دخولتسجيل الدخول

المجلس السابع والسبعون - سورة الشمس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترا، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله يا أهل القرآن على موائد القرآن، حيث نقتبس المعاني ونلتفت إليها، وننشغل بفهم كلام ربنا سبحانه وتعالى. ونسأله عز وجل أن يفتح على قلوبنا في فهم القرآن، فإن من فتح على قلبه في فهم القرآن انشغل به واستلذ به وطابت حياته به. وأما من قرأ القرآن وهو لا يعرف رسائله ومعانيه، بقي هناك حاجز بينه وبين تلاوة القرآن وحبه. فلا بد وأن تحرص على أن تحب القرآن، وأنك لن تحب القرآن حق المحبة حتى تفهم معانيه. فإذا بدأت تعرف كيف تفهم القرآن عندئذ ستحب القرآن حقاً؛ أنت الآن تحبه لأنه كلام ربك وأنت معتقد أنه شيء مميز، لكن هناك نوع من المحبة التي أسميها المحبة الحقيقية، محبة من القلب، بحيث تصبح تطلب القرآن إذا فقدته، وإذا قصرت فيه بحيث تشعر بالنقص في حياتك كلما ابتعدت عن معاني القرآن، بحيث تصبح ترى أن أهم ما ينبغي أن تشغل به عقلك هو القرآن؛ عندئذ أنت وصلت إلى حب القرآن.

كيف يحب الإنسان أن يفتح الجوال وأن ينظر في الرسائل وأن يخرج إلى النزهات؟ هناك أناس جعل الله حبهم في الالتفات لمعاني القرآن، وأنعم به من حب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. ما زلنا نعيش في أفياء السور القصيرة والأخيرة من جزء عم، وقد انتهى بنا الحديث إلى سورة الشمس وتعقبها سورة الليل.

والسور الختامية في جزء عم أيها الكرام هي قصيرة المبنى لكنها والله عظيمة المعنى، لأن كل سورة تشكل وحدة واحدة في موضوع واضح تماماً. فبالنسبة لسورة البلد في الدرس الماضي قلنا الآية المركزية التي فيها كانت: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]، ضرورة اقتحام طريق الخير والصلاح والرشاد، وألا تبقى متردداً خائفاً، وكيف رسمت السورة معالم هذا الاقتحام. اليوم سنبدأ إن شاء الله بسورة الشمس، وهناك أيضاً معنى عظيم في سورة الشمس خلاصته في ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. هذا هو لب السورة والسورة تحوم حوله، فحري بالإنسان أن يفهم أولاً أطول قسم أقسم الله به في كتابه، فإن سورة الشمس تتضمن أطول قسم في القرآن على الإطلاق، حيث أقسم الله عز وجل أحد عشر قسماً على مسألة عظيمة، فلما يكثر القسم عليها هذا يدل على أنها أعظم المسائل عند الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بحياتك أيها المؤمن. دائماً عندما يطول القسم فاعرف أن المقسم عليه فخم؛ إذا طال القسم اعلم أن المقسم عليه شيء فخم، هذه القضية الأولى.

ثانياً علينا أن نحاول أن نجد الرابط بين القسم والمقسم عليه، وهذا كما فعلنا في سورة البلد لما حاولنا أن نجد الرابط بين القسم والمسم عليه فعرفنا أنه أقسم بالكبد الديني والدنيوي على أنه خلق الإنسان في كبد. اليوم أيضاً سنتكلم عن أن الله سبحانه وتعالى أقسم بالشمس وضحاها، وبالقمر إذا تلاها، وبالنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ثم قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]. المقسم عليه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]، هذا هو المقسم عليه عند أكثر أهل العلم. حقيقة دائماً من الأمور التي تلفت الإنسان هو محاولة فهم الرابط بين القسم والمقسم عليه؛ هل هناك رابط بين الشمس، القمر، الليل، النهار، السماء، الأرض، وبين ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾؟ هذا حقيقة ما سنسعى ونحاول أن نكتشفه بإذن الله في مجلس اليوم.

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: 1-15].

هنا الله سبحانه وتعالى أقسم كما قلنا بمظاهر كونية، وما أستطيع أن أختصره ابتداءً فيما أفهمه أن الله سبحانه وتعالى وكأنه يريد منا أن نقيس الأحوال النفسية على الأحوال الكونية. إن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نقيس الأحوال النفسية التي تمر بنا في حياتنا على الأحوال الكونية. سيبقى الكلام مجملاً، نبدأ نحاول نفهم كيف ذلك. الله عز وجل بدأ هذه السورة بماذا؟ الشمس. ولم يقسم بها وحدها؛ أقسم بالشمس ثم أقسم مباشرة بلحظة إشراقها، ﴿وَضُحَاهَا﴾، وقت الضحى حيث تشرق. فأقسم بالشمس وبإشراقها. ثم قال: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، ودائماً عندما تتدبر عليك أن تحاول وتجهد الرابط بين هذه الانتقالات. ثم أقسم بعد ذلك بالنهار إذا جلاها، النهار هو الذي يرفع الشمس إلى الأعلى، وعكسه ما يفعل الليل فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، يغطي نور الشمس ويزيلها ويطمسها. والسماء وهي العلو وما بناها، ونأتي على تفاصيل هذه الأقسام أكثر، لكنني أحاول أن نشكل الصورة العامة. والارض وهذه مقابلة بين السماء والأرض، قال: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾، ثم بعد هذه المظاهر الكونية أقسم بمظهر واحد نفسي وهو النفس فقال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾.

لماذا كل هذه السابقة مظاهر كونية والأخير هو النفس؟ ونفس وما سواها. لماذا جعل كل ما سبق كوناً؛ شمس، قمر، نهار، ليل، سماء، أرض، ثم ليكون الأخير هو النفس؟ لا تقل لي هذا كلام جاء هكذا، لا يمكن، في هناك رابط بالتأكيد بين جعل النفس هو آخر الأقسام بعد أن ذكر المظاهر الكونية. وما أسميه أو ما أفهمه دعني أقول: إن هي محاولة ربط الأحوال النفسية بالأحوال الكونية.

الشمس أيها الكرام دائماً أنتم تعرفونها وهي على معناها الحقيقي، لكن ماذا يمكن أن تربط في ذهن الإنسان بالنسبة إلى نفسه؟ الشمس يمكن أن نقول هو الفطرة السوية، الشمس هو الإسلام الذي أنت امتلكته في حياتك، الشمس هي لحظة دخولك في هذا الدين وفي دخولك طريق الالتزام والتدين، وعندما بدأ يشرق الإسلام في قلبك. نحن لا نقول هنا عليك أن تفرق بين جزئيتين، بين أن تفهم الرسالة البعيدة وبين أن تقول إن هذا هو معنى الشمس، وهذا فرق دقيق أشار إليه العلماء في التفريق بين التفسير الباطني والتفسير الإشاري.

الآن الباطنية كيف يفسرون القرآن على طريقة الرموز؟ صحيح أن الشمس رمز لكذا والليل رمز لكذا وليست على معناها الحقيقي، هذا لا يجوز. بل الشمس هنا ما دام لا يوجد قرينة تصرفها عن معناها الحقيقي فالاصل أنها على المعنى الحقيقي. لكن ما هو الفرق بين التفسير الباطني والتفسير الإشاري؟ التفسير الإشاري تفسير يستخدمه العلماء جميعاً، أما التفسير الباطني فيذمه العلماء جميعاً. هنا فرق دقيق، أن التفسير الإشاري هو أنني أبقي الألفاظ على معناها الحقيقي ولكنني أحاول أن أقتبس منها معاني إشارية ولفتات إيمانية، وأما التفسير الباطني هو أن تقول إن الشمس هنا ليست بمعنى الشمس المرئية بل هي رمز للإسلام، وأن الأرض ليست بمعنى الأرض التي نشاهدها بل هي رمز لشيء آخر؛ لا، هنا أنت بدأت تفسر خطأ وبدأت تلعب بدلالات النصوص بشكل خاطئ، هذا تفسير باطني.

أما التفسير الإشاري هو الذي لابد منه، وهو أنك بعد فهمك للمعاني الحقيقية تحاول أن تقول: لماذا أقسم الله بهذه المظاهر الكونية؟ هو يريد مني أن أنتقل من المظاهر الكونية إلى المظاهر النفسية. فهمتم الفرق بين التفسيرين؟ هو يريد مني أن أقيس هذا على هذا، أن أقيس النفس على ما يحصل في الكون، وأما الآيات فهي على ظاهرها تماماً. دعونا نفهم أكثر وأكثر، إذاً ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ معناها الحقيقي المتبادر وما هي، هذه الشمس الجرم السماوي الذي يشرق فينير الأرض، هذا يأخذك إلى معنى إشاري مهم وهو الإسلام الذي يشرق على نفسك ويضيء لحظة دخولك في طريق الالتزام والتدين والصلاح. هذا هو الشمس في حياتك، هذا هو الشمس التي أتت لتزيل كل الظلمات في حياتك؛ ظلمات الشهوات والشبهات، الضلال، الضياع، الخواطر الرديئة، السيئات. جاءت شمس الإسلام، جاءت لتجلي كل هذه الظلمات التي في قلب الإنسان المؤمن. ولاحظ أنه لم يقسم بالشمس فقط، بل أقسم بها ثم بلحظة إشراقها؛ هي لحظة دخولك في هذا الدين، لحظة بدايتك في طريق الالتزام، لحظة اهتمامك بـ "لا إله إلا الله". هذا ممكن طبعاً شخص كافر ثم أسلم، وممكن شخص ما كان كافراً لكنه كان فاسقاً ثم تاب، هي لحظة توبتك، هي لحظة شروق الشمس، هي لحظة الضحى في حياتك تماماً. ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ولحظة إشراقها في حياتك أيها الإنسان، هذه لحظة مهمة جداً. وتخيل الصحابة الكرام الذين تتنزل عليهم هذه السورة وهم في مكة وهم أسلموا حديثاً بعد أن كانوا مشركين، وعليّ أن أتخيل هذا، أن هؤلاء بدأت الشمس تشرق على قلوبهم بعد أن كانوا في ظلمات الشرك والجهل والغي والفواحش وما شابه ذلك.

ثم قال: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، لماذا ذكر القمر هنا بعد الشمس؟ هناك تقابل عادة بين الشمس والقمر وكأنه نوع من الطباق في علم البلاغة، نوع من التقابل، وواضح أن السورة اهتمت بموضوع المتقابلات؛ شمس، قمر، نهار، ليل، سماء، أرض، ثم أخذت المتقابلات وأسقطتها حتى على الإنسان لما قالت: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، برضه هي متقابلات. فكما هناك متقابلتان هناك متقابلتان نفسيتان؛ كما هناك شمس وقمر، كما هناك ليل ونهار، كما هناك سماء وأرض، هناك ماذا؟ فجورها وتقواها، هناك من أفلح من زكاها ويقابله قد خاب من دساها. فهذه التقابلات ليست فقط في الكون بل حتى في النفس، هذه التقابلات والتضاد ليست في الكون بل موجودة أيضاً في حياتك وسلوكياتك. كما أنك ترى التقابل بين الليل والنهار، ترى التقابل بين الشمس والقمر، بين السماء والأرض، وهذا تقابل عادة في ذهن الإنسان؛ النهار رمز للاشراق، والليل رمز للأشياء الكئيبة والشر والظلمات، السماء رمز للعلو، والارض رمز للسفول، الشمس أعلى من القمر. وكذلك طريق الخير والالتزام عالٍ، وطريق الفساد منسف، ولذلك قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. هو يريدك أن ترى هذه التقابلات الكونية لتعرف أنها أيضاً موجودة في حياتك أنت؛ أنت قد تكون في أعلى عليين بأخلاقك وإيمانك وإسلامك، وقد تدس نفسك في التراب وتصبح خبيثاً دنيئاً بابتعادك عن المراتب العلية والأخلاق السنية.

إذاً لا بد وأن تلاحظ أن هنا متقابلات في الكون وفي النفس. لكن خطر في ذهني معنى، ولا أدري هل يمكن أن يكون مقبولاً في قضية ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾؛ لأن القمر في النهاية هو ليس رمزاً للشر، النهار رمز للخير والليل عاده رمز للشر والظلمات، السماء رمز للعلو والأرض رمز للسفول، فلذلك أستطيع أن أفهم تقابل الخير والشر في والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها. لكن الشمس والقمر، الشمس نعم تقابلها مع القمر أن الشمس تخرج في النهار والقمر يخرج متى في الليل، هذا تقابل بالتأكيد، لكن في النهاية القمر هو أيضاً شيء مفيد، يعني هو ليس رمزاً سلبياً، هو يعطي إشارة جيدة، وكأنني أشعر أن الله سبحانه وتعالى ينبه أنك وإن أشرقت شمس الإسلام في حياتك مع ضحاها، إلا وأن الإنسان سيمر بلحظات من الفتور. لحظات الفتور هذه، الشمس لن تبقى في قمة سطوعها أكيد، لكن عليك أن تحافظ على ماذا؟ على بقاء نور ولو يسير، ويمثل هذا القمر. هل أنت ستبقى في أعلى درجات سطوع؟ خليني آجي على كثير من الشباب المتدين، حتى إذا رأيتم المسلمين الجدد في الغرب، أول سنة سنتين ثلاثة كيف بيكون مستواه عالياً؟ لأنه جديد، أسلم جديد، دخل في طريق الالتزام، فأول شهر شهرين ثلاثة هو في قمة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ في قمة الإشراق. لكن هل نحن جميعاً، حتى نحن كمتدينين، هل نحن دائماً نبقى في هذا التصاعد؟ أم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل عمل شرة». لابد وأن تأتي لحظات من الفتور والنزول، يعني أنت في العادة لا تبقى صاعداً صاعداً في الهمة، ألا تأتي عليك لحظات فتور علمي، فتور إيماني، تجد أن قلبك ليس كقلبك البارحة؟ كلنا يصاب بالفتور، وفي لحظات الفتور عليك أن تبقي على الأقل أثراً من نور الشمس حتى تستطيع أن تتوازن في لحظات.

القمر كما يقول العلماء يأخذ نوره من الشمس، فهو أثر من نور الشمس. والقمر إذا كنت في الليل لا توجد شمس منيرة جداً، لكن يبقى القمر على الأقل ينير للسالك حتى في ظلمات الفتور. فحال المؤمن أيها الكرام أنه تأتيه أيام فيها الشمس مشرقة في قمة إشراقها، وستأتيك أيام ستكون في ظلمات الفتور، لكن لا يصلح أن تأتي هذه الأيام عليك ولم يبقَ معك قمر، ولم يبقَ معك جزء قليل من أثر هذه الشمس؛ لأنه تخيل ليلة دامسة لا يوجد فيها قمر ستضيع.

هذا حال كثير من الناس؛ يبدأ التزامه في تصاعد في الإيمانيات، فإذا جاءت لحظات الفتور لا يوجد أي نور في حياته، وهذه مشكلة. هذا دلالة على أنه إشراق الشمس في حياته هو لم يغتنمه، ولم يوظفه للحظات الصعبة ولحظات الفتور. أما الإنسان الذكي الفطن هو الذي يستغل لحظات الشمس وإشراقها ليخزن منها بناءً إيمانياً صحيحاً يستفيده في لحظات الفتور التي سيظلم فيها النفس والقلب والحياة؛ حتى إذا أظلمت عليك حياتك، وأحاطت بك الكروبات، وشعرت بفتور إيماني، لسه معي رصيد.

وهذا الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينبه عليه أن لكل عامل شرة، وأخبر أن الإنسان في لحظات الفتور فمن كان إلى خير وطاعة فهذا الذي يرجى، ومن كان فتوره إلى شر ومعاصٍ فهذا الذي يجب أن لا يشار إليه. ولا تعدو هي حالة نمر بها جميعاً؛ أنك إذا أشرقت الشمس في حياتك لا تظن أن الشمس ستبقى مشرقة، ولا تظن أن حياتك ستبقى في تصاعد، لا بد وأن تمر بك لحظات فتور على أي عامل وسائر إلى الله. مهم جداً في لحظات الفتور يبقى عندك قمر، يبقى شيء يأخذ من نور الشمس وإلا ستضيع.

كيف سأبقي هذا القمر؟ تبقي هذا القمر عندما تغتنم لحظات إشراق الشمس بالشكل الصحيح، عندما تبني نفسك بشكل صحيح في لحظات الإشراق وليس بشكل فوضوي ومبعثر وفقط هكذا بهمجية. لا، أشرقت الشمس في حياتي عليّ أن أحسن التوازن في لحظات إشراق الشمس، أن أفهم معاني الإيمان ومعاني الصلاة وطلب العلم؛ أن أنشغل بالخير في لحظات الإشراق حتى إذا جاءت لحظات الفتور والله وجدت رصيداً، وجدت قمراً أمشي به حالي حتى تعود الشمس تشرق. أما إذا أنا لم أستغل لحظات شروق الشمس، عندما سيأتي الفتور قد يسبب انتكاسة، قد يسبب خروجاً عن الطريق لأنك لم تحافظ ولا على شيء من النور.

يبقى معك هذا النور بالعلم النافع، بمجالسة الصالحين، بأشياء كثيرة، صدقات، أعمال إيمانية، وإطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة؛ صنائع المعروف هذه كلها تبقى لك نوراً. وخلينا نقول أيضاً كما في الحديث «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة»؛ هذه كلها قد تساعدك على تصور المعنى. إذاً والقمر لاحظ إذا تلاها، لأن كل شروق شمس بعده لا بد من قمر يخرج. إذا قال: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: 2]؛ هكذا هي النفس الإنسانية تكون مقبلة مشرقة همتها عالية، ثم تأتي لحظات تنزل الهمة، ولكن يبقى فيها نور الإيمان الذي يساعدها على النهوض مرة أخرى لشروق الشمس، ثم تعود مرة أخرى. والقمر إذا تلاها فنحن نعيش حقيقة في حالتنا النفسية بين والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها، هذا أنت إذا كنت مؤمناً.

أما الفاسد الذي لم يوفق إلى الخير كالمنافق، الله عز وجل ماذا وصف المنافقين؟ ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17]. فالمنافق أشعل الضوء في حياته، وجدت شمس، أي مصدر إضاءة، لكنه بنفاقه أظلمت الحياة من جديد وانتكس؛ يعني في لحظات الشدة لم يجد إيماناً يسعفه، ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، ظلمات لا يوجد فيها قمر، ظلمات لا يوجد فيها أي شيء ينيره في لحظات ضعفه؛ هذا والعياذ بالله حال المنافق.

فالمنافق وهذا هو أصلاً ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم، المنافق هو الذي إذا جاءت لحظات الضعف ضاع وضل، الذي إذا أظلمت الدنيا تاه عن ربه. وأما المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يعرف كيف يتعامل في لحظات الضعف، ويبقى عنده من نور الإيمان ما يعينه على الاستمرار إلى أن تعود الشمس تشرق من جديد. إذاً هذه ما قلته، قياس الأحوال النفسية على الأحوال الكونية، والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها.

ثم قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس: 3]. أقسم الله عز وجل بالنهار، لكن هل أقسم به مطلقاً؟ لا، أقسم بالنهار في وقت تجلّي الشمس ورفعة لها، أليس كذلك؟ قال والنهار إذا جلا الشمس، ما معنى إذا جلاها؟ يعني إذا أظهرها حتى تصبح الشمس في منتصف السماء عند وقت الظهيرة. هنا هذا يذكرك بماذا في نفسك وفي أحوالك النفسية؟

ما هي الممارسة النفسية التي قد تؤخذ من الحالة الكونية؟ النهار وهو يرفع يرفع الشمس حتى تصبح الشمس في منتصف السماء بارزة، هو زيادة الإيمان، أي زيادة ارتفاع الشمس. وهذا إذاً هناك عامل خارجي اسمه النهار، هو الذي يرفع هذه الشمس، نحن قلنا الشمس هي الإسلام الذي في قلبك، هذا الإسلام أنت أشعلت جذوته، أنت بدأت طريق الالتزام، بس في عامل خارجي لازم يساعد هذه الشمس حتى تضلها تطلع حتى تصبح في منتصف السماء، هذه هي السلوكيات الرشيدة التي أنت ستمارسها في حياتك، وهذا هو الذي سيجعل القمر لما يجي الليل سيبقى موجوداً.

والنهار إذا جلاها في ذهني هي تلك الأعمال الصالحة والأفعال النافعة، من حضور مجالس الخير والصلاح، وقيام الليل، وقراءة القرآن، وصحبة الصالحين، وصنائع المعروف؛ هذه هي النهار، هذه أشياء أنت عم تستعملها حتى تطلع الشمس، تبقى تطلع تطلع حتى تصل إلى منتصف السماء. إذاً والنهار إذا جلاها مشهد كوني له ما يشبهه في الأحوال النفسية، ذلك الشاب الذي هو لما التزم ودين عم يتعب حتى يبقي هذه الشمس مرتفعة، حتى تبقى هذه الشمس في حالة تصاعد عم يتعب، أنت تجلي هذه الشمس في حياتك.

ولكننا نعترف في النهاية أنه مهما كنت قوياً في تجليت ستأتي لحظات الفتور، ستأتي، هذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل عامل شرة». ما فيها، بطبيعتنا نحن في تصاعد وتنازل، ستأتي عليك لحظات الفتور، لكن المهم أنه في لحظات اندفاع الهمة استغلها، ارفع ارفع ارفع شمس الإسلام والالتزام والتدين، خليها عندك عالية؛ أنه قال والنهار إذا جلاها. ثم ماذا قال بعدها؟ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: 4]. الليل ماذا يفعل؟ يغشى يعني يغطي، يغطي ماذا؟ يغطي الشمس، صحيح ستأتي لحظات الليل في حياتك، ستفتر وهذه لحظات الليل ماذا ستفعل؟ ستغطي الشمس، ستشعر بضعف.

لكن الذي اشتغل على حاله في النهار، صحيح ذهبت غشاها الليل، لكن شو معه؟ زي ما حكينا قبل شوي مع قمر، يعني في شيء يسلك حاله فيه. أنا بدي أسلك حالي في لحظات الفتور، في عندي شوية صلوات وزكاة وصنائع معروف وخلوات مع الله، ربنا حافظني بسببها لما جاء الليل، حفظني بسببها لما جاء الليل. لكن إذا أنا ما فيش عندي النهار، أنا ما اشتغلتش على حالي على هذه الشمس أني أرفعها، لما يأتي الليل يغشي الشمس ستشعر بالظلمات والليل الحالك الدامس، وهنا ستضيع وتتيه، وهنا ستحدث الانتكاسات في حياتك والرجوع إلى الوراء.

البعض قد يترك الإسلام بالكلية، البعض قد يترك كل طريق الالتزام، قد لا يترك الإسلام بس يترك التدين، قد يترك صحبة الصالحين، قد يترك مجالس الخير والوعظ، قد يترك قراءة القرآن، يترك كثيراً من الأمور. وتعود إليه النفس في ضيقها وخبثها، هي الليل؛ الليل النفس وهي ضيقة، النفس وهي تحيط بك وتحاول، النفس الأمارة بالسوء تحاول أن تبعدك عن كل شيء جميل في النهار، فإذن حاول أن تستغل لحظات النهار لساعات الليل.

ثم ماذا قال بعد ذلك: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5]. الآن هي ما اختلف فيها المفسرون، البعض قال ما المصدرية والتقدير أقسم بالسماء وبنيانها العجيب، والبعض قال لا ما هنا هي بمعنى من، وهي تشير إلى الله، يعني والسماء والإله الذي بناها، والأرض والإله الذي طحاها. لكن لماذا لم يعبر بمن مع أن من قلنا في الدرس الماضي هي التي يعبر بها للعاقل وما لغير العاقل؟ نفس اللي ذكرناه في الدرس الماضي، من يذكر؟ أحسنت، هو الإبهام الذي يفيد تعجباً من قدرته؛ هذا الإله العظيم، كأنه قال والسماء والقادر العجيب الذي بناها، والأرض والقادر العجيب الذي طحاها.

فإذن إما أن نقول أنها مصدرية وبالتالي سيكون القسم بالسماء وبنيانها، أو أن نقول ما هي تعود على الله، ولم يقل من لدلالة على التعجيب بهذا الإبهام، فكان التقدير والسماء والقادر العجيب الذي بناها، والأرض والقادر العجيب الذي بناها، ونفس والقادر العجيب الذي سواها. إذاً هذه توق. الآن خلينا نرجع على قضية السماء، السماء والأرض هنا يا شيخ ماذا ستمثل في الحالة النفسية؟ يعني أنا كما قلت لك أنا أفهم هذا القسم كله أني لا بد أن أنقله إلى النفس، لأنه الصورة كلها تتكلم عن النفس، فربط هذا القسم بالنفس مهم جداً حتى أكون أنا شاعراً بمعاني السورة.

السماء والإله الذي بناها، خليني أقول السماء هنا هي تمثل العلو، نحن قلنا النهار سيجعل الشمس ترتفع، والشمس أين ترتفع؟ في السماء، هي وين ستترفع الشمس؟ ستترفع في السماء، السماء هي رمز العلو، كأن شمس الإسلام هي عم ترفعك إلى درجات العلو، هي عم ترتقي بك السماء؛ هذا البنيان العجيب. الشمس الكونية أين موجودة؟ في السماء، والشمس الدينية وين موجودة؟ في القلب والنفس. فإذا كما أن الشمس الكونية ترتفع في السماء، كذلك الشمس الدينية دينك والتزامك عم يرتفع وين؟ داخل قلبك.

فإذا ارتفعت هذه الشمس داخل قلبك أنت راح ترتفع معها، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 176]. إذن الإسلام قادر أنه يرفعك، فانت كلما رفعت الشمس في قلبك وزدت من الإسلام ومعاني الإسلام والإيمان أنت عم تصعد سماءً، أنت عم ترتقي. هذه السماء أقسم الله عز وجل بنفسه أنه بناها. ثم قال: وإذا اشتغلت على إهمال نفسك وإضاعتها ماذا سيصبح؟ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 176]، إذاً ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: 6]، فأنت إذا لم تجعل هذه الشمس تشرق في قلبك فأنت فعلياً عم بتنزل من نفسك، أنت عم تدفن نفسك في الأرض بدل ما تطلع في السماء، بدل ما تكون في السماء وفي بنيانها العجيب، أنت في الأرض وهي رمز الدنو.

ثم لاحظ العجب الآن ماذا قال بعد ذلك: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: 7]، لاحظ كيف نقلك؛ أنت كنت عايش في أجواء كونية، فجأة ينقلك لنفسه؛ لأنه يريدك أن تربط النفس بالكون، أي كما أن هذه التقلبات والأحوال أنتم ترونها في الكون كذلك هي تحصل في نفوسكم يا بني البشر. كما أن هذه التقلبات والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها تحصل في الكون، كذلك هي تحصل بجانب ديني في قلوبكم، فالذي يحسن التعامل مع شمس الإسلام لن يضل، والذي لن يتعامل مع شمس الإسلام والتدين بالشكل الصحيح سيبقى في الليل الدامس، سيبقى في الأرض سافلاً ولن يستطيع أن يرتقي.

لذلك قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، والتسوية تأتي بمعنى تمام الخلقة وتأتي بمعنى الخلق أصلاً؛ يعني وأقسم بالنفس ومن خلقها، إذا قلنا أن ما تعود على الله، وإذا قلنا أن ما مصدرية سيكون التقدير أقسم بالنفس وتسويتها. فكأن الله عز وجل يجعلك تتعجب من طبيعة هذه النفس، والله إن أعجب شيء في خلقك أيها الإنسان، طبعاً كله عجيب وخلق الله العظيم لكن أعجب شيء هو هذه النفس التي بين جنبيك، كيف تتقلب بك! هذه النفس المليئة بالطموح، بالأفكار، بالرغبات، بالشهوات، بالطاعات، بالمعاصي، بالإقبال، بالدبر، بالرغبات، بالنزوات، بالخيرات، بالشر؛ هذا مخلوق عجيب، النفس مخلوق عجيب.

لذلك أقسم الله عز وجل بعجبه، يعني البصر عجيب والسمع عجيب واللسان عجيب، كل شيء عجيب، لكن أعجب شيء هو ماذا؟ هو نفسك التي بين جنبيك، كيف تتقلب بك، ربما في اليوم الواحد عشرات ومئات التقلبات! كيف يوم من الأيام تجد نفسك مقبل على الطاعة، يوم تجد نفسك فاتراً على الطاعة، يوم تجد نفسك تريد خير وصلاة وتدين وأشياء جيدة، يوم تجد نفسك يا أخي ما بديش أروح على مجلس علم ولا شيء وبدي أضلني جالس على السوشال ميديا، يوم تجد نفسك باراً بوالديك وحاب تعمل معروف.

الناس يوم مش طايق حدا وتحكي معه، ولا تمام. هذه النفس مخلوق عجيب، كيف يرفعك وينزلك، كيف معادلاتها المختلفة؟ ولأنه مخلوق عجيب صعب نجاحك في الحياة هو في إدارتها. فأستطيع أن أقول إن خلاصة معركة الإنسان في حياته هي ماذا؟ هي إدارة نفسه؛ لأنه أنت بتتكلم عن مخلوق عجيب، مخلوق صعب اسمه النفس، هذا المخلوق أنت كل وجودك في هذه الدنيا من أجل إدارته. إذا أحسنت إدارة النفس وتوازناتها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، وإذا فشلت في إدارة هذه النفس وإدارة توازناتها وطلعت عن سيطرتك، لا تلومن إلا نفسك، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 10]، دفنت حالك.

إذاً معركة الإنسان في الحياة هي معركة إدارة النفس، من أحسن إدارة نفسه نجح. نحن ليش بنلتزم؟ وليش بنصلي؟ وليش بندين؟ وليش بنحضر مجالس علم؟ وليش بنقرأ قرآن؟ كل اللي بتعمله، وليش بنصدق؟ وليش بنحاول نبر الوالدين؟ ما هو هدفك؟ أنك تحافظ على هذه النفس السوية للخالق سبحانه وتعالى الذي خلقها، ولا إدراكك أنه إذا أنا ما عملت كده هذه النفس ستفسد علي، وإذا فسدت فسيكون حال قوم ثمود؛ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: 14-15]. فالموضوع خطير، موضوع النفس. ما هو أصعب شيء في النفس أو أسوأ شيء في النفس؟ أن تطغى على الإله الذي خلقها، لذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: 11]، يعني ثمود وين مشكلتها؟ ثمود رمز من الرموز والرموز كثيرة، ثمود وين مشكلتها؟ طغيان النفس، أن النفس لم تتوازن، لم تستطع أن تتأقلم مع ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1].

والقمر، لم يكن لك شمس وقمر، كان شمساً عند البعض ثم ذهبت الشمس وأصبح ليلاً دامساً، والبعض حتى الشمس ما طلعتش في حياته وبقي كافراً، تمام؟ إذاً طغيان النفس هو الذي يدمر الإنسان. ولذلك قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: 7]. طبعاً أكمل قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]. كان الإلهام هنا بمعنى القابلية؛ هذه النفس إخواني هي قابلة، أعطاها الله عز وجل، ألهمها الإلهام، جعلها قابلة لأن تكون في أعلى عليين وقابلة لأن تكون في سجين، وأنت بنفسك رح تشتغل هذه النفس، ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ فهي تستطيع أن تكون من أفجر خلق الله، ﴿وَتَقْوَاهَا﴾ تستطيع هذه النفس أن تجعلك من أتقى خلق الله، هذا أنت اللي بدك تعمله وأنت بدك تشتغل على نفسك. فالهمها أي جعلها قابلة للفجور وجعلها قابلة للتقوى. طيب ماذا أفعل؟ قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]. الآن هذا هو جواب القسم هنا؛ قال ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ ما دامت هذه النفس قابلة لأن تكون وقابلة لأن تكون سوية، ما وظيفتي أنا؟ وظيفتي أن أزكيها، أنميها لتكون في السماء، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ ورفع من شأنها بالأعمال الصالحة التي هي النهار، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 10]، والدس هو أن تدفن البذر في الأرض، كأنك دفنتها، يعني الدس كيف تدس شيئاً؟ تخفيه، كأنك دفنت حالك في الأرض لما ابتعدت عن الالتزام، لما ابتعدت عن طريق الصالحين. قال ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.

طيب، الآن مفهوم ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ هو يذكرني بصورة معينة، سورة البذرة. الآن كان الله عز وجل لما قال ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ قلنا هي القابلية، صحيح؟ القابلية لأن تكون متديناً تقياً ولأن تكون فاجراً منحرفاً، كل واحد فينا عنده هذه القابليات. الآن هذه القابلية هي البذرة، هكذا أنا أتصورها بناءً على الآية، هي بذرة موجودة فيك، أما أنك أنت تسقي البذرة، الآن الله عز وجل خلق كل إنسان على الفطرة، فأنت في الأصل مائل إلى الخير، مائل إلى الخير، تمام؟ فأنت عندك بذرة الخير مع أنك عارف أنه قابلة لأن تصعد وتنمو وقابلة لأن تبقى هذه النفس مختفية تحت التراب. قال ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، الزكاة ما هي في اللغة؟ النمو. الزكاة في اللغة ما هي؟ النمو. هذه البذرة موجودة فينا جميعاً، يا إما أنت ترعاها وتسقيها وتنتبه عليها فتشق طريقها إلى السماء، تصبح تلك الشجرة القوية التي تنتج ثماراً يانعة، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24]. هي هذه البذرة في بذرة طيبة، اللي هي الفطرة السوية ربنا وضعها فينا جميعاً، يا إما أنت تسقيها بالإسلام والخير وتعرضها للشمس وتبدأ تعتني بها، هذه هي نفسك، إما أن تنميها وتكبرها فتصعد وتشق طريقها نحو النجاح والعلو، إما أن تبقيها ماذا؟ تهملها ولا تسقيها. لو إنسان وضع بذرة في الأرض ولم يسقها ولم يعرضها للشمس، ماذا سيصبح؟ ستبقى في الأرض، صحيح؟ ولن تصعد. كذلك أنت، هذه نفسك بذرة ربنا حاطها جواتك، يا إنه أنت ترعاها بالخيرات والأعمال الصالحات وتجاهد على رعايتها وتعهدها بالسقي حتى تصعد وترتفع، وهذا معنى زكاها أي نماها.

إذاً نفسك هي مشروعك، نفسك التي بين جنبيك هي مشروعك، يا بتستثمر استثماراً صحيحاً، والله يقسم ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، هذا التقدير يقسم أنه أفضل إنسان من هو؟ من الذي أفلح ونجح، اللي نجح في هذا الاستثمار. إذا نجحت في استثمار نفسك في الحياة بالأعمال الصالحة، فقد أفلح. في المقابل من أكثر خسارة؟ خاب، خابت صفقته. لاحظ حتى لفظة أفلح وخاب هي عادة في الصفقات، صفقة رابحة ناجحة وصفقة خائبة. إذاً هو استثمار نفسك، استثمار أما أن تنجح فيه وأما أن تخيب، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، اللي خلاها تحت التراب، لم يتعاهدها بالأعمال الصالحات، فقط عاش من أجل شهوته، عاش من أجل الهوى والمال واللذائذ والدنيا، لم يقم الليل، ولم يشتغل بأذكار الصباح، ولم يحافظ على صحبة الصالحين، ولم يقدم ولم يبذل للإسلام، عاش فقط من أجل نفسه وذاته وشهواته. مش عايش من أجل فكرة، سامحني، أنت فشلت في الاستثمار، فشلت في ماذا؟ في الاستثمار، ﴿خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. ولاحظ كانت الألفاظ الإلهية ما أجملها، دساها، يعني ما زادت البذرة تحت الأرض لم تخرج، فهذه البذرة هي النفس، إما أن تنميها فتصعد وإما أن تبقى أنت ونفسك مدفونين في الأرض، أرض الهوى والشهوات والنزوات. ذاك الإنسان الذي فقط أخلد إلى الأرض واتبع هواه، لاحظ أخلد إلى الأرض، كيف الإخلاد إلى الأرض باتباع الهوى؟ لذلك قال: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 176]، هيك ربنا قال في الآية حتى يفهمك أنه الإخلاد إلى الأرض إنما يكون بماذا؟ باتباع الهوى.

وهذه تنبيه وإعادة تشكيل للقواعد في حياتك، أعظم مشروع في حياتك مش عقاراتك، ولا مشروع الزواج، ولا مشروع الجامعة، ولا مشروع الأبناء، مع احترامنا وتقديرنا لكل هذه المشاريع وأهميتها، أعظم مشروع في حياتك تستثمر فيه هو نفسك. إما أنك تنجح في استثمارها وتزكيتها، وإما أنك تفشل في استثمارها وتزكيتها. ولذلك جاء أطول قسم في القرآن عليها، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، هذول قسمين، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: 1-7]. كم قسم؟ 11، أطول قسم على أعظم مشروع في حياتك وأعظم استثمار، هذه النفس التي بين جنبيك، يا بتنجح يا بتفشل. وهذه حقيقة قد يسمعها الإنسان الآن كلاماً، لكنك يوم القيامة ستراها عياناً. أنت الآن تسمع كلاماً جميل؛ شيخ رائع، والله هذه موعظة جميلة. في النهاية مش موعظة، بعطيك حقيقة القرآن، مش بعطيك بس هيك إيمانيات وتضعها على الرف وعلى الهامش، هذه حقيقة يا بتنجح يا بتفشل. وبالتالي لو أن كل إنسان تعامل مع الدنيا على أنه هذا الاستثمار الأساسي ستجد أن كل اختياراتك، اختياري للدراسة الجامعية، اختياري للزواج، اختياري لمكان السكن، اختياري للدولة التي أقيم فيها، اختياري، شو كمان؟ اختيارات حياتية، العمل أيضاً، مكان العمل، كل اختياراتك ستكون خادمة للاستثمار الأساسي، أنه أنا عندي استثمار أساسي لازم ينجح، إذا ما نجحت تورطت. الاستثمار الأساسي هو نفسي، بالتالي أي خيار حياتي يجب أنه يخدم الاستثمار الأساسي. إذا كان ضد الاستثمار الأساسي وسيؤدي إلى فشل في صفقة من صفقاته، أنا الخسران. زواجك، دراستك، مكان إقامتك، أي شيء، إذا لم تختر اختياراً موفقاً ولم تهتم بحسن الاختيار أنت قد تفشل في جانب من جوانب الاستثمار.

فلذلك المؤمن هكذا عقليته، وهكذا كانت عقلية الصحابة أنه فاهمين أهم استثمار عندهم. لذلك في اللحظة التي يأتي فيها النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم في جهاد، كل واحد بيترك أغراضه وبروح، في مشروع أساسي وفي مشاريع ثانوية. بالنسبة للصحابة كل الدنيا عبارة عن مشاريع ثانوية؛ بيته، أولاده، زواجه، يعني عم بيتنافسوا حتى مين الذي يبيع لله سبحانه وتعالى نفسه وروحه. بنعرف عبد الله بن حرام وابنه جابر لما كانوا مختلفين مين اللي يطلع غزوة أحد ومين اللي يظل، وكل واحد هو اللي بده يطلع، بالنسبة لهم الدنيا مش ذات أهمية كبيرة، ليست استثماراً طويل المدى، لا، أنا بدي الاستثمار طويل المدى وهي هذه النفس. أما قضية أبناء، بنات، رزق، صفقة معينة، مشروع معين، دنيا يعني في النهاية تبقى ضمن مساحة الدنيا، ضبط ما ضبط، لا يأخذ ذلك حجماً كبيراً وطاقة هائلة من استهلاك الشخص. أما الإنسان الذي عايش فقط من أجل نفسه وشهواته هو الذي تجده كل شيء في الدنيا بيصير معه بيقاتل عليه، بيزعل عليه، مهموم عليه، مغموم، ليه؟ لأنه هو ما عنده استثمار طويل المدى، هو فقط استثماره هي الاستثمارات الأرضية؛ لأنه هو دساها، هو عايش من أجل هذه النفس المدفونة في الأرض، فلا يفكر إلا في الأرض. أما المؤمن لا، هو عم بيشوف شجرته عم تنمو وعم تصعد إلى السماء، فبالتالي عقله وفكره وذهنه مش في الأرض، عقله وفكره وذهنه وين؟ في الشجرة التي عم تطلع للسماء عند الإله سبحانه، هي هذه النفس التي عم تحلق به، أنا ذهني هناك، الأرض شو ما صار فيها بالنسبة إلي مش كثير لها أهمية. هذا إذا هكذا هي النفس، فلذلك جاء القسم الطويل عليها.

طيب، قال بعد ذلك اقرأ التفسير سريعا، قال رحمه الله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وضوئها إذا أشرقت وقام سلطانها، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ تبعها في الضياء والنور، وذلك في النصف الأول من الشهر يخلف القمر الشمس في النور. نعم، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، إذا لا، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، هل هذا يحصل دائما؟ هل هذا يحصل دائما يا إخواني ولا متى يحصل؟ النصف، لذلك قلنا، هل كل الناس بعد شمس الالتزام يأتيه قمر؟ لا، لا. بعض الناس بعد شمس الالتزام انهيار إيماني وراح، لما قال ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ هذا لبعض الناس، أنه ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، بعض الناس ما فيش، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، بعض الناس مباشرة على ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. ليس كل الناس يملك قمراً في لحظات الفتور، لأن القمر لا يأتي كل الشهر. هل القمر يصعد في كل الشهر؟ لا، في طائفة معينة، كذلك الناس في حال الفتور ليس كل الناس يملك قمراً في لحظات الفتور، بل أكثر الناس، بعض الناس عنده هلال، صح؟ يعني في لحظات الفتور بعض الناس، لا، أكثر وأكثر وأكثر، وبعض الناس عنده البدر، وبعض الناس محاق، ليلة مظلمة تماماً ما عنده شيء، اعتبر دائماً بالأحوال الكونية وانظر في نفسك وقس عليها وحاول أن تفهم هذا بهذا.

نعم، قال ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، جلا الشمس وأظهر للرائي وذلك عند انتفاخ النهار وانبساطه لأن الشمس تنجلي، انبساط النهار اللي هو عند الزوال، يعني عندما تكون الشمس في منتصف السماء، نعم، قال لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. نعم، تتجلى، تصبح في أعلى درجات جلائها عندما تصبح في منتصف السماء، وهي أعلى درجات إيمانك وتدينك. نعم، وقيل الضمير للظلمة أو للدنيا، يعني البعض قال ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّى﴾ الظلمة، لكن أنا لست مع هذا، أنا مع القول الأول أنه ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّى﴾ الشمس وأظهر. نعم، أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر كقوله ما ترك على ظهرها من دابة، يعني أنا أعتقد هذه الأقوال لا حاجة إليها ما دام الضمير مرجعه واضح، ما دام الضمير مرجعه واضح لا داعي لأن تعود على الأرض، خاصة أن الأرض لم يسبق لها ذكر بعد. طيب، قال ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يستر الشمس فتظلم الآفاق، الشمس كما قلنا. نعم، قال والواو الأولى، سيذكر مسألة لغوية عويصة، قضية العطف على معمولين لعاملين مختلفين وممكن نقعد لعشاء، ما راح يستوعبها معي إلا اللي عنده تأصيل نحوي على مستوى ألفية ابن مالك، يعني حتى الأجرومية ما تمشي معك فيها، فسامحوني رح أقفز عن هذه المسألة النحوية لطول بسطها، وأننا لن نحتاج إليها في فهم أصل المعنى، وإنما من أراد أن أشرحها له كمتخصص أشرحها له بعد الدرس. كمل شيخنا عنده ﴿وَمَا﴾ المصدرية. نعم، وما المصدرية، قال وما مصدرية في ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، الآن هو سيذكر قولين فيما ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ والارض وما سيذكر قولين، أو سيذكر قولين، أنها إما مصدرية وإما إيش؟ قلنا أنه ما بمعنى من، وهو سيرجع الثاني، يرجح أن ما بمعنى من، اقرأ.

إذا قلنا إن ما مصدرية في التقدير: والسماء وبنائها؛ لأن ما المصدرية مع الفعل الذي بعدها يتم اتحادهم في الذهن وإنتاج مصدر مؤول، فكأنه أقسم بالسماء وبعمل بنائها.

قال وطحاها أي بسطها، وتسويه خلقها في أحسن صورة عند البعض، وليس بالوجه لقوله؛ فالنسفي يرى أنه ليس وجها قوياً، أي يقول ليس بالشيء الظاهر. طب ما رأيك؟ ماذا ينبغي أن تكون ما؟ قال: وليس بالوجه لقوله ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ لما فيه من فساد النظم؛ يعني هكذا يقول، وإن كنت أنا لا أعتقد أن هناك فساداً في نظم السورة أو أنه سيسبب خللاً. المهم قال: والوجه أن تكون موصوله. وإنما أثرت على من؛ لأن من هي للعاقل، فلماذا عبر بما؟ هو يقول: وإنما أوثر في هذا السياق؛ لأن أراد معنى الوصفية؛ كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ونفس إذا أراد الوصفية التي تدل على التعجب من قدرته، يعني والسماء والقادر العظيم العجيب الذي بناها بهذا البنيان الرهيب.

قال ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها. وإنما نكرت النفس لأنه أراد نفساً خاصة من بين النفوس وهي نفس آدم، كان وإن لا أتفق مع هذا؛ عرفت أنه أراد أي نفس من النفوس، فلذلك نكرها، وليس لأنه أراد نفس آدم؛ لا، أراد أي نفس من النفوس دون تحديد نفس؛ ونفس أي نفس كلها عجيبة، سواء نفس آدم ولا نفسي ولا نفسك، النفس كنفس بغض النظر دون تعيينها في شخص معين هي مخلوق عجيب. قال أو أراد كل نفس، والتنكير لتكثير كما في قوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾.

فألهمها فجورها وتقواها، فاعلم طاعتها ومعصيتها، فعلمها فجعلها قابلة، كله يصح في هذا السياق، ألهمها أن أحدها حسن والآخر قبيح؛ مشابه لما ورد في سورة البلد، قبلها ايش قال في سورة البلد؟ ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. هي نفسها فالهمها فجورها وتقواها، لكن هناك سمى الخير والشر سماهما نجدين، لماذا تذكروا؟ لأنه كلاهما فيه تعب، فليس بس الخير الذي فيه تعب بل حتى الشر فيه تعب، فأنت اختر وين بدك تتعب كما ذكرنا في الدرس الماضي.

قد أفلح جواب القسم، والتقدير لقد أفلح. قال الزجاج: لقد؛ لأنه الأصل في جواب القسم هنا أن يكون فيه اللام، يعني أقسم بالله لقد جاء محمد، هكذا يقال. طب لماذا حذفت اللام واقتصر على قد وحدها؟ فقال الأصل: لقد أفلح من زكاها، لكن ما في لام، هي جاءت كيف الآية؟ قد في شيء عوض عن شيء، فقال الزجاج صار طول الكلام عوضاً عن اللام. مين يفسر لي ما معنى طول الكلام عوضاً عن اللام؟ يقول لما طال القسم، خلص كان طول القسم أحد عشر قسماً؛ أحد عشر قسماً أصبح طول القسم مغنياً عن الإتيان باللام في جواب القسم. هذا تحليل العلامة الزجاج.

وقيل الجواب محذوف، وبعضهم يقول لا، أصلاً الجواب مش قد أفلح من زكاها، بل يراه محذوفاً والتقدير لدمدم عليهم يا قريش كما دمدم على ثمود؛ ولكن حقيقة أنا أستبعد هذا، لا أراه أقوى، الأصل أن جواب القسم مذكور هنا يكون متناسباً مع القسم. قال وتقديره ليدمدم الله عليهم أي على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحاً. أنا لماذا قلت لا أعتقد هذا؟ لأنه أجواء السورة ليست عذاب، أجواء السورة هي إرشاد لقيمة النفس ومعركتها في الحياة، فإذا جعلت جواب القسم أن الله سيدمدم على قريش، أنت أبعدتني عن الأجواء التي كنت أعيشها: والشمس وضحاها وقياس الأحوال النفسية على الأحوال الكونية؛ لا، خلي جواب القسم قد أفلح من زكاها هذا أظهر.

وأما قد أفلح فكلام تابع لقوله فالهمها فجورها وتقواها على سبيل الاستطراد وليس جواباً للقسم في شيء، هذا لمن اختار الاختيار الثاني، أما الاختيار الأول لا هي نفسها جواب القسم. قال من زكاها طهرها الله وأصلحها وجعلها زاكية؛ وكما قلنا الزكاة هي النمو، هذا أصل معناها، ويجب أن يكون حاضراً في ذهنك؛ لأنه هنا أنت عملية استثمار، عملية إنماء.

وقد خاب من دساها أغواها الله. قال عكرمة: أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس أغواها الله. دائماً في تفسير القرآن أنت عليك أولاً أن تأخذ المعنى اللغوي ثم المعنى الشرعي. هنا لما يقول دساها أغواها هو مباشرة انتقل للمعنى الشرعي، بس أنا بدي أشوف لماذا اختار الله مفردة دساها؟ ليش ما اختار مفردة جعلها في الأرض مثلاً؟ لماذا قال دسى؟ لأن التدسية هي إخفاء الشيء تحت التراب، فهو يريد هذه المفردة لربطها بمعناها اللغوي، أن الإنسان الذي لا يستثمر في نفسه ولا يهتم بصلاحها وكأنه يدفنها دفناً تحت التراب؛ لذلك اختيرت هذه المفردة تحديداً.

ويجوز أن تكون التزكية والتطهير فعل العبد، نعم، والتسية النقص والإخفاء بالفجور، وفسر دساها دساها. طبعاً هنا لاحظ ركز شوي، قال أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس أغواها الله. حقيقة أنا لست مع هذا الكلام، نعم كل شيء بقضاء وقدر لكن الكلام الآن يخاطبني أنا، أنا اللي بدي أزكي نفسي وأنا اللي بدي أدسي نفسي. هو للأسف اختار قولاً آخر ابتداءً، وإن عاد إلى القول الصحيح انتهاءً، لأنه ماذا قال؟ قال ويجوز أن تكون التزكية والتطهير فعل العبد؛ هذا هو الصحيح. القول الثاني هو الصحيح، وأما القول الأول للأسف قد تشعر فيه رائحة جبرية، كأنه أنا مجبور على أن تكون نفسي زكية أو مجبور على أن تكون نفسي سيئة؛ لا، هنا الله عز وجل يعلمك أنه يا إما أنت بتستثمر نفسك يا إما أنت بتضيع نفسك، فلا بد أن يكون زكاها ودساها فعل العبد، وليس إلى الله؛ وإن كنا نؤمن أن كل شيء بقضاء وقدر، لكن الله أعطاني إرادة حرة، وأنا ما بعرف ماذا في صندوق القدر، اعملوا فكل ميسر لما خلق له؛ فالتفسير الأول مشكل، وهذه فائدة إخواني أن التفسير يجب أن يعرض بين طلبة العلم، لأنه أحياناً بعض الشباب يقرأ في كتب التفسير وحدها يظن أن كل الأقوال مقبولة؛ لا، خاصة لما يكون مثلاً المفسر عنده لوثه أشعرية أو ما تريدية أو اعتزال، بدك تكون حاط بركات أنه ممكن يكون عنده فكرة عقدية تم دسها في فكرة من أفكار الآيات.

كذبت ثمود بطغواها بطغيانها؛ إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم. الآن يقول سبحانه وتعالى كذب الثمود بطغواها، ذكر هنا نموذجاً من نماذج الفشل في استثمار النفس. ذكر نموذج ثمود ودائماً أقول لكم لماذا ثمود بالتحديد؟ نعم، أحسنت؛ هي أقرب القبائل إلى قريش؛ أقرب قبيلة عذبت من ديار قريش من هي ثمود؛ لأن ثمود المعلى قريبة من المدينة النبوية؛ فبالنسبة لقريش لما تقول لهم كذبت ثمود، نموذج ثمود نموذج قريب منهم كثير، بخلاف تقول لهم فرعون؛ فرعون في مصر بعيد شوي، الأحقاف في اليمن برضه مسافة، لكن ثمود أقرب نموذج ويرونه في رحلة الصيف إلى الشام دائماً يمرون كانوا بديار ثمود وهي منطقة المعلى؛ فأعطاهم النموذج القريب.

كيف أنا بدي أضرب لك مثل لك؟ بضرب لك مثل بواحد بتعرفه، بضرب لك مثل بصاحبك وأقول لك شايف صاحبك شو صار معه؛ ليه؟ لأنه أنت قريب العهد به، يعني هو في متناول اليد وأنت دائماً شايف شو صار معه وأنه انتكس وأنه كذا، بقول لك شايف صاحبك فلان؛ أجي أقول لك شايف هذاك الشاب اللي في أمريكا اللي في آخر الدنيا؟ أقول مين هو الشاب هذا؟ أنا ما بعرفه أصلاً. فدائماً هذه عقلانية القرآن في التعامل، ويفهمك لما تضرب مثل اضرب مثل بشيء في متناول يد من تخاطبه، أليس كذلك؟ فكفار قريش هم على مسافة ليست بعيدة من ثمود وديار عذابهم؛ فقال كذبت ثمود، ثمود ما مشكلتها؟ طغيان النفس، يعني كذب الثمود بسبب طغيانها، الباء السببية؛ ما سبب تكذيبهم بالله وبشرع الله؟ بسبب طغيان نفسها. إذا ثمود هل أحسنت استثمار النفس؟ لا، هي نموذج من نماذج الفشل. طيب اللي بيفشل في تنمية نفسه شو بده يصير؟ يعني شو بده يصير؟ فدمدم عليهم ربهم؛ هذا بده يصير، يعني حتى تفهم شو بده يصير أكمل الآية: فدمدم عليهم. فمن يفشل في إدارة نفسه فتطغى له، أكمل قال: إذ انبعث أشقاها؛ حين قام بعقر الناقة أشقاها؛ أشقى ثمود قدار بن سالف، وكان أشقر أزرق قصيراً.

وإذ منصب الآن الحقيقة إذ انبعث، انبعث، كلمة انبعث تحتاج إلى نظر وتأمل؛ تارك هناك أفعال في اللغة العربية مشايخنا تسمى أفعال المطاوعة، أن يحصل فعل نتيجة فعل سابق؛ أقول مثلاً كسرته فانكسر، صح؟ انكسر هو فعل لكنه ناتج عن ماذا؟ عن فعل سابق، يعني هو بسموه مش عارف شو، خلص اسمه مطاوعة، أحكي اسم كسرته فانكسر. طيب بعثته، بعث، شو بده يكون المطاوع؟ فانبعث، لاحظوا دقة القرآن في اختيار المفردة، هذه عظمة القرآن إخواني؛ الله عز وجل لم يقل إذ خرج أشقاها، أو إذ انطلق أشقاها، قال إذ انبعث على وزن انفعل الذي يدل على المطاوعة. ماذا ستفهم من هذه العبارة؟ أن هناك مجموعة هم الذين... أحسنت، أنه هذا الشخص مش لحاله قرر يذبح الناقة، في واحد هو اللي كان يحرضه، في واحد كان يحرضه؛ وهم الملا الذين استكبروا؛ اللي ربنا تكلم عنه في سورة الأعراف؛ ظلهم يحشون في دماغه أنه روح اقتلها أنت بتقدر، أنت بتستطيع، أنت راح تعمل هالشغلة وأنت راح تبيض وجهنا. دائماً في عصابة من المجرمين يرون أشقاها فيحرضونه على أن يفعل فساداً كبيراً، هم ما بدهم يطلعوا في الواجهة، أو قد يكون حتى عندهم تخوف، بس هم ايش بيعملوا؟ تحريض، هم اللي بيعملوا ماذا؟

بتعرفوا هذول عصابة المجرمين اللي بيشوفوا واحد بده يحطوه هو كبش الفدا؛ حطوه في الوجه زي ما حكيت، فهذا الرجل لم يتحرك وحده بقرار شخصي؛ هذا وراءه عصابة من المجرمين. كيف أنا فهمت أنه وراءه عصابة من المجرمين؟ بـ انبعث، ما قال بعث أو مثلاً خرج؛ لا، قال انبعث ليدلك على أن هناك مطاوعة، بعث فانبعث، إذا في حدا واقف وراءه؛ فلذلك العذاب هل نزل عليه وحده؟ لا، نزل عليه وعلى الجماعة اللي وراءه، ما حدا يقول ما لي دخل، مو أنتم اللي بعثتموه؟ أنتم اللي حرضتموه؟ فلذلك كلمة انبعث مهمة جداً؛ تفهم وزنها الصرفي لأنها تشير إلى المعنى العام، أن هذا رجل تم بعثه وإرساله فانبعث، ولم يتحرك وحده، هي حركة جماعية، فلذلك لما نزل العذاب ما نزل على هذا قدار بن سالف وحده، نزل على الجميع، أنه كلكم مشاركون؛ من فعل ومن حرض. لذلك حتى في الإسلام في الغزوات يقتل من قاتل ومن حرض؛ قالوا حتى ولو كانت امرأة، يعني إحنا بتعرف في آداب الغزوات في الإسلام لا يجوز قتل المرأة، لكن ماذا يقولون في كتب الفقه؟ إلا إذا حرضت؛ لأن المحرض مشارك، لأن المحرض مش ولو لم يباشر الجريمة بنفسه.

إذا إذ انبعث أشقاها. طيب فقال لهم، قال فقال لهم رسول الله صالح عليه السلام: ناقة الله؛ نصب على التحذير. ركز ركز هنا، كيف فقال لهم رسول الله يعني طغت النفس طغياناً شديداً حتى قررت أن تمس ماذا؟ أعظم الخطوط الحمراء، لاحظ حجم الطغيان الرهيب؛ مس الخطوط الحمراء. فصالح يصرخ ناقة الله وسقياها، يعني يا جماعة الخير أنتم وين واصلين؟ أنتم واصلون لمرحلة تريدون أن تذبحوا معجزة الله؟ يعني هسه الإنسان في معاصي، يعني كله حرام، بس في معاصٍ دون معاصٍ.

أنتم واصلين لمرحلة من الطغيان أنه بدك تمس ناقة الله وسقياها؛ وين رايح؟ حتى لما تطغى نفسك حاول أنه حتى وأنت بتفكر تعصي، حتى في لحظات معصيتك، لا تحاول توصل لأعلى درجات المعاصي. وهذا مبدأ في النفس أنه أنت ممكن تضعف، صح ممكن تقع في معصية، لكن حاول دوماً أن تبقى ضمن سقف معين، لا تتجاوز في معصيتك الخطوط الحمر. بعض الناس خلص؛ أعطيك مثلاً مثال، بعض الشباب ممكن يقع في يوم من الأيام ينظر صورة في الجوال، تمام؟ إيش بصير؟ هو الفكرة عنده أنه يا شيخ خربت خربت، خلص اطلعت على الصورة خليها طول هالليلة اطلع على الصور وبكرة أتوب. لا يا أخي، هذا أكبر خطأ في التعامل مع النفس. إذا أخطأت مش تقول خلص ما هي خربت أضلني داعس ورايح لأعلى درجات الطغيان، لا وقف، خلي عندك خلص ضعفت فهمنا، خلص سكر الجوال. لا تحاول أن تفجر، لا تحاول أن تفجر؛ لأنه شوف حتى لو ضعفت، بس بعد ما ضعفت وقفت وحطيت حد، ربنا عز وجل يقدر لك ذلك.

أنت وأنت تعصي إذا وضعت حد لنفسك أنه أنا عندي خطوط حمر، أنا مش ممكن أفعل أكثر من هيك، حتى هذا ربنا بقدره؛ نعم، لأنه كان بإمكانك أنك تفعل ما هو أفجر من ذلك، لكن أنه أنا فعلت معصية بس حطيت لنفسي حد، ونفسي بتقول لي لا افعل الآن الأسوأ، لا قلت لها لا لا أنا رح أوقف هون؛ حتى وأنت عاصي ومذنب وفي سيئات تسجل، لكن ربنا يقدر لك أنك وضعت لنفسك خط أحمر ما بدك تتجاوزه. فعوّد نفسك دائماً حتى وأنت تعصي لا تصل إلى أسوأ لحظات الفجور. فهذا صالح عليه السلام يصرخ ناقة الله، يعني أشركتم فهمنا، عصيتم وفهمنا، عذبت المستضعفين فهمنا، لكن أن تصل بكم الوقاحة والطغيان إلى أن تلمس معجزة الإله وتذبحها، لا، معناتها أنت إنسان مش عم تست على حالك؛ فسعيت عندئذ ترقب عقاب الله، لأنه أنت مش حاط حتى خطوط حمر أو حاسب أي حساب لوجود الإله؛ عندئذ ترقب العذاب الرهيب.

قال ناقة الله، نصب على التحذير أي احذروا ناقة الله؛ ناقة الله مفعول به منصوب على التحذير، التقدير احذروا ناقة الله. قال وسقياها كقولك الأسد الأسد. فكذبوه فيما حذرهم منه من نزول العذاب، طبعاً هو تعرفوا سيدنا صالح كما جاء في سورة الأعراف قال لهم أوعكم تقربوا من الناقة؛ لأنه صالح شافهم جماعة متنمرين وبدهم يعملوا مصيبة، قال يا جماعة أشركتم فهمنا، مصرين على الكفر فهمنا، لكن في شغلة أوعكم تقربوا من الناقة، يعني هذا كانه كان بالنسبة لصالح آخر خط أحمر، لا تقطعوا الشريط الأحمر الأخير، لأنه إذا قطعتوه تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، خلص يعني أنتم قطعتم الشريط، ما خليتوا ولا مساحة أنه ربنا عز وجل يمهلكم، فكان هذا هو الشريط الأخير. فللأسف كذبوه لما أوعده أن ثلاث أيام رح تعذبوا؛ كذبوه أن صالح أنت فقط تخوفنا وترعبنا، خلينا نشوف إلهك ماذا سيفعل. وفعلاً كذبوه فعقروها، لاحظ ما قال فعقر، قال فعقروها؛ ليه مع أنه اللي ذبح واحد بس؟ لأنه كلهم محرضين، فالمحرض في الفعل ولو لم يباشر الكل عقرها، من حرّض من شارك اللي أعطى السكين، من يشارك في الجريمة ولو بإعطاء سكين هو مجرم. له كثير من الناس بكون يشارك في جرائم بس بقول أنا ماليش دخل يا شيخ أنا بس دليته، لا أنت مجرم معاه، الله عز قال فعقروها، من شارك في الجريمة بنص القرآن مجرم ولو لم يباشرها؛ هذا مفهوم عظيم حتى في الجنايات داخل الدولة المسلمة، من يشارك في الجريمة مجرم لأن الله قال فعقروها كلهم.

بتعرف هي زي أمريكا واليهود؛ أمريكا بتحرض اليهود على قتل المسلمين، بعدين بتيجي بتعمل نفسها العفيفة حقوق الإنسان وكذا وإحنا ما النا، هم اللي دمروا غزة إحنا شو دخلنا؟ لا لا ما هو أنت زي أنتم جميعاً قتلة، أنتم جميعاً قتلة، من ورد السلاح ومن سمح للسلاح ومن أدخل السلاح وكل هؤلاء قتلة. قال فعقروها أي الناقة، أسند الفعل إليهم وإن كان العاقر واحداً لقوله فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر، شوف جميل هذه أيضاً تتذكر هي الآية في سورة القمر فنادوا صاحبهم تعال روح اذبحها فتعاطى فعقر، هو كان أحمق أشقى القوم، لكن في النهاية الكل مسؤول عن الجريمة. قال فدمدم عليهم ربهم، أهلكهم، هذه اللفظة ما دمتم قطعتم الخط الأخير، دائماً زي ما قلت لك تعلم حتى ونفسك تأمرك بالسوء خلي بينك وبين الله خطوط، لا تقطع كل الخطوط بينك وبين الله؛ لو نفسك بتعصي اجعل بينك وبين الله خطوطاً؛ لأنه في خط في حياتك قد يكون هو الخط الأخير اللي ربنا سامح لك فيه، إذا أنت قطعته ربنا يهتك سترك، انتبه هذه الفكرة.

الله يصبر على ذنوبك، يصبر على تقصيرك، ماشي يصبر على هفواتك سبحانه كريم، لكن في خط أنت ما بتعرفه صح في عالم الغيب، لهؤلاء عرفوه ومع ذلك كذبوه، يعني صالح أعطاهم شو الخط الأخير، ومع شقائهم أصروا على قطعه، بس أنا وإياك ما نعرف ما في نبي يخبرنا ما هو الخط الأخير الذي بقي بيننا وبين الله، في خط أخير بينك وبين الله أنت ما بتعرفه، حاول أنك ما تقطعه، أنت الآن مش عارفه عشان هيك أنت أصلاً مضطر أنك تضلك متخفف لأنك بتخاف تقطع الخط الأخير، فيأتي فدمدم عليهم أن يهتك الله سترك، ربنا بيصبر عليك لكن في لحظة معينة بتكون أنت خلاص قطعت آخر شيء بالتالي ستنتظر هتك الله للستر، البلاء يصب عليك صباً والخزي يصب عليك صباً، فلا تمتحن ربك، دائماً لا تمتحن صبر الله عليك، الله هو الذي يمتحننا ولسنا نحن من نمتحنه، لا تمتحن صبر الله عليك، حافظ على خطوط كبيرة في الحياة، خلي معاصيك في مساحة محدودة ولا تصل إلى الخطوط الحمر لأنك إذا وصلت إلى الخطوط، شوف اللفظة فدمدم؛ حتى هي اللفظة مرعبة، هذا التكرار من ناحية صوتية يفيد كإيقاع صوتي يفيد الدمار، فدمدم هي نفس العبارة لحالها مدمرة.

فدمدم عليهم ربهم بذنبهم، لاحظ بسبب ذنب، إذا لاحظ ذنب قد يسبب دمدمة، ذنب وهو الشريط الأخير قطعه قد يسبب أن الله يدمدم عليك، اقرأ قال بذنبهم بسبب ذنبهم وهو تكذيبهم الرسول وعقر الناقة، فسواها، فسوى الدمدمة عليهم، الدمدمة هي العذاب الاستئصالي، الدمدمة ما هي؟ هي ليست أي عذاب، لا هو عذاب استئصالي. قال ولا يخاف عقباها، ولا قال ولا يخاف عقباها، شوف الختام الرهيب للسورة، ولا يخاف عقباها يعني ربنا سبحانه وتعالى مش خايف من شيء، ما في حد رح يحاسبه، ما حدا سيستطيع أن يقول له لماذا فعلت هذا بهؤلاء الخلق، خلقه والأرض أرضه والعبيد عبيده وكلنا له، الله عز وجل لا يخاف معاقبتك فامهله لك ليس خوفاً من أن يعاقبك لأن هناك من سيحاسبه أو هناك من سيتصدى له أو هناك من سيعود إليه لماذا فعلت، ولا يخاف، لا يخشى عاقبة أي دمار سبحانه وتعالى.

بخلاف ملوك الأرض، ملوك الأرض إذا عذبوا شخصاً بتلاقيه طول عمره خايف أنه هذا الشخص في يوم من الأيام ينتقم منه، كما رأيتم في الشام هؤلاء المستبدون بعد أن زال حكمهم تجلدهم مثل الفئران، يهربون إلى بلاد أخرى أو يختفون داخل الناس؛ ليه؟ لأنه يخشى من عقابه على إجرامه، تمام فهو عاقب لكنه ليس آمناً من أن يعاقب، أما الله سبحانه إذا عاقب الظالمين فهو لا يخشى أن يأتي شخص لينتصر منه سبحانه وتعالى، ولا يخاف الله عاقبة هذه الفعلة، أي فعل ذلك غير خائف أن تلحقه تبعة من أحد كما يخاف من يعاقب من الملوك؛ يعني ملوك الأرض إذا عاقبوا بخافوا بيحسب حساب أنه هذا في يوم من الأيام ممكن هو يستولي على الحكم فيحاسبني، وأما الله عز وجل لا أحد يستطيع أن يغلبه في ملكه فلا يخاف إذا قال؛ لأنه فعل في ملكه وملكه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

هذه هي إذاً عاقبة الطغيان، طبعاً هو لماذا ذكر قصة ثمود؟ لأنه ثمود هي من أبرز النماذج على طغيان النفس، من أبرز النماذج على دس النفس في التراب وعدم الاشتغال بإصلاحها نموذج ثمود، لاحظوا يا جماعة شو كانت النهاية فدمدم عليهم ربهم، تصير هذه عظة لكل إنسان؛ لا تخلي ربنا يدمدم عليك حياتك، لا تخلي ربنا يسويك في الأرض، حافظ على نفسك، عليك أن تتوازن حتى وأنت تعصي، توازن حتى وأنت تخطئ، اعرف خطوطك الحمر، لا تكن إنساناً مغفلاً تظن أنه فيش حدا حاسب، في إله بحاسب، مش بس بحاسب، ولا يخاف عقباها كمان، أن هو بحاسب ولا يخشى عاقبة هذه المحاسبة. ماذا أنت بالنسبة للإله؟ مخلوق ضعيف فقير محتاج إلى الإله في كل نفس من أنفاسك. حقيقة هذه معاناة عظيمة، مثلت سورة الشمس نقف عندها اليوم ونقتصر على هذا المقدار وفي الدرس القادم إن شاء الله نتكلم عن سورة الليل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.