضا أن اختارك مسلماً، الرضا أنه جعلك من أهل القرآن، الرضا أنه فهمك القرآن، الرضا أنه فتح عليك المعاني النافعة والتغذية الجيدة. الرضا أنني يا رب كابدت في الحياة وكنت مطمئناً، كنت سعيداً.

بعدين الرضا في الآخر، الرضا عن الجنة، الرضا عن النعيم، الراحة الأبدية، السعادة، الدوام، الخير اللي رح تلاقيه في جنات النعيم، وأنه أنت ما كنت مع أبي جهل ومع الناس العاطلة اللي قاعدة في نار جهنم. أنا راضي عن الرب، شو بدي أحصل؟ حتى لو كنت أدنى أهل الجنة منزلة، أنت كسبان. الجنة حتى لو ما وصلت، أنت كسبان لأنك مع الناس الطيبة، مع السعادة الأبدية. ولكن نسأل الله أن يجعلنا من أهل الفردوس.

لكن هذا كله له شرط: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]. كل هذه النتائج الجميلة بشرط أن تبقى على خشية وإجلال وتعظيم لله طول حياتك الدنيا. اللي خشي الله في الدنيا فتمسك ببيناته، وحاول أن يتعرف عليه، وخاف مقام ربه، وتعامل مع الله عز وجل بالخوف والإجلال والهيبة، هذا الذي سينال تلك المنازل العلا. لماذا قال في خير البرية خشية رب؟ لأن الكفار من أهل الكتاب والمشركين رأوا البينة ولفوا دارهم، لأنه ليس خائفاً من ربنا. أنت متخيل واحد شايف البينة أمامه وتنكب عنها؟ إذاً شو مشكلته؟ أنه لا يخشى الله، لم يخف مقام ربه فأعرض وركب رأسه. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، رأوا البينة فعرفوا ربهم وعرفوا جلاله وقدره، فأورث ذلك خشية في قلوبهم وخوفاً من حساب ربهم سبحانه وتعالى. فلأنك خفتني في الدنيا وأخذت كلامي على محمل الجدية، وتعاملت مع البينة والقرآن على محمل الجدية وصلحت حياتك عليه وأنت خائف أن أعاقبك، رح أجازيك على هذا الجزاء. فالجزاء لا يؤخذ مجاناً.

تفسير المقطع الأخير: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة: 8]، تفسيرها جنات إقامة تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً. ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: 8] بقبول أعمالهم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 8] بثوابها. ذلك هنا، يعني رح نزعل شوي مع التفسير، قال: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، رضا الله صفة حقيقية لله، مش محتاجة لتأويل، كما قال بعض المفسرين بقبول الأعمال، هذه على طريقة الأشاعرة والماتريدية الذين ينفون عن الله اتصافه بصفة الرضا، لا، يرضى. كيف يرضى؟ كيف يشاء. ما في داعي لهذه التأويلات المتكلفة، رضي الله عنهم رضا يليق بجلاله. ورضوا عنه بماذا؟ قال بثوابها، وهو الأمر أوسع من ثوابها، الثواب يعني جزء من الأجزاء، لكن رضا العبد عن الله لا مثيل له في كل شيء في الدنيا والآخرة. مش فقط أنا برضى عن ربنا بس لثواب الجنة، لا، أنت حتى في الدنيا رح تكون راضياً عن ربنا ورح تكون مبسوطاً لأنك سلكت طريق الالتزام ومسروراً بهذا الطريق، فستشعر بالرضا في الدنيا قبل الآخرة.

بتجلس مع شخص، يقول لك: يا أخي أنا راضي عن ربي، وتلاقيه في قمة البلاء، تلاقيه في غزة، الله يفرج عنهم، فاقد أولاده والدنيا متعثرة والبيت مهدوم، يقول لك: أنا راضي عن الرب. هذا الشعور من الله هدية، ونتيجة. بعض الناس تستغرب وتقول: يا أخي كيف هذا ثابت؟ والله لو أنا كنت مكانه لفرطت. تكون فقد ستة من أبنائها، فقدت البيت، ما ظل شيء، تتعجب! فتعرف أن هناك هدايا من الله توزع على العباد اسمها أن يرزقك الله الرضا عنه. هذه متى تحصلها؟ إذا كنت في الحالة المستقيمة في حياتك، ماشي زي ما بده ربنا. لما تأتيك بلية بحجم ضخم كبير، في تلك اللحظة بيجيك رضا، أنت مش عارف من وين، وأنت أضعف منه، لكنه هدية من الله.

نراه في ناس عوام، يعني أنت تنظر للذي يحكي هذا الكلام، ليس دكتور تفسير، لا، الذي يحكي أنا راضي عن ربي تلاقيه إنساناً عامياً، حداد أو نجار، إنسان طبيعي جداً، بس كان في نوع من الاستقامة في الحياة ونوع من التمسك بحب الله وحب المرابطين، هذا أورثه ماذا؟ أنه في مكافأة، خذ هدية الرضا، سأجعلك ترضى عني. كلمة الرضا هذه تحتاج لحالها جلسة. قال: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]. هذه الهدية لمن خاف ربنا، لأنه لاحظ هنا، المفسرون جعلوا "ذلك" اسم إشارة لكل الجزاء، وبعضهم جعله للأخير، للرضا فقط. يعني ذلك الرضا هدية يعطيها الله لمن خشي. يا رب، اللي يحفظ الله في الرخاء، ربنا يحفظه في الشدة. تعرف على الله، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك.

وقوله: ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] يدل على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة، لأن البرية هي الخلق، واشتقاقها من "برأ" الله الخلق، وقيل اشتقاقها من "البرى" وهو التراب، ولو كان كذلك لما قرأوا البرية بالهمز، هكذا قاله الزجاج. إذاً، لأن البارئة هم الخلق، والخلق لا يختص بالبشر، بل يشمل حتى الملائكة. الآية يستدل بها البعض على أن الطائعين من البشر أحسن من الملائكة، وهذا صحيح، أن الطائع من المؤمنين البشر أعلى مرتبة من الملائكة، لأنه عبد الله مع وجود الشهوة، بخلاف الملائكة عبدت الله مع عدم وجود الشهوة، فتدل هذه الآية على فضل المؤمنين من البشر على الملائكة.

واشتقاقها من برأ الله الخلق، بمعنى إيش؟ خلقهم. فملائكة من الخلق، فلما يقول: هؤلاء خير الخلق، المؤمنون خير الخلق، الخلق هنا داخل فيهم الملائكة، فالمؤمنون خير الخلق، فهم خير الجن والملائكة وكل المخلوقات.

وقيل لا، وقيل برأ ليس بمعنى خلق، وقيل اشتقاقها من البري وهو التراب، تمام؟ وهذا قول الزجاج، ويقول الزجاج: ولو كان، إذاً الزجاج يقول اشتقاقها ليس من البرء، اشتقاقها من البري بالياء وليس من البرأ بالهمز، واستدل الزجاج على رأيه، قال: ولو كان كذلك لما قرأوا البرية البريئة بالهمز. كذا قاله الزجاج.

أنا أعتقد أن الزجاج بالعكس يرد، يعني هو يقول: هذا رد، وقيل اشتقاقها من البري وهو التراب، ثم هو يفند هذا الرأي ويقول: لا، هذا ليس صحيحاً، ليس من البري وهو التراب، بدليل أن هناك قراءة قرآنية لهذه الآية هكذا: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6]. فلو كانت من البرء لما قرئت في قراءة قرآنية بريئة، فلما وجد عندنا قراءة صحيحة: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] و﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ عرفنا أنها مشتقة من إيش؟ من البرء أصلها، وقراءة الياء البرية قراءة قلبت فيها الهمزة إلى ياء وأدغمت الياء في الياء، فوجود قراءة الهمز تأكيد على أن البرية مشتق من البرء وليس من البري.

وكذا قاله الزجاج، أظن هنا الزجاج يرد على من يقول أنها من البري، يعني هذا رد الزجاج على من يقول أنها مشتقة من البر، وكان الزجاج يؤكد أنها مشتقة من البرء بالهمز. مسألة لغوية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.