دخولتسجيل الدخول

المجلس التاسع والسبعون - سورة الضحى+ سورة الشرح

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى وتدبره، ونسأله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا الأقفال، وأن يعيننا على فهم رسائله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلنا أيها الكرام إلى قصار المفصل، من الضحى إلى الناس، هذا الجزء الأخير من كتاب الله سبحانه وتعالى. ماذا يسمى؟ قصار المفصل. نحن ابتدأنا قبل ربما ثلاث سنوات أو سنتين ونصف، بدأناها من بداية المفصل من سورة الحجرات.

والقرآن ثقيل والمعاني عظيمة، ومن كان يظن أن القرآن مثله مثل المتون التي تنتهي انتهاء سريعا، وإنما المراد منها الوقوف على معلومة ويمشي الحال؛ هذا لا يعرف كلام الله سبحانه. كلام الله ليس مجرد متن مع حاشية وينتهي؛ كلام الله رحلة عمر وقصة حياة، يعيش الإنسان في أفياء هذا الكلام العظيم؛ لأنه ليس كلام بشر، هذا كلام نازل من فوق سبع سماوات. ومهما حاولت أن تتدبر وتفسر وتتأمل، ستجد أن مقامك صغير في مقام هذا الكلام الكبير، وأن هذا الكلام عظيم الدلالات، واسع الأطراف، وكلما قرأ الإنسان منه شيئا انفتح له قوة إلى شيء آخر.

سنتين ونصف ونحن نتكلم من الحجرات إلى أن انتهينا اليوم بحمد الله إلى قصار المفصل. وهذه تسمى قصار المفصل، وبعض الناس ربما لأنه يتعود أن يقرأها قراءة سريعة يظن أن أفكارها مجرد أفكار سريعة أيضا. وحقيقة كلا، هذه السور هي التي تربى عليها الصحابة الكرام في دار الأرقم بن أبي الأرقم، هذه السور هي التي صنعت العقيدة وسياج الإيمان في قلوبهم، ووضعت الدعامات الأولى في قلوب الصحابة الكرام.

عندما دخلوا في واحة الإسلام كانوا يجتمعون في تلك الدار، ويسمعون الضحى والشرح، ويسمعون التين والبيّنة، ويسمعون الزلزلة والعاديات؛ فتأتي هذه السور قصيرة من حيث الألفاظ، لكنها عظيمة من حيث الأثر والفكرة التي تزرعها في قلب الإنسان، وجُبِل عليها الإنسان نفسه. وأظن أننا في المجالس الماضية في تفسير سورة البلد، وتفسير سورة الشمس، وتفسير سورة الليل؛ وجدنا أنها سور عظيمة واسعة الأطراف، وأننا ربما تكلمنا عن نزر يسير من الأفكار التي يمكن أن تطرأ على ذهن القارئ المتدبر لها، وكذلك ما نحن فيه اليوم إن شاء الله من سورة الضحى ومن سورة الشرح.

فإياك أن تتعامل مع كلام الله سبحانه وتعالى ببساطة، أو أنها مجرد أفكار سطحية؛ الكلام عميق، ولكن لأننا قسونا، ما عدنا نرى تلك الأنوار التي تشع من هذه الحروف، وتلك المعاني العظيمة التي تبرق من خلف الألفاظ؛ فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكشف الغشاء عن قلوبنا لنرى عمق المعاني من جمال الألفاظ.

سورة الضحى وسورة الشرح، لماذا أقول وسورة الشرح؟ بعض أهل العلم كان يقول إنهما نزلتا سورة واحدة؛ وذلك أن موضوعهما مترابط إلى درجة كبيرة. فمن عند منتصف سورة الضحى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ مع بداية سورة الشرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ تجد كان هناك ترابط بينهما. الإقرار بالنعم: الم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى؛ ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك. فلذلك ذكر بعضهم أنهما سورة واحدة، والبعض ذكر أنهما نزلتا دفعة واحدة باعتبار اشتراك المعاني.

ولكن المشهور حقيقة أن سورة الضحى نزلت في فترة، وسورة الشرح نزلت في فترة أخرى، وإن كان كلاهما نزل في المرحلة المكية. ولكن عندما رتب النبي صلى الله عليه وسلم موطن سورة الشرح وضعها بعد سورة الضحى، وعلى الصحيح من كلام أهل العلم أن ترتيب السور توقيفي؛ لما رتب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وضعهما بجانب بعضهما البعض لاتحاد البنية، وهي التذكير بالنعم. وإن كانت سورة الضحى ذكرت نوعا من النعم، وسورة الشرح ذكرت نوعا آخر وطائفة أخرى، لكن النقطة المشتركة بين السورتين ما هو؟ أن يتذكر الإنسان وهو يسير إلى الله سبحانه وتعالى؛ هذا الإنسان المسلم الداعي المستضعف الذي يعيش في العالم المليء بالفتن، العالم الذي يؤذيه ويضطهده؛ أن ينظر إلى جانب مشرق ضمن هذه الآلام، وهو جانب النعم التي أنت فيها.

وهذا حقيقة منهج رباني نتعلمه من سورة الضحى والشرح، وهو أن الإنسان إذا أثقلته الهموم وتكالبت عليه الأوجاع وأحدقت به الدنيا، كثير من الناس ينتهج نهج اليأس والإحباط والاكتئاب ويشكو ربه. هنا تعلمنا سورة الضحى والشرح أنك في أصعب اللحظات عليك أن تتعود أن ترى النعم، وعندما تكون محاطا بالملة والرزق وتزاحم الأمور؛ بغض النظر ما هي أوجاعك، وبغض النظر ما هي همومك؛ عليك أن تفتح قوة لترى النعم العظيمة التي ترفل فيها.

فأحيانا شدة البلاء وتكاثره ينسي الإنسان النعم المحيطة به، فهذا ما نتعلمه من سورة الضحى والشرح؛ لأنها لما وجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووجهت إليه وهو يعيش أقصى الآلام، آلام الدعوة والسير إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا طريق ثقيل، إن لك في النهار سبحا طويلا، مقارعة الكافرين وتحمل الأذى، وتحمل التنقص والأذى البدني والنفسي، وفقد الأحبة، كل هذه الآلام تراكمت؛ فحتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة اليأس فيشكو ربه والعياذ بالله مع شدة الآلام، تعلمك الضحى أن قل الحمد لله. إذا اشتدت عليك الدنيا تذكر الحمد لله؛ الله عز وجل أنعم عليك بنعمة الإيمان، أي والله وكفى بها نعمة. الحمد لله، إذا أحدقت بك الدنيا تذكر الحمد لله؛ أنا آمن في سربي، عندي قوت يومي، غيري مش ملاقي هذه النعمة، تذكر كثيرا من النعم تحيط بك، حتى لا تجزع ولا تكفر نعم الله عليك ولا تيأس من الله عز وجل، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

هذا هو المعنى الأساسي الذي تدندن حوله هاتين السورتين، ولكن في التفاصيل سنجد معاني جميلة نحلق فيها بإذن الله.

سورة الضحى المشهور عند أهل العلم أنها نزلت بعد فترة انقطاع الوحي أو فتور الوحي. تعرفون أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء في غار حراء وضمه الضمة، ونزلت على إثر ذلك أول خمس آيات من سورة العلق، ونزل إلى خديجة رضي الله عنها، زملوني زملوني، وكان شاعر بالخوف والرعب مما رأى، ثم خديجة طمأنته، وأخذت به إلى ورقة بن نوفل وهدأ من روعه، وأخبره أن هذا الناموس الذي نزل على موسى، وأنك رسول هذه الأمة.

بعد ذلك ماذا حصل في معطيات التاريخ؟ الذي حصل أن الوحي فتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فترة يسمونها فترة انقطاع الوحي. اختلف علماء السير كم مدة الفتور؛ بعضهم قال لشهر أو شهرين، والبعض أوصلها لسنة ونصف، وكنت أستبعد هذه الفترة الطويلة. الذي يظهر أنه فتر فترة دسمة آلمت النبي صلى الله عليه وسلم، وأظن أنني علقت في أحد دروس السيرة أنه جاء حتى في بعض الروايات، وإن كانت لا تصح، أنه لشدة حزنه لفتور الوحي واشتياقه إليه أنه كان يصعد إلى الجبال يريد أن يتهاوى منها حزنا، ولماذا انقطع عني الوحي؟

فبعد رجوع الوحي إليه، بعد فترة الفتور والانقطاع، جاءته سورة الضحى تخاطبه: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾؛ لأنه توهم صلى الله عليه وسلم، أو لأن بعضهم قال له: إن ربك سبحانه وتعالى قلاك، أي هجرك وتركك وأعرض عنك. فنزلت هذه السورة مطمئنة لقلبه صلى الله عليه وسلم، مثبتة له بعد فترة انقطاع الوحي، لا تسمع لهؤلاء الذين يقولون لك إن ربك انقطع عنك وتركك، بل: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.

فإذا هي في المقام الأول تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سبحانه وتعالى لم يتركه، وأن فترة فتور الوحي وإن طالت قليلا، لكن ليس مقصدها الدلالة على الهجران والانقطاع، وإنما لها حكمة. ولعل من حكمها أن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ راحته بعد المشهد الأول، والمشهد الأول من لقاء جبريل حتى يفهم الموضوع الجديد. تتخيل أنه يأتيك جبريل وأنت في غار حراء ويقول لك اقرأ، وترى جبريل يضمك، الموقف كان مهيبا؛ حتى أنه صلى الله عليه وسلم ابتداء نزل خائفا وجلا، نزل إلى خديجة زملوني زملوني.

فكانت فترة انقطاع الوحي، كما ذكر بعضهم، هي فترة حتى يعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفسه، ويشرب تلك الصورة المهيبة جيدا، ليصبح بعدها متأهبا لتتابع الوحي. تخيل أنه شيء عجيب فضيع يقع معك، اليوم الثاني أقول لك استعد للتبليغ! لا، لست في هول الضمة، هول المشهد الأول، هول لقاء الملأ الأعلى، أنا نبي وأنه يوحى إلي من الله؛ ترتيب الأفكار في هذا الموضوع يحتاج إلى فترة من الهدوء والرجوع إلى النفس، وتذكر ذاك الموقف وتفهم لماذا غطني جبريل، وكان يحتاج إلى فترة هدوء حتى يستطيع أن يتشرب الموقف كاملا صلى الله عليه وسلم.

وهذا أدعى أنه إذا جاءه الوحي بعد الفتور أن يكون في أعلى درجات الاستعداد والشوق، لأنه خلاص شرب الموضوع تماما، وذهب لورقة بن نوفل، وورقة بن نوفل طمأنه: أنت نبي هذه الأمة، لا تقلق. وهذه كلها ترى أقدار الله، من الذي قدر أنه صلى الله عليه وسلم يلتقي بورقة بن نوفل؟ من الذي قدر ذلك؟ الله؛ وهيأ أن يكون ورقة بن نوفل موجودا لينبهه حتى لا يتشكك، لأنه حتى قال في بعض الروايات لما نزل عند خديجة: إني خشيت على نفسي، أي في الوهلة الأولى خشي صلى الله عليه وسلم أن يكون أصيب بشيء في عقله.

ما معنى إني خشيت على نفسي؟ يعني خفت أن يكون مسا أو جنونا الذي رأيته، حتى يعطيك هول المشهد. خشية صلى الله عليه وسلم أن يكون، بتعرفوا الإنسان، ما يسميه اليوم التهيؤات، لما تكون أنت فترة معتزل، بصير بعض الناس يعاني من ماذا؟ من تهيؤات، يرى أشياء مش موجودة في الواقع، تخيلات، وهذه تكون حالة مرضية نفسية. فهو صلى الله عليه وسلم خاطب خديجة: إني خشيت على نفسي أن أكون ابتليت بتهيؤات شياطين وعفاريت. فكانت خديجة نعم المثبت، ثم كان ورقة بن نوفل نعم المثبت الثاني.

وهذا يدل على أن هذه الفترة من الهدوء كان صلى الله عليه وسلم يحتاجها حتى ما يسمى يرتب البيت الداخلي. ثم فعلا بعد أن ترتب البيت الداخلي، أصبح صلى الله عليه وسلم يشتاق جدا إلى تلك الحالة التي هرب منها في أول مرة فزعا. تفهمين المشهد إخواني؟ هو أول مرة خرج من هذه الحالة فزعا، وجاء إلى خديجة، بعد أن فتر الوحي أصبح يشتاق لها، وفي قمة الحزن لماذا لا أراه مرة أخرى؟ وهذا كما يقول علماء السلوك: من ذاق حلاوة القرب عرف مرارة البعد. من ذاق حلاوة القرب من الله، ثم صارت له فترة فتور في حياته أوجعته مرارة البعد عنه.

تخيل أنت في حياتك تكون في مرحلة التزام شديد، ومقبل على الله سبحانه، ومحافظ على أوراد وأذكار وقيام الليل، وربنا فاتح عليك، ثم بعد ذلك تجيك مرحلة فتور وانقطاع. حقيقة من كان عنده شيء من الإيمان وهو في مرحلة الفتور والانقطاع، يبقى يتذكر تلك الحالة الجميلة الأولى؛ يتذكر كيف كنت أستيقظ لقيام الليل، كيف كنت أحافظ على صلاة الفجر، كيف كنت زمان أذكر، أظلني جالسا للشروق وأذكار الصباح والمساء، وكيف كنت أشعر بالراحة والطمأنينة والهدوء، أنا الآن تكدرت علي نفسي.

من ذاق يا إخواني حلاوة القرب من الله، آلمته مرارة البعد عنه بعد ذلك صحيح. فكان النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا هذا في إيمانيات، لكن النبي عليه الصلاة والسلام الذي وقع هو شيء حسي، أنه ذاق قمة القرب وهو جبريل؛ تخيل أنك تلتصق به وهو يقول لك اقرأ، قال: فغطني حتى بلغ مني الجهد، هو مشتاق لتلك الضمة، محمد صلى الله عليه وسلم مشتاق لتلك الضمة التي كانت قمة القرب، بعد أن عرف أن الذي ضمه جبريل. فلما جاء البعد والفتور، تألم، شعر بالمرارة، فضلا عما يمكن أن يقال هنا.

وهناك بعض كفار قريش قالوا إن الله تركك وهجرك، وهذا يزيد الطين بلة. فجاء الله عز وجل في هذه السورة ليبشر نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. أقسم بالضحى وأقسم بالليل إذا سجى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾.

الحقيقة أنا يعجبني دائما أن نتفكر في الأقسام الإلهية؛ لأنها وإن كانت في الأصل أزمنة، لكن لعلها في تفسيرها الإشاري تدل على معنى في ثناياها، كما مر معنا في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ عندما حاولنا أن نلائم بين القسم والمقسم عليه، وبين ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وبين سورة البلد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. وحاولنا أن نتفهم العلاقة بين القسم والمقسم عليه، وهنا برأيكم، من باب التدبر، ما العلاقة بين القسم والمقسم عليه في ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾؟ ولماذا أتبعها بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾؟

جميل هذا معنى من المعاني الجميلة؛ ذكر الضحى والليل باعتبار الضحى أفضل أنواع ساعات التعبد في النهار، والليل هو كله قيام وإقبال على الله. أحسنت، هذا ما كنت أريد أن أقوله، إنه الضحى كأنها تشبه فترة انبلاج الوحي وبدء الوحي، شروق الشمس في حياة النبي عليه الصلاة والسلام. الضحى هي لحظة شروق الشمس في حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي اللحظة التي نزل فيها جبريل فغط وضمه، لكن هذه الفترة لم تستمر طويلا، لأنه جاء بعدها فتور؛ فتر الوحي وفترة انقطاع. فكان هذا الضحى ماذا تبعه؟ فترة انقطاع، والليل خيم على حياة النبي عليه الصلاة والسلام ضيق وحزن وهم.

فأقسم الله عز وجل بهذه الحالة، حالة الإنسان الذي يكون له فجر في حياته وشروق، بعدين تأتيه فترة انقطاع. فهذا وإن كان كلاما ابتداء لمحمد صلى الله عليه وسلم، لكن كثيرا منا يعاني من هذه الحالة؛ حالة الضحى والليل إذا سجى. حالة الضحى شباب وهمة واندفاع ومقبل على الالتزام من جديد ومتمسك، بعدين فتور وانقطاع وقلة في التعبد وضعف في الإيمانيات. هذه تقلبات كما هي في الحالات الكونية، هي في الحالات الإيمانية. كلنا يكون له إقبال وضحى وإشراق يتبعه فتور.

في لحظات الفتور، إذا كان فتورا خارجا عن إرادتك، قضية تذكر نعم الله عز وجل. إذا كان سبب الفتور بلاءات تعرضت لها أو فعلا الدنيا ضاقت عليك، كيف يتصرف الإنسان في لحظات ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾؟ كيف يتصرف الإنسان في فترات الفتور التي تعقب الحماس؟ هنا تأتي سورة الضحى لتكمل لك التفاصيل، فالله أقسم بالضحى والليل الذي تبعه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. أول شيء هو الاستمرار على ثقتك بالله.

خليني أعطيك تصورا آخر، أحيانا نحن ممكن نحمل الآية على الأمور الإيمانية، لكن حتى ممكن تحملها على حياتك العملية، وهذا قد يكون أقرب لطبيعة الفتور الإجباري أو الضعف الإجباري الذي ليس منك بل من جهة خارجية. الآن كثير منا يكون عنده في حياته فترة مادية مريحة، فترة تكون الحياة مقبلة عليه وضحى؛ الحمد لله الشركات شغالة والبزنس شغال وأموره المادية تمام، بعدين تأتي لحظات تضيق عليه الدنيا بما رحبت. سأطبقها على هذا الموضوع لأنه أقرب كما قلت إلى الفتور الإجباري.

أن أطبقها على الفتور الإيماني لا، هنا أنت سبب هذا الفتور بدك تروح تعالجه، لكن هنا محمد صلى الله عليه وسلم هو لم يحدث منه تقصير بأبي وأمي حتى حصل معه هذا الفتور، يعني مش معاصي أو ذنوب كحالنا، هو لا قدر الله النافذ لحكمة. فهنا خليني أطبقها على حالة كثير منا لما يكون الحياه مقبلة عليه، فإنت في تصاعد، بعدين في ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، الحياة تصبح صعبة وتضيق، والهموم تكثر، وتبدأ تفقد أحبة.

كثير من الناس بعد الرخاء، إذا ضاقت الدنيا في وجهه، يقنط من ربه ويشكو ربه وييأس منه. فأول شيء يجب أن تحافظ عليه إذا كنت في نعمة ثم أعقبها ضيق، إنه أولا لا تفقد ثقتك بالله. إياك! ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. الشيطان في لحظة الضيق التي تعقب الرخاء يسعى أن يجعلك تسيء الظن بالله، يجعلك تفكر أول شيء أنه خلاص ربنا تخلى عني ما بده إياي. فكل الأفكار السلبية وكل المشاعر الخاطئة تأتي عليك، وهذا رأيناه كثيرا في رجال ونساء فتحت عليهم الدنيا، فلما ضاقت عليهم في يوم من الأيام شكوا ربهم. طب يا فلان، الله عز وجل بينعم عليك فترة طويلة، قال تمام ربنا كان منعم علي بس سلب مني المال، سلب مني الأصدقاء، سلب مني أشياء كثيرة، أكيد ربنا تخلى عني. لا، هذا الشعور خطأ وليس هذا حال الكمال في المؤمن. فالنبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول ربه؟ يقسم الله له: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. ربنا لم يتخلى عنك، وهذا فيه تسلية وتثبيت له صلى الله عليه وسلم.

الضحى: المراد به وقت الضحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس. وإنما خص وقت الضحى بالقسم لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام وألقي فيها السحرة سجدا. الحقيقة أنا لا أتفق مع هذه الطريقة في التفكير؛ لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى أولا هذا يحتاج إلى دليل، ولا يؤخذ من الإسرائيليات. وقضية أن سحرة فرعون لما خروا سجدا، لما رأوا سجدوا في وقت الضحى، هل من أجل ذلك تم القسم بالضحى هنا؟ أنا أعتقد أن هذا الكلام ليس هو الكلام الأولى أن يقال في هذا المقام. المهم، أو النهار كله لمقابلته بالليل في قوله والليل. تفسير آخر يرى أن الضحى هنا المراد به جميع النهار وليس الضحى الوقت المخصوص، وهذا أيضا بعيد. والصواب أنه الضحى كما قال، ابتداء الوقت المخصوص، وأقسم به لأنه يدل على فكرة الانبعاث، يدل على فكرة الإشراق، وهي مهمة في معاني ضمن معنى السورة وسياق السورة.

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أي سكن. والمراد سكون ما معنى سجى؟ سكن. كما قلت، أنت تكون في حالة علو واندفاع، ثم تأتي حالة يخيم عليك ماذا؟ سكون. وركز ما قال والليل، لا حدد الليل بأي صفة: والليل وقت سكونه. تخيل حياتك دينامو مليئة بالنشاط والمال، بعدين بتيجي عليك فترة كل شيء هادئ، والسوق راكد وفيه حركة بيع وشراء، وأنت مش عارف إيش بدك تسوي. اجت فترة كان الوضع المالي حركة انبعاث، ثم السوق خيم عليه النوم، زي كورونا وأيام كورونا، وكيف كانت كثير شركات صاعدة فجأة كل شيء توقف. عادة كما قلنا الناس في هذه الحالات يسيئون الظن بربي، فماذا كان القسم هنا؟

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ أي ما تركك منذ اختارك، وما أبغضك منذ أحبك. والتوديع مبالغة في الودع، لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ. الودع هو الترك، ومنه التوديع كمان، ما ودعتك. التوديع هو نوع من الترك، فيقول ما ودعك مبالغة؛ مش قال ما ودعك، لا ما ودعك بالتشديد، أي لم يكن هناك أي شكل من أشكال الترك والخذلان من الله لك. احذر! نعم فتر عنك الوحي، هناك حكمة من فتوره، لكن ليس الأمر أنني خذلتك أو تخليت عنك يا محمد صلى الله عليه وسلم.

روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فقال المشركون إن محمدا صلى الله عليه وسلم ودعه ربه وقلى، فنزلت. وحذف الضمير من قلى كحذف من الذاكرات في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾. ما معنى قلى؟ قلى بمعنى أبغضك. إذا ما ودعك، يعني ما تخلى عنك وما قلى، الضمير المفعول به محذوف التقدير وما قلاك، لكنه حذفه للمحافظة على فواصل الآيات، اللي هو إيقاع السورة بالألف. صح: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. تخيل لو قلنا وما قلاك؛ تخرج عن الإيقاع، والقرآن كما يهتم بالجوانب المعنوية يهتم بالإيقاع الصوتي. فيقول ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾، لا بد يبقى ألف، فحذف الكاف وهي الضمير المفعول به وما قلاك، محافظة على الإيقاع الصوتي.

﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ أي ما أعد الله لك في الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود والخير الموعود خير مما أعجبك في الدنيا. طيب هذه الآية ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ كيف ننزلها على أنفسنا؟ دائما هنا التدبر إخواني؛ بعض الشباب لما بده يقرأ سورة الضحى يقول خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام فلا يستفيد منها معاني لحياته الشخصية. هناك تنتبه، المعاني التي يخاطب الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم يخاطب بها أتباعه على قدر اتباعهم، فهي ليست من خصائصه التي لا يجوز أن نسقطها على أنفسنا. هل هذه السورة من خصائصه التي لا يجوز أن نسقطها على أنفسنا؟ كلا والله. نعم له صلى الله عليه وسلم منها المقام الأعلى، لكن لنا من هذه الأمور ومن هذه الخصال على قدر اتباعنا له ننال من هذه الخصال الحميدة التي ذكرها الله لنبينا صلى الله عليه وسلم.

فهذه هي الفكرة الثانية، لما قال بعد أن قال ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾، ثم ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾، كيف نستفيد من هذه الآية لهذا الشخص صاحبنا اللي زي ما حكينا كان وضعه المادي ممتاز ثم وقع في البلاء الشديد بعد أن كان في تقدم وانبعاث؟ أول شيء كما قلنا نقول له: إياك أن تسيء الظن بالله، مش هيك حكينا ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾؟ تحذير من سوء الظن بالله. طيب ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ ما الفكرة التي تعطيها لهذا المبتلى بعد الرخاء؟

أحسنت، هكذا أيضا هذه الطريقة الثانية في التعامل مع البلاء بعد الرخاء؛ إذا وسع الله عليك ثم ضيق، ماذا تتذكر؟ الآخرة. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾، يعني معلش ربنا بيوسع وبضيق لحكمة، فأنا لن أسيء ظني وسأبقى متعلقا بالآخرة، فهي التي لا ضيق فيها بعد الوسع، ولا وسع فيها بعد الضيق. في الآخرة الأمور ليست كالدنيا، الأمور في الدنيا بتطلع وبتنزل، بتكون أنت وضعك المادي عالي بينزل بعدين بتيجي بعدين بتطلع، الآخرة أما وساع لا ضيق بعده، وأما ضيق لا وساع بعده.

تماما، عاد إلا للموحدين، هؤلاء الذين يكونون في عذاب جهنم ثم يخرجون إلى الجنة، موحدين من أهل الكبائر كانوا في ضيق ثم فرج عليهم، لكن أتكلم عن المؤمن والكافر عموما أنه في وساع لا ضيق بعده وفي ضيق لا وساع بعده. يعني أمور الآخرة ما فيش فيها نزول وصعود، صح عاد إلا عصاة الموحدين شوي وبعدها بدخلوا الجنة وخلصنا. أما أمور الدنيا لا، هي قائمة على الصعود والهبوط. بالتالي لما أنا أكون مؤمن بـ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾، لا يزلزلني الهبوط، لا يزلزلني الهبوط ويزلزل ثقتي بالله، لأنني أنا لا أراهن على الدنيا؛ فإن الدنيا تقوم على فكرة صعود وهبوط، وإنما أراهن على الدار الآخرة التي إذا نجحت فيها فأكون في صعود دائم لا نزول فيه.

إذا ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾، فإن الأولى وهي الدنيا جبلت على نكد، جبلت على كبد، جبلت على كدر، جبلت على صعود ونزول، وأما الآخرة فإنها جبلت على صعود لا نزول فيه، ونزول لا صعود فيه إلا ما استثني. فالإنسان العاقل يراهن على ماذا؟ على تلك الدار التي ما فيش فيها صعود ونزول، لأني بشتغل على المضمون زي ما بيحكوا. أما الدنيا لو كنت أذكى الناس في التجارة، ولو كنت أحدق الناس بالعمل، في لحظة واحدة زلزال أرضي يهدم كل شركاتك وإمبراطورياتك المالية. زلزال بس هيك حركة لا تزيد عن خمس دقائق أو حتى ثلاث دقائق، وانظروا واعتبروا ما حدث في تركيا وفي غيرها من الدول، ناس عادت إلى أقل من الصفر في لحظة واحدة. فالإنسان.

العاقل لا يراهن على الدنيا ولا على سعتها، فإن سعتها قابلة للزوال بخلاف الآخرة فإن قانونها واضح.

وقيل وجه اتصاله بما قبله أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن الله مواصلك بالوحي إليك وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك لتقدمه على الأنبياء وشهادة أمته على الأمم وغير ذلك. يريد أن يقول وجه اتصال هذه الآية بالآية السابقة لما أخبره بكرامته عليه في الدنيا وأن الله سيتابع الوحي عليه وسيكرمه في الدنيا؛ كأنه من باب التسلية والتثبيت له، قال له: وأكرامي لك في الآخرة سيكون أعظم من إكرامي لك في الدنيا. هذا معنى قوله أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي في الآية السابقة، يفهم ضمنياً أنني معك وأحبك وسأكرمك في الدنيا، أراد أن يخبره وكذلك في الآخرة سيكون إكرامي خير وأعظم من إكرامي لك يا محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا، فيكون فيها إكرام بعد إكرام وزيادة في العطاء بعد زيادة. هكذا فهم الآية النسفي.

السياق القرآني في العادة لا يستعمل هذه المصطلحات أو هذه الطريقة، وعادة القرآن إذا نظر في سورة الأعلى وغيرها إذا عبر بالأولى والآخرة يعبر عن دنيا وآخرة وقيامة، لا يعبر عن بداية المعركة ونهايتها. ويسمى الدنيا أولى وعاجلة، والآخرة في السياق القرآني متأخرة وآخرة، هكذا هو السياق القرآني؛ فإذا أردت أن تحمل على ما ذكرت تحتاج إلى دليل أو قول مفسر، ممكن لكنني لا أعرف هذا الاستعمال في أقوال المفسرين والله أعلم.

ولسوف يعطيك ربك في الآخرة من الثواب ومقام الشفاعة وغير ذلك فترضى، ولما نزلت قال صلى الله عليه وسلم: «إذا لا أرضى قط وواحد من أمتي في النار». واللام الداخلة على هذا الحديث فيه نظر من حيث الإسناد. واللام الداخلة على سوف لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: وأنت سوف يعطيك. ونحوه لاقسم في من قرأ كذلك؛ لأن لام الابتداء المراد بها التوكيد، ولأنت سوف تعطى. لأن المعنى لأنا أقسم، وهذا لأنها إذا كانت لام قسم فاللام لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد، فتعين أن تكون لام الابتداء، ولامه لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا. كذا ذكره صاحب الكشاف، وقال صاحب الكشف هي لام القسم واستغني عن نون التوكيد لأن النون إنما تدخل ليؤذن أن اللام لام القسم لا لام الابتداء، وقد علم أنه ليس للابتداء لدخولها على سوف، لأن لام الابتداء لا تدخل على سوف. وذكر أن الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر، وهذه هي الخلاصة.

قال: ولسوف، اللام لام الابتداء أو لام القسم، يهمك الآن الخلاف النحوي الدائر، المهم أن هذه اللام إما أن نجعلها لام ابتداء أو نجعلها لام القسم، يعني والله لسوف أعطيك يا محمد صلى الله عليه وسلم فترضى. طب لماذا لم ينجز ذلك؟ لماذا قال ولا أعطين فترضى، لماذا قال ولسوف؟ سوف في اللغة العربية تدل على التأخير، حتى يقال إن السين أقل تسويفاً من سوف، فسأعطيك ليست مثل سوف أعطيك، سأعطيك يعني بعد ساعتين ثلاث أو يوم، سوف أعطيك يعني لسه بدك تصبر. فلماذا ما قال سأعطيك أو حتى بدون السين قال لأعطين؟ لماذا قال لسوف، لماذا أتى بالتأخير؟ سوف نعطيك في المستقبل، والمستقبل قد لا يكون قريباً الآن، لماذا لم ينجز له ذلك؟

جميل، يعني أنه وعده بالعطاء المتأخر، لم يعده بالعطاء المعجل، صح؟ يعني كأنه يريد أن يضع عينيه على العطاء المتأخر، يعني سأعطيك في المستقبل ولو كان بعيداً سأعطيك ما يرضيك تماماً، سأعطيك ما يرضيك تماماً. عرفتم؟ قال ولسوف، وهذا إخواني فيه فكرة مهمة وهو أن الإنسان المبتلى لما دائماً نشوف شخص مبتلى، عادة نجي نقوله بعد ما يكون في رخاء وسعة وتشوفه مبتلى، أنت شو مباشرة تطمنه: يا ابن الحلال سحابة صيف وبتروح، ابن الحلال إن شاء الله شهر شهرين وبتلاقي حالك رجعت زي ما كنت. الآن أنت فعلياً ممكن عم تعطيه مسكنات، ممكن أنت بدك تحسن أنا فاهم جزاك الله خيراً، بس أنت لما تقول له لهذا الرجل اللي كان في حالة مادية ممتازة ثم ابتلي فسقط وضعه المادي: سحابة صيف إن شاء الله بتروح، شهر شهرين إن شاء الله بتتجاوز. طب بعد شهر شهرين صار أسوأ، تقول له: والله أنت حكيت لي شهر شهرين، بترجع تحكي له مرة ثانية: طيب اصبر لك كمان شهرين، يقول لك: يا عمي الله يسهل عليك، أنت كل مرة تعطيني كمان شهرين!

فأيهما أعلى تطميناً؟ أن تربط إيمان الإنسان بالتعويض الأخروي، هذا أعلى، لما تشوف شخص مبتلى الأعلى أن تقول له: إن شاء الله ربنا بيعوضك في الآخرة خير الجزاء. هل معنى هذا أني أنا بيأس من الدنيا؟ لا، مش عم بيأسك، بالعكس يعقوب ماذا قال: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، أنا ما بقول لك أنك ما رح تتحسن، بس أنا ما بدي تكون أنت مراهن على التحسن الدنيوي، لأنه ممكن خلص ربنا بده إياك تظل فقير بعد تلك الحالة، فإذا أنا بدي أضلني أرفع معنوياتك لا بكرة بتتحسن، لا كمان شهر، طيب اصبر لك شوي وأنت شايف الأمور عم تصعب أكثر وأكثر، ممكن يصير عندك ردة فعل، بصير عندك اكتئاب مع الوقت وأنك بتبطل تسمع تطمينات. فأنا بقول لك ماذا: ربنا رح يعوضك في الآخرة خير، هي الشغلة أنا بستطيع أني أراهن عليها لمن صدق مع الله، تستطيع لمن صدق مع الله تراهن عليه أن الله يعطي الصابرين، وعد الله ولا يخلف الله الميعاد.

فدائماً إذا رأيت مبتلى بعد رخاء، أولاً اربط بالآخرة، قل له: ولسوف يعطيك ربك على هذه البلية التي صبرت عليها، ولسوف يعطيك فترضى. تخافش، ربنا ما بينسى عباده الصادقين الموحدين الصابرين في اللأواء، ما بنساك. الآن في الدنيا والله إن شاء الله بتفرج، إن شاء الله تفرج، بإذن الله تفرج، وادعي وثابر، بس أهم شيء أني بدي أربط قلبك بماذا، أنه حتى فرضا لو ما رجعت لنفس وضعك المادي السابق، أنت تنتظر العوض من الله في الدار الآخرة. فلذلك ركز الله سبحانه وتعالى هنا على ولسوف يعطيك. الآن في الدنيا ستاخذ يا محمد صلى الله عليه وسلم لكن قلبك يجب أن يتعلق بأي عطاء؟ بالعطاء الأخروي، قلبك لابد يتعلق دائماً بالعطاء الأخروي؛ لأن العطاء الدنيوي لو جاءك هو أيضاً قابل للزوال مرة أخرى، لأننا فهمنا أن الدنيا طالع نازل هكذا سلم. بالتالي لذلك حتى النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يبايع أصحابه على ماذا كان يبايعهم على الرفاه الاقتصادي؟ بيعة العقبة الأولى والثانية لما قالوا ما لنا يا رسول الله مقابل أن نحميك ونحمي أبناء المهاجرين، قال لهم: إن شاء الله وضع اقتصادي جيد، ونعمل حالة؟ لا، ما وعدهم بذلك، شو قال لهم؟ الجنة، اللي حابب يدخل في الدين مشان الجنة يلحقني، أما اللي ينتظر وعود دنيوية وصفقات وتحسن زي هذه برامج الانتخابات، دعك منها، تمام، نحن لا نعطي الدنيا، ممكن نحصلها، ممكن تحصلها الأجيال اللاحقة، ممكن نأخذ منها، ممكن نحن ما ندرك نأخذ منها، لكن عينينا على الشيء اليقيني وهو الدار الآخرة، قواعدها واضحة، وأما الدنيا فهي دار ابتلاء ودار محن.

ثم عدد عليه نعمه من أول حاله ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه، لئلا يتوقع إلا الحسنى ويقيس المستقبل على الماضي، لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير ولا يضيق صدره ولا يقل صبره. فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 6-8]. هذا المنهج ما هو في منهج الدعم النفسي الذي يقدم للمبتلى بالضيق بعد الرخاء؟ نحن لاحظ سورة الضحى هي تعطي منهج إلهي كيف تتعامل مع إنسان صابته ضائقة بعد رخاء، صح؟ قلنا أول شيء ما هو؟ إياك أن تسيء الظن بربك ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3]، ثانياً تذكير هذا الإنسان المبتلى بأن الآخرة خير لك من الأولى، وأن انتظار ما عند الله من الثواب الجزيل خير لك من التفكير في الدنيا ونكباتها، ثم آية اليقين بما عند الله من التعويض: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5]، لا تقلق يا أيها المبتلى ولسوف يعطيك ربك فترضى وتكون مسروراً تماماً.

ثم ماذا قال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ تدل هذه على أي منهجية في معالجة البلاء؟ التذكير بالنعم؛ دائماً الإنسان لما يكون في البلاء بينسى النعم، بيفكر أنه هو الوحيد المبتلى في هذا الكون، بينسى أن الله عز وجل أنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة لا تحصى، فقط يضيق نظره فلا يرى إلا ذاك البلاء. والله راتبه نزل، أو فقد حبيب، تعرض لسجن، تعرض لبلاء معين، لنكبته يشكو ربه: أنا ليش بصير معي كذا؟ وشوف فلان شو كيف مع الدنيا، ويصير يقارن نفسه بالآخرين، إياك أن تكون من هذا النوع ممن إذا ضاقت بهم الدنيا نسوا النعم، وأنت في قمة الضيق عليك أن تتذكر أن هناك آلاف النعم محيطة بك وأنت لم تحقق شكرها لله سبحانه وتعالى.

فالله عز وجل ماذا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم لما النبي عليه الصلاه والسلام شعر بالحزن الشديد في فترة انقطاع الوحي، كان الله يعاتبه معاتبة لطيفة حبيبة، فيقول له: لماذا كل هذا الحزن ولماذا كل هذا الشعور بالاكتئاب وأنت تعرف النعم العظيمة التي أعطيتك إياها وأوليت إياها، ليس منذ البعثة بل منذ الولادة؟ لاحظ يعني هو لم يذكره بأقرب النعم عهداً، بل ذكره بأول النعم. تعال نتذكر أول النعم التي أنعمت بها عليك، أولاً: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، منذ أن خرجت إلى الدنيا يا محمد صلى الله عليه وسلم كنت يتِيماً بدون أب، وبعد ست سنوات أصبحت بدون أم، من الذي آواك؟ هيأ لك أولاً عبد المطلب، ثم هيأ أبا طالب، وربيت وترعرعت في بيوت قريش الفخمة وعند كبارها، من الذي آواك بينما كثير من الناس يصبح يتيماً لا يجد من يأويه ولا من يربيه على معالي الأمور وأخلاقها؟ شوف اليوم كثير من الشباب ممن يبتلى باليتم من الصغر ولا يتحقق له الرعاية الجيدة فيخرج رديئاً بس يكبر، ما تربى، لكن الله سبحانه وتعالى تفقدك في تلك الحالة الضعيفة وأنت يتيم لم ينسك، معقول الآن بعد أن أنزل جبريل عليك سأنساك؟ إذاً أراد أن يذكره بالماضي ليعتبر به الحال والمستقبل، أنا رعيتك وأنت طفل وأنت بعد لم تكلف بالرسالة رعيتك وآويت، معقول بعد أن أكلفك بالرسالة وأنزل عليك جبريل أتركك وأدعك؟ هذا لا يمكن. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، أصلها فآواك لكن حذف الكاف كما قلنا حفاظاً على الإيقاع الصوتي.

﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، هنا بدنا ننتبه ما معنى الضلال هنا حتى لا تفهم الآية خطأ، لأن بعضهم -وهذا قاله للاسف بعضهم وإن كان هذا بعيداً- قال: ضال كنت كافراً فهداك، باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان على دين قومه، وهذا كلام خاطئ تماماً، ولا يصح أن يفسر الضلال هنا. وإنما المراد بالضلال أنك لم تكن مهتدياً لطريقة التشريع الصحيحة، يعني لم تكن تعرف كيف تتعبد وعلى أي شريعة تكون، وإلا فهو صلى الله عليه وسلم لم يكن يعبد الأصنام حاشاه، ولم يسجد لصنم قبل البعثة، ولم يكن يحب القسم بها ولا الاعتراف بها، ولكنه كان يبحث عن الدين الحق. صحيح هذا معنى الضلال، أي كنت تبحث، يعني لم تكن مهتدياً لهذه الشرعة وأنا هديتك إليها بإنزال جبريل. ووجدك ضالاً تبحث عن الهداية ولا تعرف كيف تفعل، فهداك إلى الصراط المستقيم من خلال جبريل والوحي الإلهي إليك. مستحيل إذاً بعد أن هداك واصطفاك بأن ينزل جبريل عليك ليخبرك بالهدى، أن يحرمك ويمنعك. إذاً تذكر النعم منهج مهم، شوف أنت في حياتك العملية برجع بقول، لما تبتلى بعد رخاء تذكر وأنت مبتلى بعد ذاك الرخاء أولاً النعم الجسدية، أنه ماشي ربنا ضيق عليك قليلاً في أمر الدنيا، نزل راتبك، فقدت بعض الأشياء، لكن أعتقد أنك ما زلت تملك كثيراً من النعم حولك، تملك البصر، تملك السمع، تملك.

تملك البدن، وهيك ماشي؛ وكم من إنسان أعمى، وكم من إنسان أصم، وكم من إنسان أشل، وكم من إنسان مقعد، وأنت الحمد لله بنعمك يا أخي ماشي؛ ربنا ضيقها شوي، اصبر، تحمل، أما تكفر لمجرد نعمة ضيقت عليك وتنسى آلاف النعم التي أنت غارق بها؟ نعمة الطعام، نعمة الشراب، نعمة الأمن، نعمة الإسلام الذي هديت إليه، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7].

ترى إخواني احنا كلنا ضلال فهدانا الله، لولا أن الله هدانا لما كنا على خير، أليس كذلك؟ لولا أن الله اصطفاك لتكون مسلماً، انظر اليوم كم عدد الكفار على وجه الأرض، وكم عدد الناس اللي منتسبين للإسلام وهم منافقون، وكم عدد المتصنعين بالإسلام، هم آلاف مؤلفة، وأنت من بين هذه الكثرة المكاثرة اصطفاك الله لتكون على استقامة، أولاً لتكون مسلماً، ولتكون مصلياً، تصوم وتحج، ومقراً بأحكام الإسلام، تحب شريعتك على ما عندك من التقصير والذنوب والمعاصي، وكلنا ذاك الرجل.

تخيل هذه النعمة العظيمة، وكفى بها نعمة، أي والله كفى بها نعمة نعمة الإسلام؛ لأنه لو كانت معك كل الدنيا والرخاء ولكنك لم تكن مسلماً، مصيبة كارثة، جهنم تنتظرك، لكن لو كنت فقيراً ولكنك وجدت الله، من وجد الله ماذا فقد إخواني؟ من وجد الله وعرفه وأقبل عليه ماذا فقد؟ دنيا أيام معدودة وتنتهي.

فالله عز وجل ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم بمفاصل النعم؛ أولاً الرعاية والتربية منذ الصغر، ثم قال الإسلام والهداية، وهذه نعمة عظيمة لو بقيت عمرك ساجداً لها لم توف حقها والله، ولو سلبت كل النعم البدنية لا تظن أن صبرك عليها يكافئ نعمة الله عز وجل عليك بالإسلام، نعمة الاصطفاء للإسلام نعمة عظيمة جداً جداً، واعتبر حال أهل الأرض تعرف قدرك عند الله، أنك على استقامة ومصلي وموحد لله رب العالمين.

أكمل، قال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾، وهو من الوجد الذي بمعنى العلم، والمنصوب، نعم ما معنى وجد؟ بمعنى علم، ألم يجدك يعني علمك يتيماً، نعم، والمنصوب مفعولاً، والمعنى: ألم تكن يتيماً حين مات أبواك؟ ﴿فَآوَى﴾ أي فآوى إلى عمك أبي طالب وضمك إليه، حتى كفي لك، وكلمة آوى لها إيقاع نفسي عالٍ جداً، لم يقل وجدك يتيماً فضمك إلى فلان أو رعاك فلان، كلمة آوى فيها معنى الحنان واللطف أكثر وأكثر، القرآن مفرداته فخمة، وقيم الكلمات العالية.

قال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ بس رزقك، لا، لا، ضمك، شو المفرد الأنسب هنا؟ آوى، كلمة آوى تشمل كل أشكال الحنية والعطف، أليس كذلك؟ الإيواء يكون بالمال والطعام والتربية والسكن والراحة، كلمة آوى كلمة تحمل في طياتها الكثير من المعاني، فهي أفضل كلمة للتعبير عن حالة العطف والرحمة عليه.

نعم، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي غير واقف على معالم النبوة وأحكام الشريعة، وما طريقه، يعني لم تكن مدركاً كما قلت كيف تتعبد وكيف تمشي على شريعة، هذا معنى ما طريقه، يعني هذا على هو نسق على طريقته ما تريديه يعني تقسيم المسائل لعقلية وسمعية، فالمسائل العقلية وهي إدراك وجود الله أنت أدركتها بعقلك، لكن المسائل التي أنت تحتاج فيها إلى شرع اللي هو سمع، السمع يعني الشرع، أنت لم تكن تعرف كيف تصلي وكيف تزكي وكيف تصوم، أنت كنت تفتقر إلى وحي حتى يعلمك الوحي هذه الأمور، فجاءك الوحي وهو السمع ليرشدك كيف تتشرع إلى الله سبحانه وتعالى وتتعبد إليه.

نعم، ﴿فَهَدَى﴾ أي فعرفك الشرائع والقرآن، وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده إلى القافلة، يعني هذا كلام بعيد سامحني، قضية أنه وجدك ضالاً فهدا أنه كانوا طالعين على الشام في التجارة، ضل عن الطريق واستطاع أبو طالب يلاقيه ويأتي به، يعني أظن حمل الآية على هذا المعنى يقتل المعنى تماماً.

نعم، ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق أو وقوع في غي، أحسنت؛ يعني لا يجوز أبداً أن يفهم من الضلال أنه صلى الله عليه وسلم كان على باطل أو كفر، فهدي أصلاً ماذا قال في سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم: 1-2]، فالله نفى عنه الضلال مطلقاً، فكيف هنا نقول ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾؟ في سورة النجم ما ضل صاحبكم وما غوى، هنا يقول ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾، إذا هناك الضلال بمعنى الكفر والغي والفساد، وأما هنا الضلال المثبت بمعنى عدم معرفة كيف تتعبد، هذا معنى الضلال، عدم معرفتك كيف تعبد، وبالتالي هذا يصدق على كل إنسان مسلم ما بيعرف أحكام دينه، صح؟ كل إنسان مسلم ما بيعرف أحكام دينه فيه شكل من أشكال الضلال، واحد ما بيعرف أحكام الزكاة، أحكام الصلاة، أحكام، حتى لو كان مسلم فيه شكل من أشكال الضلال الذي يحتاج فيه إلى هدى.

نعم، فقد كان صلى الله عليه وسلم من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوماً من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان.

جميل، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾، فقير فأغنى، فأغنى بمال خديجة رضي الله عنها أو بما أفاء عليك من الغنائم، تمام، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً﴾، تمام، فأغنى، هو صلى الله عليه وسلم كان عائلاً لأنه كان يأخذ من مال عمه، أليس كذلك؟ لكن من الذي علمه التجارة وأصبح يتاجر ويذهب إلى الشام ويأتي وأصبح يستطيع يدفع مهر ويبني أسرة؟ الله عز وجل هو الذي أنعم عليه.

النبي عليه الصلاة والسلام شيء طبيعي أنه نشأ يتيماً في حضن عبد المطلب ثم في كفالة أبي طالب، فكان يحتاج أن ينفقوا عليه، وأبو طالب أصلاً في الوضع الطبيعي قالوا كان وضعه مستوياً، أصلاً ما كانش معه مال دوب مكفي أولاده، فكان صلى الله عليه وسلم الوضع جداً مرهق، ثم لما أصبح شاباً قوياً أصبح يتاجر وأصبح يرعى الغنم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رعى الغنم ثم تاجر في مال خديجة، وأصلاً من تجارته في مال خديجة عرفت خديجة أخلاقه وأصبحت تشاركه، ثم بدأت أوضاعه المادية تتحسن واستطاع أن يتزوج من خديجة ويبني أسرة.

فليس المراد فأغنى يعني بعض الناس فأغنى هو يعني مليار، لا، أغنى يعني حصلت الكفاية، ومن حصل الكفاية من قوته فهو غني في الشريعة، في مفهوم الشريعة من كان محصلاً للكفاية يعتبر ماذا؟ غني؛ لأنه إحنا مفهوم الغنى عندنا لا أنه لازم تكون معك سيارة فخمة ووج فيلا وعندك 50 ألف بالبنك، لا، لا، هذا الغنى بنسميه الترف، أما في مفهوم الشريعة من عنده كفايته فهو غني، لذلك حتى في باب الزكاة قال لما يتكلموا الفقهاء يقول لك في فقير ومسكين وغني، مين الغني؟ الذي حصل تمام كفايته، الذي حصل تمام كفايته هو غني حتى ولو لم يكن عنده ترف.

فمعنى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً﴾ فقيراً تقتات على غيرك أو تعيش على مال غيرك، فأغنى بالتجارة والصنعة، أصبحت تستطيع أن تكفي نفسك وتقوم بحياتك وعندك الكفاف فلا تحتاج إلى الآخرين صلى الله عليه وسلم.

نعم، وهذه نعمة، أي والله نعمة، ذاك الشاب اللي يجد حرفة ويجد صنعة ويستطيع أن يكف نفسه عن مد يديه إلى الناس، هذه نعمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».

مش لازم تكون كثير عندك مال حتى تقدر نعمة الله عليك، عندك بيت يؤويك الحمد لله، عندك طعام تأكله الحمد لله، عندك أمن مش خايف على نفسك وعلى عرضك وأهلك، حيزت لك الدنيا، إذا ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾.

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 9-11]، هنا أيضاً فيها توجيه لتصرف أهل البلاء في ساعات البلاء، إحنا قلنا سورة الضحى هي تعلم الإنسان المبتلى بعد الرخاء كيف يتصرف في ساعة البلاء، صحيح ما هذا التصرف الأخير المطلوب منك تفعله والذي طلبه الله من نبيه صلى الله عليه وسلم لما قال له ختام السورة ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؟

تفضل.

جميل، الله عز وجل طلب منا طلبها من النبي عليه الصلاة والسلام ونحن أتباع الله في ذلك، عليك أن تقوم بشكر النعم، شكر النعم بأداء حقها حتى ولو ضاقت بك الدنيا في بعض حذافيرها؛ يعني كما قلنا ذاك الشخص اللي كان في حالة من الرخاء المالي بعدين نزل وضعه المالي، إحنا عرفنا من بداية السورة كيف لازم يتصرف، وإياك تسيء الظن بالله، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3]، تذكر الآخرة والتعويض، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: 4]، وكن واثقاً، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5]، انتظر العطاء الأخروي ولا تنتظر العطاء الدنيوي، اطلبه إذا جاء جاء بس خلي قلبك مربوط بالعطاء الأخروي، ثم إياك أن لا ترى النعم الأخرى وأنت في ساعة البلاء.

إياك ألا ترى النعم الأخرى وأنت في ساعة البلاء، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾، أخيراً ما هو المطلوب وأنت في ساعة البلاء وفي ساعة الشدة والكروب حولك؟ وعندك نعم معينة حاول أن تشكر هذه النعم.

لاحظ هذا المعنى، أحياناً لما نكون في ساعة الشدة وضاقت بك الدنيا، أنت تنسى النعم التي أنت فيها فتنسى حق الله سبحانه وتعالى في شكرها، فأنت مبتلى، هناك نعم عليك أن تحافظ على شكرها، تمام وضعك المادي تكركب، أنا فاهم، أمورك الحياتية ضائقة، نعم، بس هناك نعم أولاً لازم تشوفها وإياك تكفرها، وهذه النعم عليك أيضاً مش فقط تشوفها عليك وحتى وأنت أن تسعى إلى شكرها بأداء حق الله فيها، وشكر النعم كما يكون باللسان يكون بماذا؟ بأن تستعملها فيما أمرك الله أن تستعملها فيها.

فلذلك قال ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، مقابل إني آويت لما كنت يتيم وأصبحت الآن كبير عامل اليتيم بالرحمة، كيف تشكر نعمة الله عليك إذا كنت يتيماً فآوى؟ أن تشكر الله من جنس ما أنعم به عليك، أنك إذا رأيت يتيماً متعباً أن تقوم أنت بماذا؟ برحمته والأخذ على يده، تذكراً أنني أنا في يوم من الأيام كنت يتيم ومحتاج حدا يؤويني والله آواني، فمن شكر هذه النعمة أن أساعد اليتامى وأساعد من كان في مثل هذه الحالة.

ثم قال ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، وهذا مقابل إيش يا شيخ؟ مقابل أنه ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ يعني مقابل أنك كنت فقير فغنيت وجعلتك قادر تكتسب وصرت رجل قد حالك، مقابل ه النعمة بدي أشوف شكرها، كيف شكرها؟ إذا جاء شخص لا يستطيع أن يكتسب والسائل هنا السائل حقيقة، السائل الذي يسأل أعواز ما عنده قدرة على الاكتساب، فاياك أن تنهره وتعرض عنه بعد أن أنعم الله عز وجل عليك بالغنى.

طيب ثم قال ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، خلينا هيك لو عملنا مقابلة، قال خلينا أعملك مقابلة شوي ذكية، لما قال ﴿وَجَدَكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ كيف يكون شكرها؟ ﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾ ممتاز، ولما وجدك، اقفز لي عن ﴿وَجَدَكَ عَائِلاً﴾، ﴿وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ شو مقابلها؟ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، هذا هو مقابلها؛ لأنه قلنا هو ما أعظم نعمة علي؟ أعظم نعمة على محمد صلى الله عليه وسلم الهداية، فقال ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ الإسلام والوحي الذي اختصصاب وأنزلنا عليك، حدث وادع الناس إليه.

هس إحنا يعني الآية لها عدة محامل، لكن انظر إلى هذا المحمل حتى يكون ثلاثة مقابل ثلاثة، لما قال ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ مقابلها اللي كانت ﴿وَجَدَكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، بعدين ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ مقابل ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾، طب ضلل في النص؟ طب هي ﴿وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ كيف سأشكر نعمة الله علي بالهداية للإسلام؟ أن تدعو الناس إلى هذا الإسلام، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ الإسلام العظيم حدث الناس عن الإسلام، كن سبباً في هداية الناس، كما أن يعني كيف تؤدي شكر هذه النعمة؟ مش كل نعمة بدك تؤدي شكرها، شكر نعمة أن الله هداني للإسلام كيف تكون؟ بأن تدعو الناس للإسلام، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، ادعو إلى الإسلام، حدث الناس عن هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله عز وجل بها عليك، كن داعية إلى الله سبحانه وتعالى، هكذا تشكر نعمة الله عليك أن هداك لهذا الدين، أن تكون داعية له، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، محدثاً معترفاً مقراً بهذه النعمة، وتحدث الناس في العام والخاص وتأخذهم إلى هذا الدين، فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم، إذاً هذا معنى جميل ويمكن أن نقابل به ﴿وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، صار الثلاث مقابل ثلاث صح؟

طيب هناك معنى آخر أيضاً ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وهو المعنى المشهور، أنه هو لما كان صلى الله عليه وسلم في قمة الضيق، قلنا عادة الإنسان في ساعات الضيق بغبش أمامه الرؤيا، فيصبح لا يستطيع أن النعم العظيمة، فالله عز وجل لما ذكره بالنعم العظيمة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ أعطاه كلمة ختامية، إياك في ساعة الضيق أن تكفر نعمة الله عليك، بل حدث بنعمة الله عليك حتى ولو ألهبت الدنيا بك، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، إذا حملناها بنعمة ربك على جميع النعم، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]، أي نعم الله، فكان الآية على التفسير الثاني واما بنعمة ربك يعني بنعمة فهي صحيح مفرد من حيث اللفظ لكن أضيفت إلى معرفة فعند الأصوليين.

تفيد العموم، فكان المعنى: وأما بنعمة الله فحدث. قل دائماً إذا سُئلت؛ كثير من الناس يكون مبتلى، تقول له: يا فلان كيف وضعك؟ يقول: يا شيخ الله يكفينا الهم، لا، ما هو هكذا، احكِ: الحمد لله، حدث، والله الحمد لله أموري طيبة، وعندي سيارتي وعندي أولادي وحياتي ماشية، الحمد لله. تعلم كيف تشكر الله في الشدة والضيق، ولا تكن ذاك الإنسان الذي إذا ابتلي دائماً يشكو الله إلى الناس، والله ربنا ابتلاني بكذا، ربنا عمل فيَّ هيك، لا، بنسمع هذه الكلمات كثيراً. والله بعض الناس لو راتبه ألف بتلاقيه يشكو لك، الله يا شيخ ما هو مكفيني، في ناس اعتادت الشكوى وخاصة في مجتمعنا، راتبه ألف يشكو، راتبه ألفان يشكو، طيب يا أبا الحلال، شو هي السقفة اللي راح توقف عندها عن الشكوى؟ أعطيني، سبحان الله! ولا يملأ فاه إلا التراب، هكذا البني آدم؛ معه ثلاثة آلاف يظل يشكو، والله بعض الناس خمسة آلاف ويشكو، بقول بوضع مادي غريب، يقول لك: والله الحمد لله كان معي عشرة آلاف، خمسة آلاف... طيب يا شيخ في ناس تأخذ ثلاثمئة دينار وماشية ومستورة وأمورها تمام، أنت بتحكي عن الخمسة آلاف زعلان وبتشكو وأخذوا مني فاتورة وعد، أحمد الله، تعلم حمد الله، تعلم: والله الحمد لله أموري جيدة والحياة طيبة وعندي أولادي وذريتي.

كما كان عبد الله بن الزبير، إذا ما خانتني ذاكرتي، أو عروة، لما كان في سفر، تمام، لما كان في سفر ومعه ابنه وأصيب بداء في القدم، فكان ابنه نائماً، الآن كان هو في سفر، خارج... نسيت الاسم، أحد التابعين المهم أظنه تابعياً، كان في سفر ومعه ابنه، فابنه نام بجانب الفرس، فوطئ الفرس على ابنه فقتله، يعني الفرس تحرك حركة فقتل ابنه، وأصيبت قدمه بداء في هذا السفر فبُت قدمه، قال له: ما فيش إلا بتر، غرغرينا أو شيء من ذلك. فلما عاد إلى وطنه، والناس جاءت تعزيه على مصابين، جاءت تعزيه على مصابين، فقد ابنه في السفر وفقد أحد رجليه، قال: أما الأبناء فكان عندي أربعة فأخذ الله منهم واحداً وأبقى لي ثلاثة، قال: أما الأقدام فكان عندي اثنتان فأخذ الله واحدة وأبقى لي واحدة، والحمد لله. شوف النظرة الإيجابية، يعني لم يقل إن الدنيا اختلفت والدنيا تكركبت، طبعاً أنا أقول هذه الحالة الإيمانية ليست سهلة، إنسان تعامل مع الله عز وجل بكل هذا الرضا، تحتاج تربية إيمانية في وقت الرخاء تُعد بها لساعة الشدة. احفظ الله يحفظك، تعرف على الله في الرخاء، ابنِ إيمانك حال الرخاء، يعرفك الله في الشدة، فهذه التربية ليست سهلة.

كذلك حال إخواننا في غزة وغيرهم مما رأيتم، الناس التي ابتليت بفقد الأحبة والإخوة والبيوت وكل شيء، وبعد ذلك يقول لك: الحمد لله، خلص هذا قدر الله. شوف الفرق بين إنسان، يعني رجل أحد المقاطع التي رأيت، رجل اشتغل في عمارة بيته أربعين سنة، هدموا له إياه اليهود عليهم لعنة الله بصاروخ واحد، أربعين سنة وهو يجمع الدينار على الدينار مشان يبني بيت وعمارة له لأولاده، صاروخ واحد أنهى طموح الأربعين سنة، ومع ذلك يقول لك: الحمد لله، هذا إيمان. اليوم واحد بس ينزل راتبه خمسين ديناراً بيشكو الدنيا كلها، مش أنه هدم طموحات وأحلام بس خمسين دينار خليها بتنقلب عنده الدنيا، أو يتأخر راتبه عن آخر الشهر، بس يتأخر الراتب شوي تسمع الضجر، هذا حقيقة، في بعض الأمور ترشدك إلى طبيعة إيمانك؛ أنا شو مستواي الإيماني؟ هل أنا من الناس الذين إذا أحدقت بي البلايا أبقى شاكراً حامداً لله عز وجل، ناظراً إلى النعم الأخرى، أم أنا من ذاك الصنف الذي بس بلاء شديد تغير ببعض الأوراق أكفر بنعمة الله؟ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ [الحج: 11]، فعلاً؛ فإن أصابه خير الدنيا ماشية معه على كيفه اطمأن به، يقول لك الإسلام والحمد لله، وإن أصابته فتنة، بس تغير من تغيرات الحياة لا يعجبه، انقلب على وجهه، ساء ظنه بربه، يشكو، بينتكس، بطل يصلي، بديش الالتزام، بديش طريق الخير، أنا شو اللي جابني عند المشايخ؟ يا عمي خليني أنا في حياة... بينتكس بس فقط تغير من تغيرات.

فرق هائل بين إنسان يعرف حقيقة الإيمان وحقيقة الدنيا، وبين إنسان فقط عايش على أنه أنا أتعامل مع الله على سياسة الأخذ والعطاء؛ إذا أعطاني رضيت، وإذا لم أعطَ سخطت. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. لو أنهم رضوا لأفلحوا، لكن سبحان الله.

طيب، أقرأ بس سريعاً عن الآيات: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]، فلا تغلبْه على ماله وحقه لضعفه، ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]، فلا تزجر، فابذل قليلاً أو رد جميلاً. وعن السدي، المراد طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، أي حدث بالنبوة التي آتاك الله. جم هذا التفسير ذكره السدي، جعل حمل السائل على طالب العلم الذي يسأل شيخه عن العلم، قال: وأما السائل فلا تنهر، إذا جاءك طالب علم يسألك لا تنهره أيها الشيخ، واجبه. تمام، بس يعني الآية طبعاً خلينا نقول معناها أوسع، يشمل السؤال المادي والسؤال المعنوي. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي حدث بالنبوة التي آتاك الله. شوف شو قال: حدث بالنبوة، يعني الإسلام، الإسلام، الهداية التي آتاك الله، وهذه مقابل ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7]. وهي أجل النعم، والصحيح أنها تعم جميع نعم الله عليّ الآن، يعني صعب نقول الصحيح ونقول التفسير الآخر أنها عامة، وحدث بكل النعم التي أنعم الله بها عليك، هذا تفسير آخر، لكن المقابلة بتخليها أجمل بالنسبة لك. ويدخل تحته تعليم القرآن والشرائع، أكيد، فمن أعظم التحديث بنعم الله إذا علمك الله علماً أن تعلمه للناس، وإذا علمك الله القرآن أن تعلمه للناس، فتعليم الناس الخير هو داخل تحت ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فإذاً نحن ملزمون أن نعلم الناس، لأنه هذا صيغة أمر، فحدث، ربنا بأمرنا أنه العلم الذي عندك لا تكتمه، لا تستهين في نشره، أي علم ربنا يعطيك إياه وأنت تجد وقتاً لنشره ينبغي عليك أن تنشره.

طيب، نبدأ بسورة الشرح، سورة الشرح هي دعونا نقول تشعر أنها كالتكملة لسورة الضحى، فما زلنا في سياق تعداد النعم، لكن كما قلنا ربما هنا نعم من نوع آخر: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 1-4]. فإيش المطلوب مقابل تلك النعم الثلاث الأولى، وهي نعمة: يتيماً فآوى، وضالاً فهدى، وعائلاً فأغنى، مقابل تلك النعم إيش قال، إيش المطلوب كان؟ ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. تمام، طيب هنا مقابل هذه النعم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ شو المطلوب؟ الصبر أولاً: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، الصبر والتحمل، بعدين: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]. وهذه السورة قالوا نزلت متأخرة عن سورة الضحى من حيث الزمن، يعني سورة الضحى نزلت كما قلنا في البدايات عند فتور الوحي، أما سورة الشرح وإن كانت ملتصقة بالضحى، لكنها قالوا نزلت متأخرة بعد أن بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعاني الصعوبات في طريق الدعوة ويعاني الشدائد من كفار قريش ومن المجرمين حوله، فنزلت عليه هذه السورة.

لأن الإنسان الداعية إلى الله عندما يشعر أن العالم ضده، وأن الكفار والهيمنة العالمية ليست واقفة في طريقه، أحياناً مع كثرة التعب والإرهاق والحروب والمعارك تبدأ تلهث، صح؟ تبدأ تشعر بالتعب والإرهاق، بل البعض يقول لك: يا أخي أنا شو جايني من هذه القضية هذه؟ أنا ليش أظلني أدعو إلى الله وأشعر بأنني سُجنت، تعب، اضطهاد، عذاب؟ خلص بتعبد الله في حالي وأترك هذه الشغلة، وإن شاء الله ربنا بيسر واحداً غيري يدعو لهذا الدين، وهي واقفة علي أنا؟ أدعو كثيراً من الناس يصاب بالإرهاق والتعب في المسير إلى الله عندما يرى أن هذا الطريق ليس سهلاً وفي له ضريبة، فيشعر بالثقل، فيشعر بالثقل، أليس كذلك؟ هل النبي عليه الصلاة والسلام شعر بالثقل ففكر أن يترك الدعوة إلى الله؟ لا، وهذه من أعظم نعم الله عليه.

أعظم نعمة للشباب الذين يمارسون الدعوة إلى الله أنك تشعر أنه رغم صعوبة الطريق ومرارته أنك ما زلت تحبه وتهواه، شوف هذه النعمة العظيمة، أن تكون الطريق مؤلمة، موحشة، متعبة، فيها أحياناً دماء وأشلاء وفقد للأحبة وسجون واضطهاد، وتبقى مع ذلك منشرح الصدر له، محباً له، عاشقاً له، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، هذا معنى عظيم إخواني، وهذا معنى يغيب عن كثير من الناس، أحياناً أنت ترى رجلاً مثلاً من إخواننا الذين رابطوا في غزة وقضوا نحبهم، الله يتقبلهم، تقول هذا ثلاثون سنة يقاتل في سبيل الله، ملاحق أمنياً، يعيش تحت الأرض، تعبان، لازم يظل بأسماء خفية، حالته منهكة تماماً من حيث الأوضاع، طيب إيش الذي جاب... إيش هي الحياة يا عم خلص، اطلع فوق الأرض وعش زي الناس، لا، ما هو همه ليس همك وفكره ليس فكرك، هو أصبح رغم كل الصعوبات... الآن أنت تنظر إلى المشهد الخارجي يا أخي، صعوبات وآلام وملاحق ومنهك، وأي شيء طيارة تقصفه، انتهت القضية، تفكر لأنك تنظر أنت من خارج المشهد، ما الذي يجعل إنساناً يتحمل كل هذه الأعباء وكل هذه الآلام وكل هذه الصعوبات مش يوم ولا يومين، ثلاثون سنة وأربعون سنة؟ قضية أن الله أنعم عليه بنعمة عظيمة، وهي نعمة ماذا؟ انشراح الصدر لهذا الطريق. يقول لك أنا أحب هذا الطريق، أجد لذتي في مقارعة الأعداء، هذه والله نعمة.

مثلاً في مكان آخر، إيش نأخذ نموذجاً، مثلاً طالب علم تراه جاداً نهماً عم يقرأ وسهران الليل ومش عم بينام وبيحفظ الألفيات والمتون وكذا، وأنت من برى تقول هذا مسكين متعب حاله، عم بيحفظ متون، والدنيا والآخرة... 350 إماماً فيسجد، يا أخي شو بدك في القصة كلها؟ التعب هذا والإرهاق، فأنت عم ترى المشهد من الخارج تراه، ماذا تقول؟ هذا مسكين، يعني ليش نهاراً بيحضر مجالس العلم ويحفظ المتون ويكرر النص مرة حتى يحفظه، ولا 500 مرة، وكذا؟ مع أن الناس لن تحترم علمه ولن تقبل عليه، والناس لا ترى هذه العلوم التي حواشي حواشي ومتون، بقول لك هذا إيش بيتكلم؟ لا، هو عنده نعمة عظيمة، فهذه الآلام والشدائد هو متلذذ فيها، نعمة ماذا؟ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.

إذا انشرح صدرك إلى باب من أبواب الخير رغم الصعوبات والشدائد التي تمر بها، فاعلم أنك في نعمة عظيمة، فكم من إنسان دخل في طريق الالتزام، دخل في طريق الهداية في أي باب من أبواب الخير أو الدعوة أو الإصلاح، فربنا عز وجل لم يشرح صدره للهداية، لم يشرح صدره لهذا الطريق، فدخل شبراً شبرين، خطوة خطوتين، ضاق عليه، قال أنا مش مقتنع بالالتزام والهداية، فغادر الطريق، وهذه من أعظم الخذلان. فلذلك بدأت هذه السورة وسميت بسورة الشرح، سُميت بهذا الاسم لأنه معنى عظيم جداً جداً في حياة الإنسان، معنى الشرح، أن تشعر بالرضا بالطريق والمسلك العلمي والدعوي والتربوي الذي تخوضه إلى الله عز وجل، لأنه حقيقة لن تستطيع، خذها قاعدة، لن تستطيع الاستمرار في باب من أبواب الخير إذا لم يُشرح قلبك له. صحيح طرق الخير فيها شدائد، وبعضها فيه أهوال، وبعضها فيه ترك لذائذ محبوبة من كثرة النوم والطعام والنساء، لن تستمر في طرق الخير إذا لم يشرح الله صدرك له.

فلذلك الله سبحانه وتعالى، وهو يذكر نبيه بأعظم النعم، من أعظم النعم، وابتدت بها سورة الشرح، أنني يا محمد صلى الله عليه وسلم شرحت صدرك لهذا الطريق على ما فيه من الضنى والتعب، فأصبحت تحبه ولا تضجر منه، فاحمد الله على هذه النعمة. فكم من إنسان محروم من انشراح الصدر، كم من إنسان يتعاطى الدعوة وهو ضيق الصدر بها، كم من إنسان يدرس العلم وهو يعني مرتاب به، ليس منشرحاً له، وبالتالي سريعاً ما ينقلب على عقبيه.

مثلاً في باب النساء، مثلاً، لما ترى امرأة متبرجة تماماً، لما ترى امرأة منقبة تماماً، كيف تكون نظرتها؟ يعني أحياناً أتخيل هذا المشهد أنا، المرأة المتبرجة تماماً، يعني الله يعافينا أحياناً بعضهم حتى بدون ملابس، يعني إلا القليل ما يستر بدا، لما ترى امرأة منقبة من أعلى إلى الأسفل، كيف تفكر فيها؟ برأيي، مش ترى أنه شو هذه الصعوبة التي وضعت حالها فيها؟ خاصة في يوم صائف الحرارة 50، تقول هذه إيش التي عاملته في حالها هي، بتلاقيها مش لابسة حاجة وشوبان، تقول لك هذه المرأة بتعذب حالها ليه؟ ولابسة أسود من فوق لتحت أو أخضر أو بس المهم أنه مغطية حالها، طيب الشوب، الحرارة، التعب، ليش بتعذبي حالك؟ هي لا تعرف أن تلك المرأة المنقبة أصبح انشرح صدرها لهذا الدرب، فأصبحت ترى الجمال والهدوء والسكينة فيه، على ما في الأجواء من الحرارة، يعني هي أكيد في تعب، لكنها تتلذذ بهذا التعب، تتلذذ بهذا الإرهاق، وهذا هو السر الذي يجعلك تفهم لماذا كان الصحابة يصبرون في مكة على لأواء الطريق، بلال يُعذب في الصحراء فيصبر، وخباب وغيرهم ممن وُضع على ظهرهم الفحم والحديد المحمى، يصبرون؛ لأنه أصبح يشعر بالانشراح لهذا الطريق، هو مطمئن لدربه واختياره في الحياة.

أنا أفصل فيها لأننا لا نعرف عظم هذه النعمة؛ خاصة الشباب الذين على الخير والالتزام. إذا ربك شرح صدرك لحضور مجالس العلم، فاحمد الله؛ فكم من إنسان ينقبض صدره إذا سمع بمجالس العلم! وكم من إنسان يرى اسم دورة علمية أو مجلساً فيقفز على السوشيال ميديا، أما أنت فتجد نفسك حريصاً على الموعد وتنتظره وتترقبه؛ لأنه ربك شرح صدرك لهذا الطريق وصرف قلب ذاك الرجل. فكل باب من أبواب الخير احمد الله إذا شرح قلبك له؛ إذا شرح قلبك للصدقة، أو لحفظ القرآن، أو لأي باب، اعلم أنها نعمة عظيمة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، أنعم بها وأكرم.

الله ثم قال: اقرأ التفسير. ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك. هو ليس نفياً وإنما هذا يسمونه استفهاماً تقريرياً؛ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ بلى يا رب شرحته لي. نعم، ولذا عطف عليه ووضعنا اعتباراً للمعنى؛ أي فسحنا بما أودعنا من العلوم والحكم. أي سيبين ما معنى الشرح؛ الشرح هو في اللغة أصلاً بمعنى التوسعة، أليس كذلك؟ الفسح، وسعنا بما أودعنا من العلوم والحكم، بل حتى من الطمأنينة والسكينة والتوفيق؛ كل المعاني تدخل تحت الشرح. نعم، حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين؛ فهو صلى الله عليه وسلم كان مكلفاً بدعوة الإنس بل حتى الجن. نعم، فأزال عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل، وكذلك الضيق والحرج الذي يكون مع التعب والألم؛ مش فقط العمى والجهل، بل حتى الألم. فشرح الصدر أعم من قضية مجرد أنه أعطاه علوماً وحكماً، هو أعطاه الرضا والطمأنينة بالاختيار بهذا الطريق الذي هو فيه.

﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2]، وخفف عنك أعباء النبوة والقيامة بأمرها، وقيل هو زلة لا نعرفها بعينها وهي ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه أن غفر له، والوزر الحمل الثقيل. النعمة الثانية التي ذكر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم -ولاحظوا هنا تذكير بأمور إيمانية وجدانية، شرح الصدر أمر وجداني- ثانياً: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾؛ الوزر في اللغة ما هو؟ هو الحمل الثقيل، هذا أصل معنى الوزر، الحمل الثقيل يسمى وزراً، قال: ووضعنا عنك حملك الثقيل. ما هو الحمل الثقيل هنا؟ ما المراد به؟ اختلف المفسرون على قولين؛ البعض قال: الحمل الثقيل هو أعباء النبوة وتكاليف الدعوة، فالمعنى أن الله خفف عنك هذه التكاليف بأن يسر لك من يعينك سواء من الملائكة أو من أصحابك أو من زوجتك أو من الناس من حولك. فالمعنى الأول: ووضعنا أي خففنا وسهلنا عليك وزرك؛ أعباء النبوة التي أنت تحملها على ظهرك يا محمد صلى الله عليه وسلم، فسخرنا لك الجبال، وسخرنا لك الأصحاب، وسخرنا لك الزوجات الصالحات، وسخرنا لك الأصحاب الشجعان. وهذا كله من تخفيف أعباء النبوة، لما الإنسان يشعر أن هناك أناساً معه يدعمونه في الطريق، ليس كأن يكون وحده لا أحد يدعمه في هذا السير إلى الله سبحانه وتعالى.

المعنى الثاني قالوا: الوزر هنا بمعنى الإثم، ومعنى ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ أي وضعنا عنك الآثام التي أنقضت ظهرك. وهذا حقيقة يحتاج قليلاً إلى تأمل؛ هل كان صلى الله عليه وسلم يفعل المعاصي عليه آثام أنقضت ظهره؟ هنا سندخل في مسألة عقدية فيها خلاف طويل: هل الأنبياء يفعلون الصغائر؟ في كتب العقيدة ترون في باب النبوات خلافاً، الكبائر باتفاق الجميع لا أحد يفعلها من الأنبياء، لكن الصغائر، هل يمكن أن يقع فيها النبي؟ جمهور أهل العلم على أن الأنبياء لا يقعون حتى في الصغائر، وإنما يقعون في خلاف الأولى الذي عبر عنه النسفي بترك الفاضل وفعل المفضول، يقعون في خلاف الأولى أي يفعل شيئاً ليس هو الأولى لكنه ليس معصية. البعض قال: لا، الأنبياء لا يمكن أن يقع منهم صغائر، بل مباشرة يتوبون منها. لكن بغض النظر؛ سواء قلنا الوزر هو ترك الأولى أو قلنا الوزر هي الصغائر، ألا تشعرون أن الآية فيها تعظيم لنظرة المؤمن للمعاصي والذنوب أو لمخالفته الأولى؟ يعني لما ربنا يعبر حتى أسهل عليك التدبر، لما نقول ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، يعني إثمك الصغير الذي أنقض ظهرك. الآن نحن نفعل كثيراً من الذنوب في اليوم والليلة، ولا نراها شيئاً، وأما الأولياء الأتقياء إذا فعلوا معصية صغيرة رأوها حملاً ثقيلاً على ظهرهم، يعاتبون أنفسهم عليها ويجلدونها عليها، يشعرون بعبء الذنب الصغير. لاحظ ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، إذا فسر الوزر بالذنب الصغير، يعني وضعنا عنك وزرك، هي ذنوب صغيرة كانت بالنسبة لك لأنك مؤمن وولي من أولياء الله كنت تراها كالجبل، ولذلك جاء في الحديث: «إن المؤمن يرى ذنبه الصغير كجبل يسقط عليه، وأما الفاجر فيرى ذنبه كأنه ذبابة سقطت على أنفه».

الشباب والنساء الذين أربع وعشرون ساعة على السوشيال ميديا، وتطلع على النساء والمعازف والموسيقى والأفلام؛ هذا لا يرى ذنوبه، هذا في اليوم يعمل له خمسمائة معصية ومش شايفها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كذبابة وقعت على أنف، أشار هكذا وخلص، ويحكي ويقول لك: أستغفر الله وأصلي ركعتين ويمشي الحال وخلصنا. هكذا نظرته لعلاقته مع الله، هو لا يعرف قدر ربه. دائماً علماء السلف يقولون: لا تنظر إلى صغر المعصية، لكن انظر إلى عظمة من عصيت. يعني ما تقول: يا شيخ كلها نظرة عين، ما تكبروها يا مشايخ، أو كلها كلمة مع بنت، ما صار شيء. أنت لا تنظر لأن المعصية صغيرة، أنت انظر أنت تعصي من؟ أنت تعصي الإله، تعصي الذي خلقك وأعطاك ومنحك وأعطاك كل شيء، وأعطاك مش مليون ولا مليونين، أعطاك وجودك وذاتك، ومع ذلك أنت تعصيه. فلذلك شوف التعبير الفخم أن النبي صلى الله عليه وسلم -إذا قلنا إن الوزر هو مخالفته للأولى، وهذا ما أميل إليه- كان يرى مخالفته للأولى، يعني كما في قضية ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1]، تعرفون قصة ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ لما جاء عبد الله بن أم مكتوم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه اشتغالاً بدعوته لكبار قريش، ربنا عاتبه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]، النبي صلى الله عليه وسلم شايفين هذه المعاتبة الصغيرة هي فقط خلاف الأولى، هي مش معصية على الصحيح، هي خلاف الأولى، كان يراها كالجبل العظيم.

و﴿أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: 3]، شو يعني أنقض ظهرك؟ يعني كاد يكسر ظهرك، والنقض هو صوت الشيء لما تحمله كمية هائلة. مثلاً هذا المكتب لو وضعت عليه طناً من الحديد، ستسمع صوت نقيض، صوت عزيز؛ هذا الصوت يكون في الأشياء عندما تحمل عليها شيئاً ثقيلاً فوق طاقتها، فكان صلى الله عليه وسلم يرى الذنوب الصغيرة، أو يرى مخالفته للأولى في حقه، كان يراها وزراً ثقيلاً أتعب ظهره، فجاء الله ليقول له: نحن عفونا لك عن هذا ومحوه عنك. شوف عظمة النبي عليه الصلاة والسلام في نظرته للأشياء الصغيرة كم هي كبيرة في حق مولاه، كيف أخالف الأولى في حق مولاي؟ وانظر إلى ما هو أعظم؛ عظمة الرب سبحانه وتعالى في عفوه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وإزالة الهم والضيق الذي كان يجده في صدره من هذا الموضوع. إذاً الوزر هنا له معنيان: إما أعباء النبوة، ومعنى ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ الذي أنقض ظهرك التخفيف من أعباء النبوة بأن وجدنا لك الأنصار والداعمين من الملائكة وأصحابك، أو المعنى الثاني أن الوزر هو مخالفته للأولى أو وقوعه في ذنوب صغيرة عند رأي بعضهم -وإن كنت لا أميل لهذا- فكان يراها شيئاً كبيراً يغتم قلبه له، فالله قال له: وهذه سامحناها عنك ووضعناها عنك وأخفف عنك فيها.

ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]، من الذي رفع ذكره صلى الله عليه وسلم؟ فأصبح ذكره في الأذان، نحن في كل أذان نقول ماذا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أصبحت سنته على كل الألسن في جميع البلدان، وأصبح اسمه أكثر الأسماء على وجه الأرض، أكثر المسلمين اليوم يسمون أبناءهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، حتى في الإحصائيات أكثر اسم يسمي به المسلمون أولادهم محمد صلى الله عليه وسلم. فكلمة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ احملها على كل ما تراه من رفع ذكره؛ سنته، مجالس سماع الحديث، قراءة الكتب، ودائماً قال صلى الله عليه وسلم سمعناه. من الذي رفع ذكره وصيته حتى أصبح على ألسنة المتقدمين والمتأخرين وذكره في السماء قبل الأرض؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي يمنحك الصيت والذكر. بعض الناس يفتش لنفسه عن صيت، وبالتالي يفعل كل الطرق المشروعة وغير المشروعة؛ بده الشهرة، بده الناس تعرفه، بده يذكر في المحافل العامة والخاصة، المهم أن الناس تعرفني، هو يعيش من أجل الشهرة. وعليك أن تعلم أن الله إذا وضعك والله لو دفعت للسوشيال ميديا الآلاف تبحث عن دعم، وإذا جبت الجماهير تدعمك، والله لم يقدر أن يرفع لك ذكراً، ستبقى دنيئاً. وإذا قدر الله أن يرفع لك ذكراً حتى ولو لم تكن لك صفحات على السوشيال ميديا، حتى ولو كنت إنساناً مغموراً لا يعرفك الناس، وإنما تدعو إلى الله بهدوء، والله سيرفع الله رغماً عن أنوفهم. كم من إنسان يكون مطارداً ملاحقاً، يصبح الآن يلهث وراءه ويرفع، هي هكذا الحياة الدنيا أيها الكرام ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.

ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو اجتمع الناس أن يخمدوا ذكرك وأراد الله رفعه، سيرتفع رغماً عن أنوفهم. ولو أراد الناس أن يجعلوك مشهوراً، وأتوا بالمنافقين وجاملوك وحطوك على الإعلام وحاولوا يشوفوا ذباباً إلكترونياً مشان يصدروك، من الله كما طلبه إبراهيم من الله لما قال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]، طلب ما معنى لسان صدق في الآخرين؟ اجعل لي ثناءً طيباً بين الناس. من أين طلب الذكر؟ من الله، مش من الناس والجمهور والسوشيال ميديا، ويبحث عن داعمين، وأحد يشتري له، وأحد يصدره، تعرفون هذه التصرفات الدنيئة، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، فأصبح ذكرك مقترناً بذكر الله في كل المحافل وفي كل الأماكن، وهذه نعمة عظيمة. والإنسان لما يكون مهموماً كحال النبي صلى الله عليه وسلم في فترة الدعوة المكية، لما كان يقاتل مع عصابة قليلة لا تتجاوز الأربعين، يحتاج إلى هذا الدعم، يحتاج إلى التثبيت: ذكرك سيرتفع، سيصبح اسمك أعلى اسم في هذا العالم وفي هذا الوجود. لكن نحتاج في الموضوع إلى صبر، نحن نعلم أنك تقاسي، وأن الحياة مرة، وأن الوضع صعب، لكن اصبر يا محمد صلى الله عليه وسلم.

فماذا اتبعها؟ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، إذاً صبر، ثم أعاد ليطمئن. كرر الجملة مرتين، وهنا قال العلماء: لن يغلب عسر يسرين. لماذا؟ لأنه العسر عرفه بالألف واللام في الآيتين؛ قال ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾، العسر هنا معرفة، يسراً هي نكرة، ثم قال في الآية الثانية مرة أخرى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ معرفة، يسراً نكرة. الشيء إذا عرف مرتين على التوالي يكون الثاني هو نفس الأول؛ مثلاً لو قلت لك: جاء الرجل فرأيت الرجل، الرجل الثاني هو نفس الأول لأني عرفته. الشيء إذا ذكر معرفة على التوالي مرتين فالثاني هو الأول، جاء الرجل فرأيت الرجل فجلس الرجل، أنا بحكي عن شخص واحد لأني أتيت به معرفاً بأل التعريف في كل الجمل. أما إذا نكرته في جمل متتالية، فقلت: رأيت رجلاً فجاء رجل فجلس رجل، أحكي عن كم شخص؟ عن ثلاثة، فالأول مش هو الثاني مش هو الثالث. ففي هاتين الآيتين الله ذكر العسر معرفاً مرتين، فالعسر في الآية الثانية هو نفس العسر في الآية الأولى، لكنه ذكر اليسر منكراً في الأولى ومنكراً في الثانية، إذاً فاليسر الثاني ليس هو اليسر الأول بل هو يسر آخر، فكأنه قال: هناك عسر واحد يا محمد صلى الله عليه وسلم، وسيكون لك يسران لمعالجته، يسر ويسر.

هذا يخلي الإنسان دائماً يعلم ويعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، دائماً الفرج قريب في لحظات الشدائد والضيق، وهذه كانت للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، دعم في لحظات حياتهم، المستضعفين في مكة دائماً، أي إنسان في حرب في بلاء يحتاج إلى حقائق دينية مش مجرد مسكنات، هذه حقائق من الله: أن النصر صبر ساعة، وأن العسر مهما طال بإذن الله الفرج قريب، بس اصبر قليلاً وستجد الله معك. هذه مهمة جداً للدعاة الذين يشعرون بضيق السجون وضيق الحياة وضيق المسير، اعلموا أن الفرج قريب، والفرج له أشكاله؛ الشهادة في سبيل الله فرج، يعني بعض الناس يقول لك: اليسر ايش هو؟ طب ما استشهد، وين اليسر؟ ما هو الشهادة يسر في مفاهيم العارفين بالله إني أخلصت من.

الدنيا شو بدك أكثر من هيك؟ يسر، أخلصت من العناء والتعب والألم والنكد، هذا أكبر اليسر. فالشهادة هي إحدى الحسنيين، ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: 52]، هيك ربنا قال في القرآن.

فما المطلوب منا يا الله بعد أن ذكر له عن ضرورة البر وأن اليسر سيعقب، قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. لاحظ ما قال فإن بعد العسر يسر، إنما قال فإن مع العسر يسراً، ومع تدل على الاقتران؛ أي قريب جداً. كأن بعضهم كما قالوا: كل بلاء معه فرجه، كل بلاء ربنا بينزله على الموحد العارف بالله، كل بلاء معه فرجه بس أنت مش شايفه تمام؛ فلذلك ربنا قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ ولم يقل فإن بعد العسر، فكن واثقاً باقتراب الفرج.

طب إيش المطلوب مني وأنا أنتظر الفرج؟ انتظار الفرج عبادة، صح؟ جاء في الحديث: «إن انتظار الفرج عبودية»، أن تنتظر الفرج وتترقب، لكن كيف أملأ الأوقات وأنا أنتظر الفرج من البلاء؟ وأنا أنتظر الفرج من الأزمات؟ وأنا أنتظر الفرج من الكروبات وتسلط الأعداء؟

نعم، هسا حكينا أول شيء الصبر ممتاز، لكن الآية شو بتعطيك العلاج؟ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 7-8]. ما دام الموضوع بده صبر، كيف تملا ساعات الصبر؟ مو هذا سؤالي؟ كيف تملا ساعات الصبر التي أنت تنتظر فيها الفرج؟ قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾، إذا أنهيت أعمالك الدعوية وأنهيت برامجك مع الناس ودخلت في بيتك، إذا فرغت من أعمالك الدعوية روح كل، صح؟ لا، روح نام، وإحنا هيك بنعمل: أعمال الدعوية يلا شباب بدنا منسف اليوم لأنه خلصنا أعمالنا الدعوية، الله يرضى عنهم الشباب، أو مثلاً يروح ينام ولا يشوف له فيلم طويل، يا عمي أنا خلصت من الصبح للمساء وأنا بدعو الناس، خلص على المسويات بدنا نقعد مع الشباب ونترفه، آه عرفت، ما لنا مشكلة، لنا في قدر من الراحة، أنتم فاهمين علي، بس الفكرة أن الله ماذا قال لنبيه؟ إذا فرغت من أعمال الدعوية والجهد والعناء وأنت تدعو وتكافح، في ساعات الليل مش حينفع تضل طول الليل نايم، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾، انصب قدميك بين يدي الله، التجئ إلى الله، اجعل خلوتك بالله في ساعات الليل عوناً لك على مقارعة النهار؛ لأنه النهار ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7].

فأنت تحتاج إلى مغذٍ لساعات الدعوية والكفاح، فإذا فرغت من معالجة النهار والناس، فانصب في ساعات الليل بين يدي الله، هكذا هي قاعدة الدعوة إلى الله، وإن كنا نقصر عن هذا المقام لكن هذا هو الكلام الصحيح، لأنه كلام ربنا. الإنسان الداعي إلى الله يعرف أن الحياة الدعوية تحتاج إلى زاد، وزادي يكون في ساعات الخلوات؛ إني لازم يكون لي قسط من قيام الليل، مش حينفع كل الليل نوم، وفي الصباح يلا بدي أروح أمارس الدعوة، ما أنت رح تجد مشاكل ومصائب والناس والأحوال، بده يكون لك قسم من العبادة، قسم من الذكر، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾، هذه قاعدة من الله لكل السائرين إلى الله، لكل الدعاة، لكل من يعمل لهذا الدين، تحتاج إلى ساعة الخلوات بينك وبين رب العباد.

قال: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾، في هذه الخلوة في هذه الشدائد وفي هذا الضيق قال: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾، لا إلى سواه؛ هذا أسلوب حصر، إلى ربك لا إلى سواه فلتكن رغبتك؛ لأنه الإنسان في ساعات الضيق أحياناً يصبح يتعلق بالمخلوقين ويتأمل من فلان أنه فلان هو اللي راح يساعدني وبيصير، وفلان هو اللي راح، فتصبح رغبته وتعلقه بالمخلوقين أن يساعدوه في انفراج الأزمات، ونوعاً ما هذا الشعور في جانب أنه طبيعي، لكن ليس هذا هو المقام الأعلى أن يكون تعلقك بالمخلوقين في ساعات الشدائد أعلى من تعلقك بالله، بل اجعل رغبتك وتعلقك في انكشاف الكرب بالله، ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ﴾، لا إلى سواه فلتكن رغبتك وإقبالك واندفاعك وطلبك للفرج من عند بابه، وهذه حقيقة قواعد عظيمة.

طب تمام، هذه قواعد عظيمة للسائرين إلى الله: الصبر، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، كيف تستغل ساعات الصبر؟ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾، بالإقبال على الله والالتجاء إليه، وليس بالنوم والغفلة، ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾، اجعل قلبك دائماً راجياً متعلقاً ناظراً أن الفرج من عنده، أن الفرج هو الذي سيأتي به، فأنت ترغب إليه في إحضار الفرج، ولا يكن قلبك متعلقاً لا بهيئة الأمم ولا بحقوق الإنسان ولا بكذابين، هؤلاء ما راح يجيك الفرج من عندهم، الفرج من عند الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ﴾، لا إلى سواه فارغب.

حقيقة المعاني عظيمة هذه وقفة سريعة مع سورة الشرح، في المجلس القادم إن شاء الله نمر على معاني سور أخرى من هذه السور، لكن المجلس القادم بعد همم إن كان لنا في العمر بقية، الأسبوع القادم إن شاء الله، برنامج همم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.