غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترا وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى. أسأله سبحانه أن يفتح علينا فتوح العارفين، وأن يرزقنا فهم رسالاته؛ فإن السلف كما قالوا إنما نبغوا في فهم القرآن لأنهم تعاملوا معه على أنه رسالات من الله لهم. لما تعاملوا مع القرآن على أنه رسالات من الله لهم، أصبحوا يسمعون القرآن بأذن أخرى؛ بأذن المتلقي الذي يتلقف شيئا يريد أن يعمل به لينفع، وليس الأذن التي تتعامل مع القرآن على أنه مجرد كتاب معلومات أو ثقافة عامة أو يتبرك به.
أعود فأقول من أكبر المآزق المعاصرة في التعامل مع القرآن هو عدم استماع القرآن بالأذن والقلب الذي يعي هذه المعاني ويدرك شرفها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]. القرآن أعطانا مرتبتين للانتفاع به؛ أعلاها أن تكون صاحب قلب حي، فإذا كان قلبك قدرته المعاصي والذنوب، فعلى الأقل أن تلقي السمع؛ كأنها المرتبة الأدنى، أن تلقي السمع وأنت شهيد، يعني وأنت حاضر الذهن تحاول أن تتفهم المعاني. أما مرتبة ثالثة فلا توجد لفهم القرآن؛ إذ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ وهذه أعلى المراتب، القلب الحي، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وهو مستحضر حاضر الذهن. هل هناك مرتبة أخرى لمن ينتفع بالقرآن؟ لا، لأن الله حصر الذكرى لهذا أو لهذا؛ من لم يكن من هاتين المرتبتين فلن يستفيد من القرآن الفائدة المرجوة من إنزاله، وإن كانت قد تتحقق له مطلق الفائدة ببركة القرآن.
موعدنا اليوم إخواني مع سورة عظيمة من سور القرآن، ألا وهي سورة البلد. حقيقة سورة البلد من السور التي ينبغي على المؤمن في مسيره إلى الله أن يتوقف عندها كثيرا في المعاني التي تطرحها، وفي الرسالة التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تصل إلينا من سورة البلد، وهي في قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. خلاصة سورة البلد في تصوري هي في منتصفها: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. ربما كثير لا يدرك ما معنى فلا اقتحم العقبة وما هي دلالاتها، لكن حقيقة عندما نخرج اليوم إن شاء الله بتفسير سورة البلد، سندرك أن هنا رسالة عظيمة جدا من الإله في تصوير طبيعة هذه الدنيا، وطبيعة ما يريد الله سبحانه وتعالى من الإنسان أن يفعله، والموقف الذي يجب أن تكون فيه وأنت تسير في هذه الحياة. كما أن سورة الفجر في الدرس الماضي أعطت قاعدة من قواعد الإنسان؛ من يتذكر ما هي القاعدة التي تكلمنا عنها في سورة الفجر؟ أحسنت، هي كيف يتعامل الإنسان مع البلاء، ونظرة الإنسان للشدة والرخاء، وأن فهم الإنسان من بداية سيره إلى الله لطبيعة الشدة والرخاء هي التي ستوصله إلى النفس المطمئنة التي ختمت بها سورة الفجر.
اليوم أيضا من المفاهيم التأسيسية الإيمانية التي أسس الله عز وجل عليها الجيل الأول من الصحابة في مكة المكرمة؛ تتخيل الصحابة الكرام في مكة في مرحلة الاستضعاف وتتنزل عليهم سورة البلد لتعطيهم تصورات إنسانية عليا يجب أن يفهموها حتى يستطيعوا أن يعيشوا رحلة الحياة كما يريد الله وحتى يصلوا إلى بر الأمان. هذه السورة تبتدئ بقوله تعالى، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ابدأ اقرأ يا شيخ حتى أعلق عليها مع بعضها البعض.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولل سامعين ونج إخواننا المستضعفين. أمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾.
نقف هنا؛ هذا هو المقطع الأول من السورة، والسورة من السور المكية القصار المفصل أو قصار السور المكية عموما. دعونا نقول التي ابتدئت بالقسم، وهذه ظاهرة عامة في صور جزء عم، أنها تبتدئ بالقسم من النازعات إلى ما بعد ذلك؛ البروج ثم الطارق ثم الفجر، وامش من الفجر، البلد، الشمس، الليل، الضحى، التين. إذا ظاهرة عامة في هذا الجزء الأقسام، والأقسام إنما يكون على الأمور العظيمة، عندما الله يقسم يقسم على أمر خطير عظيم، فلذلك يقسم عليه الرب سبحانه وتعالى ليلفت انتباهك أن هذه القضية التي أقسم عليها ليست قضية ثانوية أو قضية هامشية أو قضية يمكن تحصيلها، لا، هي قضية مفصلية في حياة الإنسان. إذا لم يستطع أن يستوعبها ويفهم طبيعة الحياة فيها سيفشل في الحياة. إذا سورة البلد ابتدأت بالقسم كحالها من السور في جزء عم. ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ على الصحيح أن لا هذه للتوكيد وليست للنفي، هذه لا تعني لا أقسم، بل هو يثبته، ولكن العرب من طريقتها، وهذا قد تستغربون، أنهم إذا أرادوا أن يؤكدوا القسم قد ينفون، لكن لا يقصد بها النفي، يقصد بها توكيد النفي، فكأنه قال أقسم بهذا البلد. طيب هذه لا في مطلعها ما هي؟ توكيدية وليست نافية، توكيد للقسم. ولاحظ إذا هنا نحن لا نتكلم عن مجرد قسم، بل نتكلم حتى عن توكيد للقسم، إذا نحن لا بد أن ننتظر إذا جواب القسم؛ يعني هناك ليس فقط قسم، هناك توكيد حتى للقسم باستعمال لا، وهذا سيجعلك في قمة التشوق والترقب لتعرف ما هو الشيء الذي أقسم عليه ربي سبحانه وتعالى.
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، ما هي البلدة التي يشار إليها في هذه السورة؟ على قول جماهير المفسرين وهو الصحيح إن شاء الله، أنها مكة. لاحظ نحن سورة مكية، والصحابة الذين تتنزل عليهم هذه السورة الآن أين هم؟ في مكة، لذلك أشار اسم الإشارة: البلد، هذه البلد، يعني التي أنتم فيها الآن ومقيمون فيها وأنتم مضطهدون فيها وتُعذبون فيها. لا أقسم بهذا، إذا لا بد أن تكون الإشارة إلى بلد قريبة منهم، وما هي البلدة القريبة منهم؟ هي التي يسكنونها، هذا اسم إشارة للقريب: بهذا البلد. أقسم الله بمكة، لكن أقسم بمكة في حالة معينة وليس على وجه الإطلاق؛ لم يقسم بمكة مطلقا، أقسم بمكة في حالة وصورة معينة وهي التي جاءت في الآية الثانية: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾.
أقسم بمكة وأنت حل فيها، إذا لم يقسم بها مطلقا، أقسم بها حالة كونه صلى الله عليه وسلم حل فيها. ما معنى حل؟ هذه كلمة جوهرية هنا. حل، ذكر المفسرون لها عدة معاني، لكن من أهم المعاني، وأنا أعتقد أنه أقرب المعاني حقيقة لجسد السورة، الحل هو المستحل، المضطهد المستحل في عرضه ودمه وماله ويؤذى. تقول فلان مستحل في هذا البلد، ما معنى مستحل؟ يعني خصومه يؤذونه، يضطهدونه، يتجاسرون عليه، يقتلون أصحابه. فإذا الحل بمعنى المستحل. فالله سبحانه وتعالى أقسم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو أقسم بمكة حالة كون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه مستضعفين فيها، مستحلة دماؤهم وأعراضهم وأموالهم وحرماتهم من قبل الأعداء الذين يحاولون قلعهم من هذه البلدة، ويحاولون إنهاء وجودهم وإنهاء هذه الدعوة الوليدة. إذا نركز في هذا القسم، يقسم ربنا سبحانه بمكة حالة كونه صلى الله عليه وسلم مستضعفا فيها هو وأصحابه. فهمنا إذا ما معنى الحل؟ ما معنى حل مستحل دمك ومالك وعرضك وتنتهك وتعذب؟ أقسم بمكة وهذا حالها.
وهذا الآن هنا نركز، لماذا أقسم الله بهذه الحالة؟ وكل شيء يحتاج إلى تفكير، لماذا يقسم الله بمكة في هذه الحالة المؤلمة؟ هو لا يقسم بمكة بحالة جميلة رائقة أنت تراها، هو يقسم بمكة حالة كونها مكانا للاضطهاد، لسلب الدماء والأرواح والمهج والأموال. لماذا يقسم بها؟ لأنه هذا يتناسب مع مقسم عليه الذي سيأتي بعد قليل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. فهنا أقسم بحالة المكابدة، لكن المكابدة هنا مكابدة في أي شيء؟ في الدين. محمد صلى الله عليه وسلم، أقسم الله بمكة حالة كون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يكابدون من أجل الثبات على دينهم. هذا معنى عميق في القسم؛ لأن الله لا يقسم بأي شيء، يقسم بشيء عظيم، قد يكون عظيم من حيث الثبات، قد يكون عظيم من حيث الخلق؛ العظمة تتفاوت. هنا العظمة هي عظمة ثبات المؤمنين في مكة على دينهم رغم الآلام والجراح، رغم أنهم حل بهذا البلد. هذا مفهوم، إذا الله سبحانه يرى هذه الحالة عظيمة، حالة ماذا؟ أنك مؤمن مستضعف مستحل الدم والمال في مكان معين ومع ذلك ترابط على دينك، هو يقسم بهذه الحالة: أقسم بهذا البلد حالة كونك مستضعفا فيها مستحلا فيها. إذا هذا مشهد مهيب عند الله، وهو أيضا جزء من ماذا؟ من الكبد، لكنه كبد من أجل ماذا؟ الدين. صحيح: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، إذا هذه لا بد تربطها بالآية الأولى.
طيب القسم الثاني في سورة البلد ما هو؟ ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. يعني سورة البلد فيها قسم بشيئين، بمكة حالة كون محمد صلى الله عليه وسلم مستضعفا فيها مستحلا، ثم القسم الثاني ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، وركز الآن بدها ذكاء، نحاول نربط القسم الثاني بالقسم الأول. مكة ومحمد صلى الله عليه وسلم مستضعف فيها، ما علاقة الوالد وما ولد بالقسم الأول؟ ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، على الصحيح هو لا يتكلم عن والد معين، يعني كل والد كل أب وما ولده من الأولاد، كل أب وما ولده من الأولاد. طب الواحد يود أن يفكر لماذا أقسم الله بالوالد؟ تخيل الله يقسم بالوالد، الله له أن يقسم بما شاء طبعا، أنت ليس لك أن تقسم بوالدك الله يرضى عنك، الله يقسم، بس هذا هيك استطراد، بما شاء، لكن هو يريد أن يعظم شيء. لماذا يقسم الله بالوالد وما ولد؟ هل فكرت في ذلك يوما من الأيام وفي دهر من الدهور؟ ما هو الشيء العظيم؟ إحنا قلنا القسم إنما يكون بالأشياء العظيمة. ما هو الشيء العظيم في الوالد وما ولد حتى يقسم به الرب سبحانه وتعالى؟
كان عندي لفت أن بعض المفسرين ذكروا معنى الوالد هنا أنه إبراهيم عليه السلام، كأن الله عز وجل يشير إلى صبر إبراهيم مع بلائه في ابنه، على صبر محمد عليه الصلاة والسلام. الآن هذا ذكره البعض، لكن حقيقة أنا إذا رأيت الآية عامة أحب أن أبقيها على عمومها ولا نخص بصورة معينة مما يدخل في عمومها إبراهيم، لكن ما أعتقده وما عليه كثير من المحققين، أن الآية هي قسم بكل والد وما ولد. بدأت تقترب، الوالد يذكرك بأيه أيضا؟ بمكابدة. الوالد أليست هي رمز لمكابدة الحياة؟ هي مكابدة وهي مكابدة عامة جدا. فكل إنسان عندما يصبح والدا وعنده ولد مكابدة؛ أولا اختيار الزوجة الصالحة له حتى ينجب أولادا صالحين، ثم مكابدة الإنجاب، ثم مكابدة الرزق وتبحث عن عمل، ثم مكابدة الطفل وهو صغير يحتاج إلى رضاعة وثياب وما شابه ذلك، ثم يكبر الابن، يمرض تذهب به إلى المشفى، ثم تبحث عن معلم، ثم عن مدرسة له، ثم يكبر وتريد له حياة، وكل أب يكابد، يكابد من أجل أولاده ليوفر لهم الحياة الطيبة والرزق والعيشة، ولا يحب أب أن يرى أولاده مضطهدين مساكين، لا يوجد لهم لقمة عيش، بل كل أب في العادة في الوضع الطبيعي يحب أن يوفر لأبنائه أعلى سبل العيش من حيث الدراسة ومن حيث الرزق، ثم أنت تكبر فإذا حصل بينك وبينه فراق، يكابد الأب حتى ينسى، ولن ينسى، الذكريات هي فيها كبد، الابن قد يموت اليس كذلك؟ قد يفارقك فتبقى الأب يعاني من كبد الفراق وألم الفراق، الابن يتزوج فيعاني الأب أيضا من كبد فراقه، أو يسافر أو يبتلى الابن أو يسجن أو أشياء، فالحياة أيضا الوالد وعلاقته بأولاده هي علاقة كبد، لكنه كبد من أي جهة؟ من جهة الدنيا.
إذا أقسم بقسمين كلاهما كبد: الكبد في سبيل الثبات على الدعوة، أقسم بهذا البلد وأنت مستضعف فيها مستحل الحرمة، وهذا كبد، لكنه في أي جانب؟ في جانب الثبات على الدين. وأقسم بالكبد من جانب الدنيا وهو كبد الوالد مع أولاده، والوالد هنا على سبيل التغليب طبعا، قد تشمل أيها الكرام من قد تشمل الأم تمام، فهي صحيح والدة بس دائما القران يعبر بأحد الفاظ فيها الذكور ويدخل فيها الإناث، فالأب والأم وما ولدوا، فالأب والأم وما ولدوا هما داخلان تحت هذه المعاناة وهذه المكابدة. إذا استطيع أن أقول أقسم الله سبحانه بحالتين من المكابدة، المكابدة الدينية والمكابدة الدنيوية. أقسم بهذا البلد وأنت مستحل فيها، وهذه حالة من الكبد عظمها الله، فلذلك أقسم بها، وحالة أخرى من الكبد، الوالد مع أولاده، وأنت متخيل أن الله يقسم بحالة المكابدة بين الوالد وأولاده، إذا هي عظيمة عند الله أيها الأب وأنت تكابد من أجل أبنائك. صحيح نحن.
نقول هذا كبد دنيوي، بس في النهاية إذا أنت نويت به الخير الله يأجرك؛ هذه الحالة فعلاً -إن شاء الله- غداً تصبحون آباء، وممكن أب يعرف هذه المشاعر لما يكون عندك ابن، وأنت تسهر على تعبه، وإذا جاءت ليلة ومرض الابن أنت كأب وأنت كأم لا تعرف النوم. وأبوك يسهر عليك وعلى مصلحتك وعلى حياتك، ويزعل على أي شيء ممكن، ويهديك إذا أخفقت؛ إنه يريدك دائماً ناجحاً. هذه الأمور، هذه مكابدة الآباء مع الأبناء عظيمة، فلذلك عظمها الله بالقسم بها. لا تستهين بالأسرة ولا تستهين بموضوع بنائها. ربما اليوم لذلك إحنا معركتنا اليوم أعظم معركة مع أعدائنا أنهم يحاولون استهداف جسد الأسرة، ويحاول أن يفتت العلاقة بين الأسر، ويسحب الأبناء اليوم في أوروبا وفي الدول؛ أسهل شيء أنهم يحاولوا ماذا؟ يفتت الأسر ويسحب الأبناء من الآباء؛ لأن دائماً معاقل البناء هي الأسرة.
ذاك الأب وتلك الأم التي تسهر على تربية الأبناء لإخراج جيل صالح، بما فيها من مكابد وعناء، هم يحاولون تفكيك جسد الأسرة وتدميرها، وتصوير الأسرة أنها مجرد علاقة حب بين شاب طائش في جامعة طائشة مع فتاة طائشة، عرفوا بعض بالغلط وحبوا بعض وتزوجوا؛ يعني يحاولون تصوير الأسرة بالصورة الركيكة الضعيفة، وكأنها حالة لا تحتاج إلى تعب، وأنها حالة من الرفاه وعيش، مش مهم تربية الأبناء، المهم أنه لاحظوا دائماً حتى في التصوير المعاصر أنه شو هي التربية؟ أنك مع مصاري وتظلك تطعم الابن وتعرفه، كأنها بس عبارة عن ماذا؟ طعام وشراب. لا، الجهد الأكبر هو مراقبة أفكار الابن، تربيته، إيجاد البيئة الصالحة له، السهر على أفكاره وحياته وطموحاته، تنمية قدراته؛ هذا هو الجانب الأكبر. الطعام والشراب مهم بس يعني بيمشي الحال، بس فيه ما هو أهم في مكابدة الأب مع أبنائه.
الحقيقة لو بدنا نتكلم في هذا القسم: لماذا أقسم الله بالوالد وما ولد؟ إني سأفتح معك آفاقاً عجيبة؛ عظيم هذا الإله الذي يعظم هذه الحالة، هذه الحالة من مكابدة الآباء مع الأبناء. طبعاً بقيت قضية، هو لماذا قال: ما؟ إحنا عادةً "ما" في اللغة العربية تستعمل كاسم موصول لغير العاقل، لكن "من" هي التي تستعمل للعاقل؛ فلما يقول: "ووالد"، الأصل يقول: "ومن ولد"؛ أنه "من" هي التي للعاقل. فإذا: الوالد ومن ولده، يعني مولوده. طيب لماذا قال "ووالد وما ولد"؟ "ما" هذه لغير العاقل! أنت لما تنجب، أنت بتنجب عقلاء ولا غير عقلاء؟ لا، أنا بنجب عقلاء. طيب لماذا استعمل الله "ما" التي لغير العاقل؟
قالوا: أراد بـ "ما" هنا الإبهام، و"ما" تستعمل في سياق الإبهام، وكأنه قال: ووالد وهذا الشيء العظيم الذي ولده؛ يعني كأنه شيء مبهم. كيف مثلاً نقول: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: 78]، "ما" هنا، لماذا جاءت بهذه الصيغة المبهمة؟ حتى تعطيك حالة من العظمة المبطنة التي أنت مش فاهم أبعادها لشدة كم هي عظيمة. مثلاً في سورة النجم لما قال سبحانه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: 16]؛ لماذا قال: "ما يغشى"؟ أنت شو اللي ما يغشى؟ أمر مبهم، لا أستطيع أن أصف لك عظمته، فاستعمل "ما" لغير العاقل، تدل على ماذا؟ على الإبهام المفيد للتعجب.
فهنا قال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: 3]، ولم يقل: "ومن ولد" مع أنه هذا هو الأصل؛ أنه "من ولد" هو المولود العاقل. عبر عني وعنك إحنا كأولاد بماذا؟ بـ "ما"، ولم يعبر عنا بـ "من". ليه؟ كأن علاقة آبائنا بنا علاقة عجيبة، فكأنها من عجبها وعظمها وخفائها تستحق أن يعبر عنها بـ "ما" الإبهام؛ "ووالد وما ولد"؛ يعني وهذا الشيء العجيب الذي ولده، بس إحنا عارفين شو هو، اللي هو أنا وأنت الأولاد، لكن عبر عنها كأننا شيء عجيب مبهم. والشيء المبهم لا يعبر عنه بـ "من"، يعبر عنه بماذا؟ بـ "ما"؛ هذه لفتة شوي بلاغية لما يحسن البلاغة في التذوق، أنه لم يعبر عنا بـ "من" التي هي الوضع الطبيعي، عبر عنا بـ "ما" للدلالة على أنه هذا المخلوق يحتاج إلى والد يرعاه ويصونه ويحميه ويبقى معه حتى يكبر، وبما فيها من الخطوات والآلام؛ فكان هذا المولود شيئاً عجيباً، مخلوقاً عجيباً كم يحتاج من الرعاية والانتباه والاستيقاظ.
فلكثرة عجبه، ولعجب طريقة تربيتنا، عبر عنا بـ "ما" التي تدل على إبهام ينبئ عن عجب، شيء عجيب، وليس بالطريقة الاعتيادية بـ "من". هذه فقط لفتة بلاغية. إذاً أقسم الله بأمرين، نعود فنرتب أفكارنا: أقسم بالمكابدة الدينية كخلاص، وأقسم بالمكابدة الدنيوية. على ماذا أقسم؟
جاء الآن المقسم عليه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، وهذا من الفنون العجيبة في القرآن؛ تناسب القسم مع المقسم عليه، يعني أنه حتى أسلوب القسم، الأشياء التي أقسم فيها هي متناسبة مع الشيء الذي مقسم عليه. بدك دائماً من أساليب التدبر أنك تحاول تعرف إيش العلاقة بين هذا القسم وبين الشيء الذي أقسم عليه. ربنا أقسم ربنا أنه خلق الإنسان في كبد، ولما أقسم ما هي أدوات القسم؟ أقسم بالمكابدة البشرية. لاحظ هنا لا تتكلم الآية عن مؤمن أو كافر، "الإنسان"، وهذه هنا بدأت حقائق كبرى تتجلى في سورة البلد: أيها الإنسان عليك أن تعرف شيئاً، الله يقول لك ذلك الذي خلقك هو اللي عم بيعطيك المعلومة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾، يعني هو سبحانه خلقني وخلقك، فهو يعطيك معلومة حتى ما تحاول تتغافل عنها أو تنكرها، أو ما يسمى الهروب من الحقيقة. لا تحاول تهرب من الحقيقة، لقد خلقتك، أنا خلقتك يا أخي، لقد خلقتك في كبد. إياك تنسى هذه الحقيقة وتتجاهلها، وإياك أن تظن: لا، لا، أنا ما خُلقت في كبد، أنا سعيد، وهي معي مال، معي، أنت مش فاهم كثير من الأشياء حولك. أنا خلقتك هكذا، يقولك: أنا خلقتك وأنا أعرف الواقع، أنت في كبد.
تمام، ولاحظ أنه قال: "في" استعمل حرف الجر "في"؛ ليدل على ماذا؟ كأنك أنت داخل الكبد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. أنت جوه الكبد، والكبد محيط بك من كل الجهات. تمام؟ مش "لقد خلقنا الإنسان مع كبد"، يعني مصاحب لك، لا لا، كان بإمكانه يقول: لقد خلقنا الإنسان مع كبد، أنه في كبد مصاحب له؛ لا، قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، جوا الكبد؛ كأن الكبد هو وعاء وظرف، وأنا وإياك جواته، وكأنه يحيط بنا منذ ولادتنا إلى أن نلقى الله، حتى نخرج من الدنيا نحن في وعاء الكبد.
ولذلك من سنة الله في هذه الدنيا أن أي ما الذي يقابل الكبد؟ نقول اللذة؛ يعني يقابل الكبد المشقة، يقابلها مثلاً اللذة. سنة الله في هذا الكون أن أي لذة من اللذائذ مشوبة بالكبد، إما في الوصول إليها؛ أي لذة! ايش بدك؟ لذة الطعام والشراب، بها كبد حتى تجيب مصاري تشتري طعام وشراب. طب أكلت وشربت، في حالات كثيرة يصبح عندك مشاكل صحية وبدنية وتعب وكذا، وحتى تحتاج إلى كبد إخراجه. طيب ممكن طبعاً مع الوقت يصبح هذا الطعام اللي أنت مبسوط فيه -الوجبات السريعة- سبب من أمراض الضغط والسكري وكذا وتبلش مستشفيات وكذا؛ حاول تفكر في أي كبد.
أيضاً إيش أعظم لذة عندكم؟ الزواج، إحنا بنحكي عن الكبد اللي فيها كبد؛ أنك أول شيء يصير معك رأس مال حتى تتزوج، هذا كبد. ثم بعد ذلك رحلة البحث عن المرأة التي تناسبك كبد، بعدين تحاول تشوف لك بيت وتلاقي إيجاره مناسب، بعدين تجيب الأثاث كله تعب، يعني بتلاقي حالك بترتب مواعيد وكذا، وهذا ضحك عليك في الأثاث وما ضحك، والحفلة هي البسيطة؛ لسه بعدين هيك تزوجت، تمام؟ عاد شو طلعت بطيخة بيضاء ولا حمراء؟ يعني طلعت الزوجة مناسبة، مش مناسبة؟ هذا ملف آخر يعني تمام. بعدين كبد أنه بدي أصرف عليها؛ في النهاية أخذتها بعقد شرعي، بدك مصروف على الزوجة وتتحمل طباع الزوجة وعصبيتها وصراخها وكذا، وهي تحملك برضه، تفكر حالك كبير يعني وهي تتحمل، وهي تمام. بعدين برضه والله الزوجة حملت، ومضاعفات حملها، وتعبت وكذا وداخت، ودي على المستشفى.
بعدين صار فيه أولاد، صرت بدك تراعيها وتراعي أولادها، يعني بتشعر أنه ماشي في لذة، لذة الوقاع، لكن حتى هذه اللذة شو حواليها؟ هذه اللذة اللي أنت شايفها أعلى طموح حياتك، كلياتها محاطة بدائرة من المكابد لا تنتهي إلى أن تلقى الله. فلذلك هذه الآية عظيمة ولا بد للإنسان أن يفهمها؛ لأنه إذا فهمتها رح تتعايش ورح تتقبل الحياة، جُبلت على كبد؛ انسى قضية لذة تامة لا كبد فيها، مش موجودة أبداً.
لذة النجاح، خلينا نحكي على لذة النجاح؛ حتى تنجح أنت في الحياة كم تحتاج لك كبد؟ تنجح في الثانوية العامة، وسهر الليالي، والشغل، والامتحانات، وتوتر الامتحانات والحياة وكذا، وبعدين يلا تجاوز، بعدين جامعة والجامعة والامتحانات والاختبارات والأبحاث، وبعدين لسه بدك تكمل ماجستير ودكتوراه، بعدين بدي أفتح مشروع؛ طب المشاريع العمل بدها شغل وكذا، طب في بلدي فيش فرص عمل أصلاً. تشعر أن النجاح في الحياة، وهي لذة النجاح، تمر على أي قصة ناجحين؛ قصة نجاح بتلاقي على اليوتيوب وقاعد يحكي لك عن كل معاناته والكبد اللي أصابه حتى صار ناجحاً، وبعد ما ينجح كبد المحافظة على النجاح؛ يعني تفكر أنت نجحت خلاص؟ في كبد هنا؛ كبد المحافظة على النجاح وأنه ما ترجع تسقط.
مش دائماً بقول لك مثلاً عن صاحب المال: تعبان تعبان قبل ما يجيبه، كيف يجيبه؟ بعد ما يجيبه كيف يحافظ عليه؟ يعني إذا هذه آية عظيمة تجعل الإنسان يفهم الدنيا: يا أيها الإنسان لقد خلقناك في ماذا؟ في كبد. حتى أصحاب المعاصي في كبد، حتى اللي بروح يصل إلى الفتاة بالحرام، خلينا نفكر بهي الطريقة: هل هو في كبد؟ اللي بده يروح يشرب خمر، بده يبني علاقات محرمة، بده يأكل ربا، أيضاً هو في كبد؛ كبد العلاقات المحرمة، لأنه هنا هذا المسكين كبده راح يكون من جهتين: كبد اللي هو يحاول أن يصل إلى الحرام، ويتفنن من أجل يسقط هذه الفتاة، ويعرف يفتح معها ويعمل حرام وكذا؛ بكبد وتعبان فيها مخاطرات.
يعني بعض تجار المخدرات، ليش حاط حالك أن الجهات الأمنية بتحقق فيك وكذا، ليش حاط حالك لهذا الكبد؟ جهات أمنية بتحقق وتعب فوقيك وذا وذا، وآخر شيء شو المصاري اللي بتجمعها؟ مبالغ حتى ألفين دينار، وعايش في كبد بس من أجل تعاطي المخدرات. هذا كبد دنيوي، غير الكبد اللي هو عذاب الألم النفسي الذي ربنا يسلطه على الزناة، وعلى أصحاب العلاقات المحرمة، وعلى الذين ينظرون إلى الحرام؛ يعني حتى وأنت بتحاول تفتح الجوال لترى حراماً، أنت ما بتفكر أنك بتجيب لذة راحة؛ لا، أنت إذا عندك شوية حياء رح تشعر أنك بتحاول تخبي؛ أنه ما في حدا شايفني، وأكيد ما فيش حدا بقدر يدخل على حسابك، بعدين اكتشف أنه أنت اطلعت على الحرام؛ محاولة إخفاء آثار الجريمة، خلينا نقول هي كبد.
ثم بعد ذلك الكبد الديني النفسي الذي هو شعورك بماذا؟ بالألم، كما قال ابن القيم: أنه ما من لذة محرمة إلا وهي ممزوجه بالقبح أثناء تناولها، مورثة للألم بعد تناولها؛ يعني حتى اللذائذ المحرمة، في هناك ألم نفسي يعاقب الله عز وجل به أصحابها، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124]، وهذا هو الألم النفسي. إذاً في كبد، إذاً الحياة كلها قائمة على قانون الكبد؛ كل الحياة الدنيا سواء طريق الطاعات أو طريق المعاصي، كله قام على ماذا؟ على الكبد. فمحاولة تصور الإنسان أنه يمكن أن يخلص من الكبد، تفكير غير صحيح وغير عقلاني، لأنه ربنا بقول لك: لقد خلقتك في كبد، فكيف بدك تطلع منه؟ ما راح تطلع، حتى بالحرام ما راح تطلع، حتى بالحرام ما راح تطلع، سيبقى قانون الكبد حاكماً على حياتك.
طب إيش فائدة هذه القضية بالنسبة إلي الآن؟ ممتاز؛ أولاً كما قلت، أن أتعايش معها وأتقبلها؛ أنه في هناك كبد، بس في هناك إشارة الأولى أن تقبل قانون الحياة، لأن حاكمنا جميعاً، رفضته ولا ما رفضته؛ كيف تحكي الأمر الواقع هذا؟ هذا الأمر الواقع، حاول أنكر، اجحد، هي هكذا سنة الحياة. ثانياً: أن تحاول أن تختار الكبد الذي تريد أن تعيشه.
الآن ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، خلينا نقول هذا الكبد يعيشه المؤمن والكافر، صحيح؟ الكبد اللي هو الكبد الدنيوي على مستوى الدنيا، المؤمن والكافر يعيشه؛ البحث عن الرزق، السعي، الكسب، الزواج، الأولاد؛ إحنا بنتزوج والكفار يتزوجون، البحث عن الرزق إحنا بنبحث عن الرزق والكفار يبحثون، فالكبد الدنيوي الكل يسعى إليه والكل خاضع لقانونه. بس في هناك القسم الثاني، وهو وهو الأول وهو الأشرف؛ ولذلك ابتدئت به السورة وهو الكبد الديني، أنه هل أنت مستعد يا أيها الشاب أن تكابد من أجل أن تثبت على دينك؟ هل أنت مستعد أن تتحمل كل ما يمكن أن تتعرض له في رحلة الثبات على الدين؟ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1-2]، تذكر الله أقسم بنبيه صلى الله عليه وسلم في حالة مكابدتك. هذه المكابدة الدينية هي الأهم، هي الأعظم، لذلك بدأ الله بالقسم بها؛ لأن الله يبدأ بماذا؟ بالأهم. هل أنت فقط سترضى أن تحصل الكبد الدنيوي وتترك الكبد الديني، أم ستتعايش مع كليهما؟ خلينا نقول الكبد الدنيوي خليني أصور أنه اضطراري صحيح، لكن الكبد الديني ربما يكون ماذا؟ اختيارك؛ هل أنا راح أقرر؟
الالتزام أنا عارف له ضريبة، وأقرر أن ألتزم في الحياة وأسير مع الصالحين، في ضريبة كبيرة أنه بدي أتخلى عن كثير من الشهوات اللي أنا بفكر فيها والخطرات الرديئة. رح أفكر أترك كثير من الأعمال المحرمة اللي فيها حرام وربا وشبهات، رح أضطر إني ما أتطلع لكثير من المسلسلات والأفلام والأشياء المحرمة. إذا كانت أخت بدها تلبس الحجاب والجلباب وكذا، هل ستقرر أن تخوض -طبعا هذا في حال إنه في حدا بيذيك- بعدين رح تكتشف أنه أنا في الطريق طلع في إذا بدي أضلني ثابت في أناس رح تستدعيه ومتابعات أمنية وتتشرف وتضل عننا. طيب بدي أتحمل هذا ولا شو دخلني أنا في الموضوع هذا كلياته، ويصير في متابعات وهذا كتب فيه وهذا ما كتب فيه، وأقعد أفاهم الزلمة إنه يا عمي إحنا لا. طيب بعدين في مرحلة معينة من المراحل طلب مني أن أجاهد في سبيل الله وأن أقاوم، طب رح أرضى هذا الكلام؟ طب في مرحلة معينة تعرضت لسجن، طب بتصير أنت تشوف هل أنا مستعد لتحمل هذا الكبد؟ إنه في ناس بتقول لك لا أنا بدي الكبد الدنيوي بس، أما الكبد الديني هذا أنا مش مستعد له، فيبقى خارج دوائر الالتزام، يبقى خارج طريق الاستقامة؛ لأنه يخشى من ماذا؟ من الدخول في هذا الكبد الديني.
وهون بتيجي نص سورة البلد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]، لا بدك تقتحم، بدك تقتحم الكبد الديني إذا بدك تنجح، اقتحم. وسنأتي لماذا عبرت السورة بماذا؟ اقتحم، اقتحام مش ادخل، لا لا، الاقتحام بتفهمه يعني مفهوم الاقتحام اليوم في العمليات العسكرية شو الاقتحام شيخنا؟ الدخول بكل قوة واندفاع، مش حينفع تظلك تقولي لا أنا بديش الكبد الديني، لا طب أنا ما بديش أقتحم الكبد الديني، ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 20] ختمت السورة؛ يعني السورة بتقول لك أنت بين أمرين: يا ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وتقتحم وتجبر نفسك على الدخول في المربع، يا إنه الختام الذي في آخر السورة: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾، فأنت بدك تختار يا هذا يا هذا.
طبعا الآن إحنا بناخذ سورة البلد من سياقها؛ لأنه إحنا أحيانا طرح الموضوع كواقعية مهم، بس مش معناته أنه طب أنا اقتحمت العقبة يعني خلص رح يصير الآن الحياة كلها دمار وكذا وطريق تدين، لا لا في راحة نفسية وطمأنينة بتتكلم عنها سورة الفجر ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27]، بس هون بسموها وضع النقاط على الحروف تمام، أن تفهم أنه في هناك كبدة دينية تمام، وأنت أيها الإنسان مطلوب منك أن تدخل في هذه المكابد، أن تثبت أن تتجاوز العقبات وتقفز وتعمل وتعمل حتى تصل إلى الجنة وتكون من أصحاب الميمنة. عاد أنت ما بدك هذا القرار، ما بدك تعيش الكبد الديني وتتحمل ضريبة التدين، في النهاية ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾، ستقفل عليك نار جهنم وستعيش كبد لا ينتهي.
هناك الكبد الديني في الدنيا محدود، صحيح الدنيا في النهاية السعادة الأبدية التي لا يوجد فيها كبد، لكن إذا أنت رفضت تعيش الكبد الديني في هذه المرحلة، المشكلة العظمى أنك ستعيش كبد لا ينتهي، كبد في ماذا؟ في نار مؤصدة ما راح تطلع منها، فكيف أنت إذًا بين خيارين؟ فما بالك لما نحكي عن الكبد الديني أنه كبد فيه راحة، العلاقة مع الله وطمأنينة، أنت لا تتصور أنه هو مخيف من الداخل، هو مخيف من الخارج، لكن من الداخل لمن يتعايش مع الكبد الديني، تصبح لذته أن يعذب في سبيل الله، لذته في أن يقاتل وأن يجاهد وأن يثبت وأن يقاوم، لذته هذا طبعا بس هي لذة ضمن قانون الكبد، يعني هي ليست لذة أكيد في عرق وفي دماء وفي تضحيات، بس هي لذة يعطيها الله عز وجل لمن اختار يقتحم العقبة، من أراد أن يعيش الكبد الديني وأراد أن يكون ضمن "وأنت حل بهذا البلد"، الله لا ينساك، لكنه هنا خلينا نقول يؤسس لك أن تفهم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، سواء بدك طريق الخير ولا طريق الشر ترى كلاهما في كبد، فاستيقظ يا أيها الإنسان ما دامت كلها كبد، كلها كبد سواء في طريق الخير كبد ولا طريق الشر كبد، سواء كنت مؤمن في كبد ولا كنت كافر، طب خليني أكون أنا عقلاني وأحسبها أنه كبد قليل تعقبه سعادة أبدية أفضل من كبد في الدنيا وكبد في الآخرة، الإنسان العاقل بيحسبها بهذه الطريقة.
سؤال عندي تعليق شيخ، مما يشهد على أن المكابد الدينية لها لذة قصة عبد الله بن حرام لما كلمه الله عز وجل من وراء حجاب، قال: تمنى يا عبدي، قال: أتمنى أن أرجع فأقتل. عبد الله بن حرام لما قتل في غزوة أحد كلمه الله مباشرة ماذا تتمنى أو تمنى يا عبدي؟ فقال: أتمنى أن أعود فأقتل في سبيلك. هذا ربما قلت لكم إياها أكثر من مرة، هي فكرة أن الإنسان إذا بيستشهد مرة بقول خلص خلصنا وافتكينا ومش رح نشعر بألم القتل مرة أخرى، في واحد يرجع يطلب من رب العزة أنه بس يا رب بدي أرجع أذوق ألم القتل في سبيلك مرة أخرى، يعني بدي أرجع للمكابد، يعني واحد تمناها شهادة بس خلص يعني وحدة، يعني بده يرجع بهدلة وكذا وقتل، هكذا الإنسان ممكن يفكر، فعبد الله بن حرام قد تستغرب من أمنيته أن هو طلب من الله أن يعيده إلى الدنيا ليعيش كبد القتل؛ لماذا؟ أنه هذا الكبد الديني كما قلت هو مليء بالطمأنينة، مليء بمشاعر وإن كان في الظاهر في تعب وفي مشقة، لكن هناك لذائذ وألطاف إلهية تكون مصاحبة لك وأنت داخل هذا الكبد الديني تشعرك بالجمال والراحة والسعادة في الطريق مع أنك عم تدفع ثمن، يعني في فقد في دماء في كذا، لكن مع الفقد والدماء والآلام والسجون وأنا شاعر بالراحة النفسية، الراحة النفسية تنبع أنك دخلت في الكبد الديني كما أراد الله، الراحة النفسية ناشئة من أنك اقتحمت العقبة ودخلت، راح آجي على موضوع اقتحام العقبة لأني أعتقد هو لب السورة، أن تقتحم العقبة.
أقرأ التفسير سريعا هنا، قال ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1]، قال رحمه الله: أقسم سبحانه وتعالى بالبلد الحرام وبما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في المكابد، ومكابدتك والمقسم عليه بقوله ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 2]، أي ومن مكابده أن مثلك على عظم حرمته يستحل بهذا البلد، بماذا فسر النسفي "حل"؟ المستحل الذي تنتهك حرمته ويعذب ويسجن ويتعرض هو وأصحابه لأعلى وأقصى درجات العقاب من قبل المشركين، المشركون هكذا كانوا يتعاملون مع محمد صلى الله عليه وسلم، إذا أولا أقسم الله بالبلد وهو مستحل فيها عليه الصلاة والسلام بأبيه وأمي، قال: ومن المكابد أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد، يعني مكة، كما يستحل الصيد في غير الحرم، وعن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويستحلون إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت لرسول الله، بس هنا يعني حتى تفهم النص، النص للأسف في تداخل من المحقق، ومن المكابد أن مثلك على عظم حرمتك يا محمد صلى الله عليه وسلم يستحل بهذا البلد ويعتدى عليه، والمراد مكة، بعد ما تضع فاصلة قال: كما يستحل الصيد في غير الحرم، يعني مثلك يستحل في الحرم كما أن الصيد يستحلون أن يصيدونه خارج الحرم، أنت بتعرفوا مكة، في الحرم المكي خذ الحرم المكي بصير الصيد؟ لا، بدك تصيد بدك تصيد خارج حدود الحرم المكي، فكأنه يقول له: أنت تستحل حرمتك في الحرم، وكفار قريش يستحلون حرمتك في الحرم كما يستحلون الصيد خارج الحرم، يعني كيف هم يستحلون الصيد خارج الحرم يستحلون حرمتك داخل الحرم.
وقد ورد في بعض الآثار لا أدري هو الذي سيأتي به شرحبيل: أي يحرمون أن يقتلوا بها صيدا نعم هذا هو، عن شرحبيل وهذا روي عن الحسن البصري أيضا، لاحظوا هذه العبارة قال: يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويستحلون إخراجك وقتلك، شوف هذه العبارة جميلة لو بس ركزت فيها مين يقول إيش معناها؟ الكلام عن كفار قريش، الكلام الآن عن مين؟ عن أعدائك وخصومك اللي عم بيحلوك، قال: يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويستحلون إخراجك وقتلك، يعني الله عز وجل بده يقول لك يعني أعظم المقارنات العجيبة عند كفار قريش ما هي؟ كفار قريش كانوا متدينين بدينهم عموما، فكانوا يؤمنون أن القتل داخل الحرم ما يجوز، فكفار قريش ما كانت تصيد داخل الحرم، لكن كانت تعذب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه داخل الحرم، عجيب حاله تمام، هذا مثل الخارجي الذي جاء ليسأل عبد الله بن عمر عن دم الذبابة هل هو نجس ولا لا؟ فقال له عبد الله بن عمر: أنتم قتلتم كل هؤلاء الصحابة ودمائهم وجاي تسألني دم الذبابة؟ والله أنك تروح تروح، يعني أنت جاي بتعرف هذا الورع في مكان بسيط وينتهك الحرمات في المكان العالي، فكان الله يقول: يعني أنتم تحرمون مكة وتحرمون الصيد فيها، لكن لم تحرموا حرمة نبي وحرمة أصحابه، فبلال يعذب في مكة وخباب يعذب في مكة وعمار يعذب في مكة، هذا كله مش مشكلة، أما أنه نصيد حمامة في مكة لا ما بيصير نصيد حمامة في مكة، كل هذه الجرائم اللي بتعملوها حلال في مكة أيضا؟
يعني هي هذه بنجدها اليوم عند أمريكا والأمم المتحدة وهؤلاء الفجار، تجدهم يتكلمون عن حقوق الكلاب وحقوق القطط وأنه لا شوف هذا الكلب كيف صاده يا أخي ما بيصير كده، طب وكل اللي عملتوه في غزة بدلائل الدمار الشامل، هذا كله حلال؟ أنت يعني هي هكذا الكافر، تجده أشياء بسيطة يتورع فيها ويقوم بدور المؤدب الحريص على الأخلاق والقيم وأنه نحن ما بننتهك القوانين وكذا، ولكن لما يريد أن يفجر بخصومه يفعل أعظم الموبقات وأعظم الفواحش ويغتصبون النساء وينتهكون الأعراض ودمروها عن بكرة أبيها، وبيجي آخر شيء بيطلع لك واحد في هيئة يقول لك: ولا بد أن نحافظ على المناخ وعلى حقوق الإنسان وعلى حقوق الكلاب والقطط، وما بيصير ولا بد، يكون أنت جاي تسوق علي هذه القضايا وأنت أكبر مجرم وسفاح وسافك دم. هذا معنى قول شرحبيل والحسن البصري: كفار قريش يحرمون قتل الصيد داخل الحرم وينتهكون حرمة النبي الأعظم داخل الحرم، إيش هذا المقارنة العجيبة الغريبة التي تدل على النفوس غير السوية.
المهم قال: وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجب كيف التثبيت هذا جميل، هذا معنى لم أذكره إضافة والنسفي كيف التثبيت؟ كيف هذا القسم فيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم؟ مين يقول لي كيف يدل هذا القسم على تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام؟ ترى واضحة القضية بس يعني شوية. أحسنت، لما أقسم بهذا الثبات، هذا الثبات الأسطوري الذي بذله هو وأصحابه في مكة، لما أقسم الله به إذا الله يعظم ثباتك، إذا لما آجي أقول لك ترى الله يعظم ثباتك هذا أصلا يزيدك ثباتا، صحيح؟ لما أقول لك إن الله أقسم بثباتي! أوف إيش بدك أجمل من كده أن الله أقسم بثباتي، إذا هو شيء عظيم عند الله فهذا سيزيدني إصرارا على الاستمرار في الثبات؛ لأن الله أقسم به يحبه. جميل قال: أو سلى رسول الله بالقسم ببلده، سلى يعني ثبته من القضية بمعنى التسلية، التسلية هنا بمعنى التثبيت وإزالة الهم والغم عن الإنسان. نعم قال: أو سلى رسول الله بالقسم ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاسات الشدائد، واعترض بأن وعده بفتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه، فقال ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، التفسير الآخر أن الله أقسم بمكة حاله كونك ستدخل فيها منتصرا، وهذا بالتالي سيكون قسماً على شيء مستقبلي سيحصل، هي السورة نزلت قبل الهجرة فهو يقسم بمكة، هذا تفسير آخر ذهب إليه البعض، وإن كنت أنا لا أميل إليه، أنا أميل للتفسير الأول، لكن جيد أنك تعرف أن القرآن حمال وجوه.
التفسير الثاني: أقسم بمكة وأنت حل فيها، يعني وأنت حال نازل فيها منتصر متمكن، هذا متى سيقع؟ بعد سنوات، فكأنه أقسم على شيء مستقبلي، تمام، لكن أعود فأقول المعنى الأول الذي ذكرته أجده أجمل مع المقسم عليه، لا، هو أقسم بمحمد أقسم بمكة حاله كونه مستحل الدماء فيها وليس حاله كونه منتصرا فيها، تمام، يعني التفسير الأول أقسم بها حاله كونه مستضعفا فيها، التفسير الثاني لا هم يروا أنه أقسم بمكة حاله كونه منتصرا فيه، يعني قد حل، حل هنا على التفسير الثاني ما معنى وأنت حل؟ يعني وأنت حال نازل فيها منتصر متمكن، هذا تفسير محتمل، وأحد التفاسير التي يمكن، لكن التفسير الأول أنا.
أجده متناسباً أكثر مع طبيعة الكبد الذي نتحدث عنه في سورة البلد. لذلك هو لازم تقرأوه مع بعض. أقسم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسم ببلدة مكة على أن الإنسان لا يخلو من مقاسات وشدائد، واعتُرض بأن جملة «وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ» هي جملة معترضة، واعتُرض بأن وعده بفتح مكة في المستقبل هو تتميم للتسلية والتنفيس عنه؛ يعني أقسم بهذا البلد وأنت حالٌّ فيها في المستقبل، لا تقلق، ستنتصر وتكون فيها. فأقسم بمكة وهو الآن فيها مستضعف، لكن معنى «وَأَنتَ حِلٌّ» يعني وأنت منتصر فيها في المستقبل بإذن الله. هذه وجهة نظر أخرى.
قال: أي وأنت حالٌّ به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له، وما فُتحت على أحد قبله ولا أُحلت له، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وقتل ابن خطل. طبعاً تعرفون أن مكة لما فتحها النبي صلى الله عليه وسلم الله أحلها لنبيه ساعة؛ شو يعني أحلها؟ أعطاه مجالاً أن يقتل فيها من شاء من الكفار، ولذلك خطب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مكة حرمها الله، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار». الله سبحانه وتعالى في فتح مكة أعطى لنبيه ساعة من نهار أن يقتل فيها من كفار قريش من شاء أن يقتل. طبعاً هو كان قراره العام: اذهبوا فأنتم الطلقاء، إلا كم شخص قال: اقتلوهم ولو رأيتموهم متعلقين بأستار الكعبة، لكن الباقي أعطاه العفو العام، لكن كما قلت خلونا على التفسير الأول؛ لأنه بناءً عليه سنبني مفهوم السورة.
قال: وحرم دار أبي سفيان، ونظير قوله «وَأَنتَ حِلٌّ» في الاستقبال قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. يعني وأنت حالٌّ الآن على التفسير الثاني، ما معنى وأنت حالٌّ على التفسير الثاني؟ وأنت ستحل، صح؛ لأنه يتكلم عن شيء مستقبلي، فهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾، يعني أنك ستموت، وأراد أن يقول إن دلالة ظاهر الآية على الحال، لكن الكلام عن المستقبل فلا بد أن نقدّر السين التي تدل على الاستقبال. ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ لو كان إنك ميت الآن كان ما خوطب فيها أصلاً، لكن المراد أنك ستموت. نفس الشيء على التفسير الثاني: وأنت حالٌّ، وأنت ستحل فيها في المستقبل. لكن على التفسير الأول: والمراد وأنت حالٌّ؛ يعني وأنت تنتهك حرمتك فيها، هل سنحتاج إلى تقدير شيء؟ لا؛ لأنه أنت حالٌّ الآن، وبالتالي لن نحتاج إلى تقدير السين للمستقبل، وهذا يقوي التفسير الأول. التفسير الثاني سيحتاج إلى تقدير حرف، أما التفسير الأول لا يحتاج إلى تقدير شيء؛ لأن الكلام عن الوضع الحالي الذي هو فيه، وبالتالي هذا من مرجحات التفاسير.
قال: وكفاك دليلاً على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق، وأين الهجرة من وقت نزولها؟ فما بال الفتح؟ أكيد، إذا هذا طبعاً كله على اختيار التفسير الثاني، وكفاك دليلاً على أنه للاستقبال؛ يعني أن حلّ بمعنى ستحل؛ أنها هي السورة أصلاً نزلت قبل الهجرة، وليست للنبي صلى الله عليه وسلم من انتصر ولا تمكن، لكن كل هذا أنت لا تحتاجه إذا اخترت التفسير الأول.
قال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ هما آدم وولده، كما قلنا، الصحيح أن «وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ» ليست نبياً معيناً، بل أقسم الله بمعاناة الآباء مع الأبناء. ولاحظ كلمة الوالد، يعني الآن الوالد من مرادفاتها ماذا؟ الأب، ما مرادفاتها أيضاً؟ حجة. المهم، لماذا اختار مفردة الوالد مش مفردة الأب؟ الوالد مأخوذة من الولادة، والولادة هي بحد ذاتها عناء، الولادة وما يتبعها، فلذلك اختار مفردة الوالد؛ لأنها هي بداية العناء، من لما حضرتك تجي تبدأ المعاناة معك، تربية وحفاظات وأجواء وقصص، فهي المعاناة تبدأ من هنا، والأبوة تبدأ بعد الولادة، أليس كذلك؟ يعني الأبوة هي بعد الولادة، فكأنه من لحظة الانطلاق وهي الولادة تبدأ معاناته معك.
قال: أو كل والد وولده، أو إبراهيم، وهذا الذي اختاره: كل والد وولده. التفسير الثاني أنه يعطيك عموم، مش آدم وإبراهيم بحد ذاتهم، هؤلاء نماذج، آدم عانى مع أولاده، وإبراهيم عانى مع أولاده، وكل نبي عانى، لكن أيضاً أنت تعاني وكلنا نعاني، فإذاً خليها على عمومها أفضل. قال: «ما» بمعنى «من» أو بمعنى الذي، لذلك قلت لكم «ما» لأنها لغير العاقل، فأنت بين خيارين: إما أن تقول إنه أطلق «ما» وأراد «من»؛ لأنه «من» هي للعقلاء فيكون التقدير ووالد ومن ولد، بس هنا تحتاج إلى نكتة؛ لماذا ما قال «ومن»؟ ليش قال «ما»؟ ابتداءً هي النكتة التي قلتها لكم: أنه بدل ما يقول «من» قال «ما» للدلالة على الإبهام المفيد للتعجب، وكان هذا الولد الذي سيأتي عجيب شأنه، كم يحتاج إلى معاناة! هذا الولد الذي سيأتي عجيب شأنه وعلاقتك معه أيها الوالد، كم يحتاج من المعاناة وكم تسهر من أجله وكم تتعب من أجل أن تراه يوماً من الأيام ناجحاً في حياته، فعبر بـ «ما» للدلالة على إبهام يفيد التعجب.
قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ جواب القسم، في كبد: مشقة، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. الكبد هذا فيها خلاف ما أصلها؟ قيل الكبد أصله من الكبد، ولذلك عادة العرب إذا أرادت أن تعبر عن مشقة في الحياة وكذا، أو حتى عن الطفل ماذا تقولون؟ أنتم «ذوات الأكباد»، لأنهم قالوا الكبد منه أُخذ الكبد، فالكبد هو عند العرب رمز العناء، فاشتقنا الذي أصبح يدل على كل معاناة سواء لها علاقة بالكبد ولا ما لها علاقة.
قال: وعن ذي النون: لم يزل مربوطاً بحبل القضاء، مدعواً إلى الائتمان والانتهاء. ذو النون هذا أحد علماء التصوف، ذو النون المصري. عبارات التصوف هذه: ما معنى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾؟ يقول ذو النون المصري: لم يزل مربوطاً بحبل القضاء، يعني أن حياتك مرتهنة بالقضاء والقدر، يعني محكوم بقانون القضاء والقدر؛ أنت تعرف شو ربنا كاتب لك؟ لا، فأنت مربوط بحبل القضاء، يعني حياتك محكومة بالقضاء والقدر، والقضاء قد يكون بما يسرك وقد يكون بما لا تحبه، فهذه جزء من المعاناة. قال: مدعواً إلى الائتمار والانتهاء، اللي هو الشريعة والتكاليف، الأمر والنهي، فالإنسان منذ خُلق هو خاضع لقانون القدر ولقانون الشرع، الشرع أمر ونهي وتكاليف، والقدر فيه خير وفيه شر، وهي عبارة حقيقة جيدة لأنها تدل على كلا الأمرين، بعض الصوفية هو يقف فقط عند القضاء والقدر ولا يأتي إلى مقام الشرع، لكن ذا النون المصري قال لا، هناك شرع وهناك قدر، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
قال: والضمير فيه ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ لبعض صناديد قريش الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد، ثم قيل هو أبو الأشد، وقيل الوليد بن المغيرة. طيب، بعد أن قررنا ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ومعاناة الإنسان، وأقول كل هذه لسة مقدمة لموضوع السورة، موضوع السورة عند ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، لكن هذه كلها مقدمات. بعد أن فهم الإنسان قانون الدنيا وأنه قائم على الكبد، الكبد الديني بالنسبة للمسلم، الكبد من جهة الدين والكبد من جهة الدنيا، ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ كبد ديني، ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ كبد دنيوي، قال سبحانه وتعالى هنا في نوع من الالتفات للمشركين الذين كانوا يوقعون المسلمين في الكبد الديني.
الآن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حلٌّ بهذا البلد مستحل الدم والعرض والمال، من الذي كان يعرضه لذلك؟ صناديد قريش وكفارها، أبو جهل وغيره لعنهم الله، هم الذين كانوا يعذبون النبي صلى الله عليه وسلم. فالله عز وجل هنا في التفاتة جميلة، التفاتة يعني كأنه يخاطب الآن جهة أخرى، يقول لهؤلاء الكفار، التفاتة سريعة: أتظن يا أيها الكافر الذي توقع المؤمنين في البلاء والشدائد وفي هذا الكبد أنني لا أراك وأنني لا أقدر عليك؟ ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾؟ هذا الكافر الذي يوقع المسلمين في المكابد الدينية ويجعلهم يتجرعون مرارات الألم بفقد الأحبة ومرار السجن ومرار العناء ومرار كثيرة، هذا الفاجر الله يوجه إليه الخطاب مباشرة، أيحسب هذا الفاجر الذي يوقع المؤمنين في الكبد أن لن يقدر عليه أحد؟
تظن أمريكا والصهيونية والفجار وأتباعهم وأذنابهم أن الله ليس قادراً عليهم؟ تظنون أن هذا الإمهال الذي أعطيه لكم لأنني لست قادراً على أن أبيد خضراءهم؟ لا والله، لكنني أبتلي المؤمنين بكم فقط، وإلا إذا جاءت ساعتكم والله لترون العجب. إذا جاءت ساعتكم من الله والله لترون العجب، أنتم فقط تتسلطون على المؤمنين حتى يبتلى المؤمن وأرى منهم الجهاد والمكابدة الدينية لأتخذ منهم شهداء، وليحص الله الذين آمنوا وأشياء كثيرة يريد الله أن تظهر، فيسلط الكافرين على المؤمنين، لكن الكلام الآن موجه للكافرين: إياك أن تظن أن إمهالي لك يعني أنني لست قادراً عليك. لعله يستيقظ، لعله إذا سمع القرآن يستيقظ.
﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾؟ وإن أمريكا بكل سطوتها وما معها خلاص خرقت الكون وخارجة عن التدابير الإلهية؟ كلا والله. ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ هي إذاً رسالة لبعض صناديد قريش الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد. ثم قيل هو أبو الأشد، يعني هو هذا الشخص، أنت فعلياً ما يهمنا هو أبو الأشد ولا أبو الوليد بن المغيرة ولا أبو جهل، بغض النظر من هو هذا الشخص.
قال: والمعنى أيظن هذا الصنديد القوي في قومه المضعف للمؤمنين أن لن تقوم قيامة ولن يقدر على الانتقام منه سبحانه؟ ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم وأنه يقول: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾، هذا الفاجر بكل تهكم وبكل غطرسة، دائماً أنا أحب إسقاط القرآن على واقعي؛ لأنه هو الذي يجب أن نتعايش معه. هؤلاء الفجار، أمريكا ومن معهم وأذنابهم، يقولون ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾، يعني صرفت مالاً كثيراً في محاربة الدين والدعوة، أهلكت مالاً، لبداً، لبداً يعني متراكماً، تجدهم يفتخرون بأموالهم الطائلة التي بذلوها في إنشاء المؤسسات لإفساد المجتمعات المسلمة، ولسجن المؤمنين، ولتعذيبهم، مالاً لبداً في صناعة القنابل والأسلحة والمتفجرات والطائرات، يريدون بها أن يصدوا عن دين الله سبحانه وتعالى، وأن يقفوا في وجه أهل الإيمان، ويفتخرون بذلك.
أهلكت مالاً لبداً، هكذا لسان الكافر يقول: هذا الكافر بذلنا أموالاً طائلة من أجل تدمير المؤمنين ومن أجل معاقبتهم ومن أجل إبادتهم، تبجح قوة، يظن نفسه خارج القضاء والقدر، خارج سطوة الإله. هذه حالة التبجح الموجودة اليوم عند الغرب، الله سبحانه وتعالى يقول لهم: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾؟ تعتقدون أنني لم أراكم وأنتم تبذلون هذه الأموال؟ والله لتحاسبون على كل أموالكم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾. كل هذه الأموال وكل هذه الأجهزة والطائرات ستكون، بل بإذن الله ستكون سبباً لدمارهم، وسيسلط الله عليها من المؤمنين من يستعملها لتدميرهم، هذا أملنا بالله، وكيف تأتي الأقدار العجيبة على خلاف ما هم يرسمون. هم يظنون أن كل ترسانتهم العسكرية التي يبنونها هي سلاحهم الذي سيبيدون به المشروع الإسلامي، لكن كونوا واثقين أن الله يراهم وهم يصنعونها، فلعلهم يصنعونها لكم لتستعملوها أنتم في يوم ما وتقع بين أيديكم وتكون ناراً عليهم، ثم تكون عليهم حسرة.
هذه عجائب القدر، لكن الله عز وجل يطمئن ويهدد، يطمئن المؤمنين أن كل ما يبذلونه لهم من أموال لمحاربة المشروع الإسلامي أنها برؤية الله، ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾، ويهدد الكافرين أن كل ما فعلتموه أيضاً كان تحت رؤيتي ومراقبتي وعلمي ومشاهدتي، فإياكم أن تظنوا أنكم تعجزون الله سبحانه وتعالى هرباً في السماء أو في الأرض.
قال: لبداً كثيرة جمع لبدة، وهو ما تلبد كثر واجتمع، الشيء المتلبد والمتراكم، تعرفوا كيف الدولارات تكون متراكمة فوق بعضها البعض؟ متلبد فوق متراكمه، هكذا طائلة الأموال.
قال: يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم الأخلاق، هو حملها على مكارم الأخلاق، وهذا أحد التفاسير أنه هم يقولون أهلكت مالاً لبداً، يعني غطرسته أنه أنا معي مصاري كثير وعملت أشياء كثير في حياتي، فعلت وسويت وأنشأت وبنيت أبراجاً وكذا، ويظن بنفسه المستعلي الذي يشعر بقوة الغنى أنه أنا غني، أنا ثري، الأموال في أيدينا، التكنولوجيا في أيدينا، نصنع ما نشاء ونفعل ما نشاء، أيضاً هذا من الأشياء التي يقولونها.
قال: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ حين كان ينفق ما ينفق رياءً وافتخاراً؟ يعني أن الله تعالى كان يراه وكان عليه رقيباً. هو شوف، النسفي نحى منحى الرياء والافتخار، معقول، لكن أنا أنحى منحى آخر، منحى أن هذه الأموال هي التي يصرفونها في مواجهة الدعوة ويبذلونها في القضاء على المؤمنين، والله يهددهم أنني رأيت كل هذه الأموال التي بُذلت للوقوف ضد المشروع الإسلامي وضد صحوة المسلمين والمشاريع التي أنفقوها بها، أجد هذا المعنى يتلاءم مع موضوع المكابد الدينية، أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأت السورة بالمكابد الدينية، ومن المكابد التي نعيشها إلى يومنا هذا أن الكفار يبذلون.
الأموال ليلاً ونهاراً من أجل أن نبقى في سبات، من أجل أن نبقى في الشبهات والشهوات. يبذلون كل مؤسساتهم من أجل هذا المشروع الذي تعيش الصهيونية العالمية عليه وتقتات عليه. أنقى الشباب المسلم منغمس في شهواته وشبهاته وفقره وتخلفه وإبعاده عن هويته ودينه، كل الأموال تتجه في هذا الاتجاه، أهلكوا أموالاً للبد فعلاً، والله يقول: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: 7]. أنا أرى كل مال دفع من أجل محاربة دين الله سبحانه وتعالى، أنتم من تتحدون بهذا الله؟ كل هذه الأموال صرفت لمواجهة الله، هذا هو الواقع، مسكين هذا الذي يقف في وجه الله.
أحسنت، هذا هو من المعاني التي ذكرها البعض، قلت لك المعنى معقول أن البعض زي ما تفضلت هو معنى شريف أن نشير إليه، ويمكن نحمل كلام النسفي عليه أن هو يبذل أمواله في مكارم الأخلاق، لكنه في نفس الوقت عم يواجه محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأشد أنواع الأذى. فهل بذل الأموال للمشاريع الإنسانية والحقوق ورعاية الأيتام وحقوق الإنسان والكلام بعدين بتثبيت أهل غزة، هل هذا سيشفع؟ أنت تقف ضد الإسلام وضد الله وضد المؤمنين وتحاول أن تغطي فشلك الأخلاقي والقيم بمشاريع حتى يقال: والله شوف أمريكا، والله يا أخي عندها إنسانية، بدربهم على القطط والكلاب، وعندهم مشاريع لحقوق المرأة وكذا وكذا، حتى يظن أن أمريكا رأس الحريات في العالم.
فالله عز وجل كأنه يقول لهم: لا تظنوا أن أموالكم التي بذلتموها في أوجه من أوجه الخير والمعروف الإنساني ستشفع لكم مقابل الذي فعلتموه بأذية المؤمنين واضطهادهم وانتهاك أعراضهم. لكن عبارة ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ بتخليني أميل للمعنى الأول، أن المال الذي بذل لمحاربة الدعوة وأن الله يقول: أنا شايف كل شيء عمل من أجل محاربة الدعوة ومطلع عليه، وكل شيء عنده بمقدار سبحانه وتعالى.
قال ثم ذكر نعمه عليه، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: 8] يبصر بهما المرئيات. الله سبحانه وتعالى هنا يخاطب هذا الإنسان عموماً، خاصة الإنسان الذي يريد أن يقف في وجه الدعوة، ولكن خليني أقول إنه يخاطب الإنسان عموماً لأنه كلنا داخلين تحت هذه القواعد. ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ والعين هي الأداة الأولى لإدخال المعرفة إلى العقل، صحيح فجل العلوم التي أنت تبنيها في حياتك تبنيها من خلال العينين التي تبصر بهما حياة الناس. نعم، السمع أيضاً أداة معرفية، لكن حتى أظن في العلوم الحديثة أن العين هي أكبر أداة لصناعة المعرفة في العقل، أن جل المدخلات تدخل من خلال العين. فالعين أداة البصر، منها تكون جل المدخلات التي تشكل أفكارك.
لذلك الطفل الصغير خلال ثلاث سنوات من عمره الأولى كيف يبني قواعد العقل الضرورية؟ هو بيحكي تمام، وحتى سمعه نوعاً ما بيسمع أشياء معينة، لكن هو يعتمد على المشاهدة، يرى كيف أبوه يفعل، كيف يمسك الكأس، كيف كذا، يرى قطرات الماء، يبدأ من خلال عينيه يفهم طبيعة هذه الدنيا التي خرج إليها، فتبدأ تتشكل عنده قواعد العقل الضرورية، يبدأ يفهم يعني إيش الواحد زائد واحد يساوي اثنين، وإيش يعني الكل أكبر من الجزء، بتلاقيه حتى بيحاول يدخل شيء جوا شيء لأنه هو العين هي الأداة الأساسية للرؤيا، فهي الأداة الأساسية للمعرفه كناقل معرفي. طبعاً هي ناقل معرفي، أنا لا أعتبرها هي مؤسس المعرفة، تتشكل في العقل، لكن ما يسمى هناك نواقل المعرفة اليوم في نظرية المعرفة هي أبرز نواقل المعرفة إلى الدماغ: العين.
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ﴾ فذكره بهذا المدخل الرئيسي للمعرفه، ثم قال: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: 9]. اللسان هو ماذا؟ هو مخرج للمعرفه. العين هي تدخل المعارف، واللسان هو الذي تعبر به، تخرج أنت المعارف وتعبر بها، لذلك في توازي هنا بين ما يدخل وما يخرج؛ عبر بالعين لأنها تدخل، وعبر باللسان لأنه يخرج، فأنت تدخل المعارف وتخرجها وتستطيع أن تعبر عنها، وهذه من أعظم نعم الله على الإنسان وعلى الكائن الذي يسمى إنساناً، بخلاف سائر الحيوانات أن الإنسان قادر أن يشكل معرفة ويدخرها ويطورها ويبني ويعبر عنها، هذه مش موجودة في الدواب ولا النباتات وما شابه ذلك من المخلوقات. إذاً ذكرنا الله بهذه النعم ومن منحنا إياها سبحانه، وشفتين يستر بهما ثغره، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب، والشفتان هي مع اللسان، إن بهما يتم الكلام.
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10] طريقي الخير والشر. هنا دعونا أنا أحب أن أقف مع العبارة واللفظ، ما هو النجد؟ في اللغة العربية ما هو النجد؟ أكيد سمعتم نجد في بلاد الحرمين، مش بيسموا الرياض نجد؟ كان ما هو النجد؟ لا، النجد ليس الطريق، أحسنت، أصل النجد هي الهضبة المرتفعة، المكان المرتفع. فالله يقول: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ يعني بينا له، النجدان هما الخير والشر. النجدان ما هما؟ أقول لك طريق الخير والشر، لكن كلمة طريق أنا بعتبرها كلمة هيك سريعة، لكنها ليست محققة، لماذا اختار الله؟ الله عز وجل عادة إذا أراد أن يعبر عن الطريق يعبر السبل هكذا، لا هنا لا اختيرت مفردة النجد، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ كان هناك تل عالٍ أنت ستصعد عليه لتصل إلى الخير، وهناك تلة أخرى عالية أنت ستصعد عليها للشر.
وهذا يؤكد ما بنينا عليه أول السورة، ما هو؟ أنه كلا الطريقين في كبد، حتى طريق الضلال في كبد. أنت تفكر أمريكا ولا الصهيونية ولا هذول مرتاحين؟ في كبد، المال ما بصنع سعادة، بقول لك يعني بعرف صحت هي العبارة بس المهم بقول لك يعني مش كل شيء مال يعني في الحياة. إنسان لما ينظر لحال الناس المرفّهة بفكر أنه المال خلص هو يصنع السعادة، انتهى هذا الرجل لأنه عنده فيلا وعنده كذا وكل شيء موفر، ومعقول هذا؟ والله بعضهم يكون في أحلى لحظاته الدنيوية أو كناحية الشيطان في إيهام أن طرق الضلال سهلة، بينما طريق الهداية هو الصعب، صح؟ أنت دائماً هيك بتفهم أنه أنا شو بدي دخلني مع المشايخ والتزام؟ طب خليني في حياتي، طب أنا هيني مبسوط. لا هو أنت عم تتوهم، الشيطان بيعمل لك مخادعة هنا، هو حتى طريق الضلال في كبد.
سماه الله نجداً، هو تلة وأنت ستصعد عليها وستعاني حتى تصل إلى الزنا، ستعاني حتى تصل إلى الربا، ستعاني حتى تصل إلى المحرمات، كما أنك تعاني حتى تصل إلى درب الخير والاستقامة والفضائل. كذلك الذي يريد المحرمات سيعاني، الآن بغض النظر ما منسوب المعاناة أنا مش الآن في طور تحديده، لكن الله سبحانه يخبرنا أن كليهما تلة وهضبة، وأنك ستحتاج أن تتعب حتى تصل إليه. فيقول: ﴿وَهَدَيْنَاهُ﴾ بمعنى بينا له، هي ليست هداية التوفيق، هي هداية البيان؛ يعني من خلال الوحي الإلهي ومن خلال الرسل والرسالات ومن خلال العلماء بين للناس هضبة الخير وآلية الوصول إليها والصعود إليها، وهضبة الشر وما سبيلها وكيف يمكن أن تصل إليها، وأنت بعد ذلك ستختار أي الهضبتين تريد أن تصعد.
طبعاً الهضبة من ميزاتها أنه لما تصل إلى آخرها بتصير مستوية وبتصير أنت خلص متعايش معها، بخلاف الجبل، الجبل عادة بكون ظله منعطف حاد إلى آخره، الهضبة أنت بتصعد ما تستقر على حالة. فطريق الهداية فيه صعوبة لكنك إذا استمررت حتى تصل تستقر وتتكيف معه وتتعايش، نفس الشيء طريق الضلال أنت رح تجد صعوبة وكبد، ثم ستصل وتستقر وتتعايش مع الحرام، وبصير عادي لك ممارسة المحرمات بكل أشكالها، فكان رأس الهضبة رأس النجد هو الذي يعني الاستقرار، سواء هنا أو هنا. لكن فرق هائل بين من يستقر على هضبة الإيمان وبين من يستقر على هضبة المعاصي والذنوب وتصبح هذه عادة، إذا اختيار النجدين هنا التفاتة عظيمة متناسبة مع موضوع السورة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، فالكبد أنت تصعد مكابدة سواء هنا أو هنا.
وهذا يعطيك ثقة أنه أنا طب خليني عاقل وأختار أطلع تلة الخير، ما دام هون في كبد وهون في كبد خليني أطلع هذه تلة الخير حتى أحصل الجنة في النهاية. لكن ذاك المسكين لا دنيا ولا آخرة، هو سيكابد في الدنيا ويحصل شيئاً من اللذائذ الحسية ثم بعد ذلك في نار جهنم، ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 20]. أنا سأكابد في الدنيا وسأحصل لذائذ، بس ربما مش حسية، لذائذ عقلية، لذة معرفة الله، لذة مشاعر الإيمان وحب الله وحب رسوله، هذه من لذائذ أعلى من اللذائذ الحسية. والكلام يطول بأقسام اللذات؛ هناك لذائذ حسية، وهناك لذائذ تسمى تخيلية إيهامية مثل لذة حب الافتخار وحب الجمهور، وفي لذائذ عقلية وهي لذة المعرفة، هذه أنواع اللذائذ، الإسلام يريد أن تحقق من كل واحدة منها ما يناسبك، ولكنه يريد أن يعطيك في النهاية الأعلى وهي اللذة المعرفية، معرفة الله ومعرفة الحق والاستقامه.
الكفار يريدونك أن تبقى فقط ضمن حدود اللذة الحسية، طعام، شراب، شهوة البطن والفرج. النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبه الإنسان أنه ما تضلك عايش فيها، حاول أن تفنن لذات في مربعات أخرى، إذا طلعت هذه الهضبة راح توصلها، يعني كان هضبة الإيمان ستوصلك في نهايتها إلى سقف أعلى من اللذائذ. الغرب ولا الإنسان الكافر عموماً يظهر في الغرب ولا في الشرق ويعيش مع مستوى لذائذ فقط حسي، يا إخوان جنس وطعام وشراب مال ودنيا، أنت الإسلام عم ينقلك لبعد آخر في اللذة، اللذة العقلية، لذة المعرفة والعلم، حتى عفواً حتى المسلم يعتد حتى بالمعارف التي يكتشفها في العالم هي لذة معرفة، مش ضروري معارف فقط مسائل الدين، لا حتى لذة الجيولوجيا تكون خبير في الأحياء، هذه نوع من المعارف تعمل لذة عند الإنسان.
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قيل الثديين، يعني هذا معنى ذكروه ولكنني لا أذهب إليه في معنى ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ يعني هدينا الطفل أن يرضع من ثديي أمه، وهنا الهداية ستكون معنى الإلهام، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي وألهمنا الطفل إلى النجدين، ولاحظ هنا أيضاً كلمة النجد تصلح للتعبير بها عن الثدي باعتباره أيضاً شيئاً يشبه الهضبة، بس من جانب آخر. فالفكرة أنه قال ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي ألهمنا الطفل كيفية التقام الثديين عند الرضاع، وهذا معنى صحيح، لكن هل هو معنى الآية هنا؟ أنا أعتقد أن معنى الآية أبعد من ذلك، يعني اعتقادي وأذهب إلى التفسير الأول.
قال الله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]، هي محور السورة بعد أن عرفك الله أنه طريق الخير فيه صعوبة وكبد وطريق الشر فيه صعوبة وكبد، ايش المطلوب مني أنا كإنسان أقرأ القرآن وأريد أن أتعلم رسالة الله؟ في رسالة مطلوبه أن تصل لك، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ المعنى الذي أختاره كما ذكره القفال وغيرهم، أنه ﴿فَلَا﴾ هي للحض والعرض بمعنى هلا، وليست للنفي، وإن كان النفي معنى آخر ذكره البعض، لكن أنت أحياناً تريد أن تعيش مع السورة فتحاول أن تربط معانيها. ما ذكره القفال أنه ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ يعني هل يا أيها الإنسان اقتحمت العقبة ودخلت في طريق الخير؟ الآن سيشرح لك شو طريق الخير، ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ﴾ [البلد: 13-14] وسيشرح لك إياه، لكن شوف بداية التعبير هلا اخترت المكابدة بالاتجاه الصحيح؟ هنا بدأت الرسالة تصل إليك.
لاحظوا إذا ﴿فَلَا﴾ بمعنى هلا، حض إلهي. ﴿اقْتَحَمَ﴾ شوف اختيار كلمة اقتحم التي حكينا عنها قبل شوي، لماذا عبر بالاقتحام؟ لماذا لم يقل هلا دخل العقبة؟ هلا مشى إلى العقبة؟ إيش بتشعر مع كلمة اقتحم؟ طاقة، قوة، صحيح، اقتحام كأنك تدفش الباب بكل جسدك وعم تدخل، ودائماً في طريق الخير الله يعلمنا الاقتحام ولا يعلمنا المشي البطيء. لذلك دائماً لما عبر عن طرق الخير في القرآن ايش؟ ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿وَسَابِقُوا إِلَىٰ جَنَّةٍ﴾ [الحديد: 21]، مش امشوا إلى جنة، لا، ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].
ولذلك ورد في الأثر كل شيء فيه تؤدة إلا الآخرة، كل شيء فيه تؤدة إلا أمر الآخرة، الآخرة فش فيها والله أصير مع الملتزمين ولا لا، خليني أفكر شوي، في لا هذه في فش في تفكير، طب ألبس الحجاب ولا ما ألبسه؟ خليني شوي بس آخذ فترة أفكر بس أقتنع بإذن الله، طريق الخير ليس هكذا. الله يعلمنا قاعدة أن طريق الخير اقتحام، ترمي حالك في طريق الخير، مش بهدوء تطرق الباب والسلام عليكم ادخل معكم ولا لا، هذا هنا لا يطلب منك هذا الأدب، بل يطلب منك أن تلقي نفسك في طريق الخير إلقاءً مع الصحبة الصالحة في البرامج النافعة، لأنك لما تكون في وسطهم أنت عم تحمي نفسك، أنت عم تنجح، لكن لما تقف هنيهات وتفكر هذا الخطأ الكبير التاريخي اللي يمكن ترتكبه في حياتك، إنه لما ترى طريق الخير الشيطان يحاول أن يصور لك طريق الخير أنه رح يمنعك من كثير من اللذائذ، رح تبطل تعمل كذا وكذا وأشياء أنت، فبحاول يصور لك طريق الخير أنه ماذا؟ تعب، إرهاق، يا أخي دروس دين وقعدات ومشايخ وذكر.
أنت في النهاية كواهله، أولى بي أن أعتبر حالي لسه ما دخلت طريق الدين، عم بنظر إليه من الخارج. عم بنظر إنه متعب، الآن قبل شوي بداية السورة شو بتقول لي؟ في كبد، وأقسم أصلاً بالمكابِد، بماذا؟ بالمكابد. بتقول لي في مكابدة دينية، وطريق الخير فيه أشياء كثيرة تخالف ما أهواه. فكثير من الناس يريد الدين بس لسه متردد، بتعرف هذه الشخصية اللي حابب يصير متدين بس لسه قدمه تراوح هنا وهنا: أدخل؟ ما أدخل؟ أصير أصلي في الجامع ولا ما أصلي؟ أصير أحضر مثلاً هذا البرنامج العلمي ولا ما أحضره؟ أتحجب ولا لا؟ ألبس النقاب ولا لا؟ خليني أفكر شوي.
تمام، لا بغض النظر مش ضروري يكون واجب، ممكن يكون مستحب، بس ليش ما تعمليه؟ لو كان مستحب ليش ما تعمليه؟ فبتصير فكرة كثير منا يريد أن يتئد في اتخاذ القرارات الدينية. ورسالة الله لي ولك ليس هذا مكان للتؤدة، وإنما الدين اقتحام: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]. اقتحم التدين اقتحاماً، طبعاً ليس مراد اقتحاماً بمعنى هنا إياك أن يذهب ذهنك إلى الهيجاء، لا، المراد بالاقتحام سرعة اتخاذ القرار. خليني أشبه لكم إياه؛ لنبدأ أول شيء بالصحابة في غزوة مؤتة، ماذا حصل؟ زيد اقتحم حتى قُتل، جعفر اقتحم حتى دخل فَقُتل، عبد الله بن رواحة شو صار معه؟ تلكأ هنيهة، اقتحم لما اقتحم، بعدين قرر القرار الصحيح، اقتحم، لكن جاء في الآثار أنه منزلته ليست كمنزل صاحبيه، ليه؟ لأنه الصاحبين اقتحموا بدون ما يفكروا، تلكأ هنيهة فحُسبت عليه.
يعني عدل الله، زيد ما تلكأ فيها، جعفر ما تلكأ، عبد الله بن رواحة عظيم وشهيد ما شاء الله، شهد له بالجنة، بس هي حتى تفهم أن الترددات في الحياة مش لصالحك. كل ما تتأخر في اقتحام طريق الخير أنت ما ستدفع الثمن، أنت من سخر عن ركب الصالحين، وبعدين في شيء مضمون؟ يعني عبد الله بن رواحة ربنا ساعده تردد بس دخل، أنت متأكد أنك إذا تلكأت هنيهة ستدخل؟ ممكن اللحظة التي تلكأت فيها هنا الشيطان يسيطر عليك، يقول لك: لا ما بديش أدخل في الالتزام، صعب، والله خايف من الضريبة، ما بديش أدخل. شوف إيش الشيطان يقول لك: خايف من إيش؟ من الضريبة؟ خايف إنه أشعر بالكبد؟ بتجيك أول السورة بتقول لك ليش؟ يعني مفكر إذا ظليتك برا ما فيش كبد؟ إحنا حكينا من البداية أنه كلا الطريقين كبد، حتى الطريق اللي أنت فيه، طريق المعاصي، هو كبد، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، حتى الضلالة كبد وإرهاق.
فهي رسالة إلهية لكل مسلم: اقتحم اقتحاماً، التدين ولا تتردد. أي شيء فيه خير وأنت قادر عليه، يعني إيش بيمنع الإنسان المسلم إنه يفعل بعض الأبواب؟ مش تردده إنه أفعل الدين ولا لا، ممكن إنه أنا منشغل ببرنامج آخر أنفع، يعني هذا اللي بيخليني أختار حقل دون حقل صحيح، أما أن يكون ترددي من جهة إني أفعل هذا الشيء الخير ولا ما أفعل خير أصلاً؟ لا، ما بينفعش، ارمِ حالك في الخير، واقتحم، الصحبة الصالحة، المجالس العلمية، الحجاب، الجلباب، تربية اللحية، الشغل الحلال، العمل، العمل الإسلامي، اقتحم مش تمشي تمشي. لذلك شوف الحديث: «من تقرب شبراً تقربت»، ربنا بده منك الخطوة الأولى والباقي تخافش بمشي، وإذا اقتحمت بعرف أحياناً برضه خطر بالي مثال لما كنا نعلم السباحة، الفاضي إيش بقول لك؟ إذا بدك بكر، ارمِ حالي في المي ولا لا؟ وعمرك بتعرف تسبح صح ولا لا؟ شوي بيعمل لك المدرب، روح بزتك، كف كذا، بتلاقي حالك جوا المي، بتلطش أوليتها صحيح، بتلطش لك شوي شوي بعدين شو بتصير؟ تتعلم السباحة.
وهذا الذي سيحصل معك، أنت بدك واحد يفشك أحياناً تدخل في معممة الملتزمين وتلطش لك شوي، تمام، شوية يا رب وكذا، وبدي أتخلص من الخواطر الرديئة، أوقف عادة سرية، بديش أطلع أفلام، بتحس حالك بدك تصير بعدين شوي شوي، إيه يعني صح أنا قبل ما أدخلها كنت شايف طريق التدين صعبة، كنت شايفها مليئة بالأشكال والتحديات، وكنت أقول شو بدي في هالشغلة كلها وسجون وكذا وملاحقات، بتم تلاقي حالك واحد زتك في البحر، شوي شوي بلشت، أنا ركز رح يكون في كبد، هي أصلاً الفكرة الأولى في السورة أنه في كبد، بس ستُحسن التعايش مع الكبد وتقبله، تتكيف معه باختصار، لكن هي محتاجة القرار الأولي، قرار إيش؟ الاقتحام. إذا اقتحمت، بقول لك، يعني مش هقول لك راح تقتحم راح تلاقي الورد أمامك، لا، راح تقتحم زي اللي راح يقتحم المي بلش يلطش فيها، وت هون تزبط معك، هون وكذا، وأنت بتعاني، وتذكر أنه ربنا أقسم بهي المعاناة إنه بحب يشوفك فيها وأنت حلب هذا البلد، يعني هو يعظم هذا الثبات الأسطوري اللي أنت بتفعله ضمن المعادلة الصعبة اللي حواليك، لكن مع كل هذا مطمئناً أنك مع الوقت ستستقر نفسياً وإيمانياً، وستُحسن التعامل مع كل هذه الأتعاب.
عادي جداً إنك تصير زي الشباب، ببلش مجلس يحضر معي ساعة، بصير يحضر ويقعد معي 10 ساعات، صح؟ لأنه هي بالبداية بتكون صعبة بس بعدين بصير الإنسان، بتفكر صلاة معينة، معقول أصلي 20 ركعة تراويح؟ بس يجربها مرتين ثلاث بصير عادي، يعني أنت ركز أكثر الأمور التي نتوقف عن دخولها هي توهيم الشيطان أن الأمر صعب، أكثر الأعمال الصالحة، دعوني أقول كلها، هو توهيم الشيطان. حتى قال بعض أهل العلم، برجع بقول القصة اللي حكيتها شويه عبد الله بن حرام، إحنا أصعب صورة عندنا ما هي؟ بذل النفس في سبيل الله، إنه أموت، أُقتل، هذا شوي صعب هذا القرار إني أتخذه. عبد الله بن حرام لما ذاق هذا القرار أتمنى يرجع له مرة ثانية، صحيح، عبد الله بن حرام والد جابر استُشهد في غزوة أحد، برجع بقول القصة، فلما قابله الله وسأله ماذا تتمنى يا عبدي؟ تمنى أن يعود إلى الدنيا فيُقتل مرة أخرى. شو اللي خلى عبد الله بن حرام يهون عليه مشهد القتل؟ جرب طعمه أول مرة، اقتحمه، فعرف أنه مش زي ما كنت أتصوره قبل ما أدخله، أنا كنت متخيل قتل وروح بتطلع وكذا، أنه شيء لا يمكن، فضيع، بس بعد مذاقه ورأى الكرامة اللي معه، قال لك لا، أنا مستعد أعود فأُقتل، ثم أعود فأُقتل، ثم أعود فأُقتل.
إذا ذكر ه الفكرة بس جيداً في حياتك، كثير من أبواب الخير الشيطان يهوّله أمامك ويصورها أنها مؤلمة، لكن صدقني إذا اقتحمتها اقتحاماً ستبدأ تتكيف معها، بالعكس تقول وين عني زمان؟ أنا كنت حارب نفسي من هذا الخير؟ ليه كان الشيطان مانعني أكون مع الملتزمين؟ كان الشيطان مصور لي الطريق أنه تعب وكذا، شو الالتزام وأمنيات هينا خلص عشناها، والدنيا ماشية، وهينا مبسوطين، وبناكل بنشرب، والحياة وقائمين بامر الله، وفي هناك لذائذ دينية. إذا هي يعني ما نقوله أن الالتزام قرار، التدين قرار، إذا أنت قررت اقتحم وتوكل على الله، وراح تتعلم السباحة، لا تخاف، ما تخاف من طريق الالتزام، وستبدأ مع الوقت تتكيف معه، ثم ستشعر بلذته، خاصة عندما تصعد إلى أعلى الهضبة، قلنا من يصل إلى الهضبة خلاص استقر، أصلاً بالعكس ستصبح تلتذ بالألم، أنت ستلتذ بالكبد اللي أنت فيه، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، صح، بس في واحد يلتذ بالألم، تمام، يلتذ، يشعر بلذة أنني أضحي في سبيل الله، فهو عرقان وتعبان أو سجن أو شيء من ذلك، بس أصبحت شهوة لذت، وهذه من رحمة الله سبحانه أنه حتى ولو كان هناك كبد على البدن، أنت سعيد من داخلك في قرارك اللي وصلت له، تمام.
حتى هي المنقبة والمحجبة هي سعيدة للقرار اللي وصلت له، مع أنه بجوز الناس اللي ما اقتحموا الحجاب أو الجلباب أو النقاب شو بينظروا إليها من الخارج؟ مسكينة، الله يعينها كيف حاطة النقاب بهي الطريقة، معقول بتتحمل الصيف؟ طب جربي بعدين نحكم، ماشي، بجوز أولتها بتعاني أنت من النقاب وكذا، لكن بعد شهر شهرين، هيهم عاشوا وماتوا نقاب، ماذا فيهم؟ مات يعني؟ لا، أخت لابسة نقاب أو أنها مغطي شعرها أو كذا، فدائماً علموا الناس طريق الخير مش تردد، طريق الخير اقتحام. طيب خليني آجي على الكلمة الثالثة، العقبة، ما هي العقبة؟ وربنا قال ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ مش حتى بيعة العقبة الأولى، وشو هي العقبة أصلاً؟ العقبة قالوا طريق بين جبلين ضيق، مليء بالمشاق والأتعاب، هذا العقبة من حيث الجيولوجيا والجغرافيا، تمام، ما هي طريق في الجبل أو بين جبلين يكون ضيق، مليء بالأتعاب، وهكذا طريق التدين عندما يريك إياه الشيطان من الخارج. أنت لما تدخل طريق التدين أنت كيف تراه قبل ما تتدين؟ من الخارج مشاق، أتعاب، صعوبات، تحديات، غض بصر، عدم الدخول في أشياء محرمة، كذا بدي أعاني، إطلاق لحية، يعني أشكال كثيرة أنت قبل ما تدخل هو هكذا ستراه، ماذا؟ طريقاً وعراً كأنه بين جبلين، مليء بالمخاطر ومحفوف بالأشكال.
وأنا مش عم بقول لك لا، إنه الطريق لما تدخله راح تلاقيه ورود، لا، هو طريق فيه وعورة، وإحنا متفقين، ربنا سماه إيش؟ عقبة، مش ربنا بقول لك يا أخي ادخل هي العقبة، ادخل هذا الطريق، صدقني ستتكيف معه، وسترى الأشياء الجميلة في داخله، وإن كان في ظاهره العام هو عقبة، يعني هو طريق فيه صعوبة وفي وعورة وفي صخور وفي منحدرات وفي أماكن خطيرة، بس في النهاية ادخلوه، لازم تدخلوا. طيب إذا ما دخلتوه؟ يا رب ما بدي أدخله، ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾، تدخل النار، فش يعني أنت باختصار أنت لا تملك خيارات أخرى، أنت لا تملك خيارات أخرى، يعني فيش حل يا رب إنه مش نار مؤصدة بس ما اقتحم العقبة؟ لا، هيك ربنا بقول لك، هذه معنى أن تتدبر القرآن أن تفهم ربنا شو بقول لك، يا إما تقتحم العقبة وتدخلها، يا إما ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ رح تدخل نار مؤصدة، بتتمنى مقابل آخر يا ريتني دخلت العقبة. وركز، هي العقبة الشيطان يريك إياها من الخارج أنها متعبة، لما تدخل فيها رح تلاقي تعب، بس سيكون هذا التعب ممزوج بلذة معرفة الله وحلاوة الطاعات، كما دلت على ذلك الأحاديث والآثار، وما دل على ذلك الواقع من ثبات الصحابة الكرام والمجاهدين الأبطال وكل ما قدم مسطر.
طب هذول مش دخلوا الأهوال؟ لكنهم في النهاية شعروا باللذة، في قصة أصحاب البروج، لما فعل النار حتى يلقى الناس فيها ويقتحموها، آخر شيء مين كانت المرأة اللي معها طفلها؟ صحيح ترددت أنها ترجع تكفر عشان تحمي نفسها ولا تقتحم ها النار؟ ها النار كانت لها الجنة، ها النار طفلها قال: اثبتي فإنك على الحق يا أمة، ألقت نفسها في النار. أنت الآن من الخارج سترى جسد يحترق، لكنها الآن وهي تحترق أمامك هي في داخلها في جنة، هي في جنة لأنه هي خطوة الخطوة اللي بدها إياها ربنا، اقتحمت العقبة، دخلت هذا المخاض الصعب. أعود فأقول إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياء، دائماً الشيطان بخوفك طريق الخير، دائماً بخوفك طريق الشهادة، دائماً بخوفك طريق، ويريه إيانا أنه ماذا؟ أنه شيء مهول ولا يمكن استحماله كذا، لكن من يعيش ويتجرع هو قد يكون، يعني مش قد، للتحقيق هو سعيد في داخله، بس أنت الشيطان مأثر على دماغك، فهو يُخيّل إليك أنه ماذا؟ شو اللي يوديك في ها الورطات؟ بس من صدق وثبت سيعرف أنه هذه هي سعادة، ذاك الشخص وهو يقاتل وهو يستشهد وهو يبذل روحه وموجع بس أنت مش واصل لهي الدرجة من اليقين، أنت ما اقتحمت ه العقبة، فأنت عم تشوفها من الخارج بس، لكن لو اقتحمتها وعشتها ورأيت من الداخل سترى أنه أنا كنت مهول الأمور، الأمور مش بهذه الصورة، والشيطان يحب أن يبالغ دائماً أنه لما هو يهوّل لك الأمور أنت رح تظلك خايف ولن تقتحم ه العقبة، ولن تدخل في هذا المخاض الصعب.
طيب نكمل قراءة شيخ التفسير، نعم اقرأ التفسير، الآن لا الآية اللي بعديها ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، آه، شوف هذه عظيمة الآية في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: 12] كان الله سبحانه وتعالى يُعلي قيمة الثبات على الدين، صحيح؟ لما يقول لك الآن ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، قلنا وما أدراك ما القارعة، هذا الاستفهام ما المراد منه؟ التهويل، صحيح؟ نفس الشيء ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾، ما المراد؟ تهويل، نفس البعد بدك تفهمه الآن، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ الله يأمرك أن تقتحم اقتحاماً طريق الخير، ثم يقول ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، ما أدراك ما طريق الخير؟ هو يعظم في عينك، يقول لك ما أجر، يعني هذه عظمة، طريق عظيم، طريق شريف، بُذلت من أجله الأرواح والدماء، وقُتل من أجله، وثبت عليه الخيار والأفاضل، ودعا إليه الأنبياء والصالحون، وصرفت من أجله الساعات والأوقات، وما أدراك ما هي؟ يعني كأنك جاهل، كأن الله يقول لك: لو تكلمت لك، ما تكلمت لك عن هذه العقبة التي أنت تخشى من دخولها، لو تكلمت لك عن عظمتها وعن جلالتها وعن قيمتها عند الله لما ترددت في اقتحامها.
شوف ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ولاحظ بقي يسميها عقبة سبحانه، صحيح، حتى تفهمها لأنها فيها تحديات، بس أنت لا تعرف كم فيها من الذخائر وكم فيها من النعيم وكم ينتظر أصحابها بعد ذلك من الخير المقيم. إذاً وما أدراك ما العقبة، استفهام في مكانه عظيم، المقصود منه تعظيم ه العقبة التي.
تمثل الدين تمامًا، لأن هذا طريق الدين هو طريق فيه تحديات وعقبات وصعوبات، لكن مطلوب مني أقول لك: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: 12]؟ هذا شيء عظيم كأن النص لا يستوعب وصف جماله فاكتفى بالاستفهام التعجبي عنه. أنت مسكين يا أيها الإنسان الذي لا يزال واقفًا من الخارج، عم تفكر تقتحم العقبة ولا لا؟ مسكين؛ لأنك لو عرفت ما في داخلها لدخلت بكل أعضائك، لكن ترددك ناتج عن ماذا؟ أنت لسه مش عارفها. والله لو اقتحمتها بهذه العقبة لم ترد الخروج منها على ما فيها، يعني هي، مع أن اسمها عقبة بس أنت راح تحب تضلك عايش فيها، ستجد فيها من الأنس والراحة والسكينة.
تجد قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 13-16]. الله سبحانه وتعالى يعلمنا أمورًا، يرشدنا إلى أمور هي بها تقتحم هذه العقبات، وتساعدك على اقتحامها. ونلاحظ أن هنا الأمور التي كلم الله سبحانه وتعالى عنها أمور من قبيل النفع المتعدي؛ أفعال وطاعات هي من قبيل النفع المتعدي الذي لا تقف فيه عند حدود نفسك، بل يتعدى نفعك إلى الآخرين.
فبدأ أولًا بماذا؟ قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، والرقبة هي العبيد، وهذا الخطاب كان مهمًا جدًا للصحابة في مكة في تلك الفترة؛ أن كثيرًا من الصحابة الذين كانوا يعذبون كانوا من العبيد، فكان الله عز وجل أعلى تلك القيمة في ذاك الموقف، وأنت تقيس عليها أي نفع متعدٍ في واقعك؛ لأن البعض يقول: لماذا ذكر الله فك الرقبة؟ طب ألا يوجد أعمال أخرى نفعها متعدٍ؟ أحيانًا بعض الآيات نزلت لتعالج الظرف هناك. كان النفع المتعدي في الظرف الأول أعظم شيء هو ما فعله أبو بكر الصديق لما كان يشتري تلك الرقاب ويعتق، فكان الله يقول لهم: من أعظم صور الاقتحام لهذه العقبات هو أولًا أن تقوموا بفك رقاب هؤلاء المستضعفين من العبيد الذين يعذبون في أراضي مكة كبلال وغيرهم، أعظم شيء تفعلونه مش أنك تروح تصلي وحدك، مش أنك تروح تصوم وحدك؛ هي عبادات عظيمة لكن نفعها قاصر، لا، أعظم شيء حتى تدخل هذه العقبات وتقتحم، أن تسعى في أفعال خيرة للناس، أفعال يتعدى نفعها إلى الآخرين.
لأنه هنا الله سبحانه وتعالى يعينك في اقتحام العقبات والثبات في هذا الاقتحام لأنك أعنت غيرك، والجزاء من جنس العمل. نحن الآن أنت لما تفكر في اقتحام العقبة إيش أكثر شيء بيخوفك؟ أنه ما تثبت، صحيح؟ والله عز وجل يعلمنا قاعدة أن الجزاء من جنس العمل، إذا ساعدت غيرك وأعنتهم فإن الله سيساعدك وأنت تقتحم هذه العقبة جزاءً وفاقًا، والجزاء من جنس العمل؛ ساعد غيره وأعانه الله يعينه ولا يتركه، «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، «ومن ستر مسلما ستره الله». إذا هي هذه المعادلة، أنت تبحث عن هذا السؤال الذي سيرد على ذهنك، ربنا بيقول لي اقتحم العقبة، أكثر شيء بيخوفني أنه إني ما أستطيع الثبات فيها، صح؟ يعني هذا أكثر سؤال، إني خايف إني أرجع أنتكس وأخرج من هذه العقبة، الله يقول لك بدك أعمال صالحة تعينك.
يعني شوف ربنا بيعطيك كل شيء، بيقول لك العقبة لازم تدخلها والحياة فيها كبد، طب يا رب العقبة أنا خايف أدخلها لأنه فيها بلاء، خايف ما أثبت، بدك شيء يعينك؟ بيعطيك المساعدة؛ أفعال الخير التي تعم المجتمع من أكثر الأمور التي تعينك على الثبات في هذه العقبات. ركز، العمل الذي يتعدى نفعه إلى الآخرين، فك رقبة نموذج وقس عليه، طبعًا فهمت علي، بعض الناس يقف عند فك الرقبة بالتحديد، بيقول لك شيخ اليوم ما فيش عبيد، وين فك رقبة؟ أنت عندك فكر ببعد أعلى في الآية، ربما فك الرقبة كان يناسب ظرف الصحابة، لكن أنت الآن أي إنسان واقع في كرب فك كربته أنت فكيت رقبة، أي إنسان في كرب لما تفك كربته أنت فكيت رقبة، وأعنت إنسانًا قد يكون استعبده الناس وإن لم يكن الاستعباد على طريقة المتقدمين، لكنه مذلول بسبب دين كسر عنقه أو بسبب بلاء وقع فيه، واحد بتزوج وزوجته من خانقته، تقدر أنت برضو تساعد وتخفف عنه بعض الأمور، ممتاز.
قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، أيضًا من الأمور التطوعية ما هو؟ ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 13-16]. فالله سبحانه وتعالى يقول أيضًا من أوجه الخير التي تجعلك تثبت في هذا الطريق: أن تطعم في يوم ذي مسغبة، المسغبة هي المجاعة، ولاحظ أن الله وصف اليوم بأنه ﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، يعني حالة مجاعة، عندما يكون الناس في حالة مجاعة وأنت تخرج من قوتك وقوت عيالك لتشارك أخاك المسلم، هذه أيضًا من مثبتات الطريق. ولاحظ لماذا ركز الله على هذه الحيثية؛ الآن لما تكون أنت تعطي وأنت في حالة غنى سهلة نوعًا ما، بس لما يكون إطعام في يوم ذي مسغبة، اليوم كله مجاعة، ويكون أنت عندك شوية قوت، قوت عيالك وخايف بسبب المجاعة العامة، لكن تخرج من قوتك وتعطي العائلة اللي بجانبك، هي تضحية وتفكير بالناس من حولك يعلي الله عز وجل قيمتها أن يعينك على الثبات.
فركز، كثير من الناس تفكر في الإنفاق في حالة الرخاء، لا، هنا الله يعلي قيمة أخرى: الإنفاق في حال الشدة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، وتكون أنت دوبك مجمع شوي لعائلتك حتى تنتهي المجاعة ومع ذلك تفكر بجارك أو تفكر بإنسان قريب منك، يتيما ذا مقربة بتفكر أنك تساعده في هذا اليوم وتعينه، ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، العرب إذا أرادت أن تعبر عن الفقر الشديد تعبر عن الفقر الشديد بأن صاحبه التصق بالتراب؛ يعني ما معه ولا حاجة على الصفر، فيقول: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ يعني التصق بالتراب ما معه شيء، أنك تفكر بالناس اللي حواليك.
شوف هذا البعد، وهذا ما تحصره فقط في الإطعام يا شباب، يعني هنا بتتكلم عن الإطعام لكن أنا سأعطي قاعدة عامة: الذي يفكر بمن حوله وهو مبتلى ليس كمن يفكر بمن حوله وهو في سعة، متفقين على هذا الكلام؟ لما تفكر في الناس اللي حواليك وأنت معهم في شدة البلاء ليس كمن يفكر بالناس بمن حوله وهو أصلًا مرتاح، يعني هو إيده في النار وإيده في المي، صحيح؟ نعطي حال مثلًا إخواننا في غزة، لما يكون إنسان هو أصلًا في الحرب والقصف وهو تحت الحرب والقصف وما بيعرف متى تنتهي الحرب، ومع ذلك يفكر بجاره ويطعمه، مش زي أنا وإياك لما نرسل مساعدات واحنا مبسوطين ما عندنا حرب أو معركة، فرق هائل بين من يعطي وهو في داخل الحرب ومن يعطي وهو آمن جالس في بيته عنده طعامه وشرابه وما عنده حالة الحرب أو هاجس الحرب حاضر أمامه. فلذلك يقدر الله هذه المواقف، الله سبحانه وتعالى لا ينسى هذا الموقف، موقف وأنت في رحم بلاء وحالة عامة أعطيت أخوك مع أنك أنت برضه في نفس الظرف وفي نفس الواقعة، فلذلك بغض النظر هو إطعام أو أي عمل آخر، لكن تذكر أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، تذكر أن العمل اللي بتقدمه للآخرين هو سبب في ثباتك، ممكن أنت تعلم شخص كتابة، ممكن تعلم شخص كلمة خير، تعلمه، ترى ما بجوز ما بتعرف، بجوز هي هي الحسنة اللي ثبتك ربنا فيها.
في يوم من الأيام مع معاصيك وذنوبك أنت لما تقتحم العقبة ستكون عندك أخطاء وذنوب وخطايا، أنت تحتاج إلى أدوات الثبات، وسورة البلد تعلمنا أن أعظم أدوات الثبات صنائع المعروف للآخرين، ما الصلاة ثبات؟ الصوم ثبات؟ القرآن ثبات؟ بالتأكيد، وهذا يعلمنا في سياقات أخرى، لكن هنا الله أعلى من قيمة النفع المتعدي ومساعدة الآخرين، وهذا هو الإسلام العظيم الذي لا يجعل الإنسان فقط يهتم بنفسه بل يجعله يفكر بمن حوله.
قال: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17]. لاحظ لماذا قال ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ طب البعض يقول: يعني أنا فكيت رقبة وأطعمت في يوم ذي مسغبة وأنا لسه مش مؤمن؟ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا معنى ثم؟ الآن ثم في اللغة العربية في العادة تدل على الترتيب والتراخي، جاء محمد ثم عمر، هل معنى هذه الآية ثم كان من الذين آمنوا أن هو أولًا أطعم في يوم ذي مسغبة وفك رقبة ثم آمن وأصبح من الذين آمنوا؟ طب ما هو هي قال لك ثم كان ثم كان.
أه، الآن ثم أحيانًا يا إخواني تأتي للترتيب الزمني وأحيانًا تأتي للترتيب الذكري، الترتيب الذكري هذا مختلف عن الترتيب الزمني، المراد بالترتيب الذكري هو الترتيب في المراتب، وهذا مراد في النص القرآني، كأنه يقول: أنت يا أيها المؤمن سابقًا إذا ساعدت الناس على النفع المتعدي ووقفت مع الناس في مضائق في أوقات الشدة ستصل إلى درجة الإيمان التام الكامل، وهو الاستقرار فوق الهضبة؛ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المراد هنا ليس حصول أصل الإيمان، وإنما المراد ثم كان من الذين آمنوا أي استقرار الإيمان، فكأنك اقتحمت العقبة وبدأت تفعل أفعالًا تطوعية وأشياء تخدم بها الناس تثبتهم وتثبت نفسك، هذه الأمور هي التي ستجعلك تصبح مع الوقت من المؤمنين المستقرين في الإيمان.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]، فأصل الإيمان لا بد أنه حاضر ابتداءً وإلا لن يتقبل الله منك شيئًا، لكن هنا الإيمان المطلوب هو رتبة معينة من الإيمان، أنت تحاول الوصول إلى هذه الرتبة وهي رتبة الاستقرار داخل العقبة، فكأنه قال: ثم كان، وكان الذي يظهر لأن معنى صار كان في اللغة من إحدى معانيها صار، يعني ثم صار من الذين آمنوا، وهذه الصيرورة لا تعني أنه أصل الإيمان ما كان معك ابتداءً، لكن هنا نتكلم عن حالة ماذا؟ استقرار الإيمان، ثم كان يعني ثم صار من الذين آمنوا واستقر من الذين آمنوا استقر إيمانه لأنه أعان إخوانه.
ولما استقر، ولاحظ هنا استقراره في الإيمان ما جعله فقط يفكر بنفسه، لا هو عنده هاجس -وهذه خصلة تعليها الشريعة- لا يفكر بنفسه فقط، يفكر بمن حوله، استقر إيمانيًا وبقي يوصي من حوله، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على العقبة؛ لأن العقبة زي ما حكينا ضيقة، فكان يوصي إخوانه وهم يمشون معه في العقبة: يلا يا شباب بدنا نصبر، هذه نفسية عالية أن بعض الناس يكون ماشي بس يفكر بحاله، اسح عني أنا بدي أفكر بحالي ما حدا يمشي معي، يعني دوبي أنا ساتر حالي. وفي بعض الناس نفسيتهم قوية، لا، حتى وهو في رحم البلاء تلاقي همته عالية: يلا شباب بدنا نثبت، بدنا نصبر، هؤلاء هم الكبار. يعني ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ استقر إيمانيًا و تواصى مع إخوانه وهم يمشون في العقبة بالصبر، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، الرحمة لمن في العقبة والرحمة لمن كان في خارج العقبة.
وهي ركزوا فيها يا إخواني، الإنسان المتدين حقًا يرحم أهل المعاصي، ليه؟ لأنه يتذكر نفسه في يوم من الأيام لما كان واقف بره العقبة وخايف يدخلها، يتذكر مشاعره فهو فاهم أن الناس اللي لسه ما تدينت وبتعمل معاصي هي ما زالت ترى هذه العقبة كما يريها الشيطان متعبة مؤلمة، فمش قادرين يتخذوا هذا القرار، هو راحم من عدة جهات، راحم لأنه بيعرف أنهم هم مش شايفين اللي أنا شايفه من الخير؛ يعني صح أنا في عقبات، بس والله هذه العقبة وما أدراك ما العقبة مليئة بالخيرات والذخائر اللي لا تظهر لمن ينظر من الخارج، بل لا تظهر إلا لمن أصبح يسير فيها يرى الأشياء الجميلة، فأنت ترحم الذي في الخارج أنه هو ما زال يرى العقبة أنها مخيفة وأنه لا يرى الخير الذي أنت تراه في داخل هذه العقبة، وتعرف أن هذا المسكين إذا ظله بره رح يروح على نار موصدة، ففي أشياء كثيرة تقتضي من الداعي إلى الله وأصحاب النفوس الكبيرة أن يرحموا أهل المعاصي والذنوب.
صحيح، المؤمن إيمانه لا يجعله يستحقر أهل الذنوب والمعاصي، تجعله ماذا؟ يرحمهم، طبعًا يرحمه مش معنى أنه ما راح ينكر عليه، وإذا واجهني ما راح أواجهه بس بضلني أنظر له مسكين، أنا عارف الشيطان مصور لك الالتزام غلط وأنت ما زلت خايف، وأنه أنت مش شايف اللي أنا فيه وأنت مش عارف شو نهاية طريقك، مشكلتك إذا ضليت بره العقبة، ﴿نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 20]، ما تفكر أنك في درب السلامة.
إذا هي المرحمة، ولاحظ هنا قال العلماء لماذا أتى بوزن مرحمة؟ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، والآن سياتي ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة على وزن مفعله، أو مسكينا ذا متربة على وزن مفعله، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة على وزن مفعله. طب ليش الآن وزن مفعله صار يأتي؟ قالوا وزن مفعله في علم الصرف يدل على قوة واستمرارية؛ يعني في نوع من القوة، مش زي رحمة، لا مرحمة أعلى من رحمة، متربة أعلى من تربة، مقربة أعلى من قرابة، يعني مقربة كأنه قرابة قوية، متربة قمة الفقر، مرحمة قمة الرحمة، فهي وزن صرفي يدل على ماذا؟ على القوة في الشيء والاستمرارية.
عليه، فلما يقول لك مرحمة يعني هم مش يرحمون الناس بل هم في أعلى درجات رحمتهم بالناس. ثم طب هؤلاء من هم؟ قال أولئك. الآن خلصنا مشهدهم في الدنيا، مشهدهم في الآخرة أولئك أصحاب الميمنة؛ هو في الدنيا دخل العقبة اقتحمها، أخذ بوسائل الثبات فيها، ضحى حتى وصل إلى السعادة الأبدية حيث الجنة؛ الجنة التي لا يوجد فيها لا عقبات ولا كبد ولا شيء مما بدأنا به السورة. وصل إلى أصحاب اليمين، ممكن يكون أيضاً من المقربين المقربين.
أما اللي ما قرر يدخل في هذه العقبة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [البلد: 19]. ولاحظ برضه وزن مشأمة وميمنة؛ اليمن والمشأمة أو المشأمة هنا يدل على الشؤم، أعلى درجات الشؤم في حياتك أنك ما دخلت العقبة. طب ايش نتيجتهم هؤلاء اللي في أعلى درجات الشؤم؟ ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: 20]. شوف الختام المرعب، سأغلق عليهم نار جهنم. هو ما بده يقتحم عقبة في الدنيا، أنا بورجيه في الآخرة سأغلق عليه؛ مش سيدخل جهنم بس، إنه حتى لو دخل جهنم بس الأبواب مفتوحة ممكن تفكر تطلع، لا قال عليهم نار مؤصدة؛ سأغلق عليهم.
العقبة التي كانت في الدنيا أنت قدرت تطلع منها، صحيح لما متت خلص طلعت ودخلت الجنة؛ فكانت عقبة مدة محدودة وطريق بين جبل، ثم في نهاية الجبل أنت وصلت وخلصت. لكن المشكلة اللي ما قرر يقتحم العقبة، ما راح يدخل عقبة ثانية في نار جهنم، لا، سيدخل نار مؤصدة لن يخرج منها أبداً والعياذ بالله.
فهنا أنت كأن الله يضع لك الآن الموضوع بين يديك، أعطيتك القضية كاملة وأنت بدك تختار؛ يا تقتحم عقبة الدنيا وتأخذ المثبتات المناسبة، تستعين بالله، ورح تتعلم السباحة لا تخاف، وراح تمشي لا تخلي الشيطان يردد، لا تبقى خارج الدائرة مع تخوفات الشيطان. ظليت متردد وعايش مع أوهامك ما بدك تلتزم، ما بدك طريق الاستقامة، للأسف نار مؤصدة. والإنسان العاقل يختار التعب اليسير الممزوج باللذاذة.
الآخرة لا، هو ربنا بقول لك طريق المعاصي حتى في الدنيا تعب، وفي الآخرة نار مؤصدة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على فهم كتابه وتدبره، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل