بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترا على آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الإخوة في عودة ميمونة بإذن الله إلى تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى. وما أحوج المؤمن إلى مجالس القرآن، وما أحوجنا إلى أن نلتف ونتحلق حول هذا المعين العذب لنستخلص منه هدايات الحياة؛ فهذه المادة التي إذا انقطعت عنها فترت، وإذا ابتعدت عنها ضللت، وإذا قل زادك منها ضعف إيمانك. مادة الوحي الإلهي كلما قل علمك بها وكلما هجرتها قل إيمانك بشكل طبيعي.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال كما ورد في القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]. هذه كارثة أن يهجر المؤمنون كلام الله سبحانه وتعالى، خاصة في أزمنة الفتن وفي أزمنة الإشكالات الفكرية والحياتية. وهجران كلام الله أيها الكرام ليس فقط أن تهجر تلاوته، بل حتى أن تهجر تدبره، أن تهجر الاستهداء به، أن تهجر مجالس المدارسة فيه. هذه كارثة، لأنه بعض طلاب العلم قد تجد نشاطا في مجالس لغوية وأدبية، ولكن لما تقول له درس تفسير قرآن قد يعتبر أن هذا من الأمور السهلة الواضحة أو من الأشياء التي لا يحتاج فيها إلى إمعان النظر وإلى التركيز. لكن حقيقة لو نظرت إلى مدى استفادته من كتاب الله ستجد أنه سطحي جدا جدا، وأنه بالكاد يفهم المعاني التفسيرية الأولى، وأما واقع القرآن في حياته والاستهداء به فهو في أقصى البعد عنه، وهذا والله من الهجران، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافيكم منه.
لا بد -خاصة في مثل هذا الوقت يا شباب وفي مثل هذه الأزمات التي تمر بها الأمة، الأزمات السياسية والاجتماعية والفكرية- لا بد أن نعود جديدا إلى معاني القرآن، لا بد أن ننفض الغبار عنها، وأن نتعب ونكد في فهم الهدايات الإلهية. القرآن ليس سطحيا؛ القرآن ليس هو المعنى الأول الذي يخطر في ذهنك وانتهى، القرآن لا يعطيك إلا إذا أعطيته، ولا يمنحك النور والهداية إلا إذا أمعنت النظر فيه وقلبت الصفحات. فحذاري ثم حذاري في هذه الأوقات خصوصا أن نبتعد عن القرآن؛ كل شيء يذهب لكن القرآن لا ينبغي أن يذهب، كل شيء يمكن أن تقصر فيه لكن القرآن احذر أن تقصر فيه؛ فإنه مادة النجاح والصلاح للإنسان في هذه الحياة الدنيا. ولذلك هو المشروع الذي مهما أعطيته أنت لن تخسر ولن تشعر أنك أضعت الوقت أو كان بإمكاني أن أصرف الوقت في مواد أخرى وأعطيت القرآن زيادة من حجمه؛ هو المادة الوحيدة التي لا تندم بقدر ما تعطيها، بل ينبغي أن تعطيها أكثر وأكثر.
وصلنا أيها الكرام في تفسير العلامة النسفي رحمه الله تعالى عليه إلى سورة التين. سورة التين وإن كانت قصيرة المبنى لكنها والله عظيمة المعنى وفيها من الهدايات الكثير، لكن نحن لأننا تعودنا نقرأها سريعا أحيانا تغيب عنا كثير من الهدايات العظيمة الموجودة في أفياء هذه السورة. هذه السورة كعاده السور المكية القصيرة مبدوءة بالقسم؛ الله سبحانه وتعالى يقسم قسما فريدا جميلا: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. هذه ثلاث أقسام، وأي قسم لا بد من مقسم عليه، أقسم الله بهذه الأمور الثلاثة على قضية عظمى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 4-6]. ثم ختم السورة بهذا الاستفهام الاستنكاري: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 7-8].
دعونا أيها الكرام نبدأ بمعالجة القسم الذي ابتدأت به السورة. أقسم سبحانه وتعالى بثلاث آيات، التين والزيتون هي في البداية أشجار، لكن ثمة شبه اتفاق بين المفسرين أن المراد ليس القسم بهاتين الشجرتين بحد ذاتهما، وإنما أراد منبتهما، وأشهر البلدان في التين والزيتون هي أرض الشام وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس. فلما أقسم سبحانه وتعالى بالتين والزيتون، قال جمهور المفسرين: أراد الإشارة إلى منبتهما وهي بيت المقدس؛ وبيت المقدس كان مصدرا لنشوء رسالة من الرسالات السماوية وهي رسالة عيسى ابن مريم عليه السلام.
وطور سينين؛ هذا يذكرنا برسالة موسى عليه السلام. فلما أقسم الله بطور سنين، وسنأتي هل سنين هي كلمة معربة ومعناها البركة، أي الطور المبارك، أو سين اسم البقعة التي كان فيها الطور، وهذا اسمها بإحدى اللغات، المهم أنه أقسم بهذا الطور العظيم الذي كلم الله عنده سيدنا موسى عليه السلام. هذا الطور شهد حادثة عظيمة لم تشهدها أي بقعة على وجه الأرض، شهد كلاما إلهيا منه سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام مميز، ولذلك لما نقول طور سنين، الطور المبارك، إنما بركته بسماع صوت الله فيه سبحانه وتعالى.
ثم قال: وهذا البلد الأمين؛ والبلد الأمين هو مكة. إذا نلاحظ هنا أنه أقسم بمواطن نزول الوحي. هذه الأقسام الثلاثة هي أقسام بأماكن هبوط الوحي إلى الأرض: مكان هبوط رسالة عيسى ابن مريم بيت المقدس، ومكان هبوط الرسالة على موسى عليه السلام في طور سنين، ومكان هبوط الرسالة على محمد صلى الله عليه وسلم في البلد الأمين في مكة المكرمة. إذا هو قسم بأماكن نزول الوحي، وهذا يدل على أن المكان الذي ينزل فيه الوحي أيها الكرام هو مكان مبارك. هذه الأماكن الثلاث من أين أخذت بركتها؟ من نزول الوحي فيها. وكذلك قلبك عبد الله، إذا نزل الوحي على قلبك فإن قلبك سيصبح مباركا. أي مكان يحل فيه الوحي سيكون مباركا، وهذا ليس فقط في الأماكن الحسية بل حتى في الأماكن المعنوية؛ فإذا حل الوحي في قلبك وجعلت قلبك مرتعا لكلام الله سبحانه وتعالى، فإن قلبك وجسدك سيناله من البركة بقدر ما حللت فيه من الوحي وبقدر فهمك لكتاب الله سبحانه. فالأرض إنما تأخذ قداستها من قداسة ما نزل فيها، فالبلد الأمين ببركة الوحي، والتين والزيتون ببركة الوحي، والطور سنين ببركة الوحي، وإلا لكانت بقعة مثلها مثل سائر البقاع، لكن الوحي جعل لها قيمة بأمر الله سبحانه وتعالى.
أقسم سبحانه وتعالى بأماكن هبوط الوحي، وابن القيم رحمه الله عليه في كتابه هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى تكلم أن في التوراة والإنجيل هناك نصوص إلهية تشبه سورة التين، وأن هناك ذكرا لنصوص موجودة ما زالت إلى الآن تشبه سورة التين في الإشارة إلى مناطق نزول الوحي، لكن بدل البلد الأمين هنا كانت جبال فاران؛ والتوراة والإنجيل يسمونها جبال فاران وهي جبال تهامة والمراد بها الحجاز. فهذه السورة يوجد ما يشبهها في الكتب السماوية السابقة حيث أقسم الله سبحانه وتعالى بأماكن هبوط الوحي في رسالة موسى وعيسى، وهذا كان فيه إشارة إلى أنكم لا تظنوا أن الرسالة ستبقى في بيت المقدس ومصر، بل ستنتقل في آخر الزمان إلى الحجاز. ولذلك اليهود لماذا سكنوا في المدينة المنورة قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام؟ لأنه كان عندهم علم من كتبهم السابقة أن الرسالة الختامية ستكون في الحجاز، وأن هذا موطنها، لذلك ذهب يهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة ليسكنوا في الحجاز ترقبا أن يخرج الرسول في آخر الزمان منهم، قالوا: ننتقل هناك فيبعث الله الرسول منا ونقول سكنا في الحجاز، لكن الخيبة التي أصابتهم أن رسول آخر الزمان لم يكن منهم، وأن الله سحب منهم الرسالة لأنهم قوم بهت، قوم ماكرون خادعون قتلة للأنبياء.
دعونا ننظر في هذا القسم وفي علاقته بالمقسم عليه؛ أنا دائما أحث المتدبرين للقرآن أن ينبغي إذا نظرت قسما أن تفهم لماذا أقسم الله بهذه الأشياء على المقسم عليه بالتحديد. دائما هناك علاقة بين المقسم عليه والقسم، لا تحاول أن تظن أن الأمر عشوائي؛ لا، في علاقة فهمها من فهمها وجهلها من جاهلها. على ماذا أقسم الله والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين؟ المقسم عليه هو: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. أي أقسم أني خلقت الإنسان على أحسن تقويم. ما هو التقويم هنا؟ عادة نحن نحملها على أن الجسد متكامل ومتماثل ولا يوجد فيه إشكالات وعيوب، وهذا صحيح، تقويم الصورة. لكن ما هو أعظم؟ هو أحسن تقويم في فطرته الداخلية، وهذا أعظم وأجمل؛ أي خلقنا الإنسان على أحسن فطرة وعلى أحسن نفس وعلى أحسن بدن. وهذا حسن التقويم يتناسب مع ماذا؟ مع تقبله للوحي الإلهي الذي أقسمنا به قبل قليل.
يعني لما يقول ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أي خلقناه على أحسن صورة مستعدة لاستقبال الوحي الإلهي، فلذلك هو أقسم بأماكن الوحي الإلهي ليقول: أقسم أنني خلقتك يا أيها الإنسان بفطرة سوية مستعدة لقبول الوحي الإلهي الذي أنزلته على الأرض. وهذا من أجمل دلالات الآية، لا تحصر دلالة الآية على أنه أعطاك عينا وسمعا وبصرا، أكيد هذا من دلالاتها، لكن ما هو أعظم أن تفهم أنه خلقك في أحسن تقويم، أي خلقك بفطرة تميل إلى التوحيد، خلقك بفطرة مستعدة لقبول الوحي الإلهي لترقى به، خلقك مستعدا لأن تتشرب صبغة الله سبحانه وتعالى وتبني عليها.
هو يقول: لقد خلقتك في أحسن تقويم وصورة يمكن أن تخطر في ذهنك. وهنا الكلام لا بد وأن يحمل مباشرة على القسم؛ ما دام أقسم بأماكن نزول الوحي، كما قلنا أهم مكان يجب أن ينزل فيه الوحي ما هو؟ قلبك، حياتك، فطرتك. فكأنه يقول -وركز في هذا المعنى-: أقسم بأماكن نزول الوحي، لقد خلقتك يا أيها الإنسان مكانا قويما مستعدا لقبول الوحي، كما أن هذه الأماكن بيت المقدس وطور سنين والبلد الأمين كانت مهيأة لقبول الوحي، كذلك أنت يا أيها الإنسان مهيأ لقبول الوحي وصالح لذلك، وهذا حسن تقويمك. وإذا أخذت بالوحي الإلهي فإن هذا سيكملك، يعني كما خلقك بفطره قويمة، هذه الفطرة القويمه لن يكملها ولن يسويها إلا نزول الوحي الإلهي فيها؛ كما نزل في مكة وفي بيت المقدس بده ينزل على قلبك وبدك تتلقاه كما تلقته تلك البقاع، فبورك فيها.
يجب على هذا التقويم الحسن الذي منحك الله إياه أن يستقبل القرآن وأن يستقبل الوحي وأن يستهدي به وأن يسترشد به ليرقى، لأنه إذا لم يستقبل الوحي ليرقى ما هو الحل؟ ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. يعني الإنسان كحالة أصلية خلق بفطرة سوية ممتازة، هذه الفطرة السوية إذا تقبلت الوحي الإلهي وتشربته ارتقت وعلت وسمت، أما هذا التقويم الحسن إذا لم يستقبل الوحي الإلهي ولم يجعل الوحي الإلهي مكانا لنزوله وتدبرا وفهما وسلوكا، ماذا سيحصل؟ سيسقط في أسفل سافلين.
لاحظ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. هذا سؤال طرحته في إرواء وأعيد طرحه لكم ربما بعضكم لم يسمعه، لماذا القرآن يفرض أن أكثر الناس في أسفل سافلين ثم يستثني منهم؟ في سورة العصر وفي سورة التين نجد أن الأسلوب القرآني ماذا يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2] ثم يستثني ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: 3]. لماذا لا يكون العكس؟ والعصر إن الجنس البشري لفي خير إلا الكافرين والفساق والعصاة. لماذا يتم استثناء أهل الإيمان وليس العكس، استثناء أهل الكفر؟ أليس هذا كأنه يشير إلى أن الأصل في الناس أنهم ذاهبون إلى مهلكة إلا العدد القليل الذي سينجو؟
أحسنت، لأن عدد الذين سيسقطون في أسفل سافلين هم الأكثر، فلذلك أنت دائما لما تستثني بتستثني القليل من الكثير. يعني في العادة ما في واحد بيحكي معي 10 دنانير إلا تسعة، يا عم احكي معي تسع دنانير ريحني إنه طلع معك دينار. العادة ما في واحد في اللغة يقول معي عشرة دنانير إلا تسعة دنانير، واحد بيحكي خلص إذا معك دينار وريحني. أنت متى بتقول معي 10 دنانير؟ إذا بدك تستثني شيئا قليلا، إلا ليرة إلا ليرتين، بيصير منطق الاستثناء. أما معي 10 إلا تسعة ونص، كمان ما في داعي لهذا الاستثناء من بدايته، خلص احكي معي نص دينار وريح حالي. بالتالي دائما في الاستثناء المستثنى يكون هو القليل، ويكون الأكثر قبل المستثنى في المستثنى منه. إذا كان الله يقول أن أكثر الناس ستسقط في أسفل سافلين إلا قلة قليلة هي التي ستنجو.
هي القلة القليلة هي التي استقبلت الوحي الإلهي، هي التي جلست على مائدة الوحي الإلهي واستهدت به، هي فقط من سينجو. لاحظ قوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. يجب أن تفهم قضية أنه ليس لأن الأصل في الإنسان الفساد؛ لا، هو ربنا يقول لك ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، يعني أنت ابتداءً لم تُخلق فاسداً ثم عليك أن ترتقي، بل ربنا خلقك في فطرة ممتازة.
إذا لماذا جاء الاستثناء من الكفار ما دام الأصل في الجنس البشري أنه خُلق بفطرة سوية؟ لماذا لم يقل: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم إلا من خرج عن هذا التقويم من الكافرين والفاسدين؟ لماذا لم يركز على أن يجعل الاستثناء من الفاسدين؟ فقال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، كأنه يقول لك: مع أنني أعطيت الإنسان أحسن تقويم وأحسن فطرة، وهي قابلة للوحي الإلهي، لكن للاسف أكثر الجنس البشري سيسقط ولن يستمر على هذا التقويم الحسن، سيسقط في الأفكار الرديئة والشهوات والرذائل وما شابه ذلك، إلا قلة قليلة هي التي ستحافظ على حسن التقويم من خلال استقبال الوحي الإلهي والعكوف عليه والانتفاع به والاستهداء به. هذا كله عبارة عن تحفيز يا شباب، تحفيز لا بد أن نفهم القرآن، لا بد من هذا؛ لأنه إذا أنا ما عشت مع القرآن ومعاني القرآن سأكون في أسفل سافلين.
لاحظ قوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، لاحظ كلمة ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾، هذا دلالة على ماذا؟ على أنه أنت كأصل كإنسان، وُلدت في أي مكان من البقعة الأرضية أنت تقويمك حسن، لكن أنت من سقطت في أسفل سافلين، مش من البداية أنت في أسفل سافلين، مش في البداية أنت شرير؛ لا، في البداية أنت إنسان صالح للنبات الحسن ومهيأ له ولك قابلية حسنة. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». إذا أنت خُلقت قوياً قابلاً للصلاح، والانحراف يأتي من الخارج، وليس أن أصل معدنك فاسد؛ هذا يجب أن تفهمه.
لكن هذا المعدن الطيب، كما قال شيخ الإسلام وأكثر المحققين، لما نقول كل مولود يولد على الفطرة وأن الإنسان خُلق في أحسن تقويم، ليس معناه أنك خرجت من بطن أمك موحداً، لا، خرجت قابلاً للتوحيد، هذا معنى كل مولود يولد على الفطرة؛ التي هي قابلية التوحيد، وإلا فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: 78]. نحن خرجنا ورقة بيضاء، فما معنى أننا نمتلك فطرة ممتازة؟ ليس المعنى والله أعلم أنك خُلقت من بطن أمك موحداً، لا، خُلقت مائلاً إلى التوحيد، هو خيارك الأصيل في حال لم تأتِ مؤثرات خارجية تحرفك عنه، هو خيارك الأصيل؛ فلذلك تمسك به.
هذا الخيار الأصيل كيف سينبت وكيف سيصعد؟ إذا ذهبت إلى الوحي. لاحظ، إذا أنا فطرتي هي مستعدة وتربة خصبة للتوحيد، تربة خصبة، لكن أنا أريد أن أجلب التوحيد؛ ما هي التربة الخصبة إذا أنا ما زرعت فيها؟ ما راح ينمو شيء. فأنت خُلقت تربة خصبة للاستقامة، لكن بدك تجلب الاستقامة، من أين سآتي بها؟ من الوحي الإلهي. لذلك أقسم الله بأماكن الوحي الإلهي أنه هذا أعظم شيء يحتاجه الإنسان، العكوف على الوحي الإلهي.
حقيقة يا إخوان، أظن أننا اليوم نعاني من أزمة فكرية مع الوحي الإلهي في الأوساط العلمية والمعرفية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية. إخواني، أكثر الناس اليوم يتعامل مع الوحي الإلهي على أنه مجرد بركة، حتى نكون صادقين، أليس كذلك؟ حتى في بيئات الالتزام والتدين، ما مدى استفادة الناس في علومهم الحياتية والاجتماعية والنفسية والسياسية من الوحي الإلهي؟ ما مدى الاستفادة الحقيقية؟ إذا أردت أن أقول 2% يعني هذا في أحسن أحوالها، حتى نحن كمتدينين، نحن للاسف عندنا ما أسميه نوعاً من الفتور في فهم القرآن، ونوعاً من التراتبية أن القرآن جميل ومبارك نقرؤه في رمضان ونفتح الصفحات وجزاه الله خيراً، لكن الحقيقة نحن لا نتعامل مع القرآن بشكل يومي في بناء الأفكار والسلوكيات والهدايات. وإذا فكرت أنك تبدأ في مشروع قرآني، تبتدئ بنفسك ثم تفتر وتمل وتبتعد، مع أنه يقيناً وحقاً وصدقاً هذا الكلام هو الذي يصنع منك شخصاً مختلفاً، ربنا يقسم لك بحاجتك للوحي، أنت لن تصلح في حياتك ولا سلوكياتك ولا اختيارك ولا نفسيتك ولا نظرتك للحياة والكون والوجود والاقتصاد والاجتماع إلا إذا استفدت من القرآن استفادة حقيقية.
وهذا يجعل الإنسان مهتماً جداً أن يفهم: كيف أستفيد من القرآن؟ هذا السؤال أعتقد أنه أحد الأسئلة المهمة الكبرى للمسلم المعاصر: كيف أستفيد من القرآن؟ لأن الصحابة كانوا يعرفون كيف يستفيدون، والتابعون كانوا يعرفون، والسلف عموماً كانوا يعرفون. نحن اليوم في مسافة بيننا وبين القرآن تجعلنا نتكلم تنظيرياً أنه آه والله نحن محتاجين للقرآن، طب تعال يلا، لا سامحني، أنا يا إما إنسان ملول ما عندي همة، أو إنسان لا، أنا والله شيخ حريص صراحة أستفيد من القرآن في حياتي وكلامك جميل ورائع بس أنا مش عارف كيف، يعني عم بقرأ سورة البقرة، عم بقرأ سورة التين، عم بقرأ سورة العلق، أنا مش قادر أفهم كيف أسقط هذه السورة على واقع الحياة. وما دامت هي المشكلة في حياتك، ستبقى في نوع من الفجوة، وسيبقى في نوع من الفتور، وسنبقى في شتات الأفكار وضياع المبادئ؛ لأننا لا نبني رؤانا وأفكارنا السياسية والدعوية والاجتماعية والنفسية وقرارات الحياة في الزواج، في الطلاق، في العمل، في ترك العمل، في موضوع أن القرآن يكون هو الهادي لي في جميع هذه القرارات.
ولكن هذا الكلام كيف يُتعلم؟ ربما كما قلنا، نفعل له برنامجاً كاملاً إن شاء الله، كيف نستفيد من القرآن، ونملك أنفسنا أدوات تدبر القرآن، وأن يكون كل شخص منا قادراً ولو على مستوى 20-30% أن يستفيد من القرآن ويسقطه على واقعه.
المهم، أريد أن أقف مع قوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. نحن دائماً نجد في كلام ربنا سبحانه وتعالى التعبير عن القرآن والانتفاع به أنه رقي وصعود، وأن الابتعاد عن الوحي الإلهي نزول وسفول في أكثر من موطن، ليس فقط في سورة التين. من يتذكر موطناً من القرآن يعبر فيه عن حالة الابتعاد عن الوحي الإلهي أنه نزول؟
أحسنت، مثلاً في سورة الأعراف لما تكلم الله عن بلعام بن باعوراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 175-176]. كان بإمكان بلعام بن باعوراء أن يرتقي بآيات الله ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾، نزول! ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾. أيضاً مثلاً في سورة الحج: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. إذاً دائماً التعابير القرآنية تعبر أن الذي يبتعد عن مادة الوحي الإلهي هو في نزول، في سفول.
أنا أريد فكرة أن ترك الوحي الإلهي سفول. لو أردنا أن نقوم بعملية عصف ذهني سريعة، لما نقول ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، أريد أن أركز على سورة التين، عادة ماذا يتبادر إلى ذهنك لما تسمع قوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؟ ما معنى أسفل سافلين في ذهنك؟ كيف تترجمها؟ ما المقصود بأسفل سافلين؟ أسوأ الأحوال، جيد؛ لأنه الآن في كتب التفسير تجد كثيراً ما يقول: أسفل سافلين يعني في النار في قاع جهنم، وهذا في الآخرة صحيح، لكن حقيقة لا بد وأن نفهم أن أسفل سافلين هذا في الدنيا؛ أسفل سافلين في الأخلاق، أسفل سافلين في القيم، أسفل سافلين في الفكر، أسفل سافلين في التعامل، أسفل سافلين في كل خطوة من خطوات الحياة.
اليوم لو بدنا نقيم الحضارة الغربية المعاصرة، هي أسفل السافلين في ماذا؟ في القيم والأخلاق، أسفل السافلين في التعامل والسياسة؛ لاحظوا كيف إدارتهم للسياسة في العالم في قمة الانحطاط والمصلحة الشخصية والنفعية، يوم يفرض هذا جمارك على الثاني، يوم هذا يقلب على هذا، عبارة عن مصالح، كل واحد فقط يريد أن يمشي مصالحه؛ عبارة عن أسفل سافلين في السياسة. الأمور الاجتماعية عندهم، لاحظ، أحضر أي مقطع يوتيوب يعطيك الحياة الاجتماعية في الغرب؛ الزنا، العلاقات المحرمة، الشذوذ الجنسي، سوء الأخلاق، عقوق الأمهات، الأمهات كلهن عندما يكبرن في دور العجزة، البنت التي تهرب من بيت والدها في السابعة عشرة من عمرها أو أقل من ذلك؛ باختصار لا توجد أي قيمة أخلاقية تركز عليها في الغرب، إنما هم قوم ممكن نجحوا في التكنولوجيا في أمور الدنيا ظاهراً من الحياة الدنيا، لكن في السياسة، في الاجتماع، تعال ننظر في أمورهم النفسية، حجم حالات الانتحار والاكتئاب والمشاكل النفسية التي يعانون منها، روح اقرأ أي تقارير ستنصدم، ما في أصلاً حياة اجتماعية حقيقية، ما في حياة اجتماعية حقيقية إنسانية سوية في حياتهم. هذا كله ضريبة ماذا؟ ضريبة عدم وجود الوحي الإلهي في حياتهم.
الإنسان إخواني بدون وحي إلهي هو حالة حال الحيوانات، لذلك الله سبحانه وتعالى بماذا وصف الكفار؟ ﴿يَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: 12]. حياة أنعام، ماشي هو معه مال، لكن المال لا يعني قيمة أخلاقية ولا سلوكية ولا اجتماعية، لا يعني رقيّاً ولا أنك إنسان ناجح. وهذا ليس فقط في الحياة الغربية، خلينا نسقطها على واقع المجتمعات المسلمة اليوم، أنت في حياتك اليومية لما تروح على بيئة عمل، أو لما تروح تشوف شاشة التلفزيون على قنواتنا الإعلامية العربية، أو لما تخالط الناس في الجامعات، مباشرة تستطيع أن تميز الإنسان المرتبط بالوحي من الإنسان المرتبط بالدنيا من خلال مواضيع نقاشه.
لما تجلس مع الناس اليوم في الجلسات العامة العائلية وغيرها، أكثر الناس إما كلام في الشهوات، في الملذات، في الأموال، علاقات محرمة في الجامعات، أكل الربا، الدخول في البنوك المحرمة. لما تجلس مع الناس يومياً تستطيع أن تميز من الشخص المرتبط بالوحي، من الشخص الذي هو في أسفل سافلين، أسفل سافلين في أفكاره؛ هذا شاب ما عنده في ذهنه في أفكاره إلا السوشيال ميديا ويطلع على الأفلام ومسلسلات، تأتي على شاب ثاني ما أفكارك؟ والله مباراة كرة قدم وأنا مع الدوري الإسباني، وهذا مع الدوري الإنجليزي، أنت مع مين بالدوري الإنجليزي؟ أسفل سافلين في اهتماماته؛ ما عنده شيء له قيمة في الحياة. أنت ليش عايش؟ عشان دوري إنجليزي ودوري إسباني ودوري أردني ودوري كذا والكلام الفارغ هذا؟ ولا عايش عشان دينار ودرهم وبورصة طلعت ودينار نزل وما شابه ذلك؟ ولا عشان علاقات حب ومسلسلات وأفلام ومتابعات؟ وحتى لما تنظر في الفتيات، التجميل والموضات والأزياء وكذا، هذا كله من أسفل سافلين، عبارة عن إنسان لا يعيش لمبدأ ولا لقيمة ولا لهدف سامٍ.
بينما الأمة تكون تسام سوء العذاب على يد أعدائها، وهذا الشاب في أسفل سافلين في مستنقع الهشاشة النفسية والإيمانية والفكرية، ما عنده شيء يقدمه. إذاً لما تسمع قوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ما يروح ذهنك على الكافر؛ لأنه دائماً نحن من أخطائنا في التعامل مع القرآن: آه رددناه أسفل سافلين ذاك أبو جهل، لا، ممكن أكون أنا وأنت عندنا جزء من أسفل سافلين، ممكن يكون ابنك أو زوجتك أو أحد من حولك هو في أسفل سافلين في مستنقع الأفكار الدنيئة. أسفل سافلين هو نموذج لكل فكرة هابطة ولكل اهتمام ساقط ولكل همة لا تملك أي شيء لأمتها ولا لحياتها، هذا كله أسفل سافلين.
إذاً القرآن يجعلك ترقى في اهتماماتك، ترقى في مستوى تفكيرك، ترقى في انشغالاتك، ترقى في نظرك لأمتك وحاجتك، ترقى في كل شيء. وفي اللحظة التي ستستغني فيها عن القرآن، اعلم أنك ستسقط في أسفل سافلين، مش فقط في سافلين، في أسفل سافلين. ولاحظ العبارة كم هي مقلقة، أنني سأكون في المستنقع في النزول وفي الهبوط. ودائماً يقولون: النزول إخواني سهل، أليس كذلك؟ يعني انزل بالسيارة، تطلع طلوع ولا تنزل نزول؟ تنزل نزول بس بدون ما تحط شيء هي نازلة وحدها؛ اعلم أن أسفل سافلين هذا سهل أن تصله، ولكن الصعود يحتاج إلى رجولة.
وهذا أيضاً من الدلالات التي تفهم، النزول سهل إخواني، والمستنقع سهل، ولذلك أكثر الناس سقطوا، صح؟ مش نحن قلنا الاستثناء وقع منهم؟ لذلك أكثر الناس نزلوا في القاع، نزلوا إلى أسفل سافلين إلا الثلة المؤمنة التي تقاوم وتجاهد لترقى. الصعود ما أقول لك إنه سهل، لا، في مجاهدة؛ آه بدي أجي أتعلم القرآن وأتدبر وبدي أقوم ليل وبدي يكون عندي نوع من الإرادة وبدي أمنع نفسي من كثير من رغباتها، هي هذه قضية منع النفس من شهواتها ورغباتها، هذه قصة وحفلة هي، لكن هي التي ستجعلك ترقى. بدي أستعين بمادة الوحي الإلهي حتى أرقى، فأيضاً كلمة أسفل سافلين يجب أن يأتي في ذهنك قضية.
سرعة النزول إليه، ودائماً النزول كلما نزلت أكثر وأكثر يتسارع النزول، مش هيك في القوانين الفيزيائية؟ إنه كلما نزلت أصلاً يصير نزول أسرع والسيارة بتهور أكثر، فكلما غرقت في مستنقع أسفل سافلين سيكون نزولك إلى القاع أسرع وأسرع، يكون التسارع عالي جداً والصعود سيصبح أصعب، فحاول أنك ما توصل للقاع، يعني رجاءً مني أرجو من نفسي ومن إخواني أنه ما توصل للقاع؛ كلما نزلت تحت أكثر الصعود سيكون شاقاً بشكل أكبر. هسه أنت لو نزلت شوي ماشي بتقدر تطلع، بس لو صرت في الهوة في القاع عملية الصعود مضنية ومتعبة أكثر، وبالتالي هنا تأتي أهمية الوحي الإلهي. لو أنا عندي معاصي، لو أنا عندي ذنوب، لو أنا عندي شيء من التقصير بس لازم يكون عندي مجلس قرآني، لازم يكون عندي مادة من الوحي الإلهي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن أتمسك بها، حتى إذا سقطت ما أسقط القاع، أضل على الأقل بنزل شوي بس بلاقي حبل، كل ما نزلت بلاقي حبل. أما المشكلة إذا ما عندك وحي إلهي بشكل أسبوعي، ما عندك مادة الكتاب والسنة بشكل أسبوعي، بكره بتنزل على القاع ما حدا بيشيلك، وما حدا بيشيلك وبتضلك واصل ومهور إلى آخره، فهذه القضية الله ينبهنا إليها. هذا معاني سورة التين، أن الله يقول لنا: أنا خلقتك في أحسن تقويم، لكن هذا التقويم لا ينعدل إلا بأن تستقبل الوحي الإلهي كما استقبلته تلك البقاع، غير هيك ستسقط في أسفل سافلين في أخلاقك، في قيمك، في حياتك، في مشاكلك.
نحن إخواني بنقعد مع الناس وبتيجينا مشاكل الناس بشكل يومي، هذا مطلق، وهي مشكلة عائلية، وهذول مختلفين على ميراث، وهذول العائلة بينهم محاكم؛ الناس أسفل سافلين في خصوماتها، في نزاعاتها، في علاقاتها الأسرية والحياتية، الناس وصل كثير منهم القاع، ليه؟ لأنه في وحي في حياتهم. بتيجي على هذا البيت: طيب تعال يا أخي، أنت عندك مع زوجتك مشاكل عائلية طويلة وكذا، تعال شوف ايش يعني أولاً قبل ما أفكر شو علاقتكم بالقرآن أنتم كعائلة كأسرة، ما في قرآن، ما في القرآن من رمضان لرمضان؛ إذاً لا تيجي تقول لي إنه كيف سأصلح في بيت وفي نفوس هشة، نفوس وصلت القاع، هذه شو بدك تعالج فيها؟ هذا بده يتعالج أولاً بالقرآن، بعدين يقول لي أصلح بيني وبين زوجتي وحياتي، ممكن نتساعد شوي في بعض الآليات، لكن البيت مدمر من الداخل، القلوب والنفوس هشة، نفوس وأزمات وأحوال يعلم الله عز وجل. لو قرعتم بيوت الناس ستجدون أهوالاً، لو قرعتم بيوت الناس وسمعتم أحوالهم ستجدون أهوالاً. هذه الأهوال في كل المشاكل أساسها، أقول أساسها، طبعاً مش معنى هذا أنه كل خلاف زوجي سببه هذا؛ حتى تفهموا، الصحابة طلقوا، بس أنا أقصد أن كثرة هذا الموضوع في المجتمعات وتزايده والفجور في الخصومة، إنما سببه أننا وصلنا إلى القاع في كثير منا، أو في نصف الطريق تخلينا عن الوحي الإلهي، كارثة والقرآن سواء أدركتها أو لم تدرك ذلك الآن، لكن على الأقل خذها قاعدة مسلمة: القرآن يصلح نفسك ويهذبها ويرقيها على مستوى عالٍ جداً، فأنت محتاج إلى القرآن وفهمه، وعليك أن تقاتل حتى تعرف كيف تفهمه، يعني حتى لو أنت الآن ما عندك وسائل فهمه بدك تسأل المشايخ وأهل العلم وتتبع أي شخص يمكن يعلمك كيف تستفيد من القرآن، وكل مجلس قرآني مفيد بدك تحضره، لأنه أنت تحتاج جداً إلى القرآن، ما في مساومة عليها.
ثم رددناه أسفل سافلين، إلا كما قلنا استثنى عدداً محدوداً أو خلينا نقول القلة من الكثرة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6]. هذه القلة القليلة المصابرة على استقبال الوحي الإلهي والعمل به، آمنوا بهذا الوحي وعملوا، لأنه أنت مش فقط تتعلم القرآن بدك تعمل بالقرآن، فآمنوا بالوحي الإلهي وعملوا به الصالحات، فهؤلاء لهم أجر غير ممنون. ممنون يعني منقطع، أجرهم وثوابهم لا ينقطع. من باب أيضاً العصف الذهني يعني لماذا ذكر قضية الأجر غير المنقطع؟ لماذا ذكر: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6] ثوابهم لا ينقطع بضل شغال؟
إذا قلنا إن الأجر المراد به الجنة فكلامك ممتاز، وهذا أحد أقوال أهل العلم أن ثوابهم في الجنة ثواب لا ينقطع، خالدين فيها أبداً ممتاز. طيب سؤال: هل يمكن حمل هذا على الدنيا؟ نعم، إن الأجر غير ممنون حتى في الدنيا. فكرة الأعمال الصالحة أن من كرم الله سبحانه وتعالى أن الإنسان المؤمن يجري له سبحانه وتعالى ثواب عمله حتى ولو صار هناك عوائق يعجز بسببها عن القيام بالعمل؛ هذه فكرة أن الإنسان الذي يواظب على صلاة قيام الليل أو القرآن أو الجهاد ثم أقعده حاجز أو تسبب سبب معين لعدم قيامه بهذا الأمر، ألا يكتب الله له أجر عمله ولو كان كما لو كان مقيماً صحيحاً؟ فكرة أن الله سبحانه وتعالى اختصاراً إذا راك تحاول أن تقدم يعطيك أجراً فوق ما تتخيل، إذا راك الله تجاهد على العمل، إذا راك تجاهد في الأعمال الصالحة وتسعى لتصعد، لأنه كما قلنا السُّفول سهل لكن الصعود صعب، إذا راك تحاول وتجاهد وتسعى يعطيك ثواباً لا ينقطع حتى ولو أنت انقطعت لأمر خارجي. الإنسان فينا لما يصل إلى الكبر لما يصل عمره 60 و70 تضعف قواه فيعطيك الله أجر ما كنت تفعله وأنت عمرك 20 و40. زي ما حكى أبو محمد الأفعال المتعدية، إذا أنت فعلت أفعالاً متعدية: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، كثير من الأعمال المتعدية يبقى أجرها لا ينقطع، أجر غير ممنون ليس منقطعاً.
ثواب أعمالك يبقى عداد الحسنات شغال، تخيل أنك يوم القيامة بعض الناس يستيقظ فيجد ثواباً وحسنات ومش عارف من وين اجت، هو لا يعرف من أين أتت لكنه ينتبه، آه والله في يوم من الأيام علمت شخصاً سورة الفاتحة، ذاك الشخص كل صلاته في حياته كان ثوابها إليّ له ولي، في يوم من الأيام أعطيت كلمة في مسجد وانتفع الشخص بها وكنت سبباً في صلاحه، أجر غير ممنون كان شغال لي، في يوم من الأيام أنشأت أسرة مسلمة كنت سبباً في زواجها وأنشأوا أبناء صالحين وما شابه ذلك، وفي يوم من الأيام أشياء كثيرة هي ربما كانت لحظات عابرة في الحياة لكنها بقيت تنتج أجراً غير ممنون، بقي عداد الحسنات يعمل إلى يوم القيامة، وهذا ما نحتاجه، أنت تحتاج فعلاً إلى الأجر الدائم المستمر الذي لا ينقطع، ليس فقط الأجر اللحظي، بل أريد الأجر المستدام، فالأجر غير الممنون أنت يمكن أن تحمله على الآخرة أن ثواب الآخرة لا ينقطع وهذا صحيح، وأيضاً في الدنيا أن الأعمال الصالحة يبارك الله لك في ثوابها حتى تجد ثوابها مستمراً، خاصة إذا كانت نفعاً متعدياً إلى الناس أو وقفاً أو ولداً صالحاً ربيته أو شيئاً كفلته، ترى أن عداد الحسنات يومياً عم بيزيد وبدون انقطاع، فلهم أجر غير ممنون.
ثم سبحانه وتعالى يختم بهذا الاستفهام الذي يستنكر به على هؤلاء الذين يعرضون عن الوحي الإلهي ويريدون لأنفسهم أن يسقطوا في أسفل سافلين: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 7-8]. يعني كأنه استفهام ولا ينتظر منك جواباً، سبحانه يكون يستنكر عليك يا أيها الإنسان، لماذا تذهب إلى المناهج الأرضية الوضعية وتتخلى عن المناهج الإلهية السماوية؟ هل تشك في حكمة الله؟ يعني أنت عندك مشكلة مع هذا الوحي تراه لا يصلح لكل زمان ومكان؟ عندك مشكلة مع الوحي الإلهي يجعلك تحاول تبحث عن صلاح نفسك وسعادتها وصلاح مجتمعاتك في مادة أخرى من كلام حكماء الأرض أو من الفلاسفة الأرضيين؟ فما يكذبك بعد بالدين، لماذا أنت معرض عن الدين والدين هو الوحي الإلهي؟ لماذا معرض عنه؟ لو هذا سؤال يوجه لكل طبقات المجتمع، من الساسة إلى الاجتماعيين إلى التعليميين، إلى كل إنسان يبتعد عن الوحي الإلهي ويبني حياته على الكلام الوضع الأرضي، فما يكذبك بالدين؟ ليش أنت معرض عن الوحي الإلهي؟ لماذا لا تحكمه في حياتك وفي مجتمعك وفي أسرتك وفي قراراتك؟ هل تشك في حكمة الله؟ وهيك السؤال يعني هل تعتقد أن هناك من هو أحكم من الله؟ أدرى من الله في كيفية سياسة المجتمعات؟ أدرى من الله في كيفية إصلاح النفوس؟ أدرى من الله في طريقة إشباع الرغبة؟ هل هناك من هو أحكم من الله؟ فيأتي السؤال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8].
ولأن الذين يسقطون في أسفل سافلين هم باختصار أناس لا يريدون تحكيم الوحي الإلهي في حياتهم ونفوسهم ومجتمعاتهم، فالله يستنكر عليهم. وهذا حتى في الأوساط العلمية يا شباب، يعني ما الذي يجعل كثيراً من الشباب لا يهتم بتفسير القرآن واستخراج ما فيه من المعاني، لكنه مثقف في الفلسفة الغربية، وإذا تكلم عن نيتشه وكانط وهالأمور تجده مستحضراً لكتب الفلاسفة وبيتكلم، بقول لك آه ما هم الفلاسفة المنطقيين وبيصير يعطيك فلسفة ويتكلم معك خمس ساعات زي مثلاً عدنان إبراهيم ولا غير هؤلاء من التافهين، وبيشعرك أنه آه هذا شخصية مثقفة؟ هذه زبالة الأفكار، يعني أنت في النهاية تعلمت من كلام الكفار لكنك حرمت من معاني كلام الله، حرمت من معاني كلام الله سبحانه وتعالى ومن الاستهداء به. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]، أنت لا تحتاج في سياسة المجتمعات وبناء النفوس وإصلاح الحياة إلى أن تذهب إلى حكيم آخر تأخذ منه قوانين الحياة. هسه في الأمور التكنولوجية الآلية هذه أمور تجريبية ما عندنا مشكلة، لكن نحن نتكلم عن ماذا؟ عن بناء الفكر وعن بناء النفس وعن قيادة المجتمعات وعن هيكلتها، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، فأنتم لا تحتاجون إلى دين آخر، فما يكذبك بعد بالدين. لاحظ، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] مع هذه الآية: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7]، ما الذي يجعلك تعرض عن الوحي الإلهي يا أيها المثقف؟ يا أيها الصحفي؟ يا أيها الإعلامي؟ يا أيها الساسة؟ ما الذي يجعلك تبحث عن مناهج أخرى؟ هل تشك في حكمة الله؟ وهذا الكلام كل إنسان سيجيب عنه بنفسه، كل إنسان فينا سيجيب عنه بنفسه، ما الذي يجعلنا نعرض عن الاستهداء بالوحي الإلهي؟
لأنه دائماً في ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] ما تحمل الموضوع، آه برضه هذا خطاب لمن يكفر بالله؟ لا، حتى نحن كمتدينين أو كإسلاميين أو ما شابه ذلك، أحياناً يحصل عندنا نوع من أنواع الإعراض عن الوحي الإلهي، وهو وإن لم يكن تكذيباً باللسان؛ أنه أكيد لو سألت مسلماً أنت بتكذب بالوحي؟ أعوذ بالله هذا كفر يا شيخ! بس من حيث الممارسة العملية أنت تارك الوحي، أنت مش معطيه أي اهتمام في حياتك. لو سألتك شو بتقرأ؟ بقرأ للغربيين. طيب شو بتدرس؟ بدرس أبصر شو. طيب متى آخر مرة قرأت تفسير القرآن؟ والله يا شيخ ما، مش مشكلة القرآن مفهوم، تبقى لا هو مفهوم ولا هو داري عنه ولا عارف السالفة بس هو عايش على أفكار الآخرين. هذا نوع من أنواع عدم الثقة بحكمة الله، عدم الثقة أن القرآن مليء بما يحتاجه الإنسان، لكن أنا الذي لا أعطيه وقتي. فالله سبحانه وتعالى لاحظ كيف الأسلوب الجميل: أتشك بحكمة الله؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]، وأدرى بالنفوس فهو الذي خلقها ويعرف صلاحها.
معقول مادة الوحي الإلهي نزلت من فوق سبع سماوات لا تملك قدرة لإصلاح النفوس والمجتمعات، وكلام البشر الأرضيين هو الذي يملك القدرة على إصلاح النفوس والمجتمعات ومنح السعادة للإنسان؟ فهذا سؤال استنكاري المراد منه إيقاظ العقول، أنه أنا والله فعلاً أنا ليش صار لي 20 - 30 سنة بعيد عن القرآن؟ أنا شو بسوي؟ كأنه استفزاز لتلك النفوس التي ابتعدت عن كتاب ربها. إعادة النظر من جديد، أنا لماذا بعيد عن القرآن؟ ولماذا لا آخذ حكمة القرآن وأكتفي بها وأجلس عليها وأعيش حياتي عليها؟ كما يقول ابن تيمية، يعني كأنه نوع من الشكوى من نفسه أنه يتأسف على أنه لم يقضِ عمره في معاني القرآن، هكذا يقول ابن تيمية، هذا ابن تيمية اللي جل كلامه في مناظراته وكلامه يحوم حول القرآن وتأصيل كلماته، يقول شعرت أني قصرت في القرآن، وكان محتاج أعطيه أكثر وأكثر. طيب إيش نقول نحن؟ ماذا يقول من بعدنا ممن أصلاً هم نبذوا القرآن والكتاب وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً؟
فهذه قضية سورة التين، سورة التين تبين مركزية الوحي ودور الوحي في صلاح حياتك وتخطيطها، وأنه في اللحظة التي ستترك فيها الوحي ستسقط في أسفل سافلين، ثم يعترض سبحانه مستفهماً مستنكراً كيف يمكن للإنسان أن يكذب بالدين ويعرض عن الوحي الإلهي مع أن الله هو أحكم الحاكمين عز وجل. طيب نقرأ سريعاً ماذا قال النسفي في تفسير الآيات وننتقل إلى سورة العلق فيما يسمح به الوقت إن شاء الله، تفضل أبا محمد.
يضلوك عن سبيل الله. أحسن من القرائن الخارجية، لكن حتى من ناحية اللغة أنت تعرف في أصول الفقه الاستثناء يجب أن يكون استثناء الأقل من الكثير. حتى في أصول الفقه وفي باب البيوع وفي الفقه، لما يقول لك في باب البيوع وغيرها أن الاستثناء لا يقبل إلا إذا كان المستثنى أقل من المستثنى منه. واختلفوا إذا كان مساوياً له، فهل يجوز أن أقول: معي عشرة إلا خمسة؟ هذا اختلفوا فيه، البعض قال لا يجوز حتى هذا، بل لا بد وأن تستثني الأقل. فإذا كنت تتبنى الرأي الأصولي الذي يقول إن المستثنى يجب أن يكون أقل من النصف، فإنك ستقول من نفس الآية أفهم، أما إذا كنت تتبنى الرأي الذي يقول النصف يجوز فإنه يمكن الاحتمال العقلي أن يكون النصف بالنصف.
وأما أن يكون المستثنى أكثر من المستثنى منه من الناحية اللغوية فهذا رأي ضعيف. هذا رأي لغوي قال به البعض لكنه ضعيف جداً حتى من الناحية الأصولية، عرفت؟ فانت حتى من الناحية اللغوية يجب أن يكون المستثنى أقل من النصف أو مساوياً للنصف. هذا عند اللغويين والأصوليين لا يجوز. ليس هكذا العرب، هذا رأي لبعضهم، حتى ليس الشافعية جميعاً، ارجع أعد إليهم، هذا رأي لبعضهم، فإذا أنت كنت تتبنى من يرى أنه لا يجوز استثناء إلا النصف فأقل، فستقول من حيث المبنى اللغوي الذي سينجو هو النصف فأقل. والبعض يقول حتى النصف لا يجوز، بل لا بد أن تقول جاء عشرة إلا أربعة أو ثلاثة أو اثنين أو واحد. إذا قلت جاء عشرة إلا خمسة لا يصح عند كثير منهم.
إذا أنت تتبنى الرأي الأصولي واللغوي الذي يرى جواز استثناء الأكثر، نعم، سنقول عندئذ من القرائن الخارجية عرفنا أن المراد ما يكون على فساد، أنه خُلق بفطرة ليست للفساد، بل متجهة نحو التوحيد. الله عز وجل يقول إنه كان ظلوماً؛ هذه صفات في الإنسان أنه يكثر منه الظلم والجهل، لكن أنت لما خرجت من بطن والدتك خُلقت بفطرة سوية تميل إلى التوحيد. أنت خُلقت بفطرة لو صُرِفت عنها القرائن الخارجية ستختار الصلاح. لكن في الواقع العملي القرائن الخارجية ستحيط بك.
الآن أنت تتكلم عن بعض أشكال النقص التي في الإنسان، أن هناك أشكالاً من النقص في الإنسان، أن الإنسان خُلق هلوعاً، وخُلق الإنسان ضعيفاً، وأنه كان ظلوماً جهولاً. هذه أشكال النقص هي التي يكملها الوحي، ولذلك قلت أنت لا تستطيع أن تعتمد على الفطرة وحدها لاكتمال الصلاح. لماذا؟ الفطرة تحتاج إلى الوحي الإلهي حتى يحصل الكمال، وإلا وحدها الفطرة لن تنتج إنساناً سوياً كاملاً. الفطرة تعطيك الميلان إلى التوحيد، الميلان إلى التعبد لله سبحانه وتعالى، لكن هذا الميل لا يكفي، أنت تحتاج إلى الوحي الإلهي حتى يكملك، وإلا فستجد أن فيك من النقص الظلم، الجهل، الضعف كما خُلقت. لو استغنيت عن الوحي الإلهي لن تستطيع الفطرة وحدها أن تشيلك وأن تقومك، فهذا معنى أن الفطرة لا تستغني بنفسها، وإلا لو كان الإنسان كاملاً من كل الجهات، ما الحاجة كان للوحي الإلهي؟ فالوحي سيكمل الفطرة، والفطرة تربة خصبة؛ كيف أقول لك؟ هذا الطالب تربة خصبة صالحة تزرع فيه ما شئت، هذا لا يعني أن هذا الطالب ما فيه بعض الصفات السلبية، ممكن يكون فيه صفات سلبية، لكن هو ابتداءً تربة خصبة صالحة لأن تزرع ولأن ترقيها، وهذه النقائص ما الذي يدفع شرها؟ الوحي الإلهي، عرفت بهذا التكامل؟
اقرأ التفسير مباشرة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ونجي إخواننا المستضعفين. قال الله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾؛ أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين الأشجار المثمرة. روي أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا». بلا عجم يعني بدون بذور، فش فيها حب، والتين ما فيه بذرة قاسية، ربما هي الأشياء الخفيفة لكن لا يوجد فيه بذرة قاسية، ثمرة تؤكل كاملة بكل ما فيها. نعم، فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس. هذا الحديث إخواني موضوع، سامح الله النسفي، حديث التين ينفع من النقرس وتقطع البواسير وكذا.
وقال: «نعم السواك الزيتون، من الشجرة المباركة، يطيب الفم ويذهب بالحفرة»، وقال: «هي سواك الأنبياء قبلي». وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو تينكم هذا وزيتونكم، وقيل هما جبلان بالشام ينبتانهما. وحقيقة أنا شعرت النسفي لم يعطِ زبدة الموضوع التي نحتاجها، التين والزيتون إشارة إلى بلاد الشام وهي موطن رسالة عيسى ابن مريم. ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾؛ أضيف الطور وهو الجبل إلى سينين وهي البقعة، يعني اسم تلك البقعة سينين، وهذا رأي لبعض المفسرين كما قلنا، إنه الطور موجود في مكان، هذا المكان ايش اسمه سينين. كيف تحكي والله مثلاً في جبل في عمان موجود في مأدبا مثلاً، في جبل اسمه الطور موجود في مكان اسمه سينين؛ يعني وين موقع جبل الطور؟ والله في بقعة اسمها سينين، هكذا رأي بعض المفسرين.
ونحو سينون يبرون في جواز الإعراب بالواو والياء والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب. يعني هو يقول إن سينين هذه يجوز أن تعامل معاملة الملحق بجمع المذكر السالم فيرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، ويجوز أن تلزمها الياء دوماً تجعلها في حال الرفع والنصب والجر بالياء، ويكون الإعراب على النون بحركات الإعراب الطبيعية: جاء سينين ورايت سينين ومررت بسينين، أي تجرها وترفعها وتنصبها بالحركات الطبيعية كأنها زيها زي أي اسم مفرد، وهذا كلام من الناحية الإعرابية، كمل.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾؛ يعني مكة، الأمين من أمن الرجل أمانة فهو أمين، وأمانته أنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ومعنى القسم بهذه الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكن الأنبياء والأولياء ونزول الوحي الإلهي، هذا أهم؛ يعني كان النسفي متفقون معه أنه أقسم بهذه البقاع لإظهار ما نزل فيها من الخير وأهم شيء الوحي الإلهي، قضية سكن الأنبياء والأولياء هذه تأتي بعد نزول الوحي الإلهي فيها.
فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم، إبراهيم اللي هي أرض الشام، ومولد عيسى عليهما السلام ومنشأه، والطور المكان الذي نودي منه موسى عليه السلام، ومكة مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد نبينا ومبعثه صلى الله عليه وسلم. أو الأولان قسم بمهبط الوحي على عيسى عليه السلام، والثالث على موسى عليه السلام، والرابع على محمد صلى الله عليه وسلم. طبعاً الأولان اللي هم التين والزيتون، فإذا قلنا التين والزيتون، البعض قال التين مكان والزيتون مكان ثاني فصاروا اثنين، فصار الثالث هو طور سنين والرابع هو البلد الأمين، يعني البعض قال التين والزيتون هذه كلها واحدة إشارة إلى بقعة واحدة ما في داعي نخليها أربعة. هل هي أربعة ولا ثلاث؟ اللي قال التين بلد والزيتون بلد والطور سنين بلد والبلد الأمين بلد صاروا أربعة، اللي قال التين والزيتون هذه كلها واحدة إشارة إلى بقعة واحدة صارت عند القسمة ثلاثية.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ وهو جنس في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾؛ أي ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه إلى أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح صورة، وهم أصحاب النار، وبالتالي أسفل سافلين على هذا المعنى أنه في النار يوم القيامة؛ أسفل سافلين يعني أقبح صورة في نار جهنم، لأن أشكال أهل النار تكون في أقبح صورها وأشكالها، فيكون الكلام رددناه إلى أقبح صورة أي في يوم القيامة عندما يسقط في قاع جهنم.
أو أسفل من سفل من أهل الدركات، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل، ثم نكسناه في خلقه حيث نكسناه في خلقه فَقَوُسَ ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشنن جلده، وكلّ سمعه وبصره، وتغير كل شيء منه فمشيه دليف؛ يعني هذا رأي آخر لبعض المفسرين، جيد أن تفهمه. أن البعض قال ثم رددناه أسفل سافلين لا، هذا مش كلام أبداً عن الناحية الدينية ولا القيم والأفكار. ثم رددناه أسفل سافلين معناها أن يصبح عجوزاً، يعني بعض المفسرين يقول لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، أن بداية خلقه بيكون شاب قوي عنده كل القدرة والاستطاعة، ثم رددناه أسفل سافلين أي ثم يهرم ويصبح عجوزاً ظهره مقوس ويمشي متقارب الخطا، فمشيه دليف وصوته خفاه وقوته ضعف وشهامته خرف.
لكن هنا ستبقى إشكالية الاستثناء، طب إذا قلنا أن المراد ثم رددناه أسفل سافلين أي رددناه إلى أرذل العمر ماذا سيكون معنى الاستثناء؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. إذا ماذا سيكون معنى الاستثناء؟ جيد، فهذا لا يرد إلى العمر، يعني البعض قال هكذا، يعني أن الإنسان يرد إلى أرذل العمر بحيث يصبح يتبهدل وتصبح الناس تحتاج أن تخدمه وإلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهؤلاء احفظوهم. لكن حتى هذا يمكن أن يقال: هل كل إنسان رد إلى أرذل العمر؟ هذا باقي في حياته مش ضابطة أموره، لذلك رد إلى أرذل العمر، لا، نحن نشاهد بعض الفضلاء قد يرد إلى أرذل العمر ليكون بلاء له، فيمكن أن يقول البعض ما ذكرناه قبل قليل: أن الإنسان إذا كبر في السن انقطع عنه عمله، صحيح يبطل يستطيع يعمل، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهؤلاء يجري الله عليهم ثواب أعمالهم حتى لو تقدموا في السن وأصبحوا عاجزين عن العمل.
يعني لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رد إلى أرذل العمر فانقطع عنه القدرة على الصلاح والأعمال، إلا ناس معينين هؤلاء حتى لو ردوا إلى أرذل العمر سيجري عليهم ثواب أعمالهم الصالحة جزاء وفاقاً لما كانوا في شبابهم ووقت استطاعتهم يعملون لله، فهؤلاء لن ينقطع عنهم ثواب أعمالهم حتى ولو وصلوا إلى أرذل العمر. وهذه معنى جميل أن الإنسان يعمل أعمالاً صالحة وهو في قوته لأنه بكره رح تكبر، إذا ربنا كتب لك عمر بصير عمرك 70، 80 ما رح تستطيع تفعل زي ما بتفعل أيام الشباب، فالله سبحانه وتعالى من رحمته وبركته أنه إذا كان كبر العمر سبباً في انقطاعك عن العمل يجعلك وأنت كبير في السن تحصل ثواب ما كنت تحصله وأنت شاب، ببركة ماذا؟ أنه الذي أقعدك عن العمل ليس عدم رغبتك فيه وإنما هو تقدم السن، فهذا استثناء قاله البعض بهذه الصورة.
ودخول الفاء هنا دون سورة الانشقاق للجمع بين اللغتين، والاستثناء على الأول متصل وعلى الثاني منقطع، أي ولكن الذين كانوا صالحين من الهرم فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم. طب الجمع بين اللغتين يقصد الوجهين اللغويين، الآن في اللغة العربية إذا كان المبتدأ اسم موصول، لاحظ هنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ في مثل هذا في اللغة العربية يجوز أن تقول في الخبر لهم أجر بدون الفاء، ويجوز أن تقول فلهم. أعطيك مثال، أقول: الذي يأتينا اليوم في المركز؛ هل هذا شرط؟ لا، الذي اسم موصول مش أداة من أدوات الشرط، لكن قالوا تشبه أداة الشرط، فقالوا يجوز في الخبر، خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ اسم موصول، يجوز في الخبر أن تدخل عليه الفاء ويجوز أن يجرد من الفاء، فتقول: الذي يأتي اليوم إلى الدرس فله جائزة، ويجوز نقول الذي يأتي اليوم إلى الدرس له جائزة، كلاهما وجه لغوي صحيح. فهذا معنى قوله، لماذا في سورة الانشقاق ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ﴾ وهنا في سورة التين ﴿فَلَهُمْ﴾، قال أراد أن ينوع بين اللغتين، فيجوز أن تقول فلهم ويجوز أن تقول لهم، كأنه نوع من التنويع اللغوي.
وصبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم وعلى مقاسات المشاق والقيام بالعبادة، طبعاً قال والاستثناء على الأول متصل وعلى الثاني منقطع، ما معنى على الأول؟ على القول الأول، الآن هو لما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، ذكر تقريباً قولين، القول الأول ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي في النار، والقول الثاني ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي رددناه إلى أرذل العمر. إذا قلنا ثم رددناه أسفل سافلين المراد في النار فسيكون ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
استثناء متصل فعلاً؛ يعني استثنى هؤلاء من هؤلاء. أما إذا قلنا: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]، أي رددناه إلى أرذل العمر، سيكون ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: 6]، الأنسب ألا يجعل الاستثناء متصلاً من جنس المستثنى منه، بل يجعل منقطعاً. والاستثناء المنقطع هو الذي تفسر فيه "إلا" بمعنى "لكن"، فيكون التقدير: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وهو شاب، ثم سيرد إلى أرذل العمر، لكن الذين كانوا صالحين من الهرم فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وعلى صبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة.
هي قريبة من الفكرة التي قلناها، لكنه لم يرد أن يستثني، وإنما أراد أن يستدرك؛ أنه يا رب أنا إذا رجعت إلى أسفل سافلين، يعني إذا رددت إلى أرذل العمر خلاص راحت علي، لا، حتى لو وصلت إلى أرذل العمر سأعطيك ثواب أعمالك كما كنت وأنت شاب، وسأعطيك ثواب صبرك على الهرم وقساوته، فيكون المراد ليس الاستثناء حقيقة وإنما الاستدراك.
القول الآخر: ثم رددناه أسفل سافلين، أي في الأفكار والقيم في الدنيا، وفي النار يوم القيامة، فالإنسان يرد إلى أسفل سافلين في الأفكار والقيم وفي عذاب يوم القيامة، إلا قسماً من هذا، من هم؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 6] فهؤلاء لن يردوا إلى أسفل سافلين لأنهم تمسكوا بالوحي. فلذلك اعتبر الاستثناء متصلاً؛ لأنه استثنى هؤلاء من هؤلاء، أن كل الجنس البشري سيرد إلى أسفل سافلين في الدنيا من حيث القيم والأفكار وفي الآخرة من حيث نار جهنم، إلا من استثنى الله، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
أما إذا قلنا أسفل سافلين المراد أرذل العمر، فهنا سيكون الاستثناء صعباً، فلا بد أن نقول إنه استدراك وليس استثناء، فلذلك سماه استثناء منقطعاً؛ لأن الاستثناء المنقطع تكون فيه "إلا" بمعنى "لكن"، فيكون التقدير: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة، ثم يرد إلى أرذل العمر، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فحتى لو ردوا إلى أرذل العمر فلن أضيع لهم عملاً وسعياً، كان هذا هو المراد.
والخطاب في ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7] للإنسان على طريقة الالتفات. نعم، فما يكذبك، هذا خطاب لكل إنسان أعرض عن الوحي الإلهي. أي فما سبب تكذيبك بعد هذا البيان القاطع والبرهان الساطع بالجزاء؟ والمعنى أن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشراً سوياً، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر، لا ترى دليلاً أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان على هذا كله لم يعجز عن إعادته.
فما سبب تكذيبك بالجزاء؟ أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل؟ فـ"ما" بمعنى "من". طبعاً هو حمل، إذا لاحظ أنه حمل فـ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾، بناءً على أنه أسفل سافلين أرذل العمر، وكأنه يقول: بعد رؤيتك لهذا الإنسان كيف يكون صغيراً ثم يصبح كبيراً ثم يرد إلى أرذل العمر، أليس هذا دليلاً على وجود الخالق الصانع القاهر؟ تمام، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم: 54].
فقول فما يكذبك بعد، كلمة "بعد"، أي بعد هذا البيان وبعد هذا النصح وبعد هذا الإرشاد، ما الذي يحملك أن تعرض عن الدين؟ لكن نحن إذا قلنا أسفل سافلين المراد من الناحية الدينية والقيمية، وأنا هذا ما أذهب إليه، فيكون المعنى فما يكذبك بعد، أي بعد وجود الوحي الإلهي بعد نزول الوحي الإلهي وما فيه من الهدايات والإنذار والتخويف والترغيب، فما يكذبك بعد كل هذا البيان بوحي الله ودينه؟
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله، وهو من الحكم القضاء. ولكن نحن حملناه على معنى آخر، وهو: ما الذي يجعلك أيها الإنسان تنصرف عن الدين وعن الوحي الإلهي؟ هل تشك في حكمة الله؟ هل تشك في مدى علم الله وسعة رحمته وتشريعاته وأحكامها وإتقانها؟ فكأن فيه تفكيراً من الإنسان بأنه لا ينبغي أن يعدل عن دين الله سبحانه وتعالى وهو عز وجل أحكم الحاكمين.
بعد سورة التين أيها الكرام، يأتي في ترتيب القرآن سورة ماذا؟ سورة العلق. طبعاً سورة العلق سورة محورية، لماذا؟ لأنها تمثل في الخمس آيات الأولى منها أول مادة من الوحي نزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. أول مادة من الوحي نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي الآيات الخمس الأولى من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].
لاحظ أن أول كلمة نزلت على الأرض على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي كلمة "اقرأ"، فكان المراد الآن التركيز على الوسيلة، التعلم. كان الله يقول: لن تصلوا إليّ ولن يصلح إيمانكم إلا إذا كان هناك تلاوة وقراءة، وأساسها قراءة الوحي، أنك تقرأ مادة الوحي الإلهي. لذلك كان أحد مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم التي تكلم عنها القرآن كثيراً ما هي؟ قراءة القرآن، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾، شو أول وظيفة؟ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2].
ثم قال أيضاً: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: 91-92]. المقاصد الأساسية لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هو قراءة القرآن وتلاوته، سواء قراءته عن ظهر قلب أو قراءته من الصحف. المهم إذا أردت أن تصل إلى الله فلا بد وأن تقرأ القرآن.
جبريل لما أتى له قال: اقرأ. إذاً كان يريد أن يقرأ في الفلسفة ولا يريد أن يقرأ في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولا كان يريد أن يقرأ المادة التي توصله إلى الله، كان يريد أن يقرأ القرآن. إذاً اقرأ، وهذه البداية مهمة ومحورية إخواني. الله سبحانه وتعالى أول مادة أنزلها على الأرض فعل أمر، هذا فعل الأمر هو سر النجاح. قال: اقرأ، كأنه يقول لك: بدون ما تقرأ القرآن وهي مادة الوحي الإلهي لن يكون هناك صلاح ولا نجاح ولا فلاح، بدك الوسيلة للوصول إلي؟ اقرأ.
لكن هذه القراءة لا بد وأن يكون الإنسان مستهدياً فيها بربه، مستعيناً فيها أن يفتح الله عليه؛ لأنه ليس كل قراءة منتجة. نحن كثير ناس تقرأ القرآن اليوم، لكن هل أكثر الناس ينتفعون من قراءتهم؟ لا، الناس في رمضان ما شاء الله الختمات بعد الختمات، لكن ليس كل من قرأ قرأ. في هناك قراءة منتجة نافعة يفتح الله فيها على قلبك فتفهم المراد، وفي قراءة كليلة ضعيفة سقيمة غير منتجة، قراءة شكلية أو قراءة بركة كما يقولون، لا نحن نريد القراءة النافعة.
فالله سبحانه وتعالى يقول اقرأ، وعليك أن تستعين بالله حتى يفتح عليك في القراءة أن تفهم، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، اقرأ مستعيناً بربك سبحانه وتعالى. ولاحظ أن هنا ذكر الرب ولم يذكر الإله، يعني دائماً عليك أن تعرف لماذا اختير هذا الاسم هنا دون سائر الأسماء؟ لماذا لم يقل اقرأ باسم الله؟ مع أنه عادة، ما قال اقرأ باسم الله، قال اقرأ باسم الرب. ما الفرق في الدلالة بين الرب والإله؟ نعم، خلينا نشوف.
الرب هو المدبر، والإله هو المعبود. فالفكرة أن كلمة الإله تعني المعبود، فهو لم يقل اقرأ باسم المعبود، قال اقرأ باسم المدبر. إن كلمة الرب تعني ملك، تدبير، تربية. فهو يقول اقرأ باسم المربي المدبر، ولم يقل اقرأ باسم المعبود. لماذا إذاً تم اختيار المربي المدبر وليس المعبود؟
أنت الآن كإنسان أحوج ما تحتاج إليه من يربيك ويصلح شأنك، صح ولا لا؟ أكثر ما أحتاج إليه في الحياة من يربيني ويصلح شأني، ومن الذي سيربيني ويصلح شأني؟ الرب. ربي هو الذي سيربيني ويصلح شأني، وهذا القرآن الذي نزل إنما نزل من أجل التربية وإصلاح شأنك أفراداً وجماعات. فهو كأنه يقول: اقرأ باسم المربي الذي أنزل هذا الكتاب ليربيك، فاستحضار التربية هنا أعلى من استحضار كلمة المعبود؛ لأنه هنا نحن في سياق تربية الإنسان وإصلاح شأنه، فاحتاج أن أربطك بالرب، باسم الرب. اقرأ باسم من يربيك، من يصلح شأنك، من يدير حياتك، من أنزل هذا الكتاب ليُقرأ حتى يكون سبباً في الصلاح والتربية.
ولاحظ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، لماذا ذكر الخلق هنا؟ لماذا لم يقل الذي رحم، الذي أعطى، الذي رزق؟ لماذا قال الذي خلق؟ الخلق يدل على افتقار، كما أنك مفتقر إليه في إيجادك نحن كلنا مفتقرون إلى الله في إيجادنا، كذلك نحن مفتقرون إليه في هدايتنا، فأنت افتقارك إلى الله ليس فقط في أن يوجدك، بل أنت مفتقر إليه في أن يربيك ويهديك. فكأنه يقول: كما أنك توقن وأنك مفتقر إليّ في خلقي لك وإيجادي لك، فاقرأ الوحي الإلهي لأنك مفتقر إليّ في الهداية من الضلال وصلاح النفس.
كثير من الناس من العصاة والفاسدين والمجرمين إذا قلت له من خلقك، حتى كفار قريش ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]. إذاً لماذا تأخذون الهداية من غير الله؟ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22]. إذا كنت اعترفت بافتقارك إلى الله في الخلق، إذاً عليك أن تعترف بافتقارك إليه في الهداية. فالذي خلقك هذا افتقار، هو الذي سيهديك ولن يتركك عبثاً، ولن يسمح لك أن تأخذ الهداية من جهات أخرى. فكلمة خلق تعطيك نقطة انطلاقك في الوجود، نقطة انطلاقي أنا وإياكم في الوجود من خلق الله. كما خلقتك وأنت افتقرت إليّ في هذا بدك تقرأ الوحي؛ لأنك مفتقر إليّ.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، إذاً لاحظ اختيار كلمة الرب تدل على التربية وهذا الذي تحتاجه هنا. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾، خلقك وخلق كل شيء، الذي خلق الإنسان وخلق السماوات وخلق الأرض، فبالتالي هو الذي يعرف ما يهديها وما هو أصلح لشأنها. ولذلك ستجد أن هذه الخمس الآيات الأولى تركز على قضية الخلق.
أعادها مرة أخرى قال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، أول مرة قال خلق ولم يركز على خلق الإنسان لأنه خلق كل شيء، صحيح، أي اقرأ باسم ربك الذي خلق، هنا لماذا حذف المفعول به للعموم؟ قال الذي خلق، لم يقل خلق شيئاً معيناً، قال الذي خلق للعموم، الذي خلق كل شيء. بعدين جاءت الآية الثانية لتقول عن خلقك أنت؛ لأن الخطاب موجه إليك، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾. لما بدأ بخلق كل شيء وحاد كل شيء إليه، خصك أنت بالذكر لأن الرسالة موجهة إليك، فكأنه يقول: وخلقتك أنت بالتحديد يا أيها الإنسان من علق، دم، قطعة دم.
شو العلق؟ وهذا فيه تذكير للافتقار، أنه ما في إخواني إنسان خُلق من ذهب، هل في إنسان خُلق من مادة مختلفة عن باقي جنسه؟ خُلق كل إنسان من علق، حتى جبابرة الأرض، حتى الفاسدين والمجرمين، حتى فرعون وعاد وثمود وقادة الدول المتغطرسة اليوم، كلهم شو كانوا؟ قطعة دم، كلكم عبارة عن قطعة دم. ما في إنسان استغنى عن الله في خلقه حتى يستغني عن الله في الهداية. ما في إنسان له كلمة يقول: يا رب لا، أنت خلقتهم من علق بس أنا خُلقت من شيء ثاني فإنا مش محتاج للهداية، لا، كلكم خُلقتم من نفس المادة، فكلكم مفتقرون لنفس الهداية، كلكم عرباً وعجماً شمالاً وجنوباً.
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾، "ال" الاستغراقية في أصول الفقه، خلق كل إنسان من علق، وهذا يدل على قمة الدناءة وقمة الافتقار. دائماً يذكرنا سبحانه وتعالى بأصلنا، ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: 20]، خلقكم هنا لما كان يتكلم عن النطفة ماء مهين، لما نكون نتكلم عن العلقة أيضاً شو العلقة؟ قطعة دم. أنا وإياكم عبارة كنا عن قطع دم في أرحام أمهاتنا. هذا كله فمن كان مفتقراً في قمة الافتقار، لا يصلح به بعد أن يكبر ويصبح رجلاً أن يظهر الاستغناء عن الله والتكبر على شرائعه وهديه وعدم استقبال الهداية منه، وهذا ما سيأتي في منتصف السورة ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. بس شاف حاله صار رجل ومعه مصاري وسيارته وحياته قال لك أنا ليش أفكر بالدين؟ ليش أفكر أصلي؟ ليش أفكر أكون إنسان صالح؟ خلص هي أموري ماشية، اه لا، اتذكر أنت شو كنت، أنت أصلاً كنت علق، كنت نقطة دم ولا قطرة دم في رحم أمك، فكيف تستغني عن الله في الهدايات والاستهداء وأنت في أصل وجودك كنت مفتقراً إليه؟
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، إذاً البداية للبشرية ضرورة قراءة الوحي الإلهي وأن تتلو القرآن وتستحضر اسم ربك وتستعين بالله ليفتح عليك، لذلك لأنك تحتاج أن يفتح الله عليك في القراءة، ماذا قال؟ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. اقرأ واقرأ ولا تخاف، اقرأ وتعلم لا تقلق، اقرأ حالتك كأنها جملة حالية، اقرأ حال كون ربك مش كريم بل الأكرم، وسيفتح عليك في الفهم ويعطيك من المعاني كلما قرأت أكثر، لذلك كرر الفعل.
اقرأ وربك الأكرم؛ فيفتح عليك من المعاني والأفكار من واسع كرمه وعطائه. ربنا كريم في العطاء، بس الخطوة الأولى منك. لاحظ ما قال: ربك كريم، بعدين قال لك: اقرأ. لا، قال لك: اقرأ، بعدين ربك الأكرم؛ لأنه الخطوة الأولى بدها تكون من مين؟ منك أنت. أنت تبذل، ربنا يعطيه؛ إذا أنت بتقرأ يفتح عليك، إذا أنت بتتعلم القرآن أعطيك من معانيه. أما بدك أعطيك الهداية والنور والرشاد وحضرتك ما بدك تتعب؟ لا، مش حيزبط.
«من تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً، ومن تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً»؛ يعني أنا أعطيك بزيادة، بس الخطوة الأولى منك. إذاً الله سبحانه يطالبنا ببذل السبب للهداية، وهي القراءة وتعلم القرآن والاستهداء به. إذا قرأت القرآن وطلبت الاستهداء به لا تقلق، الله كريم يفتح عليك من صلاح القلب وصلاح النفس والروح وفهم معاني القرآن والرسالات. ومن هنا نفهم لماذا أكثر الناس اليوم لا يعيشون مع القرآن؟ لأنه ما عمل الخطوة الأولى، ما قرأ. وهي القراءة المهترئة في رمضان ولا بعض الأيام هذه بس، ما قراءة هي، هي القراءة اللي زنزن ودندن وهذروا، لا، نحن بنحكي قراءة صحيحة، قراءة تعلم، قراءة استهداء.
الله لا يريد أي قراءة، "آه يلا هيني قرأت"، أريد الهداية، لا، شو نوعية القراءة اللي قرأتها؟ هل هي قراءة إنسان متعلم يحترم كلام ربه؟ هذه القراءة نعم، هي التي يقول الله فيها: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 3]. إذاً عليك أن تقرأ مستعيناً بالرب، اقرأ باسم ربك، ثم بعد ذلك تنتظر العطاء. إذا واظبت على القراءة؛ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ يفتح عليك من معاني الصلاح والهداية والنور ما لا يفتحه على من لم يقرأ ولم يرد ولم يرغب أن يقرأ القرآن حق قراءته. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121].
ثم قال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 4]، ولاحظ هنا يتكلم عن وسيلة أخرى من وسائل التعلم، وهي ماذا؟ الكتابة؛ فالله عز وجل يعلي لنا من قيمة العلم، قراءة وكتابة. وكان هذا الكتاب الكريم والذي نسميه القرآن العظيم حقّه أن يحفظ ويتلى في الألسنة، وأن يكتب في المصاحف؛ فالقرآن كما يحفظ في الصدور يحفظ في السطور، كما يتلى باللسان يكتب بالأقلام. قال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وبهذا القلم ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5].
القراءة والكتابة تفتح لك من آفاق المعرفة أموراً مدهشة. لما تنظر في بعض التفاسير وبعض استنباطات العلماء من القرآن تجد أموراً مدهشة، حتى إن تلميذ ابن عباس يقول إن ابن عباس وقف في الموقف يوم عرفة ففسر سورة البقرة أو الأعراف -نسيت- فقال: "لقد فسرها تفسيراً لو سمعه العرب والعجم والديلم لأسلموا في مكانهم". ما هذا العلم الموسوعي لابن عباس؟ إنه يفسر سورة من القرآن تفسيراً عجيباً لو سمعه العرب والعجم والديلم لأسلموا في مكانهم، ونحن ما زلنا نقرأ القرآن وما زلنا نعاني من إشكالات في فهمه، في فهم حتى المعاني الأساسية. ما الذي كان في عقل ابن عباس تجاه القرآن حتى لقب بترجمان القرآن؟ وهذا في عقولنا، إذاً هذا القرآن إخواني مدهش، يأخذ بالألباب وبالعقول. هذه مش عبارات تسويقية؛ يعني مش نحن عندنا بضاعة ونحاول أن نسوق لها وأنا مش واثق، هذا كلام يقيني، بس المشكلة نحن من ضعفنا عن استخلاص هذه المعاني. فأنت كلما امتلكت أدوات التدبر، كلما قرأت أكثر وكتبت أكثر وتعلمت أكثر، كلما اكتشفت أسراراً في القرآن تجعلك تنتقل انتقالاً مدهشاً في نفسيتك ومعانيك.
هذا القرآن هو صنع جيلاً استطاع يفتح مشارق الأرض ومغاربها، إذاً هو قادر، والدليل على ذلك نجاح المهمة أو نجاح النموذج؛ الصحابة الذين تربوا على القرآن كانوا عبارة عن نماذج مدهشة، التابعون الذين تربوا على القرآن كانوا نماذج مدهشة. طيب لماذا نحن اليوم -نادر ما بدي أقول ما في نماذج مدهشة في الأمة، لكن قلة تلك النماذج المدهشة التي تأخذ بعقلك وترى فيها أسوة وقدوة حسنة- ترى أن القلة القليلة هي التي تنتفع بالقرآن وأكثر الناس في إعراض عنه؟ لأننا ضعفنا بقراءة القرآن وكتابة القرآن أو تعلم الوحي الإلهي. إذاً ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
أما ذكر الله عز وجل حاجة الإنسان إلى القراءة للوحي الإلهي ولكتابة الوحي الإلهي ولكتعلمه، وذكره بأصله أنه أنت كنت عبارة عن علق، فلا قدرة لك أن تستغني عن الله هداية كما أنه لا قدرة لك عن الاستغناء عنه إيجاباً. ذكر الله ذلك النموذج الكئيب من الإنسان، ذاك الإنسان اللي بعد ما رأى كل هذه الحقائق بقي مصراً على الإعراض والاستغناء. ﴿كَلَّا﴾، كأن هذه كلا تردع الإنسان عن ترك التعلم وعن ترك الاستهداء، "بِنْ"؛ يعني لا ينبغي أن يكون حالك يا أيها الإنسان الإعراض عن الوحي الإلهي. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. متى يقرر الإنسان أن يترك الوحي الإلهي وراء ظهره؟ أن يطغى، أن يتجاوز حدود الأدب مع الله، وهذا اسمه الطغيان. ما هو الطغيان؟ تجاوز الحد. متى يبدأ الإنسان يطغى؟ يتجاوز الحد وحدود الأدب في علاقته مع الله؛ ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾، لما يرى نفسه في عافية وصحة وحياته في استقامة يأتي شعور الاستغناء عن التدين وعن الوحي الإلهي.
حتى على مستوانا الشخصي، حتى كفار قريش؛ كفار قريش ترى كانوا إذا وقعوا في بلاء شديد يتذكرون الله؛ ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: 22-23]. لما جاؤوا، لما استقامت لهم الدنيا طغوا وأساؤوا الأدب وأشركوا مع الله. وهذا ليس فقط في الكفار، بل حتى في حياتنا؛ لما تكون أنت مريض مرض قاسي تجد نفسك في قمة الإخبات: "يا رب"، أو عندك امتحان، أو عندك زواج، أو في سجن، أو شيء تجد أنك في قمة الافتقار إلى الله، بس مجرد أعطِ خمس دقائق يرتفع عنك البلاء وتعود حياتك مستقيمة. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: 8]. هكذا للاسف أكثر البشر علاقتهم مع الإله علاقة منفعة مصلحية، ويتذكر الله في وقت الشدة إذا أحيط به، إذا زالت عنه الشدة وشعر بالاستغناء، شعر قوة بدن، سيارة، زوجة، الحياة ماشية، لا يفكر في الله في الرخاء.
ولذلك كانت نصيحة النبي ﷺ لابن عباس ما هي؟ «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». مش حينفع دائماً بس تدعو الله في الشدة، ماشي ربنا يعطيك مرة مرتين ثلاث، لكن إذا رآك إنسان صاحب علاقة مصلحية فقط لا يتركك ويهملك في الشدائد. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾، وهذا والله يجده الإنسان في نفسه؛ يعني أنت ما تحمل هذا الكلام على غيرك، انظر في نفسك، كم من مصيبة ألمّت بك فشعرت بزيادة الإيمان وحاجتك إلى الله، خصوصاً أن البشر خلص عجزوا عن مساعدتك، ثم انظر حالك بعد زوال تلك الإشكالية، ولما أصبحت الحياة خلص طيبة معك، كيف أنك أصبحت تقصر في الصلوات، تقصر في أذكارك؟ لكن لو عندك بكرة امتحان بتلاقيك أذكار الصباح والمساء والمسبحة وطالع ونازل، أو عندك وظيفة عمل، يلا بدي أروح أصلي الليل قيام الليل، طيب ماشي، في عندك وظيفة عمل، فيش عندك عادي، الحياة طبيعية، فيش قيام ليل، فيش تعرف على الله في الرخاء. هكذا الإنسان الذي يضعف إيمانه، وخلاف الإنسان السوي؛ الإنسان السوي يتعرف على الله في الرخاء كما يتعرف عليه في الشدة.
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾، فهنا يأتي التنبيه: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ [العلق: 8]. تذكر أيها الإنسان أنك ستعود إلى الله سبحانه وتعالى، ومن كان متذكراً أن الرجعة إلى الله لم يكن يعمل فقط للدنيا، لا، هو بيعمل لآخرته، فبالتالي تذكر يوم القيامة من أكثر ما يعين الإنسان على أن يعبد الله في الرخاء وألا ينسى الله. تذكر الإنسان أنه يرجع إلى الله هو أكثر ما يعينك على ماذا؟ أنك تفهم أنه أنا لا أعبد الله علاقة منفعة بس مشان أمشي الدنيا وخلص تمشي الأمور؛ أنت تعبد الله لأنه يستحق العبودية، ولأنك في يوم من الأيام ستُرد إليه، وعندما تُرد إليه ستسأل عن عمره فيما أفناه، سأُسأل: ماذا فعلت في الحياة؟ فلذلك حتى لو كنت مستغنياً أو أشعر بالاستغناء، يجب أن لا يجعلك هذا الشعور تنسى الإله وتعرض عنه وتطغى فيسوء أدبك، وإلا في الحقيقة وأنت حتى وأنت تشعر بالاستغناء أنت لست مستغنياً، أنت مفتقر إلى الله في كل نفس من أنفاسك وفي كل خطوة من خطواتك.
طيب هذا الإنسان لما يطغى ويتجاوز الأدب، بعضهم يسيء الأدب جداً جداً ويستعلي على الله، حتى إنه ليقف في وجه الدعاة والمصلحين وفي وجه العباد والمقبلين، فيقول سبحانه وتعالى مبيناً بعض أشكال الطغيان البشري: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾ [العلق: 9-10]. شوف هذا اللي ينهى إنساناً، ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾، ولاحظ هذا الرجل الذي يقف في وجه الدعوة ويقف في وجه الإصلاح والمصلحين والصالحين، لاحظ هنا، هل هو وقف في وجه إنسان بجاهده وبيقاتله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ في هذه الآية هو يقف في وجه إنسان ماذا؟ صالح، بس مش إنسان مصلّي، يعني هنا لما قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾، يعني أنت لا باريش فيه ولا ماسك سيف بدك تجاهده ولا تعب، مش إني أنا باريش فيك، أنا إنسان جالس في المسجد لحالي وبدي أصلي، هو في هناك أشخاص يكرهون الدين والتدين ويسعون لإفساد الناس لدرجة مجرد أن يراك في حالك ببالك وبدك تصلي، هو يريد أن يمنعك حتى من هذا الخير، حتى تعرف درجات الطغيان البشري، وهذا على الإنسان أن يفهمه؛ هذا الدين سيبقى له خصوم وأعداء، وأن العدو لن يرضى منك حتى لو مجرد أنك تعبد الله وحدك، سيسعى أن ينزع منك حتى هذه الصلاة التي تعبد الله فيها وحدك دون أن تمسه أو تدخل على بابه.
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾، لمجرد أنه يصلي؛ لسه ما حمل سلاح قاتله، لسه ما باريش فيه بالمعنى العنيف أو الجهاد والمدافعة، بس بمجرد الصلاة. إذاً معركة الحق مع الباطل معركة شرسة، ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]؛ يعني هو بعض الناس بيقول لك: "يا أخي أنت خلص روح صلي وما تبلش في حدا، ما حدا بيبلش فيك"، مش صح، مش هيك. بعض الآباء بيحكي لابنه إنه بينصحك نصيحة يابا: "أنت لا تبلش في حدا، ما حدا يبلشك، روح صلي في المسجد وخليك إنسان ولا تحكي مع حدا وما حدا بيحكي معك"، لا ترد، لأنه سيبقى من أهل الفساد من يكره حتى رؤية مشهد المصلين في المسجد، هناك من يكرهوا رؤيتكم وأنتم تتحلقون هنا ما لكم بلشان نفحت؟ لكن في ناس ما بتحب هذه المجالس، في أناس يتغيظون عندما يرون الشباب في المساجد وأنتم تعرفون جيداً ما أقول، مش صحيح فكرة أنه إذا أنت تدين في حالك ببالك ما حدا بيبلش فيك؛ لا، في حدا بده يبلش فيك.
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾، لاحظ وأبو جهل كان يتوعد النبي ﷺ، قيل إن هذه الآية نزلت في أبي جهل، كان يتوعد النبي ﷺ إذا رآه يصلي عند الكعبة أن يفعل ويفعل. طب أنت إيش علاقتك يا أبو جهل هو يصلي ولم يتكلم معك الآن؟ لماذا تؤذي إذا صلى؟ هناك نفوس منحرفة تكره حتى مشهد التدين، تجد فتاة محجبة في جلبابها وحيائها، تجد بعض الناس يستهزئ بها ويستخف بها ويريد أن ينزع منها حجابها؛ طيب أنت إيش علاقتك فيها؟ يعني هي ماشية بحالها ببالها في الشوارع والطرق ولم تتكلم معك، لماذا تريد أن تستهدف في حجابها وعفتها؟ لذلك لما تنظر اليوم في الغرب، اليوم في الغرب يفرضوا قانون منع النقاب، طيب أنت النقاب شو عامل لك؟ يعني أنت ما هو ماذا أثر عليك؟ هي رايحة تدرس، هي اللي تعبانه فيه، أنت إيش علاقتك؟ لا، هو يكره مشهد النقاب، هو ما عنده مشكلة في مشهد الطاقية اليهودية، ما عنده مشكلة يجي نصراني يلبس صليب، بس إذا رأى فتاة محجبة بده يخلع حجابها.
طيب أنت لماذا مسلط على رموزنا المقدسة؟ يعني نحن كمسلمين هو لا يريد، يعرف أن هذا يشكل انتماءً وهوية. هم يدركون أيها الكرام أن صلاتكم هي تمثل انتماءكم لهذا الدين، فلذلك لن يتركوكم أن تمتثلوا لهذا الدين حتى ولو لم تدافعوهم أو تبلشوا فيهم أو تدخلوا معهم في نزاعات؛ هو لا يريد أي مظهر من مظاهر الدين في الأرض. وهذه طبعاً معركة من معارك الشيطان الأساسية، الشيطان ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121]؛ الشيطان من معاركه الأساسية ألا يُعبد الله في الأرض، فلذلك سيبقى يوسوس لبعض المجرمين من البشر أن يمنعوا حتى الصلاة، أن يمنعوا حتى مجالس العلم والخير ولو كانت هذه المجالس أو الصلاة لا تتكلم معهم ولا تمسهم. بدك تفهم هذا النمط حتى تبقى تعرف أنه، طيب في النهاية إيش أسوي؟ خلص أبطل أصلي لأنه أحيانا بيجي بعض الناس يقول لك: "خلص يا أخي كل ما هي الشغلة العدو بحبها".
ما هو السقف الذي تريدون أن نصل إليه؟ لأنه أحياناً بعض الخطابات تقول إن هذا الموضوع حساس لا تحكوا فيه بلاش يزعل فلان، وهذا الموضوع أيضاً حساس لا تحكوا فيه. طيب ما هي الملفات غير الحساسة التي يرضى عنها فلان وفلانة؟ وما هي الملفات المسموح أن تتكلم فيها؟ طبعاً كل مكان يختلف عن الآخر، لكن في بعض الأماكن لا يريدونك أن تقول لا إله إلا الله، في بعض الأماكن في العالم لا يريدك حتى أن تقول لا إله إلا الله.
وبالتالي أنت بدك تكون واصل لمرحلة من الوعي؛ ماشي ممكن بعض الأمور يقبل السكوت عنها لمرحلة معينة، بس في أشياء في حياتي لا؛ في النهاية هذا دين، شئت أم أبيت، سيبقى في عندي ثوابت معينة لا أساوم عليها، لا يمكن أقبل النزول عن هذا السقف. فبدك تعرف أن معركة أهل الحق مع أهل الباطل ليست معركة أنه إذا أنت ما بلشت فيه هو ما رح يبلش فيك، لا، هو رح يبلش فيك حتى لو أنت لم تدخل معه في معارك، هو سيبدأ فيك.
فلذلك الله سبحانه وتعالى أعطاك إياها، قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]. لذلك كان في هناك قتال ومدافعة. بعض الناس عموماً يقولون: اليهود إذا ما حدا بلش فيهم بيبلشوا فينا، ليش أنت بلشت فيهم؟ لا، اسمح لي، هذه الفرضية ما هي صحيحة. وهيك بعض الناس لما بدهم يلوموا من يقاوم ومن يدافع، يقول: يا أخي أنت ليش تبلش فيه؟ هو رح يبلش فيك كذا، أنت لو كنت بحالك ببالك، هذا كلام فارغ.
هو بده يبلش فيك، هسه قضية توقيت متى أبدأ فيه موضوع آخر، ما هو الوقت الأفضل أن أبدأ فيه قبل ما هو يبلش في، يعني بلغتنا متى أتغدى عليه قبل ما يتعشى علي؟ هذا موضوع آخر يناقش في أروقة السياسة وأصحاب القرار، مش موضوعي. بس فكرة أن يأتي شخص يتفلسف ممن يخرجون على اليوتيوب ويقول لك: اليهود ما بلشوا فيكم ليش تبلشوا فيهم؟ هذا كلام فارغ، لأنهم يمكرون ليلاً ونهاراً من أجل تدمير الإسلام والمسلمين ومؤسساتهم ومشاريعهم.
مشاريعهم تحوم حول هذه الفكرة، بل مخططاتهم، نحن مش بنحكي سر أو مش بنحكي استنباطات، هم يحكون هذا الكلام، اقرؤوا بروتوكولاتهم، اقرؤوا، هم عندهم مشاريع تدميرية. وإذا أنا ما دافعتهم أنا سيزال البساط من تحت يدي، وأنا مغفل أحمق أفكر أنه لا هم مش بلشانين في؛ هم بلشانين فيك بس من تحت الأرض. وأنت في النهاية بدك تكون مستيقظ لمشاريعهم وأفكارهم.
فهذه الآية عظيمة إخواني، أن الله يخبرنا إخباراً أن العدو الذي يقف في وجه الدعوة هو لا ينتظر أن أنت تفعل شيئاً تجاهه حتى هو يقف في وجهك؛ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾، بمجرد أنك اخترت الإسلام طريقاً ستبدأ معركة معك، هكذا العدو.
ثم الله عز وجل يخاطب هذا المجرم، وبأسلوب جميل فيه إثارة للذهن: يا ترى أرأيت إن كان الذي تصده عن الصلاة، أرأيت إن كان هو على الهدى أو هو أمرك بما هو تقوى وصلاح لك ولغيرك؟ يا ترى لماذا تصده عن الصلاة ولماذا تصده عن التدين؟ هذا ما يسمى أسلوب إثارة السؤال، الله لا ينتظر جوابه، لكن كيف هي ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
يا ترى أرأيت إن كان على الهدى؟ هو لماذا قال إن كان؟ طب هو صلى الله عليه وسلم قطعاً على الهدى، لماذا "إن" التي تفيد التشكيك؟ أرأيت أن هذا يسمونه التنزل في الخطاب، هذا في اللغة العربية أنا ممكن أكون واثقاً من طريقي 100% بس أنا أتكلم مع شخص يعاندني، فأقول له: يا ترى طيب لو أنا كنت صح؟ هسه أنا لا أقولها أنني متشكك، أنا عارف أنني صح، بس أقولها تنزلاً مع إنسان يعاندني: يا ترى لو كنت أنا على الصواب ماذا ستكون نهايتك وعاقبتك؟
طب أنا مش مؤثر عليك، يعني أنت تنهاني إذا أنا بصلي وبدك إياي أكون؟ طب أنت لو أنا كنت على الصواب واكتشفت أنه أنت كنت على الخطأ، أنت رح تدفع ثمناً باهظاً عند الله سبحانه. فكأن الآية تقول له: لماذا أنت تنهى الذي يصلي؟ على الأقل، على الأقل إذا كنت لا تريد أن تسلك طريقه، على الأقل اتركه وشأنه. صح؛ لأنه إذا كان هو على الهدى ولقيت الله وأنت كنت تعذبه وتصده، سيكون عقوبتك أشد من عقوبة الكافر الذي في حاله بباله.
النار دركات، هل الكافر الذي لم يقف في وجه الإسلام عذابه كالكافر الذي وقف في وجه الإسلام؟ لا. فأنت في حال لا تريد أن تنضم لهذه الدعوة، على الأقل اترك أصحابها؛ لأنه في حال كانوا هم على الحق وأنت طلعت على الباطل، أنت ستدفع ثمناً باهظاً أنك وقفت في وجه الإله، وهذا هو الواقع أصلاً. لكن هو يخاطب على سبيل التنزل، لذلك مؤمن آل فرعون لما قال لقومه ماذا قال؟ ﴿رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾.
لاحظ، هو يأتيهم بلغة التشكيك، أنه يعطيهم كل الاحتمالات، ﴿وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾؛ ترى رح تتورطوا، خاصة أنكم يا أيها العرب الذين تقفون في وجه محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة، أنتم لا تملكون معلومات يقينية، أنتم لم تبنوا دينكم وأفكاركم واللات والعزى على علم، إنما بنيتموها على تقاليد الآباء والأجداد، ففي هناك احتمالية كبيرة أن تكونوا على باطل. طبعاً هم قطعاً على باطل، بس هذا هو النقاش؛ ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ﴾.
ثم يقول: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ هذا الشخص الآخر؛ أرأيت إن كنت أنت يا أبا جهل، وما أكثرهم أبو جهل اليوم، أرأيت إذا كنت أنت اللي كذبت بالهدى وتوليت وأعرضت عنه؟ ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾، يعني أنت ألا تعلم أن الله رأى كل المشاهد ويعرف أنك وقفت في وجه الدعاة والصالحين والمصلحين؟ وقفت في وجه من يريد التدين. أنت تظن أن الله كان غائباً عن العذاب والنكال الذي أنزلتموه بعباده؟ كلا والله.
أنت بتفكر أن ربنا كان غائباً، وأنه كل ما فعله بنو إسرائيل بإخواننا، وما فعله الصليبيون بالمسلمين، وما يفعله الظالمون في كل مكان، تظنون أنهم فعلوا ذلك وكان الله غائباً؟ هذه لغة التهديد: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾؛ لا تظن أنني كنت غائباً عن المشهد. كلا، ما غبت يوماً وما غبت ساعة ولا لحظة.
كلا، ثم يهدد سبحانه كل من يمنع الصالحين والمصلحين، كل من يمنع الشباب الذين يريدون الصلاح؛ بعض الشباب هو لسه مش مصلح، هو بس صالح، وفي ناس بتوقف في وجهه. ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، أنا كنت مشاهداً حاضراً، لئن لم ينته هؤلاء المجرمون والمفسدون والذين يقفون في وجه وصول الهدى الإلهي والوحي الإلهي إلى البشرية، لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية، لنأخذنه ولنسحبنه في نار جهنم من ناصيته، سيجر أمام الناس.
هذه الناصية الكاذبة، يعني المكذبة لله، الخاطئة، بمعنى الآثمة. ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾؛ خاطئة يعني آثمة، فعلت الجرائم والمنكرات، فهي لم تكتفِ أنها كذبت، بل كذبت وواجهت، كذبت وحاربت. فإذا استقوى الفاجر بأصدقائه وأعوانه وتحالفاته، ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، خليه يدعو النادي، النادي هم أصحابك الذين يجلسون معك وتستقوي بهم؛ فليدعُ ناديه، خليه يجيب جماعته. ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، سندعو له أشخاصاً من عالم آخر، زبانية جهنم يأخذونه ويقطعونه، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.
كلا، لن يستمر الأمر عليك، لأنه كلمة كلا بعد كل مقطع بدك تفهم ارتباطها بالمقطع السابق. كلا، لن يستمر الأمر على ما هو عليه، ستنقلب الموازين يوماً ما. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾؛ هو لا أحد، هذه آية ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ مع ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ﴾، هو إيش كان بده من النبي عليه الصلاة والسلام؟ أنه ما يصلي. صح، ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾؛ ربنا شو بقول لك؟ خلص، ما بده إياك تصلي، لا تصلي؟ ﴿لَا تُطِعْهُ﴾؛ صلِّ.
شوف ارتباطها هي بالآية السابقة، بدك تربطها، أي واحد ينهاك عن شكل من أشكال التدين ﴿لَا تُطِعْهُ﴾. ربنا يقول لك لا تطيعهم، أنت كل ما واحد قال لك يلا احلق اللحية، خلص نحلق اللحية؟ لا، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾، صلي في المسجد، خلص شو بدكم صلي في المسجد؟ بطل تكلم في الخير، خكون لا تكلم في الخير؟ خلص، وإذا أنت بدك تضلك تنزل في سقف التنازلات رح سيفسد دين الناس.
كلا لا تطعه، بده يبقى نوع من الإصرار والمدافعة لمرحلة معينة، مش كل إنسان نهاك عن شكل من أشكال التدين تستسلم مباشرة وتلقي له الراية، بده يكون في نوع من الصبر والثبات على المبادئ الكلية. هسه ممكن أنا أغض الطرف عن بعض الأمور المتغيرات وأسكت عنها صحيح، في باب السياسة الشرعية مفهوم، زي صلح الحديبية، كان في غض طرف عن أشياء، بس في أشياء لا يقبل غض الطرف عنها.
يعني إذا قال لك لا تصلي، هو لا خير في دين الله صلاة فيه، لا، هذا المستوى مش رح أقبله. لا تقرأ قرآن، في أشياء ونقاط جوهرية. هسه أنا ممكن أساوم أو أناور في مناطق معينة، بس في أشياء لا تقبل المناورة، في أشياء هي ثوابت في حياة الإنسان، يموت وتبقى هذه الأشياء، يفنى وتبقى هذه الأشياء، في خطوط حمر لا يسمح تجاوزها، هون بيجي الفقه الإسلامي في معرفة الثوابت من المتغيرات.
في ثوابت هذه لا نقبل المساومة عليها، حتى ولو جاء عدونا نهانا عنها، لن نقبل. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ﴾؛ يعني كأنها نوع من المناكفة فيه، بس شو بده إياك تصلي وتسجد؟ أنت اسجد. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾؛ ويعني مش بس اسجد مرة واحدة، لا، اسجد وابقى مستمراً بالاقتراب إلى الله سبحانه وتعالى، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، إذاً اسجد وداوم على الاقتراب من ربك.
لأنه هو العدو إيش بده منك؟ تبتعد، ما هو ليش ينهاك؟ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾، هو يريدك تبتعد عن الإله، ربنا يقول لك: لا، اسجد جبراً عنه، وازدد اقتراباً، ولا ترد عليه؛ هو يريدك أن تبتعد عني وأنا أريدك أن تقترب مني، فربنا يقول لك: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ لا تبتعد.
فأحد المشاريع الكبرى هو الابتعاد، هذا مشروع الشيطان وأعوانه من البشر، فأنت يجب أن يكون مشروعك في حياتك شو هو؟ المدافعة والاقتراب. اللحظة التي ستترك فيها، هذا يا شباب ترى مش فقط على مستوى السياسة، حتى على مستوى وظيفة؛ بكرة بتقدم لشركة معينة، مدير الشركة يقول لك: والله احلق لحيتك غيرك ما بتتوظف عندي، لا ترد. والله أخت معينة لابسة الجلباب، جاءها عرض عمل بس بدك تخلعي الجلباب، يلا مش مشكلة بنقبل ال بس الجلباب؟ ما تردي يا أختي الكريمة.
هؤلاء أعوان إبليس يريدون الابتعاد، أنت بدك يكون عندك سقف من الثوابت ما بساوم عليه، بدي لا، الشغلة اللي بتنهاني عنها بدي أصر عليها وأسجد، وبدي أزداد اقتراباً، واقترب أكثر وأكثر. هذا العالم مليء بالفتن، مليء بالناس الأشرار، مليء بالناس الذين هم أعوان إبليس على مشروع إبليس في إبعاد الناس عن الله.
أنت بدك يكون مشروعك في الحياة المدافعة والثبات، لأنه دائماً في ناس سهل التنازل، سهل التخلي، سهل التفسخ، سهل التمييع، لا، في سقف معين من سقوف الثوابت نحن لا نقبلها، سواء في النواحي السياسية أو في النواحي الاجتماعية أو على مستواي الشخصي. نحن نعرف السياسة الشرعية ونعرف الموازنات، نعرف متى يمكن أن نسكت عن بعض الحق حتى يأتي وقت أفضل، لكن في النهاية في سقف معين بدك يكون عندي من سقوف الثوابت، سامعني أنت؟
ماشي نحن نجلس على طاولة المفاوضات، بتخلى، بسكت عن واحد اثنين، بغض الطرف، بس في شيء معين بدك يكون عندي خط أحمر. للأسف بعض الناس حتى ممن يمارس الدعوة والإصلاح هو مش عارف وين خطه، يعني هو مستعد لو قيل له لو تتخلى عن كل شيء بيتخلى عن كل شيء. لو قيل له بدك تحكي أمام الناس في الإعلام أن الخلاف بين الأديان خلاف فقهي؟ لا، أنا ما بحكي هذا الكلام. بدك تحكي أمام الناس أن الدين ليس أساساً في حياة؟
لا، يعني في النهاية أنا ممكن أنا وإياك نغض الطرف، نعمل حلف فضول، بتلتقي مصالحنا، فهمنا، بس في خطوط حمر أنت بتنهاني أتكلم فيها أنا بعتبرها خط أحمر لا يمكن أني أسكت عنها، غير هيك لم يبقَ لي وجود، ذهب كياني وشخصيتي وهويتي الإسلامية. فالهوية الإسلامية والانتماء لها وثوابتها يجب أن تجاهد وتجالد عليها، ﴿لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾؛ إذاً هي فكرة أن تبقى في اقتراب أكثر وأكثر، ولا تقبل أن تكون في ابتعاد كما يريد ذلك الذي ينهى عبداً إذا صلى. هذه خلاصة سورة العلق.
ذكره النسفي، وننهي المجلس، بسم الله.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد رحمه الله: هي أول سورة نزلت. والجمهور على أن الفاتحة أول ما نزل، ثم سورة القلم، وهذا كلام غير صحيح؛ الجمهور على أن سورة العلق أول ما نزل، لا أدري من أين النسفي أتى بفكرة أن الجمهور على أن الفاتحة أول ما نزل، هذا كلام غير صحيح. نعم، هذا قول قاله بعض أهل العلم، لكن ليس قولاً صحيحاً.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، محل «باسم ربك» النصب على الحال، أي اقرأ مفتتحاً باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾، لم يذكر لـ «خلق» مفعولاً؛ لأن المعنى الذي حصل منه الخلق واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق. هي فكرة أنه حذف المفعول به له وجهان من حيث البلاغة: الوجه الأول أنه عامل الفعل المتعدي معاملة الفعل اللازم، وبالتالي المراد التركيز على فعل الخلق، بغض النظر شو هو المخلوق؛ يعني اقرأ باسم ربك الذي حصل منه فعل الخلق، بغض النظر شو خلق، لكن التركيز على فعل الخلق. القول الثاني: لا، أن الفعل بقي متعدياً، وأن المراد من حذف المفعول به العموم، خلق كل شيء، فحذف المفعول به لإفادة العموم؛ كلاهما يجوز أن يفسر عليه النص، وليس بعض المخلوقات بتقديره أولى. وقوله هنا: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ كل شيء، بغض النظر مش فقط السماوات أو الأرض، ليس مخلوق هو أولى أن يُذكر من مخلوق، كل شيء يدخل.
وقوله ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾، تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لشرفه، ولأن التنزيل إليه؛ لأنه هو المخاطب ابتداءً بهذا التنزيل. ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان، إلا أنه ذكره مبهماً ثم مفسراً تفخيماً لخلقه، ودلالة على عجيب فطرته؛ يعني هذا رأي آخر أنه اقرأ باسم ربك الذي خلق، أراد خلق الإنسان، لكنه لم يذكره للإبهام، ثم ذكره بالتنصيص في الآية التالية ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾، لكن أنا لست مع هذا الرأي الثالث، بل أنا مع التعميم أنه خلق كل شيء، ثم قال ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾، فهو تخصيص بعد تعميم، ودلالة على عجيب فطرته ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾. وإنما جمع ولم يقل من علقة، لأن الإنسان في معنى الجمع؛ ﴿عَلَقٍ﴾ هو جمع علقة، كلمة علق هذه كلمة مفرد ولا جمع؟ هي جمع علق، هذه جمع لعلقة، علقة تجمع على علق، زي تمرة تمر بحذف التاء، بقرة بقر، علقة علق. العلق هي جمع علقة، فقال ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، فيقول طب هو قال ما قال خلق الأناسي، قال خلق الإنسان، فلماذا لم يقل خلق الإنسان من علقة؟ لماذا قال خلق الإنسان من علق مع أنه الإنسان مخلوق من علقة واحدة؟ أن المراد بالإنسان هنا العموم، وليس المراد فرد معين؛ لأن «ال» هنا استغراقية، يعني خلق كل إنسان، لأن فيها معنى العموم، جمع علق.
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم، ينعم على عباده النعم ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه. وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم؛ يعني كأنه يقول أكرم أشكال الكرم التكرم بالفوائد العلمية؛ مش نحن قلنا اقرأ وربك الأكرم، اقرأ وربنا بيفتح عليك في العلم بتصير تفهم، فكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرماً؛ أعظم أشكال الكرم أن يكرمك الله بالفهم، أنك تصير إنسان فاهم الحياة، تعرف كيف تمشي، وكيف خطواتك، كيف حياتك، فهذا أعلى أشكال الكرم، بس متى بيجي؟ بعد القراءة وبعد التعلم.
حيث قال ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة؛ وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا. ولو لم يكن على دقيق حكمة الله دليل إلا أمر القلم والخط، لكفى به؛ يعني من أعظم الأدلة على حكمة الله أنه علمنا الكتابة، شوف كيف أنتم الآن تكتبون، بدون الكتابة تضيع الفوائد وتضيع المعلومات، كيف نقلت إلينا أصلاً تجارب الأولين وأخبار الماضين؟ الكتابة.
﴿كَلَّا﴾ ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه؛ يعني كلا لن أقبل منك أيها الإنسان طغياناً، وإن كان الطغيان لم يذكر في الخمس آيات الأولى، لكنه فهم من السياق أنه في هناك أناس سيستكبرون عن القراءة للوحي، سيستكبرون عن اللجوء إلى الله والاستعانة به للتعلم؛ فيقول ﴿كَلَّا﴾ ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر الطغيان فيما سبق، لكنه مفهوم أن هناك بشر للأسف حتى هذه الحالات العلمية والفوائد العلمية لن تنفعهم وسييطغون عليها. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾ نزلت في أبي جهل إلى آخر السورة، ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾؛ إن رأى نفسه، يقال في أفعال القلوب رأيتني وعلمتني ومعنى الرؤية العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعل الجمع بين الضميرين، استغنى هو المفعول الثاني، يقصد الجمع بين الضميرين أن تأخذ مفعولين اثنين؛ أنه رأى متى تأخذ مفعول به أول مفعول به ثاني؟ إذا كانت رأى بمعنى علم، أما لو كانت رأى بمعنى أبصر فهذه تأخذ مفعول به واحد، أنه قال رآه استغنى. ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ تهديد للإنسان من عاقبة الطغيان على طريق الالتفات، والرجعة مصدر بمعنى الرجوع، أي إن رجوعك إلى ربك فيجازيك على طغيانك.
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾، أي أرأيت أبا جهل، أرأيت أبا جهل ينهى محمداً صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ﴾، أي إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله، أو أمر بالتقوى، أو كان آمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد. أرأيت، وهذا تخريج آخر؛ البعض يقول أرأيت إن كان على الهدى، الآن نحن فسرناها على أن الكلام عن محمد صلى الله عليه وسلم، بعض المفسرين يقول لا أرأيت إن كان على الهدى هو أبو جهل؛ يعني أترى هل أبو جهل لما يقف في وجه هذا المصلي هل هو على هداية في قراره؟ هل هو على سداد وأمر بالتقوى لما نهاه عن الصلاة؟ يعني كيف أجي أقول لك هذا الشخص اللي بقول لك احلق لحيتك أو ما تصلي في المسجد، يا ترى على هدى؟ يا ترى هو هل أمر بفضيلة من الفضائل؟ فهذا أيضاً يجوز أن تسقط الآية على النبي صلى الله عليه وسلم أو على أبي جهل، ولكن كل إسقاط يحتاج إلى تفسير مختلف.
﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾، أرأيت إن كان الناهي مكذباً بالحق متولياً عنه؛ كما نقول نحن الم يعلم بأن الله يرى، كما نقول نحن يعني كما نعلم نحن أصلاً من حاله أنه هو فعلاً في الواقع مكذب متولي. ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾، ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب حاله، وهذا يعني هذه آية وعيدية. وقوله الذي ينهى مع الجملة الشرطية مفعولا أرأيت، وجواب الشرط محذوف تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني، وهذا كقولك إن أكرمتك أتكرمي، وأرأيت الثانية مكررة زائدة للتوكيد.
﴿كَلَّا﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله وأمره بعبادة الأصنام، ثم قال ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، لنأخذن بناصيته، ولنسحبنه بها إلى النار، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة، هذا معنى لنسفعاً؛ السفع هو أن تقبض على شيء بشدة. وكتبتها في المصحف بالألف على حكم الوقف؛ لأن الأصل لنسفعن هي نون التوكيد، لكنها كتبت على صورة تنوين، لماذا؟ لأن نون التوكيد المسبوقة بفتح عندما يوقف عليها تقلب ألفاً؛ نون التوكيد الخفيفة عند الوقف عليها إذا كانت مسبوقة بفتح ماذا يوقف عليها؟ بالألف زي التنوين؛ كيف؟ التنوين إذا وقفت على تنوين الفتح كيف تقف؟ بدله عوض، تبدله إلى ألف، كذلك نون التوكيد الخفيفة المسبوقة بالفتح إذا وقف عليها يتم تحويلها إلى ألف، فلذلك قال رسمت لنصفعاً تنويناً، وإن كانت هي ليست فالاصل تنوين هي نون توكيد خفيفة رسمت تنويناً إشارة إلى أنه سيوقف عليها بالألف في حال الوقف. واكتفى بلام العهدي عن الإضافة للعلم بأنها ناصية المذكور. قال لنسفعاً بالناصية، ذكر ال الناصية، ال هنا للعهد تعود على من؟ على أبي جهل، لماذا لم يقل لنسفعن بناصيته واكتفى بدل الإضافة أتى بالال، قال اكتفى بلام العهد، يعني بأل التعريف التي يراد بها العهد الرجوع إلى أبي جهل، اكتفى بها عن الإضافة ولم يقل أسفعن بناصيته للعلم بأنها ناصية المذكور في الآيات السابقة، وهذا نوع من أنواع الاختصار.
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، ناصية بدل من الناصية، الناصية الثانية بدل من الناصية الأولى، لأنها وصفت بالكذب والخطأ بقوله كاذبة خاطئة على الإسناد المجازي، فهما لصاحبها حقيقة؛ يعني الكاذب الخاطئ ليس هي نفس الناصية، وإنما الشخص برمته، لكنه أسند الكذب والإثم إلى الناصية على طريقة الإسناد المجازي، ما يسمى الإسناد العقلي المجازي، وإن كان في الحقيقة المكذب والمخطئ هو أو الخاطئ عفواً الخاطئ هو نفس الشخص بكامله مش فقط رأسه هو الذي أخطأ، لا هو كله بما فيه من الجسد. طبعاً في اللغة العربية فرق بين خاطئ ومخطئ؛ المخطئ هذه بدون قصد، الخاطئ هو المتعمد للخطأ، فلذلك ربنا ما قال ناصية كاذبة مخطئة، لا ناصية كاذبة خاطئة، الخاطئ هو الذي يتعمد الشيء فهو آثم، وأما المخطئ هذا بيكون بدون قصد. وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطئ.
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، النادي المجلس الذي يجتمع فيه القوم، والمراد أهل النادي. روي أن أبا جهل مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال: ألم أنهك؟ فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادية؟ فنزلت؛ والزبانية لغة هي ماذا؟ هي الشرطة، أصلها الشرطة؛ يعني هي الزبانية هذا أصلها في اللغة، الواحد زبنية من الزبني وهو الدفع، والمراد بالزباني هنا ملائكة العذاب. وعنه صلى الله عليه وسلم، ورد في الأثر: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عياناً أمام كفار قريش، لو أن أبا جهل استعان بحاشيته لأنزل الله ملائكة العذاب تنتشه أمام الناس جميعاً.
ثم قال ﴿كَلَّا﴾، نعم كلا ردع لأبي جهل، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ أي اثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، ودم على سجودك يريد الصلاة واقترب وتقرب إلى ربك بالسجود، فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد، كذا الحديث.
وخلاصة ما أريد أن أقول إخواني: أن كتب التفسير القديمة عليك أن تفهم أن أحياناً هي فقط تعطيك إشارات خفيفة؛ يعني نحن اليوم في اعتقادي حتى يستفيد الناس من القرآن يجب أن يطرح بطرح فيه استثارة للأفكار على الواقع المعاصر، يعني أنت لما تقرأ في أي كتاب تفسير قديم ستجد أنك ما زلت لم تشعر بروح القرآن، يعني بتشعر أنه بيتكلم بكلمة كلمتين ثلاث وخاصة بدخلني في الإعراب ومش الإعراب والقصص، تجد أن كثير من الشباب يبتعد عن التدبر لشعور أنهم مش عارف كيف يتعامل مع القرآن ويسقطه في واقع الحياة. نحن نحتاج أن نأخذ مادة التفسير من الكتب القديمة، لكن نحتاج أن نستثيرها وأن نبني عليها أفكارنا المعاصرة، ونعرف كيف نتعامل معها، حتى تصبح أنت: آه والله سورة التين والزيتون صار لها معنى عندي، صرت وأنا أصلي مع الإمام أستطيع أن أفكر بأفكار كثيرة في سورة التين والزيتون، مش بهذول الكلمتين الظاهرتين اللي أنا بصلي عليهم 30 سنة، لا يجب في كل مرة تسمع فيها هذه السورة تنظر في إسقاطاتها على حياتك وواقعك وواقع أمتك، نسأل الله أن ينفعنا بهذا الكتاب العظيم ويجعلنا ممن استهدى بهدايته، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل