غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، من أهلك وخاصتك، اشغلنا به واجعلنا ممن يفهمه، واجعلنا من العالمين بمعانيه. اللهم أسعدنا بالقرآن، واشرح صدورنا بالقرآن، واجعلنا دوما نتحلق حول موائد القرآن؛ فإنها نعمة المائدة، نعمة المائدة التي أنزلت على الأرض. حياكم الله أيها الأكارم في مجلسنا المستمر في تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى مع تفسير العلامة النسفي.
وصل بنا الحديث إلى تفسير سورة الليل، وسورة الليل تأتي في ترتيب القرآن بعد سورة الشمس، وقد شرحنا أو علقنا في المجلس الماضي على سورة الشمس وعرفنا هذا القسم الطويل الذي يتكلم عن قضية النفس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. وعموما السور المكية، خاصة هذه السور القصيرة المبنى العظيمة المعنى، هي تشكل قاعدة في المفاهيم الحياتية، قاعدة عامة في المفاهيم. لا يصلح أن يمر عليك جزء عم مرورا سريعا هكذا، كل سورة من جزء عم تشكل مجموعة من القيم والمفاهيم والعقائد والتصورات التي تبني إيمان المؤمن.
تذكر دوما أن هذه السور هي الوجبة الأولى التي أخذها الصحابة الكرام وهم مستضعفون في مكة. لابد أن أتخيل أن الصحابة وهم يجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ويتدارسون معاني الإيمان، ما كانوا يتدارسون سورة البقرة لأنها نزلت في المدينة، ما كانوا يتدارسون سورة آل عمران لأنها نزلت مدنية، أو النساء، إنما كانوا يتدارسون أمثال هذه السور التي تشكل لهم قواعد البناء قبل أن يخوضوا رحلة الدعوة ورحلة التغيير ورحلة الإصلاح وبناء الإيمان والنفس.
سورة الليل أيضا سورة عظيمة في إعطائها مجموعة من المفاهيم في حياة الإنسان المؤمن، خاصة مفهوم البذل والعطاء لوجه الله سبحانه وتعالى. وأن الإنسان في مرحلة الاستضعاف، وعندما تمر الأمة في أحلك لحظاتها، أعظم الناس هم الذين يقدمون ويبذلون ويعطون وهم مؤمنون أن الله سبحانه وتعالى سيظهر ثمار هذا العطاء في الدنيا تمكينا لهذه الأمة إن شاء الله لاحقا، وفي الدار الآخرة ثوابا على ما فعلوا. هؤلاء أصحاب النفوس والهمم العالية الذين يعطون ويبذلون مصدقين بأن ثمار هذا البذل والعطاء في حالة الاستضعاف سيجنون ثمارا في حياة الأمة آجلا وفي الدار الآخرة، وإنما همهم من كل البذل والعطاء ابتغاء وجه ربه الأعلى. هؤلاء الله عز وجل يعدهم بأنه ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.
هذا المسلم، وهذا لا بد أن تفهم وأنت تعيش السورة؛ لأن سورة الليل قيل في سبب نزولها أنها، وهذا هو المشهور، أنها نزلت في أبي بكر الصديق لما كان يعتق الموالي والعبيد المستضعفين، حتى قال له أبوه وكان أبوه مشركا: هلا اعتقت أصحاب غنى يغنون عنك؟ يعني هلا إذا أردت أن تعتق وأنت معتق، اعتق عبدا قويا يغني عنك، يفزع لك في مكة. فأبو بكر الصديق كان مصرا أن يكون عطاؤه في مكة، أن يحرر العبيد الضعاف. فأعتق سيدنا بلال وأعتق أمه وأعتق مجموعة من الجواري والنساء الضعيفات، فكان أبوه دائما يزجره: أنت معتق معتق، اعتق هذا يفزع لك في ضمن مرحلة الاستضعاف.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما كان ينظر إلى هذه الأبعاد الدنيوية، وإنما كان ينظر إلى أن يقدم شيئا في مرحلة الاستضعاف ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل قال له: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. شوف ما أجمل هذا الوعد الإلهي في ختام السورة! سترضى يا أبا بكر الصديق، ويرضى كل من سار على خطى أبي بكر الصديق. ما هي خطى أبي بكر الصديق؟ هي خلاصة السورة: البذل والعطاء في أوقات الاستضعاف، وتطلب الثواب من الله سبحانه وتعالى، لا تطلب من أحد جزاء ولا شكورا. أقدم لدين الله مما عندي من الفكر والجهد والوقت والمال والحياة، أبذل وأقدم وأنا أرى الحالة مستضعفة، وأن الناس لا يوجد هناك كما أقول تمكين حالي، لكنني إنما أقدم في هذه اللحظات ابتغاء وجه ربه الأعلى فقط لا غير. هكذا المؤمن، خاصة أن القرآن يعزز من قيمة العمل في أوقات الضعف.
مثلا لما أخذنا في سورة البلد: ﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: 14]. في سورة الحديد لما أخذنا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: 10]. القرآن دائما يعزز أن العطاء في زمن الاستضعاف، وبذل الأوقات والمال والجهد في زمن يكون فيه الأمة في أسوأ أحوالها، ليس كالعطاء في زمن التمكين وأنت في أمان والرايات خفاقة. ﴿لَا يَسْتَوِيَانِ عِندَ اللَّهِ﴾، ﴿أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: 10]. فسورة الليل هي تركز على هذا المعنى.
أظن أصبح المعنى واضحا، أنني أنا كمسلم علي أن أعطي: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾. أعطي وأبذل وهذا العطاء لا بد وأن يكون وفق قواعد الشريعة، ﴿أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾، وهو موقن أن هذا العطاء سيظهر ثمره أولا عند الله، لن يضيع الله جهدي حتى ولو أنا لم أرَ النتائج، لا إشكال عندي، فأنا أعطي ابتغاء وجه ربه الأعلى. وأن هذا العطاء أيضا هو جزء من بناء الأمة، وجزء من ثمار صغيرة، قد أموت في هذا الطريق وغيري يرى الثمار، لكنني مصدق بالحسنى، مصدق أن العاقبة لهذا الدين، مصدق أن أعمالي التي أعطيها لدين الله لن تذهب سدى. هؤلاء هم الذين يعدهم الله في آخر السورة: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾. أنت أيها الشاب المسلم، سأرضيك إذا كانت هذه نفسيتك وتعاملك ونظرتك للعطاء والبذل في سبيل الله.
بخلاف الآخر الذي بخل عن العطاء واستغنى، وشعر أنه لا يريد أن يبذل حفاظا على ما لديه من المال والحياة الرغيدة، لا يريد أن يفرط بمصالحه الدنيوية. الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾. هي أفكار عامة في السورة، لكنها تدندن حول البذل والعطاء في أزمنة الاستضعاف ابتغاء وجه الله؛ لأنه الذي يقدم في أزمنة الاستضعاف، يا شباب، هو في العادة قد لا يرى أي نتيجة في حياته، قد تكون النتيجة في أجيال لاحقة. أنا فقط أزرع البذرة وأقدم وأنا مش شايف أي نصر، صحيح ولا لا؟ يعني أنا أقدم وأعطي مع أن الحالة التي حولي في الواقع الإسلامي أن الناس مستضعفة، الناس مساكين، العدو قاهر، الأمم المتحدة والصهيونية العالمية مسكوا مفاصل الأمور. فأنا أعطي ومتيقن أن المستقبل لهذا الدين مع أنني أنا قد لا أرى، ولم أرَ النتائج في حياتي.
طب ليش تقدم وتبذل وأنت لا ترى النتائج في حياتك؟ ابتغاء وجه ربه الأعلى. أنا أقدم من أجل ربي، وهذا الإخلاص والصدق في العطاء لوجه الله سبحانه وتعالى ليس انتظارا لنتائج ولا لشيء، هذه حياة المسلم، أنا أقدم ابتغاء وجه ربه الأعلى. هكذا أبو بكر الصديق، أبو بكر ما كان يعرف هل ستطول به الحياة أن يهاجر إلى المدينة؟ ما كان يعرف هل سينتصر؟ ماذا سيحصل في المراحل القادمة؟ هو كان يبذل في مكة وفق اللحظة الراهنة التي كان يعيشها، يذهب إلى المستضعفين من العبيد يعتقهم، وهو لا يعرف إلى أين ستؤول الأمور، لكنه مصدق أن المستقبل لهذا الدين، ومنه سمي أبو بكر الصديق، مش هذا لقبه؟ هو مصدق أن هذه الأعمال، إعتاق أم بلال والضعاف، وإن كنت أنا لا أرى ثمارا عاجلة ولا أعرف ماذا سيحصل في قابل الأيام بالنسبة لي، لكنني مصدق أن هذه الأعمال لن تضيع عند الله وأنني سأجد ثمارها.
فالله عز وجل يعلي من قيمة هذا العمل، يعلي من قيمة هذا الشخص الذي يفكر بهذه الآلية. كثير من الشباب عندما يفكر في البذل والعطاء للدين ويريد تحصيل نتائج عاجلة، أو يريد تحصيل ثناء، أو يريد تحصيل حالة اجتماعية، أو بحث عن جمهور أو متابعين على السوشيال؛ المهم صفاء النوايا محدود، وكله يبحث عن ماذا؟ عن لذة عاجلة وثناء عاجل أو ثمار عاجلة حتى يستمر في العمل. لا، الله يعلي من قيمة ذاك الإنسان يقدم فقط لا غير ابتغاء وجه ربه الأعلى، ما عنده أي بعد آخر، ومصدق أن العاقبة لهذا الدين، وإن كنت أنا أراها ولا لا أراها، هذا ليس من شأني.
إذاً دعونا نعيش في أفياء هذه السورة ونحلق مع معانيها رويدا رويدا، وإن كنت أحب دائما أن نعرف سبب نزول السورة وقد عرفنا سبب نزولها ونعرف الفكرة العامة التي تحور حولها السورة، ثم بعد ذلك ننظر في كيفية عرض السورة هذا المعنى.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ومصنف رحمه الله. بس دقيقة شيخ، أصل إليك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ * فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل: 1-21].
نعم. تقابل الليل مع النهار، نلاحظ أنه سمة شائعة في القرآن المكي أن الله سبحانه وتعالى كثيرا ما يقابل لنا بين الليل والنهار، مثلا في سورة الشمس البارحة أو الدرس الماضي ماذا قلنا؟ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس: 1-3]، عندنا ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 4]. وكثيرا ما يقابل القرآن بين الليل والنهار.
والليل معناه الحقيقي طبعا معروف لديكم، لكنه أيضا هو في الإشارة البلاغية هو دلالة الظلام، دلالة الاستضعاف، حالة الضعف التي يمر بها دائما الإنسان يعبر عنها بماذا؟ بالليل. ولذلك حتى الشعراء الأقدمين عندما كانوا يعبرون عن تكالب الهموم والمصائب عليهم كان لا بد يتكلم عن حالة الليل، كما يقول امرؤ القيس: وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولَهُ عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي فالليل حتى في الشعر العربي الأصيل هو رمز لحالة الاستضعاف، الكربات، البلاء. وهذا هو حال الأمة عندما تكون مستضعفة، أليس كذلك؟ هو ليل ننتظر صباحه، ليل ننتظر صباحه. دائما الصباح هو دلالة التنفّس، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18]، يعني يعطيك انفراجة أمل، يعطيك إشراقة في الحياة، أليس كذلك؟
فهنا تلاحظ أن الله عز وجل بدأ بماذا؟ بالليل في هذه السورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ [الليل: 1]، كأن الظلام عم هذه الأرض وأحاط بها. فنحن نتكلم عن أحوال مستضعفين، نتكلم عن ظلمات، نتكلم عن كربات، لا نتكلم عن حالة الآن النصر والتمكين، لا، عن حالة استضعاف يمر بها الصحابة في مكة، فالله عز وجل يقول لهم: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾. طبعا الليل هو معناه الحقيقي، لكن كما قلنا في التفسير الإشاري، الليل هو يعني لك شعور الظلام، شعور الظلمات، لكن الله يعطيهم وعد بعد ذلك: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ [الليل: 2]، يعني هذا الليل لن يستمر، سيكون بعده ماذا؟ ظلام؟ عفوا، سيكون بعده نهار.
وهناك من يؤمن بهذا في زمن الاستضعاف، هناك أناس يعيشون معنا اليوم، نحن اليوم في حالة استضعاف، أليس كذلك؟ هل نحن في حالة نهار الأمة ولا في حالة ليلها؟ أظن أننا نقر جميعا أننا في حال ليل الأمة، تمام. لكن هناك من هو في الليل لكنه موقن أن هناك نهار سيتجلى، وهناك من يكون في الليل ودائما يعيش مكتئبا ولا يثق بوعد الله ونصره، ويبقى يعيش السلبية، أن هذا الليل سيدوم، وأن هذه الأمة ستبقى مكروبة، هذا سياقه وهذا خطابه وهذه حالته، دائما يثير البلبلة، لا يثق بوعد الله ولا بنصر الله. ولذلك الذي يعيش دائما في الليل ولا يريد أن يؤمن أن هناك نهار يتجلى، تجده لا يريد البذل والعطاء، صح؟ من الذي يبذل في الليل ويعطي؟ الشخص الذي هو موقن أن هناك نهار لهذه الأمة. فتجده وهو في ظلمات الأمة وكرباتها يبذل ويعطي ويخدم دين الله سبحانه وتعالى؛ لأنه موقن أن هناك نهار سيتجلى.
لكن الإنسان الذي ليس عنده أمل بأن هذا الليل الذي يغشى سيعقبه نهار يتجلى، هل سيكون له دافع للعطاء؟ دافع للطرح العلمي أو الفكري أو الدعوي، أو الاشتغال بالبرامج العلمية والدعوية، أو العطاء المالي أو شيء؟ ما راح يكون عنده أي دافع، بل بالعكس ستجده ﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ﴾، ماسك باللي عنده، مترس فيه؛ ليه؟ يقول لك: الله أعلم ماذا سيحصل بكرة، ستهجم علينا الصهيونية، وغدا تهجم علينا الناس، ما عنده أصلا أي نفس للعطاء، هو بخل واستغنى؛ لأن هو لا يوقن أن هناك نهار، أو ضعيف الأمل بوعد الله سبحانه وتعالى.
فالأشخاص الذين لا يوقنون بالنصر ولا الفرج هم دائما يبخلون عن العطاء لأمتهم، يبخلون عن العطاء في أوقات الاستضعاف، بخلاف الذين يؤمنون بالنهار وهم في ظلمات الليل، هؤلاء الكبار، هؤلاء أصحاب النفوس السوية المؤمنة الذين يحبهم الله سبحانه وتعالى ويخلد شأنهم، كما خلد شأن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهؤلاء الذين يعدهم الله في ختام السورة: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾؛ لأنك أنت في الظلمات والفتن محدقة بك والبلايا شديدة، ومع ذلك موقن بأن العاقبة لهذا الدين، مؤمن بأن هناك نهار سيشرق، وتبذل في الظلمات استدعاءً لهذا النهار، هؤلاء الله يحب هذا.
هو المسلم الصحيح الحقيقي، هذا هو المسلم الذي يصنعه الإسلام ويصنعه القرآن. فلا بد إذاً من أن ندرك أن تقابل الليل والنهار ليس تقابل.
الليل والنهار بمعناه الحقيقي، لكنه يخفي في طياته معاني نفسية وإيحاءات نفسية لا بد أن تكون حاضرة لدي وأنا أقرأ سورة الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾، غطى الأرض وعمها ثم يعقبه نهار، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ وأزال ظلمة ذاك الليل، ثم قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، وهذه أيضًا مثل ما التي في سورة الشمس. إنها لله سبحانه وتعالى، والأصل أن يعبر بـ "مَن" أي ومن خلق الذكر والأنثى، ويكون أقسم بنفسه لأنه هو الذي خلق الذكور وخلق الإناث.
لماذا عبر بـ "ما" ولم يعبر بـ "مَن"؟ من يتذكر ماذا قلنا في المجلس الماضي؟ الإبهام الذي يفيد القدرة العجيبة والخالق العجيب القادر الرهيب الذي خلق الذكر والأنثى، فحتى يعطي إبهامًا فيه تعظيم وتهويل لمقام الإله قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾ أي والخالق العجيب الذي خلق الذكر والأنثى. لماذا ذكر الذكر والأنثى هنا؟ لأن الذين يسعون في الظلمات لخدمة هذا الدين ليسوا فقط هم الذكور، بل هم الذكور والإناث، الكل مطالب بأن يخدم وأن يقدم. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، فالله عز وجل يخبر أن هذا السعي في زمن الظلمات للعطاء والبذل لهذا الدين هو وظيفة الرجال ووظيفة النساء، فالله عز وجل خلق الذكر والأنثى وكل له سعيه، ولذلك مباشرة بعدها ماذا ذكر؟ المقسم عليه.
نحن الآن في سياق قسم؛ أقسم بالليل وما فيه من الظلمات ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾، ثم أقسم بالنهار الذي يعقب الليل وما فيه من الصحو والتنفس ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ وأزال تلك الظلمات، ثم أقسم بنفسه سبحانه وتعالى الخالق العظيم الذي خلق كلا الجنسين، خلق الذكر والأنثى وهم الجنس البشري الذي عليه أن يخوض رحلة الحياة، رحلة كشف الظلمات والتمكين لهذا الدين. الكل مطالب أن يسعى في مفهوم الشريعة، وهذا يدل على أن الشريعة تعلي من قيمة سعي النساء وبذلهن، فليست القضية فقط أن الدين يعلي من سعي الرجال وأن سعي النساء تبع، لا، الله عز وجل أقسم بهما: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾.
على ماذا أقسم؟ ما هو المقسم عليه؟ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾. طبعًا هنا مقابلة الليل والنهار والذكر والأنثى، ويمكن أيضًا أن يلحظ فيها -وهذا يسمى طباقًا في علم البلاغة- ما سيحصل أيضًا بعد قليل من تقسيم الناس إلى من يسعى للآخرة وسنيسره لليسرى، ومن يسعى للدنيا وسنيسره للعسرى. يعني الليل والنهار تقابل، الذكر والأنثى تقابل، المعطي والبخيل تقابل، من اتقى واستغنى تقابل، فسنيسره لليسرى فسنيسره للعسرى تقابل. فكان السورة أيضًا فيها إشارة إلى هذا التنوع في الخلق، كما أن هناك نهارًا جميلًا هناك ليل مظلم، كما أن هناك ذكرًا هناك أنثى، وكذلك هناك أيضًا من يسعى للآخرة وهناك من يسعى للدنيا.
فالحياة كلها قائمة على تقابلات، سواء في الأمور المحسوسة الأجرام أو في الأمور الإيمانية العملية، هناك من أعطى واتقى وهناك من بخل واستغنى، فعليك أيضًا أن تدرك أن هذا التنوع في الكون حاصل، فكما هو في المخلوقات ليل ونهار وذكر وأنثى، هناك تنوع في طريق هداية وطريق ضلال، هناك من ييسر لليسرى وهناك من ييسر للعسرى. فالدنيا كلها قائمة على هذا التنوع وعلى هذه التقابلات، ولكن عليك أن تسأل الله أن تكون في الاتجاه الصحيح.
أقسم الله سبحانه وتعالى على ماذا؟ قال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ يعني اختياراتكم في الحياة متنوعة، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ﴾ وكلمة السعي من الكلمات المهمة في القرآن، وستجد أن الله سبحانه وتعالى يكررها في سياقات كثيرة لأنها هي تمثل حالة الإنسان، مؤمنًا كان أو كافرًا، المؤمن يسعى والكافر يسعى، باختصار الكل يحرث في هذه الدنيا. استيقظ الساعة السابعة صباحًا وانزل على الموقف، تلاقي الناس كلها واقفة على الموقف بتستنى الباصات، هذا رايح على الشغل وهذا رايح على كذا، الناس كلها تسعى سواء في بلادنا وفي كل البلدان، الكل عنده نهار وعنده ساعات عمل والكل يحرث في هذه الدنيا.
لكن هناك من يسعى بالاتجاه الصحيح وهناك من يسعى بالاتجاه الخاطئ، هناك من يسعى يريد أن يأكل حرامًا، يشتغل في بنك ربوي، يشتغل في شغل محرم، عنده علاقات محرمة، وهناك من يسعى أيضًا من أجل المكر بهذا الدين والمخادعة، وهناك من يستيقظ يعمل في مشروع إسلامي ويخدم هذا الدين، ويشتغل في مسجده، وبيروح بده يدرس الطلاب في المدرسة أو في الجامع. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، الاختيارات متعددة وكل إنسان سيختار، وهذه سنة الحياة. إن هذه آية عظيمة يقسم الله بها على تنوع الناس في اختياراتهم وفي مسيرهم في الحياة، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، كلكم يختار اختيار، وهذه الاختيارات شتى متنوعة متعددة، ليس الكل يسير إلى الله في اختياراته، وليس الكل أيضًا يسير إلى جهنم في اختياراته، فهناك اختيارات مختلفة ومتعددة في الجنس البشري.
ما طبيعة هذه الاختيارات؟ ستفسر الآيات التي بعدها قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾. والليل إذا يغشى؛ المغشي إما الشمس من قوله والليل إذا يغشاها، أو النهار من قوله يغشي الليل النهار، يعني هو خلاف أنه والليل إذا يغشى قلنا يغشى ما معناها؟ يغطي. يقول النسفي: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ والليل إذا يغطي. ما هو الشيء الذي يغطيه الليل؟ ذكر عدة احتمالات قال: فالشيء المغشي إما أن يكون الشمس وهذا صحيح فالليل يغطي الشمس، وإما أن يكون النهار عمومًا وهذا صحيح فالليل يغطي النهار، أو المعنى الثالث الاحتمال الثالث قال: أو كل شيء يواريه بظلامه، وهذا أفضل أن نقول لماذا لم يذكر الله ما هو الشيء المغطى؟ قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ يعني والليل إذا يغطي، ماذا يغطي؟ الله لم يحدد شيئًا معينًا حتى يعطي مساحة من العموم، وهذا هو المعنى الثالث؛ الشيء الذي يغطيه الليل أي أنه يغطي كل شيء فلا حاجة إلى أن أنص على شيء معين، لذلك قال أو كل شيء يواريه الليل بظلامه، فالليل يغطي الشمس، الليل يغطي النهار، الليل يغطي الناس، يغطي كل شيء في هذا الوجود.
ثم قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ يعني ظهر بزوال ظلمة الليل، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ يعني ظهر كيف ظهر؟ بزوال ظلمة الليل، فالباء هنا للسبب. ثم قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، إذا ما جعلها النسفي على الله سبحانه وتعالى تعود، يعني أقسم بالقادر العظيم الذي خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، ماء واحد يعني هو عبارة عن المني، هذا المني يدخل من الرجل في رحم المرأة، نفس هذا الماء إما أن ينتج ذكرًا وإما أن ينتج أنثى، يعني الأنثى هل لها مني خاص؟ له نفس السائل المنوي يمكن أن يتخلق فيخرج فيخلق الله منه ذكرًا، ويمكن أن يتخلق فيخلق الله منه أنثى، هو نفس السائل الله عز وجل قادر أن يخلق منه هذا الجنس وهذا الجنس.
وجواب القسم ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ إن عملكم لمختلف، وبيان الاختلاف فيما فصل فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾. الآن أيها الكرام، دعوني أقف مع هذه الآيات، لأن هذه الآيات أحيانًا في كتب التفسير تعطى باختصار والمساحة مفتوحة للتدبر، حقيقة هي تمثل الحالة التي نحن جميعًا نطمح إليها ونسأل الله أن نكون منها، قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، اتفقنا أن اختياراتنا متعددة.
القسم العالي الذي يريده الله سبحانه وتعالى، أنا أتخيل الصحابة وهم في مكة يدارسون هذه الآيات في زمن استضعاف، ركز دومًا في الزمن والسياق الذي قيلت فيه هذه السورة، الله عز وجل يقول لهم فإما، ذاك المؤمن الذي يختار، قلنا اختياراتنا متعددة، هذا الشخص الذي يختار أن يعطي لهذا الدين: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾، هل العطاء بالمال؟ أنا لست معه، قلنا قبل قليل ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ لماذا حذف المفعول به؟ ليعطي أي شكل من أشكال التغطية، نفس الشيء هنا قال فإما من أعطى، ربنا ما قال أعطى المال، قال أعطى يعني بذل لهذا الدين، أنت ممكن تبذل لهذا الدين بعلمك، أنت ممكن تبذل لهذا الدين ببدنك، تساعد مكروبًا ترفعه عن منكوب، أنت ممكن تخدم هذا الدين بمالك، ولذلك ربنا قال أعطى، شو ما بتستطيع تقدم لهذا الدين قدم بغض النظر شو شكل العطاء، مالي ولا بدني ولا لساني ولا علمي، المهم هناك من يختار العطاء والبذل للدين.
لكن لاحظ ماذا قال، وهذه قاعدة مهمة إخواني انتبهوا لها، ما قال فإما من أعطى نقطة، قال فإما من أعطى واتقى، يا ترى لماذا ربط التقوى بالعطاء؟ لماذا ربط موضوع التقوى أثناء العطاء؟ التقوى نحن نعرف معناها اجتناب المحارم، اجتناب مساقط الله، أن تجعل بينك وبين مساقط الله وقاية، مش هذا دائمًا ما يعرف به التقوى؟ لماذا قرن موضوع التقوى أثناء العطاء؟ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾، يمكن أن العطاء من جانب الطاعات والتقوى اجتناب المحارم، والله هذا معنى لطيف، وممكن أن يكون موضوع النية.
أنا أريد أن آخذ المعنى الذي ذكره أخونا، ضرورة التقوى ومخافة رب العالمين أثناء العطاء لهذا الدين، بعض الناس لأنه يعطي لهذا الدين يظن أن له أن يفعل ما يشاء بحجة أنه معطي وباذل، بالتالي ممكن يتجاوز خطوطًا حمراء أثناء عطائه، يعني ممكن يمارس صورًا من الاختلاط المحرم بحجة مثلًا العمل الإسلامي، ليش يا أخي؟ أنا بعطي ما حدا يحكي لي، لأنه أنا بعطي ممكن يدخل في مغامرات غير محسوبة في أمور دعوية بحجة أنه يعطي، ما حدا يعلق علي، الإسلام مش هيك، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾، لكن وأنت في أثناء عطائك لا بد وأن تكون ملتزمًا بقواعد الشريعة، أنا لا أريد بس تعطي ويكون العطاء فيه مخالفات شرعية، الغاية لا تبرر الوسيلة، الإسلام لا يقوم على فكرة ما دام هدفك العطاء اعمل أي شيء، تجد بعض الناس ماخذ هذه القاعدة في حياته، أنه ما دمت أنا بعطي للإسلام أنا بعمل أي شيء من أجل أن أصل، حتى السياسيين بعضهم تكلموا بكلمة غير صحيحة قال لك أنا مستعد أتحالف مع الشيطان من أجل لا، أنت شوي شوي، شو تحالف مع الشيطان من أجل الإسلام؟ لا، أنت بدك تكون عارف كلماتك، الغاية عندنا لا تعني اختلال الوسيلة، فكما أن الغاية يجب أن تكون شرعية كذلك الوسيلة يجب أن تكون شرعية.
هذا مهم، إن كثيرًا ممن يعطي لهذا الدين يعطي لكن بدون تقوى، يعطي مثلًا، يعني هي النماذج كثيرة اللي ممكن أنتم تحصل في ذهنكم الآن لما نتكلم عن ضرورة التقوى أثناء العطاء، يعني أنا بخطر في ذهني ذاك الشخص المسؤول عن مشروع إسلامي ويستقبل أموالًا، بس لأنه بيستقبل الأموال يبيح لنفسه يحط شيئًا في جيابه بحجة أني أنا أخي بشتغل للدين، بالتالي عم بدخل من على جيابه من الأموال التي تقدم للمشاريع الإسلامية وبنى أحلامه وطموحاته، إذا هذا ماشي، أنت صح عم تعطي، سواء تدريس أو جهد أو عمل إغاثة، بس أثناء عطائك عم تتجاوز الخطوط الحمراء، عم تأكل أموال ليست لك.
عدم التقوى أثناء العطاء، سواء على مستوى الأفراد أو حتى الجماعات، لما نقول أعطى واتقى، سواء أنت فرد بدك تعطي لهذا الدين بدك تتقي وأنت تعطي، الأمر مش مفتوح أمامك تفعل أي شيء بحجة أنك تعطي، حتى أثناء العطاء هناك تقوى وباجتناب ما يغضب الله في أثناء العطاء، على مستوى الأفراد أو حتى أنت كجماعة إسلامية بغض النظر شو طبيعتك، إذا تقدمين لهذا الدين حتى لو أنت تعطي بده يكون فيه تقوى أثناء العطاء، وفي التزام بأحكام الشريعة، وليس أنه هي كثير بتسمعها اليوم أنه خلص هؤلاء قدموا، ما يبين، لا، مش لأنه هذا بقدم هو فوق النقد، هذه مغالطات مخيفة، مش لأنه فلان بقدم أو بضحي أو يبذل لا، يقيم عمله لأنه في النهاية تقييم لا بد أن يكون.
يكون حاضراً، لكن فرق طبعاً بين من يقيم وبين من يسعى، فرق بين من يقيم ومن يتتبع الزلات؛ فاشتباك الخطوط هنا يجعل الأوراق ضائعة للاسف في العادة. لكن هذه فكرة عامة أنصح بها كل عامل لدين الله، فرداً أو جماعة؛ فمجرد أنك تقدم وتضحي هذا لا يعفيك من مسؤولية تقوى الله، يعني الالتزام بالقواعد؛ وليس عطاؤك مبرراً لتساهلك ولعدم اتباعك القواعد الشرعية. الله لا يريد هذا، ولذلك القرآن دائماً يربط بين العمل والتقوى؛ مثلاً: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]، ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].
لماذا يقول من يتقي ويصبر؟ نفس الفكرة الآن؛ لأنه أنت ممكن تصبر، تكون أنت إنساناً صابراً، بس أثناء صبرك على الظالم وعلى الفاسد وعلى الباغي وعلى الظلم، وما يكون في التقوى؛ فأنت تصبر، لكن أثناء صبرك وتحملك تستحل الغيبة والنميمة وأشياء خطأ وممارسات غير شرعية. تقول: والله أنا صابر يا شيخ، يكفي أني أنا صابر عليه! بدك كمان؟ لا، ما أنت حتى لو بدك تصبر، بدك تصبر ويكون صبرك شرعياً بتقوى؛ مش لأنك صابر معناته هذا الصبر يخول لك أن تتجاوز بعض الخطوط الشرعية، إنه من يتق ويصبر الاثنين، ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، فحتى صبرك بده يكون شرعياً، مش صبر في أثنائه ممارسات غير شرعية. هذا كلام مهم على مستواك أنت كفرد، أو مدير مركز، أو مدير جماعة إسلامية صغيرة، أو مدير جماعة، بغض النظر وين موقفك في الحياة؛ تذكر قوله تعالى: أعطى لكن العطاء بده يكون في تقوى، بده يكون في مخافة رب العالمين، بده يكون منضبطاً بأحكام الشريعة.
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. الحسنى هنا لها معاني كثيرة كما ذكر النسفي: الإسلام، الجنة، وحقيقة هنا أعتقد أنك في مساحة لأن تحملها على أي شيء ضمن هذه المعاني، وأجمل ما أؤمن به هنا ما ذكرته في بداية المجلس: وصدق بالحسنى يعني بعاقبة عطائه. كما قلنا، أنت في زمن الاستضعاف عندما تعطي وتكون متقياً تعطي وفق الضوابط الشرعية، وأنت تعطي من الصفات التي يحبها الله فيك؛ وأنت تعطي أن تكون مصدقاً بالحسنى، يعني مصدقاً بعاقبة هذا العطاء، أن هذا العطاء سيثمر، وستكون له عاقبة في هذا الدين. ممكن أنا أشوفها، ممكن ما أشوفها، لكنني مصدق أن هذا العطاء المنضبط بقواعد الشريعة سيثمر. وركزوا على فكرة معينة أن كثيراً ممن يعمل في الساحة الإسلامية، هو ما الذي يجعله يعطي بدون تقوى؟ أحياناً أن العطاء الذي يكون معه تقوى لا يرى أثره سريعاً، فيقرر أنه يخرب قضية التقوى ويحافظ على العطاء، بده يستعجل الثمار. لو حكينا لجماعة معينة: ليش أنت بتعمل اختلاطات معينة في العمل؟ يقول لك: يا شيخ أنا إذا بدي أظلني أفصل الرجال عن الإناث مش راح نشوف نتائج سريعة، فأنا بدي أشوف نتائج سريعة، شو بعمل؟ أُعطي بس بدون تقوى، أعطي وأخرم القاعدة الشرعية. أقول: إذاً ترى أنت خرمك للقواعد الشرعية أثناء العطاء هو مؤشر لدي أنك لا تصدق بالحسنى حقيقة، أو عندك ضعف على الأقل في التصديق بالحسنى. ما دام الله عز وجل يطالبني عاملاً لهذا الدين أن أُعطي وأن يكون عطائي مقترناً بتقوى الله، هو يريد مني أيضاً استحضار شعور معين؛ ما هو هذا الشعور؟ أن أكون مصدقاً بالعاقبة، لازم يثمر في حياتي لكنه سيثمر.
عطاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان كله تقوى، بأبي وأمي، أثمر ولا ما أثمر؟ أثمر، صحيح. النبي عليه الصلاه والسلام لم يشاهد فتوح الشام، لم يشاهد فتوح الفرس، لم يشاهد ما وصل إليه الإسلام في أفريقيا وشمال أفريقيا، لم يشاهدها؛ لكن وهو في الخندق يحفر مع أصحابه في أعلى درجات الاستضعاف، كان مصدقاً بذلك، كان وهو يضرب الصخرة يقول لهم: «ستفتحون الشام، وستفتح حمير، وستفتح..» صحيح، مش كان يقولهم ذلك؟ فهو في أشد لحظات استضعاف صلى الله عليه وسلم كان يعطي وهو مصدق بالحسنى، مصدق أن الإسلام سينتصر؛ ربما هو صلى الله عليه وسلم لم يشاهد ذلك بعينيه لكن هو مؤمن أن الأجيال القادمة من هذه الأمة ستشاهد هذا النصر بعينيها وهذا التمكين. وثمار الصبر في الخندق ظهرت في فتوح الشام وما بعد ذلك، أليس كذلك؟ فأنت في زمن الاستضعاف وظيفتك أن تعطي، وأن تعطي عطاءً تتقي فيه الله وفق القواعد الشرعية، وتكون مصدقاً أنه هذا العمل الذي أُبذله الآن سيكون له عاقبة، بغض النظر متى ستأتي. هذا المسلم هو الذي يحبه الله، وهذا المسلم هو المسلم السوي، وهو الجندي الحقيقي من جنود هذا الدين؛ أنه يبذل منضبطاً. كثير حتى اليوم مما يصبح تساهلاً وتمييعاً في العطاء الإسلامي بسبب عدم التصديق بالحسنى حقيقة واستعجال قطف الثمار.
الآن شوف المعادلة التي مرسومة في سورة الليل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ وكان عنده تصديق تام بالحسنى بالعاقبة، الله عز وجل ماذا سيكافئ على ذلك؟ قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. من يعطيني شو الفرق بين تعبيرين؟ الآن عندنا تعبيرين بدي أشوف شو الفرق بينهم؛ لما أقول فسنيسره لليسرى وركز، في فرق بين التعبيرين. نعم، أنت بدأت تحوم حولها كلامك صحيح، طبعاً هما في النهاية خلينا نقول فيها نوع من التلازم بين هذه وهذه، لكن هذا معنى وهذا معنى. لما أقول فسنيسره لليسرى، كان الله يقول: سأجعلك بنفسية ووضعية ومشاعر أنك تريد هذا الطريق وتقبل عليه؛ سيسرك أنت، يعني سأجعلك أنت بمشاعرك وأحاسيسك وهواك ورغباتك تحب طريق الخير. شوف ما أجمل هذا المعنى! يعني هذا أفخم من أني أقول لك إنه راح أخلي اليسرى لك، لا، راح أخليك أنت كشخص، كمشاعر وأحاسيس، تحب اليسرى. ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7].
هذا ما يريده حقيقة الإنسان في زمن الاستضعاف، هو ما يريده أن يثبته الله على العطاء للدين، هذا ما تحتاجه أن يثبتني الله في العطاء للدين. فأنا ما أحتاجه في زمن الاستضعاف حتى أبقى ممن أعطى واتقى وصدق بالحسنى؛ أنا أريد أن تبقى يا رب مشاعري هكذا، أنا أريد أن يبقى هذا الشعور، شعور أنني عم بخدم هذا الدين، وشعوري بأن المستقبل لهذا الدين، وشعوري بأنه هذا العمل، وشعوري أنني أحب أن أقدم وأبذل؛ أريد أن أحافظ على هذه المشاعر. كثير من الشباب يصاب بفتور في العمل الإسلامي في زمن الاستضعاف، يشتغل أول سنة سنتين في هالجامعة، وبعدين خلص، بعد ما يتخرج من الجامعة: يا شيخ الله يعطينا العافية، الشباب إذا، لا، هذا تشعر أنه فيه مشكلة. إذا هو مشاعره وأحاسيسه ليست مقبلة نحو اليسرى، نحو طريق الإسلام، نحو طريق الخير؛ مشاعره وأحاسيسه ليست متجهة بهذا الاتجاه، فربنا عز وجل يعطي وعداً لكل من يعطي وفق القواعد الشرعية ويصدق بالحسنى، يعده الله بماذا؟ أنني سأيسرك، سأجعل مشاعرك وأحاسيسك وهمتك أن تخدم هذا الدين. بس حتى يوفقك الله للثبات على هذا وحتى ييسرك، مشروط هذا بماذا؟ أن يكون عطاؤك بتقوى، وأن تكون مصدقاً أثناء العطاء بالعاقبة.
الذي يكون عطاؤه بلا تقوى، بدون قواعد شرعية، يفتر؛ الذي يكون عطاؤه بدون تقوى وبدون ضوابط شرعية تجده خلص سنتين ثلاث ويمل؛ لأن الله لم ييسره لليسرى، لم يجهز، لم يهيئ له قلبه ومشاعره وأحاسيسه ليستمر هذا. فأكبر مكسب تحصله لما يكون عطاؤك مقترناً بتقوى الله وأنت مصدق بالعاقبة، أنني مهيأ لهذا الطريق. مين اللي بيخلي بعض الناس تتعجب منهم، يفقدون أحبتهم وأعز الناس عليهم كحال كثير من إخواننا في غزة نصرهم الله وأيدهم، ومع ذلك بتشعر أنه ما زال يجاهد وما زال يقاوم وما زال ثابتاً في الميدان؟ هذا ربما تفسير قريب لمعنى فسنيسره، يعني هو قلبه ومشاعره مهيأة لهذا الطريق، ربنا يسر استذكاره بنفسية تتحمل الصدمات، وتتحمل الإشكالات، وتتحمل ضغط المنافقين والدول؛ هو ميسر لليسرى. بخلاف ذاك الشخص الذي ربما يشارك مرة ومرتين وثلاثة في العمل والمقاومة، بعدين بس يشوف الأمور برفع إيده، ما له علاقة بهذه الطريقة؛ لأنه هو اختل عنده جزء من هذه المعادلة: هي معادلة عطاء زائد أن يكون العطاء بتقوى زائد تصديق بالعاقبة، ميسرة لليسرى.
لن تكون مشاعره وأحاسيسه عندها قدرة واستمرار على البذل والمضي في طريق اليسرى، في طريق الخير؛ وهذا هو سبب الانهزام الإيماني والانتكاسات الإيمانية للسائرين إلى الله. أي إنسان يسير إلى الله في فترة معينة، بعدين تشعر أنه فيه انتكاسة أصبحت وفتور تام، ستجد أنه في أحد أجزاء هذه المعادلة اختلت، إما هو أصلاً مش عم يخدم هذا الدين. وهذا يدل على فكرة معينة أن العطاء سبب من أسباب الثبات؛ يعني واحد بيقولك: يا أخي خلص أنت صلِّ لحالك في المسجد، الله كافيك، شو لك في المسجد؟ اذكر الله، الشيوخ وصحبتهم وعمل دعوة وإسلام؟ لا، هو العطاء للدين هو شكل من أشكال الثبات. أنا لما أعطي من جهدي ووقتي وحياتي وزبدة عمري، أنا مش عم بجازف، أنا عم بثبت إيماني، بشرط طبعاً يكون العطاء مقنناً وفق الطريقة الصحيحة، منهج صحيح، مش يكون فوضوياً ودوافع وحماس، لا، العطاء المدروس؛ فإذاً العطاء هو سبب من أسباب التيسير، بس عطاء مقترن بالتقوى، مقترن بالتصديق بالعاقبة، يكافئك والله عز وجل لا يخلف الميعاد: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
هذا وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد، وهذا ليس وعداً نحن لم نرَ نموذجاً، بل نرى العديد من النماذج كما قلنا في غزة وفي غيرها من المرابطين أو الدعاة أو العلماء أو المشايخ أو أهل العلم، اللي عم بيستمر 40 و50 و60 سنة في الحياة الدعوية والعلمية أو الرباطية، على الرغم من أنه الظلمات صعبة وهناك بلاءات تحيط به. إنسان بيقول: يعني أنت بتقارن همتك بهمة ذاك المرابط أو همة ذاك العالم الذي استمر للعطاء العلمي أو الرباطي إلى آخر حياته؟ تقول: أنا يا أخي سنة وسنتين وفترت، أنا كتاب وكتابين وبطلت أحضر مجالس العلم، أنا اشتغلت لي بمشروعين دعويين بعدين زهدت؛ ذاك الشخص صارله 60 سنة، شو الفرق؟ هو نقول ذاك الشخص يُسِّر لليسرى، الله عز وجل جعل مشاعره وأحاسيسه ونفسيته لا تمل ولا تكل ولا تضعف. يعني أنت حتى بعض الناس هو ما ابتلي أصلاً، ما تعرض للابتلاء وترك طريق الدعوة، وذاك الشخص تعرض لأهوال ومستمر. ليش أنا نفسيتي مش زي نفسيته؟ لأنه أنت ما أخذت المعادلة؛ ذاك الشخص أعطى وعطاؤه كان في تقوى، وعنده إخلاص لربه، وصدق بالعاقبة، وأنت قد تكون فيك إحدى المشاكل التي ستأتي في الخيار الثاني.
اقرأ، قال: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: 8]، بخل بماله واستغنى عن ربه فلم يتقه، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبة، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 9]، استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبة. ركز لي في هذا المعنى، والتفسير ما هو إخواني؟ التفسير حتى تفهم طريقته؛ أنني أحاول أن أبحث ضمن كلام المفسرين عن أفخم المعاني في سياق، يعني دائماً مثل هذه التفسيرات سواء التفسير النسفي أو البيضاوي أو حتى الرازي مفاتيح الغيب، التفاسير حتى التفسير المأثور كذلك، بتقرأ حوالي 30، 40 معنى، هيك بقنص معنى معيناً أنا أشعر أنه يتلاءم مع النص ويعطيه جمالية. بالنسبة لي هكذا تشعر، هكذا يحصل التدبر؛ أنه أنا ليش أنا محتاج أقرأ تفسيراً؟ بعض الناس يفكر خلص تفسير واحد ويكفي يا شيخ، لا، أنت تحتاج؛ الآن العلماء يعبرون بعبارات عن معنى الآية، وهذا سبحان الله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد يكون فلان هنا جاب أفضل تعبير عن الآية لكنه قد لا يوفق لأفضل تعبير في مكان آخر، أجِد السدي أو مجاهد عبَّر بشكل أفضل، فلذلك أنا محتاج أقرأ 30 و40 تفسيراً ومئة للآية؛ من بين هذه المعاني هيك أصطاد معنى أجده جميلاً، وأنا أحاول أن أشعر بالآية وأحاول أن أفسرها. هذه فقط تعليق سريع على منهجية التدبر؛ فهنا أعجبتني كلمة النسفي، في أنه استغنى بشهوات الدنيا وسهل عليها، أكمل قال: وكذب بالحسنى بالاسلام أو الجنة، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 10] للخصلة المؤدية إلى النار، فتكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشده. عبارة النسفي: فتكون الطاعة ايش يقول النسفي: أعسر شيء عليه وأشده.
الآن هذا النموذج الآخر، نموذج قد يكون مسلماً وقد يكون كافراً، لكن خليني الآن أحمله على الشيء الذي يناسبك؛ لأنه الآية يا إخواني كما قد تصدق على الكافر، أنه بعض الناس لما يسمع ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، هذول الكفار، أنا مالي دخل في الموضوع، لا يا عمي الله يرضى عليك، هي الآية كما تصدق على الكافر، تصدق على مؤمن أو مسلم ضعيف الإيمان؛ فأنت ممكن تكون أحد مدخلاتها، لا تفكر أنه هي الآية خلص للكفار وأنا مالي دخل وجهل والجماعة، لا، هي الآية ممكن أنت تكون أحد مدخلاتها، أحد من هو داخل تحتها شخص آخر في زمن الاستضعاف.
بخل هنا مقابل أعطى هناك، فإما من أعطى هنا، فإما من بخل. والبخل هنا يدل على عدم الرغبة في العطاء، ولذلك حتى حملها على المسلم قد يكون هو الأظهر من جهة معينة؛ فإنه الكافر أصلاً أنا لا أنتظر منه عطاء، الكافر الذي يحارب الإسلام تقول والله هذا بخل عن العطاء، هو أصلاً كافر، والموقف الذي أنت تترقب منه ليس العطاء، بل أتوقع منه المحاربة لهذا الدين. بل على العكس ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 36]، فلهم عطاء آخر فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة.
فلذلك حمل هذه الآية على الإنسان المسلم في زمن الاستضعاف، الذي لا يريد أن يقدم لهذا الدين، حمل قوي ومتناسب معه؛ فإما من أعطى ومن بخل. إذاً هناك أيضاً مسلم في زمن الاستضعاف هو لا يريد أن يبذل، لا يريد أن يضحي، لا يريد أن يعطي، بخل بكل شيء، بخل بعقله وفكره، بخل بماله عن إخوانه وعن المستضعفين، بخل بقلمه وبدنه. لماذا؟ قال ﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾، هو مستغنٍ بشهوات الدنيا كما قال النسفي، هو فقط لا يريد أن يدفع أي ضريبة لإسلامه، هو يريد إسلاماً آمناً من كل المشاكل، وهذا لا يتصور في هذا الدين، إذا أنت دخلته فهناك بلاء ستبتلى.
لذلك تذكروا في قصة أصحاب البروج، لما قال الراهب للغلام ماذا قال له؟ «إنك ستبتلى»، ما تقول لي أنا بدي أسلم بس ما بدي أدفع ثمن. هكذا بعض الناس إسلامهم، وهؤلاء هم الذين دائماً أسميهم بالقرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ [الحج: 11]، يعني هو ماشي على السكة، إن أصابه خير يقول لك: آه والله الإسلام حلو، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه. لا يا عمي إذا هيك الدين ما بدي التدين، إذا هذا طريق الالتزام أنا مسامحكم فيه كلياته. أنت شو مفكر طريق الالتزام؟ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]، أنت هيك مفكر؟ الدين ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 2-3]. بدك تخضع لنفس القاعدة ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3]. ومش كل واحد حكى أنا مسلم هو صادق فيها، لا، ولقد فتنا الذين من قبل، فليعلمن الله الذين صدقوا، لا في ثمن بدك تدفعه.
فهناك أشخاص في زمن الاستضعاف وفي زمن الظلمات يقول لك: أنا خلاص بسلم، أو نشأت مسلماً بس أنا ما بدي أقدم لهذا الدين، ما بدي أدفع أي ثمن وأي عطاء. بخل بعلمه، بخل بوقته، بخل ببدنه، بخل بماله، بس هو مترس في الدنيا كما قال ﴿وَاسْتَغْنَىٰ﴾. شوف هي العبارة، استغنى بما لديه من الشهوات والمال، ولا استغنى عن الله، كأنه استغنى عن طريق الالتزام؛ يعني أنا ما بديش أدفع ثمن، ما بدي أدخل مع المشاكل، ما بدي أدخل، استغنى قال: أنا مستغنٍ، أنا مستغنٍ عنكم، أنا عندي مالي وشهواتي، وهيدي بيتي وهيدي زوجتي وهيدي عيلتي ومبسوطين وفي راتب، وهسا بدي أطلع أمريكا وأشتغل وأجيب مصاري، لا تقولوا لي أخدم هذا الدين، أنا خلاص بصلي في المسجد وأكثر من هيك ما حدا يطالبني. اه، هذا الرجل هو من ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾، هذا الرجل هو اللي بتخاف عليه. الرجل الأول الذي بذل لهذا الدين مع تقوى الله في أثناء العطاء، ومصدق بأن هذا مش خايف عليه؛ لأنه ربنا سييسر لليسرى.
مين الشخص المهزوز اللي أنت متوقع أنه أي بلاء سيقسمه؟ هو اللي لم يقدم لهذا الدين أي شيء، لا يريد أن يعطي، ومستغنٍ بشهواته وملذاته عن طلب الالتزام والتدين وما عند الله. وهذه هي نتيجة ماذا؟ ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾. هو لا يترقب العاقبة لهذا الدين، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ هو ليس مصدقاً تمام التصديق أن المستقبل لهذا الدين وأن النصر للإسلام، وحتى يعني هو لا ينتظر ثمار البذر الذي سيقدمه، فلذلك هو لم يقدم أصلاً. يقول لك: يعني لو أعطيت لهذا المركز أو لو بذلت لإخواني ألم... ماذا سيحصل؟ ضعف الإيمان بالنتائج، وسماها الله تكذيباً. هو في قلبه مش شاعر أن هناك نتائج، يقول لك: يا أخي اطلع على المسلمين، المسلمين أضلهم متخلفين، والغرب سبقنا بسنوات ضوئية، وهيهم هم تطوروا بيتقدموا، وإحنا لسه ما زلنا مختلفين مع بعض. يعني ليش أبذل المال؟ لماذا أقدم؟ لماذا أدعم؟ لماذا أقدم فكر وجهد ووقت وتدريس؟ أهي هم نفسهم المشايخ مش متفقين مع بعض، وهذا مختلف مع هذا، وهذا بينتقد هذا، وهذا شغال في هذا، فهو يشعر بماذا؟ أنه لا قيمة للعطاء، لا قيمة للبذل. فاستغنى بشهواته، خلاص هو بده يستغنى بحياته ومادياته وشهواته وملذاته، وهو غير مصدق بالحسنى، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾.
ومعادلتُه ماذا ستكون عند الله؟ الذي بخل لم يقدم، واستغنى بشهوات الدنيا عن طلب ما عند الله، أنه إحنا قلنا الله عز وجل يقول لك: أنت بدك، الأصل في المسلم أن يقدم ويعطي ويؤمن بالنتائج حتى ولو لم يشاهدها. هذا الإنسان الذي يقدم ويعطي بتقوى الله مؤمناً بوعد الله، هذا اللي ربنا راح يقول له في آخر السورة ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل: 21]، هذا راح أرضيه. أما ذاك الشخص هو الأشقى الذي بخل واستغنى عن العطاء، وكذب بالحسنى، فهذا الشخص ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾.
الآن ماذا معنى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ مقابل ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾؟ لاحظ، هذه عبارة خذلان إخواني والعياذ بالله. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾؛ لأن هذا ليس تيسيراً محموداً، بالعكس التيسير هنا للعسر. وما معنى الخذلان بالعبارة الواضحة بدون تشقيق الكلام؟ سأجعل مشاعره وأحاسيسه تستصعب الطاعة، تستصعب طريق الهداية، تستصعب الالتزام والتدين. سيصبح إذا قلت له عن قيام ليل: أوف قيام ليل؟ سامحني. إذا قلت له عن مجلس علمي: أف مجلس علمي وتعب مواصلات؟ سامحني. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾، يعني سنجعل أحاسيسه ومشاعره كما قال النسفي تستثقل الطاعات والعياذ بالله. وهذه من أقسى العقوبات الإلهية، أن يجعلك الله عز وجل كسولاً عن الطاعة، ثقيلاً على الطاعة. إذا قلت له تعال نقرأ قرآن، أو في حالتك الشخصية برنامج يومي لقراءة القرآن، يا أخي مستثقل أقرأ قرآن، بس بستسهل أفتح سوشال ميديا، لاحظ! مستثقل أقوم الليل، بس عادي ممكن أضل الساعة واحدة واثنتين وأنا بقلب السوشيال ميديا، هو هو نفسه، يعني هي الساعة واحدة واثنتين فاتح السوشيال ميديا، طب قم لك صلِّ ركعتين، أنت صاحي مش نايم، قم، والله ثقيلة يا شيخ! حتى تعرف شو معنى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾، ستشعر أن طريق الهداية ثقيل عليه، هو لا يحب أن يمارس الطاعات والعبادات والالتزام، سواء عبادات شخصية أو أعمال دعوية.
فما بالك تأتي لهذا وتقول له على الرباط في سبيل الله! زلمه غلبه ساعتين قيام ليل وعم بتصوموا عليه، هم كله على الرباط وأهل غزة وجهاد، وبعدين تضحك على حالك أنت بتحكي معه بهذا البعد؟ هذا الرجل مستثقل أخف الأشياء، بدك تيجي تقول له عن دفع ثمن وتضحية في سبيل الله؟ وينه وين التضحية؟ لسه بينه وبينها مسافات كبيرة. هذا خليه ينشط للطاعة، خليه ينشط لركعتي قيام الليل، خليه ينشط لصلوات مع الله عز وجل، زي ما حكينا منهج الخلوة قبل أيام، بعدين بتنقله لكلام أعلى، وبتتكلم له عن معنى التضحية في سبيل الله.
وأنا أعتقد هذه إحدى الأمور التي تفرق في المجتمعات التي تعودت على الرباط، كمجتمع غزة والمجتمعات الأخرى، أن هناك الطاعة أصبحت ميسرة، يعني في هناك إقبال عليها، وربما جانب كبير من ذلك، أحياناً نحن دائماً ننظر للبلاء أنه نقمة، لكن أحياناً البلاء من دون ما تدري هو نعمة. صح الوضع خلال سنوات الحصار الطويلة ما كانش جميل وأنت بتطلع عليهم من بره مساكين هذول، بس هو بالنسبة لهم هذا البلاء بيخليهم غصباً عنهم يعتصموا بالله، غصباً عنهم بده يحفظ قرآن، غصباً عنه بده يتمسك بالدين؛ لأنه هو لا يملك الخيارات. ونعم البلاء الذي يزكيك إلى الدين أداة، نعم البلاء الذي يحصر خياراتك، يصبح التدين هو الخيار الوحيد أمامك؛ لأنه ما فيش خيارات أخرى تنقذك من هذه الإشكالية والورطة التي أنت فيها. فلذلك رأيت النتائج، أنت بالنسبة لك ترى النتائج من الصبر والثبات والقبول والرضا العام.
طيب، فإذاً هذه إخواني مشكلة أن يخذلك الله عز وجل، والله مشكلة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾، أن يجعل الله عز وجل الطاعة ثقيلة في حياتك، ولا تنشط لأي برنامج، لا لحفظ قرآن ولا لحفظ متون ولا لحضور مجالس علم ولا لمشاركة في أعمال دعوية، ودائماً الشباب: يا فلان تعال، والله يا شيخ مالي نفس، والله مشغول، والله أزمة، والله الطريق حار، والله المجلس بعيد، تجد أعذاراً وشماعات وأموراً تعلق عليها ابتعادك. أنت في النهاية ماشي بجوز الموضوع استثقلته ونسيته، لكن اعلم، أنا بقول لك إياها الآن، أن الله جعل الطاعة ثقيلة عليك، وعليك أن تخاف إذا هذه نفسيتك في علاقتك مع الله، عليك أن تخاف؛ لأن معناها أن الله يسرني للعسرى ولم ييسرني لليسرى؛ لأن الذي ييسر الله لليسرى يحبب إليه الإيمان ويزينه في قلبه، ويجعله يحب حتى أعلى لحظات التضحية وبذل الدماء، تصبح تحبها؛ لأن هناك توفيق من الله. وفي المقابل الثاني الذي حضرته ما بده، ما فكر أن يقدم، لاحظ ﴿بَخِلَ﴾، وشوف ربنا بيقول لك: «من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً»، تقربت منه ذراعاً يعني أخذت بإيده ووفقته، فربنا ينظر إليك ابتداءً: هل هذا أعطى واتقى؟ خلاص، إذا أعطى واتقى راح آخذ بإيده، راح أشيله، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾. ثم ينظر إلى الآخر: هذا ايش؟ ما بده يقدم، ﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾، ما بده يقدم ومستغنٍ بشهواته، لا، هذا سأخذه لـ... فسيجعل كل حياة التدين والالتزام والطاعة والسير في هذا الطريق صعبة عليه. نعوذ بالله من الخذلان، إي والله نعوذ بالله من الخذلان والثقل عن طاعة الله سبحانه وتعالى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾.
ثم يعاتب الله ذلك الشخص الذي بخل بالعطاء، وربما عادة العطاء يرتبط بالمال، فذكر المال، فقال: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ [الليل: 11]. يعني كختام لهذا المشهد، هذا الشخص الذي ترزز بالمال وشهوات الدنيا، يعطيك الله صورة وهو يتردى في نار جهنم. ايش يعني يتردى؟ يسقط. تخيل معي مشهد الشخص الذي عم يتردى في حفرة، مش مشهد ذاك الشخص الذي عم يتردى في حفرة وعم يسقط فيها. تخيل هو يسقط عم يحاول يلاقي شيء يمسك فيه، تمام؟ أنت لما تسقط في حفرة تتردى فيها، تحاول تشوف أي شيء تمسك فيه حتى لا تصل إلى قاع الحفرة. فالله عز وجل يريك هذا المشهد: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾، يعني ماشي أنت بخلت عن العطاء في زمن الاستضعاف واستغنيت بشهوات، وحتى بعض الناس يهرب من بلاد الشام ومن كذا، بيقول لك أول فيزا على أمريكا، لا بدي أشوف مصايب ولا بلاء ولا جهاد ولا شيء، خليني أشوف أمريكا وأوروبا أعيش حياتي، وإن شاء الله بندعي لهم إخواننا في الشام، تمام؟ يعني طيب ممتاز، بخلت عن العطاء بروحك وبدنك وحياتك، واستغنيت، قلت أنا مستغنٍ عنهم، وأنت ما عندك أي ترقب، بالعكس، يعني ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]، إحنا أصلاً متوقعين أنه أمريكا راح تحرق الشرق الأوسط كله والشام، فإحنا بدنا نعيش حياتنا، ما بدنا ندفع ثمن الإسلام والتدين، ما بدنا ندفع الثمن، ويركز عليها قضية عدم الرغبة في دفع تضحية.
طيب، الله عز وجل يصور لك هذا الشخص وهو يتردى في جهنم، أنه أنت خذلت الإسلام، لم تقف مع الإسلام، ما تفكر هذا سيمشي سريعاً عند الله سبحانه، هذه نفسية منافق باختصار. فالله عز وجل يعطيك صورة وهو يتردى في جهنم ويحاول أن يمسك بشيء، يعني طيب مالك الذي أنت ترززت فيه في الدنيا وكنت بخيلاً عن إعطائه في سبيل الله وأنت تتردى في نار جهنم، يا ترى هل سيساعدك هذا المال؟ وراح ينزل لك حبل يطلعك؟ لا، بدنك أو جسدك أو أي شيء تترزز به في الدنيا وأنت تتردى في نار جهنم، من سيمد لك حبل النجاة؟ ولا شيء. فقال: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾، وقت ترديه في نار جهنم. كل شيء أنت عشت من أجله في الدنيا، شهواتك، علاقاتك المحرمة، كل شيء كنت تعيش من أجله ومن أجله لم تقدم للإسلام ولم تعطِ، لن يغني عنك شيئاً وأنت تتردى وتسقط وتهوي في نار جهنم. فعش من أجل المعاني العظيمة التي يعصمك الله فيها من النار ومن دخول النار، عش من أجل جنة عرضها السماوات والأرض، من أجل هذا يعيش الأولياء، ويعيش الصالحون، ويعيش المسلمون الأنقياء. هذا الذي يستحق أن يكون اختياراً لك، أما شيء تستغني به في الدنيا ثم يوم القيامة إذا هويت في جهنم لا يغني عنك من الله شيئاً، ايش هذا الشيء الذي عشت من أجله؟ تافه ولا قيمة له. قال: ولم ينفعه ماله إذا هلك وتردى، وتردى تفعل من الردى وهو الهلاك، أو تردى في القبر أو في قعر جهنم أي سقط، يعني كل هذه المعاني تؤدي، فالتردي يدل على الهلاك ويدل على السقوط.
إن علينا للهدى. أن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل وبيان الشرائع. نلاحظ أن الله عز وجل يؤكد فيقول: إن علينا للهدى. الله عز وجل يوجب على نفسه أشياء ويحرم على نفسه أشياء، وليس لنا أن نوجب شيئاً على الله ولا نحرم شيئاً على الله؛ لكن هو سبحانه صاحب الأمر من قبل ومن بعد، فمثلاً: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، أي ألزم نفسه بالرحمة، هذا إلزام ليس نحن نلزم الله به حاشاه، وإنما هو ألزم نفسه بنفسه كرماً وعطاءً.
وكذلك مثلاً حرم على نفسه الظلم، يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وهذا من الأشياء التي ألزم الله بها نفسه تفضلاً. ماذا قال؟ إن علينا للهدى، كأنه يقول: عليَّ أن أهديكم، أي أن أبين لكم سبيل الرشاد والخير وسبيل الضلال والتعاسة، أي ألزم نفسه أن يبين لعباده سبل الهدى والضلال، وهذا ربما مر معنا في سورة البلد: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]، وفي سورة الشمس: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]، ويعاد تكرار هذا المعنى في سورة الليل، فيقول: إن علينا، كأنه يقول: عليَّ أفعل كذا؛ ألا تقول أنت في اللغة العربية: عليَّ أن أفعل كذا؟ فسبحانه يقول: عليَّ أن أبين طريق الهدى وطريق الضلال.
طيب، يا شيخ ما ذكر الضلال، ذكر الهدى فقط. هو قال: إن علينا للهدى، ما قال علينا للهدى والضلال. بعض المفسرين يقول: حذفها لفهمها من السياق، كقوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81]، طيب السرابيل أيضاً تقي البرد، قال: حذفها لفهمها من السياق، تقديرها وسرابيل تقيكم الحر والبرد، لكن حذف البرد لفهمها في مقابل الحر؛ لأن الملابس كما تقي الحر تقي من البرد وهذا مفهوم. فنفس الشيء كثير من المفسرين قالوا: إن علينا للهدى، أي إن علينا أن نوضح طريق الهدى ونوضح طريق الضلال، فذكر الهدى باعتباره أشرف الشيئين وسكت عن الضلال، وهو أيضاً سيبين سبله وأساليبه وطرقه، ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]، فالله كما وضح سبل الخير وضح طرق الشر ومسالكه.
فهذا طبعاً على معنى أن الهدى بمعنى ماذا؟ أن علينا أي عليَّ أن أبين لكم طريق الهدى وطريق الضلال، ثم أنت يا إنسان، أنت الذي ستختار؛ يا إما ستختار أن تكون ممن أعطى واتقى وصدق بالحسنى، أو ستختار أن تكون ممن كذب واستغنى وكذب بالحسنى، فيقول الله: أنا عليَّ أن أبين لكم طريق الخير وما نهايته، وأبين لكم طريق الشر وما نهايته، بعدين حضرتك أنت رح تختار، هل ستختار أن تكون ممن أعطى واتقى وصدق، أو ستختار أن تكون ممن بخل واستغنى؟
الآن البعض يقول لك: لا، يقول لك إن علينا للهدى أي إن عليَّ توفيق الناس للهداية، فيكون الكلام ليس عن بيان طريق الخير والشر، لا، الكلام عن التوفيق، يعني إن عليَّ أن أهدي من أردت هدايته إلى الخير، فأنا أوفق للهدى، إن علينا للهدى أي التوفيق لسبيل الهدى. ولكن حقيقةً أيضاً سيبقى الاحتمال الآخر، وكذلك من ضل، فإن هذا أيضاً بمشيئة الله، ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]، فجعل إن علينا للهدى بيانية أجده أقوى في هذا السياق: أنا علينا أن نبين لكم سبيل الهدى وسبيل الضلال، واقتصر على ذكر الهدى لأنك ستفهم الضلال ضمنياً، وذكر الهدى باعتباره أشرف، فهو الأفضل أن يذكر لأنه أشرف الاحتمالين، هكذا يقول في علم البلاغة.
قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾ [الليل: 13]، فلا يضرنا ضلال من ضل، ولا ينفعنا اهتداء من اهتدى، أو أنهما لنا فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق. جميل، وإن لنا للآخرة والأولى، شوف المعنى الثاني ركزوا في المعنى الثاني، ذكر النسفي هذا المعنى الآن، قال: أو أنهما لنا فمن طلبهما من غيرنا... وإن لنا للآخرة والأولى، شوف ماذا يقول الله: إليَّ أنا الآخرة التي هي الدار الآخرة، وإليَّ الأولى وهي الدنيا، فبدك تطلب الدنيا اطلبها مني، وبدك تطلب الآخرة اطلبها مني، لا تطلبها من غيري، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
وإن لنا، كيف أقول لك هذا الشيء كله إليَّ، أولته وآخره؟ أنت عم تسعى صح، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]، مش أنت بدك تستريح في الدنيا؟ اطلبها من الله واطلبها بما يرضي الله، مش أنت بدك الآخرة؟ اطلبها من الله واطلبها بما يرضي الله. طيب ممكن شخص يقول لك: طب أنا بدي الدنيا بس ما بديش الآخرة، حتى لو بدك الدنيا بس اطلبها من الله، وإن لنا للآخرة والأولى، نحن ملاك الدنيا والآخرة، فاطلبوها مني ولا تطلبوها من غيري.
إذا كنت تريد راحة البال في الدنيا، تريد السعادة، تريد الخير، تريد التوفيق، تريد الرزق والسعة، تريد الهدوء، تريد أن تكون إنساناً متزناً، تريد النجاح، اطلبوا مني واطلب ما يرضيني، فوالله لأن سلكت أو طلبت الدنيا من غيري لأذلنك فيها، لأن طلبت الدنيا من غيري لأذلنك فيها، معيشة ضنكاً ستشعر بضنك، فهذا حقيقة آية عظيمة بهذا المعنى الثاني، والمعنى الأول عظيم أيضاً، لكن المعنى الثاني أشعره ينسجم مع السياق الذي نحن فيه، لأنه ذاك الشخص الذي بخل واستغنى وكذب بالحسنى، هو لماذا بخل واستغنى؟ لماذا لما تجي تقول له ادعم، قدم، ابذل، ما بده؟ لأنه هو حريص على الدنيا باختصار، هو حريص أن ينال السعادة، فهو يريد أن يحقق السعادة في الدنيا من خلال ماذا؟ بخله وعدم بذله وعطائه، فيريد أن يبقى سعيداً حتى وهو كما قلت لا يقدم لهذا الدين ولا يبذل، ومستغنٍ بالشهوات، يبحث عن السعادة.
فالله يقول لهذا الشخص: وإن لنا للآخرة والأولى، أنت بخلك وعدم عطائك للدين واستغنائك بالشهوات مش بحث عن السعادة، هل تظن أنك في سعادة حقيقية وأنت تنال شهوة محرمة أو لا تعطي لهذا الدين وتنال لذة محسوسة محدودة مقابل فوات خيرات عظيمة، ومقابل القلق والضنك والخوف والرعب الذي أنت فيه؟ خوف ذهاب المال، خوف فقدان الأمان، خوف الشهوات، يعني ما هو الكافر نفس الشيء، الكفار مش عندهم خوف، عندهم رعب، اليوم شوفوا في أمريكا الحرائق الكبيرة التي أصابتهم وهذا خوف، هذه خسران، هذه هلاك، هذه أمور باختصار الدنيا سعادتها براحة البال وطمأنينة النفس والرضا والشعور بالهدوء، هذا الشيء أنت لا تناله عفواً بعلاقة محرمة، هذا الشيء أنت لا تناله بمجرد وجود مال في جيبتك، هذا الشيء أنت لا تناله بمجرد عمل وصحة أو زوجة جميلة حصلتها، هذا شيء لا تناله إلا من الله، لا تناله إلا من الله، فإن لنا للآخرة والأولى فاطلبها مني، ولا تطلبها ببخل واستغنائك وإعراضك عن الخير.
بتفكر أنه إذا أنت دخلت طريق الخير والتدين لا، خلص معناتها الدنيا رح تصير سوداء؟ هل تظن أن تدينك والتزامك معناتها خلص ضاعت علي الدنيا؟ بعض الناس أصلاً شو اللي بخوفه من التدين؟ أنه إذا دخل في التدين راحت عليك، يلا الله يعينك، إن شاء الله في الجنة بتلقاها، يعني هو هيك التدين، يعني إذا صرت شيخ معناتها لا في مصاري، ما في سيارات، ما في شغل، ما في لذة، إياك أن يخدعك الشيطان بهذا، بل إن التزامك وتدينك وثباتك يعطيك من اللذات الحسية واللذات النفسية واللذات العقلية ما يفقده هؤلاء القوم الذين حصروا دماغهم فقط في جزء من اللذات الحسية. كل هذه الدنيا بما فيها من الأموال والجنس والشهوات هي جزء يسير يحصله الإنسان من شهوات حسية، فقد مقابلها لذائذ نفسية ولذائذ عقلية وإيمانية وقلبية فقط من أجل شيء يسير، وأما المسلم الذي يتقي الله سبحانه ويعطي، والله يحصل لذات حسية ولذات نفسية ولذات عقلية، وهو يقدم لدين الله ومبسوط. بس جرب يا أيها البعيد عن الله، جرب أن تسعى إلى الله بطريقة صحيحة وشوف هل فعلاً التدين سيحرمك من اللذات وسيجعل حياتك كئيبة؟ أنه هكذا الشيطان يخوف أولياءه، بخوفك إذا التزمت أنه وضعك المادي مباشر رح ينخفض، القعدات مع الشباب والسهرات راحت عليك، فتصير إنساناً بتردد: أدخل في طريق الالتزام ولا لا؟ فربنا بيعلنها أمامك: وإن لنا للآخرة والأولى، أنا إليَّ الآخرة والأولى، اطلبها مني، ما تطلبها بطريق آخر، مش حتستطيع، لن تكون مسروراً إذا بحثت عن طرق أخرى لتطلب منها السعادة، وإن لنا للآخرة والأولى.
أكمل قال: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [الليل: 14-16]. خوفتكم ناراً تلظى، تتلظى، لا يصلاها، لا يدخلها للخلود فيها، إلا الأشقى الذي كذب وتولى، إلا الكافر الذي قال، فأنذرتكم بناءً على ما سبق يقول سبحانه: فأنذرتكم ناراً تلظى. ها، إن علينا للهدى، لأني أبين لكم طريق الخير وطريق الشر وأنت ستختار، وإن لنا للآخرة والأولى، فيا أيها الإنسان اطلبها مني ولا تطلبها من غيري واسمع هذا التوجيه الإلهي. ثم يقول بناءً على هذا، فكأنه هنا تفريع، كأنه هنا تفريع بناءً على هذا فأنذرتكم ناراً تلظى، احذروا من النار، ومش أي نار، نار تلظى يعني عم تلتهب، هذا معنى تلظى، عم تلتهب وتنتظر هؤلاء الذين بخلوا واستغنوا عن العطاء لدين الله واستغنوا بالشهوات، تنتظرهم فأنذرتكم ناراً تلظى.
وهذا الأعظم معنى يعيش من أجله الإنسان، أنا أعمل من أجل أن أدخل النار؟ عفواً، أسأل الله العافية، أدخل الجنة وأبتعد عن النار، أنا من أجل هذا أسعى، وقضية النتائج الدنيوية هذا ليس مطلباً أقاتل من أجله، إذا حصل حصل وأكون سعيد، بس إذا لم تحصل النتائج الدنيوية أنا أسعى لماذا؟ لأتجنب النار التي تتلظى. هكذا هي قضية الحياة باختصار، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 4]، اختياراتكم متعددة في الدنيا، خل اختيارك أن يبعّدك عن النار التي تتلظى، هذا بيهمك أنت، مش مسؤول عن النتائج التي ستحصل في الأمة، مش مسؤول عن واقع الأمة ماذا سيحصل فيه، أنت مسؤول تنجي نفسك من النار، مسؤولية فردية، لأن الكل سيأتيه يوم القيامة فرداً، مسؤوليتك فردية، انجُ من النار، بس هذا المطلوب منك، تفكر، فكل عطائي وتصديقي بالحسنى وبذلي لهذا الدين في أزمنة الاستضعاف إنما أرجو منه أن أنجو عند الله، وهذا الشعور راح يريحك جداً، لأنه أنا في النهاية لا أبحث عن مجد شخصي، ولا أبحث عن، لا بد أنا أرى إنجازي، يمكن أن أبذل سنوات ولا أرى من حولي من يكون أو يجتمع جمهور، عادي جداً عادي، أنت لا تعمل لحسابات دنيوية، أنت تعمل فقط لحاجة واحدة: فأنذرتكم ناراً تلظى.
لا يصلاها إلا الأشقى، الأشقى الذي اتخذ القرار الثاني، مين الأشقى؟ الذي قرر أن يبخل ويستغني وأن لا يصدق بالعاقبة، هذا الشخص لم يتعظ ولم يصدق بالحسنى، فهذا شقي، مع أن البيان حصل له لكنه أصر على التترس بالدنيا، الله يقول له: وإن لنا للآخرة والأولى، فاطلبها منا، الشقي راح طلبها من الظالمين والفاسدين وبالطرق المحرمة، شقي فعلاً أنه في قمة الشقاء، إذاً فأنذرتكم ناراً تلظى، هذه النار التي تتلظى لا يصلاها إلا الأشقياء، الذي كذب وتولى، كذب، كذب بالحسنى مرت معنا قبل، وتولى، تولى عن ماذا؟ عن العطاء، وأنت سورة جسد واحد، فهو كذب بالحسنى وتولى عن العطاء، بخل، البخل هو ماذا؟ الله عز وجل سماه تولياً، في آخر سورة محمد صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]، ﴿فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، فربط التولي بالبخل في آخر سورة محمد لما أمرهم الله بالعطاء بعضهم بخل، فقال: وإن تتولوا عن العطاء يستبدل قوماً غيركم، فهنا الله عز وجل يقول من هو هذا الأشقى؟ هو الذي فسرته لكم قبل قليل: كذب بالحسنى وتولى عن العطاء لهذا الدين، أشقى لأنه استغنى بشهواته، كذب بالحسنى واستغنى بشهواته فبخل عن العطاء.
ثم قال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: 17]، لاحظ هذا التعبير هنا، وسيجنبها الأتقى، في المقابل في سورة الأعلى ماذا قال؟ ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ * فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 6-11]، صح، مش قال في سورة الأعلى ويتجنبها الأشقى؟ ويتجنبها، شوف صيغة الفعل هنا، صيغة فعل الأشقى، الأشقى يتجنب طريق الخير، عبر الله عنه أنه ايش؟ يتجنب، لكن في سورة الليل هي العكس أتت، أنه النار طريق الشر، سيجنبها الأتقى، في هناك فرق بين يتجنب وسيجنبها، تشعر في فرق في التعبير، شو الفرق؟ آه، لا، المشكلة مش في السين، عم، أحسنت، سيتجنب بنفسه، نسب الفعل إليه هو بنفسه سيتجنب طريق الخير والاستقامة.
طيب وسيجنبها الأتقى، ما قال وسيتجنبها الأتقى، لو قال هنا وسيتجنبها الأتقى كان شو المعنى؟ أن الأتقى هو بنفسه وبفعله سيتجنب نار جهنم، لكن حقيقةً لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، فالخير اللي في حياتك وأنك تدخل الجنة هذا فضل من الله، فضل، وإلا حتى أعمالنا مهما كنا محسنين هي لا تكفي لأن تزحزح عن النار وتدخلنا الجنة، وإنما نزحزح عن النار وندخل الجنة برحمة الله التي لا ننالها إلا بأعمالنا، تمام، ففي النهاية الله يريد أن يخبرك أن الشر أنت سببه، ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، الشر منك أنت، أنت الذي اخترت أن تكون شقياً، فلما تكلم في سورة الأعلى قال: ويتجنبها الأشقى، هو نفسه اختار أنه ما يروح على الدرس، هو نفسه اختار أن يكون ضالاً، هو نفسه اختار أنه...
يبتعد الشر منه. كل شيء بقضاء وقدر لكن هو صاحب الخيار والقرار، فالله عز وجل عامله بعدله، لكن المؤمن الله عامله بفضله. فقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: 17]، هنا تشعر أنه في هناك من جنّب الأتقى، صح؟ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، من الذي جنبه؟ هو، فهناك توفيق وهناك إعانة. يعني حتى هو في مفهوم الإعانة، ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ فيه هناك تدخلات خارجة عنك هي راح تعينك على الابتعاد عن النار.
هذه التدخلات الإلهية ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾؛ في معونة ستعين وتوفيق سيعين الأتقى أن يبتعد عن النار. وضحت الفكرة؟ لم يقل هنا وسيتجنبها، إنه قال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾؛ يعني أنت ولحم أكتافك يعني أنت الأدق بشطارتك تجنبتها، وكأنك في معركة وحدك، لا، الأتقى سيُجَنَّب، هي الصيغة تدل أن هناك تدخلاً خارجياً جنبك النار. وهذا التدخل الخارج ما هو؟ هو رحمة الله، ربنا رآك وأنت تفعل أعمالاً صالحة فتدخل، لأنه يعرف أن أعمالك الصالحة هي لا تكافئ نعمة من نعمٍ عليه.
طب كيف يا رب أنا كل أعمالي الصالحة هي لا تكافئ شكر نعمة من النعم؟ يقول لك راح أتدخل فسأجنبك النار، وإن كنت أعرف أن أعمالك لا تقوى، ولو عاملتك بعدلي لهلكت، لكن لأنني رأيتك تبذل في زمن الاستضعاف، رأيتك تعطي وتقدم فسأساعدك، سأساندك، سأجنبها. الأتقى من الأتقى؟ قال: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾ [الليل: 18] للفقراء. الذي يؤتي ماله، باختصار الذي يعطي، وإيتاء المال بالتحديد هو نموذج من نماذج العطاء، لكن يؤتي هذا ماله، هذا ممكن يؤتي علمه، هذا ممكن يؤتي بدنه ويبذل جهده، وهذا ممكن يضحي بدمه، يؤتي يعطي.
كيف ﴿كَذَّبَ بِالْحُسْنَى * وَتَوَلَّى﴾ [الليل: 9-10] رجعناها لأول السورة، كذب بالحسنى وتولى عن بالبخل، نفس الشيء هنا، الذي يؤتي هو الذي بدأ به السورة: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى﴾ [الليل: 5]، هذا يؤتي والعطاء والإيتاء متقارب عموماً. يس، كذلك فالأتقى هو الذي قدم، هو الذي بذل، لكن لأن السورة نزلت في أبي بكر الصديق وأنه كان يحرر العبيد الضعفاء كما مر معنا الدرس، ذكر هذا النموذج، نموذج إيتاء المال. بس أنت ممكن تقدم العلم، ممكن تقدم بدنك، ممكن تقدم جهدك، سيارتك، أفكارك، بغض النظر، الأتقى الذي يبذل هكذا عند الله.
من الأتقى الذي يبذل ويعطي ويقدم لهذا الدين؟ الذي ﴿يُؤْتِي مَالَهُ﴾، لماذا تعطي لهذا الدين؟ ﴿يَتَزَكَّى﴾ [الليل: 18]، أنا أريد زكاة نفسي، أنا لا أنتظر نتائج، أنا مؤمن أن النتائج ستحصل، لكن أنا الآن في لحظة الاستضعاف والهموم محيطة بي، لماذا أعطي؟ أبحث عن نجاة نفسي، يتزكى يبحث عن النجاة. أنا عارف أنه بإذن الله الناس ستستفيد من عملي، من مالي، من عطائي المعرفي أو المالي أو البدني، لكن هذا سيحصل للناس، لكن أنا.. أنا طب لماذا أبذل مع أنني لا أرى ثماراً؟
ما الذي يدفع الإنسان باختصار أن يقدم وهو لا يرى ثمرة العمل الحسية أقصد، هو أنه يريد زكاة نفسه، مشان هيك بسوي، أنا حتى أشعر بالارتياح أنني أقدم لله سبحانه وتعالى، فلبحر النفس أنا أقدم في زمن الاستضعاف، أنا أحاول أن أطلب العلم، أنا أحاول أن أقوم الليل، أحاول أن أحافظ على الأذكار والأوراد، أحاول أن أبحث عن سبب من أسباب الخير، أبذل فيه مالي أو جهدي أو وقتي، أنا أبحث عن الزكاة، أبحث عن النمو، نمو شجرة الإيمان في قلبه، ﴿يَتَزَكَّى﴾.
ثم قال يتزكى من الزكاء، أن يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يريد رياءً ولا سمعة. نعم أو يتفعل من الزكاة ويتزكى، إن جعلته بدلاً من يؤتي فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلة لا محل لها، وإن جعلته حالاً من الضمير في يؤتي فمحله النصب. قال أبو عبيدة: وهذا قد يكون من أنسب الأحوال أن تجعل الفعل المضارع حالاً: الذي يؤتي ماله حاله كونه في الإيتاء للمال يبحث عن زكاة نفسه، يعني وهو يعطي ويقدم لهذا الدين، في هذه الحالة وفي حالة العطاء يبحث عن الزكاة، أن نجعل الفعل المضارع منصوباً على الحالية، هذا معنى جميل في هذا السياق.
نعم، قال أبو عبيدة: الأشقى بمعنى شقي وهو الكافر، والأتقى بمعنى التقي وهو المؤمن. حقيقة الأشقى لا يشترط أن نعم، إن كان أصلها تطلق على الكافر، لكنها أيضاً تطلق على المؤمن المقصر الذي يدخل نار جهنم، لأن هذا نوع من الشقاء وإن لم يكن شقاءً تاماً. نعم، قال لأنه لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء. وإن زعمت أنه نكر وإن زعمت أنه نكر النار فأراد ناراً مخصوصة بالأشقى بقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، لأن التقي يجنب تلك النار المخصوصة، لا لا، الأتقى منهم خاصة.
وقيل الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأراد أن يبالغ في صفتها فقيل الأشقى في صفتها، فقيل لأن البعض قال إن هذه الآيات أصلاً نزلت في المقابلة بين أبي بكر الصديق وهو من يعطي لهذا الدين، وبين أحد صناديد الكفر أبو جهل أو غيره، والذي كان يستغني بماله ولا يعطي لهذا الدين. فالبعض قال الأشقى المراد بها عظيم من عظماء المشركين، والأتقى المراد بها هنا عظيم من عظماء المؤمنين وهو أبو بكر، لكن الحقيقة الآيات دائماً لا ينبغي أن تفسر، صح هي سبب نزولها قد يكون هذا، لكن في الطرح العلمي لا تفسر بسبب نزولها، لأنه هي القرآن عام. فالأشقى من يصدق عليه هذا الوصف، سواء في زمن كفار قريش وغيرهم، والأتقى هو كل من يصدق عليه هذا الوصف، وإن كان سبب نزوله في أبي بكر الصديق ابتداءً رضي الله عنه.
قال: وقيل أبو جهل وأبو بكر، وفيه بطلان لزعم المرجئة، لأنهم يقولون لا يدخل النار إلا كافر. طبعاً هنا هو يقصد أن المرجئة لما قالوا الذين يقولون أن المؤمن وإن فعل ما فعل من الكبائر والذنوب والفواحش لا يمكن أن يدخل النار، بعضهم قد يستند بهواه كما يقول الشاطبي بهواه، فيقول الله عز وجل قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: 15]، والأشقياء هو الكافر، إذا المؤمن شو ما عمل من الفجور لا يصلى النار؟ مش ربنا قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾، والأشقى هو الكافر؟ بالتالي هل المؤمن لو زنى وعمل مصائب هل يمكن أن يصلى النار؟ لا، لأنه ربنا قال لا يصلى النار إلا الأشقى والأشقى هو الكافر.
بقول الخطأ هو أصلاً في حصر الأشقى في الكافر، الأشقى هناك شقاء تام لا يخرج، ساح هذا الكافر، لكن هناك شقاء جزئي، يا أخي وأنت بمجرد تغمس في النار غمسة إذا كنت مسلماً وغمس في النار غمسة بس ثانية واحدة راح تنسيك كل نعيم الدنيا وراح تنسيك اسمك، فليس هذا شقاء أن تعرض نفسك للنار ولو ثانية؟ ولو ثانية لو دخلك في النار بس طلعك على الجنة، هذا شكل من أشكال الشقاء الجزئي، فالأشقى ليس خاصاً بالكافر، هناك شقاء تام هذا يكون للكافر، وهناك شقاء جزئي وهذا يكون لكل من عرض نفسه الدخول في النار ولو ثانية، فهذا أشقى شقاء ولو جزئياً.
نعم، قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 19-20]. أي وما لأحد، الله عز وجل يعظم هنا العطاء وركز في هذا المعنى، أبو بكر الصديق كما قلنا مش والدوه يقول له لماذا تعتق هؤلاء العبيد الضعفاء؟ روح أعتق لك عبيد يفزعوا لك، أنت تعتق بلالاً وأمه، يعني شو راح تستفيد منهم؟ فأبو بكر قال لوالده: إنني أنا لا أنتظر عطاءً ممن أعتقهم، أنا فقط أنتظر الرضا من الله. وهذا يدل على فكرة معينة، وهو أنه كثير من الناس ممكن يعطي في زمن الاستضعاف، لكنه ينتظر مردوداً؛ إما شكر أو ثناء، أو أن هؤلاء الناس اللي أعطاهم في يوم من الأيام يستفيد منهم.
وأنت ممكن تخدم طالباً أو تدرس طالباً بس تنتظر منه شيئاً معيناً، أو أحياناً أنت ممكن تفعل معروفاً لشخص مقابل يدٍ له عندك، يعني مقابل هو معروف فعله عندك سابقاً، وهذا معنى ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾. يعني أبو بكر الصديق لما كان يعطي ويعتق هو ما كان يريد معروفاً لأناس فلذلك كان يعتقهم، تمام؟ ايش يعني ما معنى ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾؟ أنت أحياناً قد تشعر بالإحراج الاجتماعي فتقدم لشخص لأنه ماذا؟ له معروف عليك، صح؟ فتشعر أنني لازم أقدم له لأنه هو في يوم من الأيام خدمني، في يوم من الأيام هذا الشخص ساعدني وأعطاني معروفاً، فإذا أنا شفته في ورطة ممكن أساعده من باب رد الجميل.
أعظم الناس في العطاء هم الذين يعطون لأشخاص مستضعفين أو محتاجين، هو لا يوجد له معروف أنا عم برد له إياه، أنا لا أنتظر منه شيئاً ولا أفعل هذا المعروف رداً للجميل، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾. أبو بكر كل اللي أعتقهم ما كان يعتقهم مقابل جميل فعلوه معه سابقاً فهو كان يرد هذا الجميل وهي النعمة. طب ليش كان يعطي أبو بكر الصديق؟ ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾، إلا هنا بمعنى لكن، يعني لكن كان كان يقدم ابتغاء وجه ربه. وهذه في ختام السورة جميلة وهي قمة الإخلاص.
ابتغاء وجه ربه، لأنه أحياناً عطاؤنا حتى في العمل الإسلامي قد تشوبه شائبة بحث عن منافع، صحيح؟ يعني أنا قد أعطي لشخص ماشي، أنا بعطيه ديانة بس في شائبة أنني ايش؟ بدي أرد له معروف، صح؟ حتى ممكن لمشايخ، أنت والله شايف الشيخ له معروف علي بدي أقدم له، بس مش ابتغاء وجه ربه الأعلى، لا، يعني أنا صح أبتغي الثواب عند الله، بس برضه في شاعر أنه والله في معروف بدي أرد لي إياه، أو لوالدك أنت ممكن عم تخدم والدك في أشياء مش ابتغاء وجه ربه، بس من باب رد المعروف، أو والدتك، أنت بتشعر أنه لازم أرد الجميل، أو بأي مكان شخص أسدى إليك معروفاً، فأنت بتعمل عملاً فيه نية لله، وفيه شائبة رد جميل.
لا، أبو بكر الصديق كان من أفضل الناس في العطاء، أنه كان لا يعطي أو بديش أقول لا يعطي حتى ما أحصر، لكن كان كثير من عطائه لأناس هم لم يقدموا له أي معروف وليس لهم أي جميل، ويستهدف أن يكون عطاؤه في ه الزوايا. ما أجمل هذا العطاء لأنه هو فعلاً، أنت تخيل لما تصرف مالك أو جهدك لشخص أو لجمعية أو لمركز أو أي شيء، هم ما لهم معروف عليك ولا تنتظر من عطائك لهم معروفاً، هذه قمة التجرد. صح أنه هم ما عملوا لي شيئاً أصلاً حتى أنا قدمت لهم، ولا إذا أنا قدمت لهم أنتظر منهم معروفاً، طب ليش بتقدم لهم؟ فقط ابتغاء وجه ربه الأعلى.
هذا شيء يعلي الله عز وجل مكانته هنا، هذه الحالة من العطاء هي قمة العطاء، العطاء الذي لا تنتظر منه جزاءً ولا شكوراً، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 9]، نقطة وسطر جديد. لا أنت عملت لي معروفاً حتى أنا أكافئك عليه، ولا أنا متوقع منك تخدمني، يعني أبو بكر الصديق شو كان مصلحته مع بلال بن رباح رضي الله عنهما؟ يعني لا بلال عمل لله معروفاً ولا أبو بكر الصديق متوقع من بلال أنه يدخله معه بزنس، ولا يشاركه في أعماله، ولا منتظر منه أنه يفزع له في معارك وغزوات الله يرضى عنه، سيدنا بلال رجل من خيار الصحابة، فقط أنه عيش للإسلام يا بلال، ما بدي منك شغلة، بس عيش للإسلام يا بلال، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾.
فهذا قمة العطاء، إذا نتكلم عن أعطى لهذا الدين، وعطاؤه كان بتقوى من الله، أنه هون لازم أربط الآن آخر السورة وأولها، أعطى لهذا الدين، وكان عطاؤه وفق قواعد الشريعة، واتقى، وكان مصدقاً بالحسنى، يعني هو ترقب أن ثمار عملي لن تضيع سدى، أنا مصدق بالعاقبة. وبهذه الخلاصة النهائية الله يقول له في ختام السورة: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 21]، يعني أنا راح أرضيه. وتخيل ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ عندما تخرج من الله، صاحب من له الدنيا والآخرة، مش أن لنا، من له الدنيا والآخرة عم بيقول لك راح ترضى.
طبعاً لم يحدد نوعاً معيناً، ما قال لك راح ترضى فرح أدخلك الجنة، لم يحدد نوعاً معيناً، ترك حتى يسبح الذهن في مختلف وأجمل أشكال الرضى الإلهي، راح ترضى يعني راح ترضى بأشياء لم تخطر على ذهن بشر، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكأنه بيقول لك داعي أعطيك شو تفاصيل؟ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾، بكفي أنها صدرت مني، بكفي أنها صدرت مني، ولما الإله يقول لك ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾، ولا، ولسوف، سوف تدل على ماذا؟ الزمن القريب ولا على البعيد؟ عادة سوف تدل على الزمن البعيد، يعني أنت راح ترضى، راح ترضى سواء بالعطاء المادي سواء الآن أو بعد فترة بس راح ترضى.
ولما ترضى راح تقول الحمد لله على كل الثمن اللي دفعته، وعلى كل ما قدمته، أنا أبداً مش منزعج من كل التضحيات التي دفعت في هذا الطريق، من كل الأوقات، من كل ساعات التعب والبلايا، والسجن والدماء والآلام، أنا مش زعلان لأنه فعلاً النتيجة النهائية كانت تستحق، أن رضيت ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾، أنا مبسوط على النتيجة النهائية، والله النتيجة كانت تستحق، لأن أحياناً الواحد لما يشوف النتيجة بعدما يتعب لها كثيراً بعدين خائبة طلعت شو بقول لك؟ والله تعبت كثيراً، أنا شغلي ما كانت تستحق، لا، أنت هنا.
واثق أن العطاء ممن بيده السماوات والأرض، ممن بيده الآخرة والأولى، فرحت أنها لسعيها راضية. مش هيك مر معنا؟ شوف السعي في سورة الغاشية وفي سورة الليل، لسعيها راضية، هو رضي شكره في سورة الغاشية. هي ستكون مسرورة وراضية في نهاية السعي؛ ليه؟ لأنه هي اكتشفت أنه أعطاني فوق ما أستحق على هذا السعي.
يعني لو كان سيحاسبني على السعي بالتمام، لن يكون النعيم كما هو الآن. النعيم الذي حصلته هو أعلى بكثير بكثير من ساعات قيام الليل التي قمتها، ومن تعب المواصلات التي تعبتها حتى أوصل مجالس العلم، ومن حضور المجالس والاشتغال بالدعوة. أنا صح تعبت شوي، ماشي كان شوية حرارة والمحل أزمة وعرق شوي، قلت المادة، بس مش الثمن الباهظ مقارنة بالنتيجة التي حصلتها في جنة عرضها السماوات والأرض.
فكلمة ولسوف يرضى كلمة تحتاج أنك تقف معها كثيراً، أنها مليئة بأن هناك عطاءً عظيماً وجميلاً ينتظرك بعد هذا السعي، فاختر أي السعي تريد؛ إن سعيكم لشتى. عاد أنت اختر المسار الذي تريد أن تصل إليه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن أحسن الاختيار فوفقه الله سبحانه وتعالى إلى ديار الأبرار. صل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل